رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل التاسع
وقد قيل:
إن اخاك الحق من كان معك..
ومن يضر نفسه لينفعك..
ومن إذا رِيبَ زمانٌ صدعك..
شتَّت فيه شمله ليجمعك..
" ليس مهم كم من وقت اختصمنا, وكم تعادينا, وكيف تفننا في محاربة بعضنا, المهم إننا عودنا, كما كنا.. أخوة, ولن نفرط في علاقتنا مرة أخرى, فلعلّ الخِصام أشعرنا بمعنى العلاقة وقيمتها"
"ناهد خالد"
ملامح "شاهين" لم تحفزه ابدًا لتكملة التوضيح, فزفر نفس قوي وقال منهيًا الحديث:
-انا وهي بنحب بعض وناوي اتجوزها.
بقت ملامحه كما هي تمامًا, بشكل جعل "مازن" يقلق وهو يسأله:
-انتَ ساكت ليه؟ مش موافق؟
واتسعت عيناه صدمة حين صدرت من "شاهين" ضحكة قوية يسمعها لأول مرة في موقف لا يحتمل الضحك!!!
ظل يطالعه بدهشة وهو لم يتوقف عن الضحك, وسأله في ضيق:
-انتَ بتضحك ليه؟ مش موافق قول, لكن بلاش الاستهزاء ده!
توقف عن الضحك يسأله في جدية:
-ولو قولت مش موافق مش هتتجوزها؟
صمت "مازن" لبعض الوقت وكأنه يفكر جيدًا حتى رد بعدها بما جعل "شاهين" يبتسم:
-مش هتجوزها, عشان وقتها جوازي منها معناه إن علاقتنا هترجع تنقطع, وانا معنديش استعداد ده يحصل تاني.
وشعر حينها أن "مازن" قد عاد لنسخته القديمة, الأخ الذي لا يفعل شيء لا يرضى عنه كبيرهُ حتى وإن كانت روحه فيه, الشخص الذي يمكنه التخلي عن كل شيء في سبيل الحفاظ على علاقته بأخيه, وهذا ما جعله يبتسم في فرحة داخلية لم ينكرها, وقال بنفس الابتسامة:
-انا بضحك على سذاجتك يا ضابط يا أهبل, انتَ فاكر يالاه اني معرفش برجوع ليلى! انا عرفت من اول يوم قابلتها فيه, وعارف إنكوا متواصلين وكنت منتظر اليوم اللي هتقولي فيه هتجوزها.
هز "مازن" رأسه بعدم استيعاب وقال:
-ازاي؟ انا كنت حريص اهرب من جواسيسك اللي معينهم عليا طول مقابلاتي ليها!
رد "شاهين" بمكر:
-وهم كانوا بيوهموك إنك نجحت, لكن لو كنت نجحت فعلاً كان زماني قطعت رقبتهم, معنديش رجالة تتغفل.
ابتسم "مازن" ساخرًا:
-وانا اللي كنت فاكر إني فاهمك وقافش حركاتك وسابقك بخطوة.
-مش بقولك ضابط اهبل!
نهض واقفًا واتجه له بخطوتين فنهض "مازن" يوازيه في استغراب تحول لابتسامة واسعة تحت صدمته حين احتضنه "شاهين" في هدوء مرددًا:
-مبروك, خليك واثق إن ليلى صفحة واتقفلت في حياتي, وهتبقى مرات اخويا وبس.
وكأنه قد قرأ حيرته وتردده فاراد أن يطمئنه, شدد "مازن" على احتضانه وقال:
-مبروك ليك انتَ كمان, انا واثق فيك مش محتاج تقول.
ابتعد "شاهين" عنه يقول بمرح لم يزوره منذُ فترة طويلة:
-طب وسع بقى لحد يشوفنا كده نتفهم غلط.
ضحك "مازن" بقوة وهو ينظر له يتحرك دالفًا للفيلا فاتبعه ليخلد للنوم هو الآخر فغدًا يوم طويل.
------------------
اليوم التالي...
اتجهت لمحل الورد التي كانت تعمل فيه لتعتذر لصاحبه عن استكمال العمل, وبالكاد اقتنع "شاهين" بالأمس ان يتركهم كي ينهوا بعض الأعمال على أن يأتي السائق ليأخذهم في العاشرة صباح اليوم.
وقفت بحيرة وقلق حين دلف للمحل رجل ذو مظهر غريب, يرتدى سروال قماشي اسود وقميص ومعطف بني اللون وقبعة غريبة تغطي نصف وجهه, ويستند على عكاز مطلي بلون ذهبي ورأسه على شكل أفعى, وجدته يقف أمامها يقول بصوت هامس لها كي لا يسمعهما صاحب المحل الذي يجلس منشغلاً في بعض الورود بعيدًا:
-ازيك يا انسه فيروز؟
قطبت ما بين حاجبيها تعجبًا وسألته فورًا:
-انتَ تعرفني؟
-طبعًا اعرفك, وجايلك مخصوص.
ابتلعت ريقها بقلق وهي تشعر أن القادم ليس جيدًا:
-خير؟
ولم يكن خيرًا ابدًا, حين نطق مباشرًة كأنه يأمرها وليس جاء ليعرض وينتظر الرد:
-شاهين المنشاوي, انا عارف قصتك معاه من أولها لأخرها, جايلك عشان تعيدي الامجاد معاه, وتعملي نفس اللي عملتيه مع مازن, مع اختلاف بسيط, انا مش هطلب منك تجسس واوراق والهبل ده, انا هطلب طلبات تانية, سهلة, ومفيهاش خطورة ليكِ, المهم ترجعي عنده تاني, وإن كان على المقابل... فانا مستعد من مليون ل50.
ابتسمت في توتر بالغ:
-لا, حضرتك فاهم غلط, انا بعدت عنه من زمان ومش هينفع ارجعله تاني بأي شكل, اسفه مش هقدر.
هي من الأساس لا ترى سوى نصف أنفه وفمه الذي ابتسم الآن وهو يقول في هدوء خطر:
-انا مش بطلب منك, ولا بخيرك, انا بقولك على اللي هتعمليه.
ورغم القلق الذي اعتراها, والخوف من نبرته قالت في حدة:
-نعم؟ عافية يعني ولا إيه!
أجابها في تهديد صريح:
-انا مش مازن, يعني مش هعمل حركة خايبة زي اني ابعت حد يسرق الفلوس واحطك قدام أمر واقع, انا هعمل العن من كده بكتير.
نجح في إثارة زوبعة من الخوف بداخلها, فحاولت التفاهم معه بطريقة أخرى وهي تقول بتوتر واضح له:
-بس شاهين مش سهل، وباللي انتَ بتطلبه مني ده هتدخلني معاه في حروب تانية، وانا ما صدقت انفد بروحي منه"
نظر لها بصمت لثوانِ، كأنه يحلل حديثها في رأسه، مع حركات جسدها التي بدت متوترة، فابتسم باقتضاب يهز رأسه بسخرية:
-معقول اتهزيتي كده من مجرد ذِكر اسمه!
رفعت رأسها بكبرياء لا يناسب الموقف، وقالت:
_ابقى غبية لو بعد الشهور اللي قضتها معاه معرفتش هو مين شاهين المنشاوي، وابقى أغبى لو حاولت ادخل جحر العقرب تاني بعد ما خرجت منه.
وضع كفه في جيب سرواله القماشي الأنيق، وعقب في ثقة واضحة:
_ انتِ عارفه إيه غلطتك في المرة اللي فاتت، إنك لما تدخلي جحر العقرب يبقى معاكي الترياق... او على الأقل يبقى معاكي آلة دفاع قوية، لكن انتِ دخلتي وانتِ معاكي آلة مغشوشة.. فِستك، مازن ميقدرش يحمي نفسه قدام شاهين عشان يحميكي، اختارتِ الشخص الغلط اللي تدخلي بيه ويقوي ضهرك، لكن المرادي هتختاري الشخص الصح.
نظرات مشككة، وقلِقة رمته بها قبل أن تسأله:
_انتَ عاوز منه إيه؟
كمن الشر في عينيهِ مجيبًا:
_قهرته.. عاوز اقهره واخسره كل حاجه في حياته.. الأول كنت عايز روحه، بس بعدين فهمت إن اللي زي شاهين عنده حاجات تانيه تفيدني اكتر من روحه، حاجات مش هيشم فيها ريحة الراحة.
هذا الرجل يحمل في قلبه غِلاً، وحقدًا، وبغضًا مخيفًا، هذا الرجل رُبما أخطر اعداء العقرب، لن يهدأ له بال إلا حينما يصل لِمَ يريد، ألا وهو القضاء على العقرب
.. القضاء عليهِ وتركه حيًا!
شحب وجهها من كلماته المخيفة، ونظراته الأكثر شرًا ورعبًا، فتلجلجت وهي تقول بخوف حقيقي:
_انا... انا مش ناوية ادخل نفسي تاني في الحوارات دي.. انا مش قدك ولا قده، وامي ملهاش غيري، مش هخاطر بنفسي وحياتي تاني.
ابتسامة غريبة، مريبة، زينت ثغره وهو يهمس لها بينما اقترب وجهه من وجهها لدرجة مُقلِقة:
_ما هو عشان امك ملهاش غيرك لازم توافقي..
ويبدو أنه أخطر بكثير مما كان عليهِ "مازن"، وقعت مع الأسوء، والأشرس، وقعت مع عدو جديد ل "شاهين" لكن ليس بأي عدو، بل فهد شرِس لا يُهدد، ولا يتهاون، فقط ينفذ.
ظهر الغضب جليًا على وجهها وهي تقول:
-انتَ بتهددني؟
هز رأسه برتابة:
-اه, بهددك.. وتبقي غبية لو فكرتي جوازك منه هيحميكِ مني.
شحب لون وجهها أكثر, وتسمرت ملامحها وهي تسمع معرفته بخبر زواجهما الذي حاولت اخفائه عنه وايهامه بأنها لم تعد في حياة العقرب.
-إيه؟ اتصدمتي! فكرتِ معنديش معلومة, انا جاي هنا عشان عندي معلومة بفرحكم اللي هيتم النهاردة, اصلاً لولا كده مكنتش فكرت فيكِ.
خرجت من صدمتها تسأله باستغراب:
-يعني عارف إني هتجوزه, وجاي تطلب مني ده؟
-بالعكس ده جوازك منه هو اللي هيفدني, عمرك ما كنتِ هتعرفي تدخلي حياة العقرب تاني إلا برغبته هو, واهي رغبته جت, لكن قوليلي.. تفتكري إيه يحصل لو عرف بعد جوازكم إنك بتخونيه؟
-هيقتلني طبعًا.
قالتها بسرعة وذعر بعد سؤاله, ليقول بنفس الابتسامة الكريهة:
-اهو ده اللي هيحصل لو منفذتيش اللي عايزه, هفبرك خيانة تليق بيكِ واظبطها على مقاسك بالضبط, وصدقيني مش هيكون عندك فرصة تدافعي عن نفسك قدامه حتى, بس ده طبعًا بعد ما نكرم الحاجة مديحة والدتك.
ارتعشت شفتيها وهي تقول:
-ولو سمعت كلامك وعرف بخيانتي هيقتلني برضو.
-لو سمعتِ كلامي عمرك ما هتتكشفي له, وده وعد مني.
هزت رأسها بنفي مُصرة:
-انا مش حمل حروب تانية, مش هقدر صدقني.
رفع منكبه الأيسر باستسلام:
-خلاص يبقى ده اختيارك, استني هدية فرحك هتوصلك قريب.
والتف ليذهب وتركها خلفه كالموتى, وجملة تهديده تتكرر في أذنها لتفزع تسير خلفه تقول:
-استنى بس, طب فهمني هتطلب مني إيه؟ وده هيأذيه ازاي؟
وقف فوقفت, التف لها يقول ساخرًا:
-هأذيه ازاي! يعني إيه؟ هتفرق معاكِ الطريقة؟
اومأت بإيجاب:
-ايوه, لو هتأذيه في شغله معنديش مشكلة لأني مش قابلة شغله ده اصلاً, لكن لو هتأذيه في نفسه وحياته مش هقبل.
صمت لثواني قبل أن يسألها بما جعل عينيها تتسعان صدمة:
-ولو هأذيه في ابنه... او طليقته, يفرق معاكِ؟
طال صمتها حتى قالت بتردد:
-ابنه! بس ده طفل!
ظهرت ابتسامته السمجة مرة أخرى وهو يردد لها:
-ولو طليقته عادي؟
صمتت وهي تنظر بعيدًا, والأفكار تتقاتل في رأسها, حتى نظرت له تقول بحسم أمرها:
-متقوليش هتعمل إيه عشان ضميري ميوجعنيش, المهم إن شاهين نفسه ميتأذيش.
هز رأسه بموافقة وقال:
-يبقى كده اتفقنا, اطلعي انتِ الأول امشي عشان اللي مراقبينك يمشوا وراكِ, وانا هعرف ازاي اوصلك وقت ما حب.
وكأنه أعطاها إذن بالإفراج فركضت خارجة كمن يلحقها شبح, وهي تلتقط أنفاسها بالكاد وعقلها يندب "يا لحظك العاثر فيروز, أليس مقدر لكِ الفرح! إلى متى ستكونين في دوامة لا تنتهي, وحرب مجهول نتيجتها, ألم يحن وقت راحتك واستقرارك؟ أكان ينقصك ذلك الغامض لتكتمل قصتك البائسة!"
---------------------------
"قد يكون الأخ بعيدًا عنك في المسافة، لكنه دائمًا في قلبك، فهو الشخص الذي شاركك أفراحك وأحزانك"
"مصطفى لطفي المنفلوطي"
-يخربيت الازعاج, إيه اللي خلاني اتهبب واوافق تبات معايا امبارح!
قالها شاهين في غضب ونزق, وهو يجد "مازن" يقتحم عليهِ غرفته مدندنًا بصوتٍ عالٍ مزعج:
-العريس قال فرحان قال ... بكره لما يجيبوا عيال
هيعيطولوا اليوم بطولو ... ويفضل بيهم رايح جاى.
ضحك "مازن" وهو يضع ما في يده على السرير بحرص بينما يقول:
-انا غلطان بغنيلك وافرحك يا كئيب يا عدو الفرح.
-بتغنيلي! يعني بعد اللي غنيته ده اروح افركش الجوازة ولا اعمل إيه!
قالها بسخرية, ليرد عليهِ بعدما اتجه له يقف جواره ويضع ذراعه يحاوط كتفه:
-يا شاهين يا ابني كلنا لها, طب مانا اهو هتجوز بعدك على طول, وهخلف وهشيل وهيفضلوا يزنوا في ودني طول اليوم.. هل ده يرددني! اطلاقًا.
دفعه "شاهين" بعيدًا عنه وهو يعقب باشمئزاز:
-اوعى يالاه, انتَ رافع إيه على الصبح!
ضحك ضحكة صغيرة يجيبه مشاكسًا:
-رافع 10 كيلو حديد في الجيم بتاعك طازة.
وضع "شاهين" فنجان القهوة من يده فوق الطاولة مرددًا بملل:
-باين عليك فايق, وانا مش فاضيلك النهاردة.
-استنى بس..
قالها حين وجده على وشك الخروج من الغرفة وقال وهو يتجه للمغلف الموضوع فوق السرير يفتحه:
-تعالى شوف وقولي رأيك.
كانت بدلة سمراء أنيقة للغاية, ومعها جميع مستلزماتها, نظر لها "شاهين" بإعجاب وقال:
-حلوه, مبروك عليك.
-بس دي مش ليا, انا جايبها ليك.
نظر له قاطبًا ما بين حاجبيهِ مستغربًا:
-ليا؟ انا عندي بدل كتير.
نفى برأسه:
-لا بس بدلة الفرح غير, لازم تكون مميزة, وجاية مخصوص للمناسبة, كنت متأكد انك مجبتش فقمت بالمهمة, أي خدمة يا عم.
هز رأسه مبتسمًا ابتسامة تكاد تُرى, وقال:
-تمام, جبت لنفسك؟
رد ببساطة كادت تجلطه:
-لا هاخد من عندك.
رفع "شاهين" حاجبه باستهجان:
-بدلة قصاد بدلة يعني!
-ده على أساس إن حد بيعمل خير في الزمن ده!
ضرب كفًا بآخر وهو يخرج من الغرفة مغمغمًا:
-دقيقة وهقتلك وهنسى أي هدنة حصلت.
تبعه "مازن" ضاحكًا وهما ينزلان درجات السلم الداخلي يقول:
-وانا مالي مش انتَ اللي بتقرف تلبس بعدي, يا عم انا نضيف زيك برضو مش مجوسي يعني!
لم يعلق "شاهين" على حديثه وهو يقول:
-تابع معاهم في القاعة عشان أي غلطة هزعلك.
-الله وانا مالي!
قالها بدهشة من جملة أخيه, ولكن دهشته الأكبر حين توقفا سويًا بصدمة بعدما أبصرا من دلف من باب الفيلا المفتوح يقول بابتسامة:
-الندل اللي بيبعتلي مسدج بميعاد الفرح قبلها بساعات.
ردد "مازن" هامسًا بدهشة كبيرة:
-بابا!
بينما اتجه "شاهين" له يحتضنه في هدوء والأخر يشدد على احتضانه وبعدما ابتعد قال "شاهين" بتبرير:
-صدقني لسه مقرر امبارح إني هتجوز, انتَ مش عارفني ولا إيه؟ قراراتي دايمًا سريعة.
ابتسم له وهو يربط على وجنته:
-مش عارفك! إن مكانش عمك ممدوح يعرفك مين هيعرفك غيره! ده انتَ تربيت ايدي, مبروك يا حبيبي, اخيرًا قررت تتجوز جوازة بجد بدل اللي ضيعت عمرك فيها.
غمغم "شاهين" في هدوء دون التطرق لمواضيع:
-الله يبارك فيك.
نظر "ممدوح" من خلفه ل "مازن" الذي مازال واقفًا محله وقال باستغراب:
-إيه يا مازن؟ مش هتسلم على ابوك؟
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
"أنا لستُ بأنا
بعيني نظرة عتاب تخبرك أني لم أعد أراك كما كنت
في قلبي شيء يخفيهِ الليل ويُظهره النهار في عيني
أنا لم أعد أرى فيكَ ماكنت أراه
لم تعد تلك النجمة التي اهتدي بها في درب الحياة
لم تعد تلك الشمس التي تضيء لي الطريق
ما الذي تغير فيكَ؟
هل نسيت عهدًا قطعناه على انفسنا؟
هل نسيت وعدك لي؟
ام أنك لم تعد كما رسمتك بقلبي؟"
"مُقتبس مُرسل من قارئة عزيزة" أم هبة احمد
انتهت من إعداد الفطار المُتأخر غير كل يوم, فاليوم قد نوى أخذه إجازة ولن يذهب للورشة, وعليهِ استيقظ متأخرًا, فالوقت قد قارب على الظهيرة.
خرجت بصينية الفطار وفوقها ما لذَ وطاب, رأته يجلس في شرفة الصالة فاتجهت بها إليهِ تسأله في فتور اعتادته مؤخًرا:
-هتفطر هنا ولا جوه؟
رفع رأسه ينظر لها وأجاب في هدوء:
-خلينا هنا, الشمس حلوة.
وضعت الصينية فوق الطاولة الصغيرة التي أمامه واستدارت على الفور تنوي المغادرة, لكنه التقط ذراعها يمسكه كي يوقفها بينما يسألها مستغربًا:
-مش هتفطري؟
نظرت لكفه القابض على معصمها وأجابته في هدوء:
-الضهر قرب يأذن, فطرت الصبح مع عمي شاكر.
-طب اقعدي نقنقي معايا افتحي نفسي.
سحبت ذراعها منهُ برفق وهي تقول:
-ورايا حاجات هعملها, مش فاضية.
تنهد بضجر قبل أن يأمرها بلطف:
-طب اقعدي يا أمل.
أبدت اعتراضها قائلة:
-عاوزه الحق اخلص الغدا النهاردة فيه فرح في الفيلا ولازم أكون موجودة قبل العصر.
-اقعدي يا أمل.
رددها بإصرار فاضطرت مرغمة للجلوس أمامه, وبادر حديثه معاتبًا:
-مقولتيش ليه إنك رايحة الفيلا النهاردة؟ انا واخد اليوم إجازة عشان اقعد لوحدي!
ردت ببساطة:
-مبلحقش اشوفك عشان اقولك, وبعدين مانتَ مقولتليش إنك واخد النهارده إجازة غير وانا بصحيك الصبح.
-طيب ما علينا, هتفضلي واخده موقف كده كتير؟
-انا مش واخده موقف.
-يعني كل تصرفاتك دي ومش واخده موقف!
ردت بصدق:
-والله ما واخده موقف, انا بتعامل عادي, زي مانتَ بتتعامل عادي.
هز رأسه وتفهم الأمر:
-اه, زي مانا بتعامل, يعني انتِ قررتِ تعمليها واحده بواحده! قررتِ تتعاملي معايا بالطريقة اللي مش عجباكِ اصلاً, طب فكرك الحياة كده هتمشي؟
رفعت منكبيها بلامبالاة:
-زي ما ترسي.
رفع حاجبه باستهجان:
-مستبيعه يعني!
-وانتَ اللي شاري؟
كان العتاب يلمع في مقلتيها واضحًا, كلمات كثيرة تقولها بعينيها ولا ينطقها لسانها, لكنه يقرأها جيدًا, لطالما قرأها ولكنه كان يتجاهل, ولكن هل سيظل يتجاهل! لمتى؟ حتى تخرب حياتهما؟ حتى يصلا لطريق مسدود لا رجع منه سوى الانفصال؟ عليهِ أن يعمل بنصيحة والده التي نصحها بهِ أمس, نصحه أن يلحق العقد قبل أن ينفرط.
زفر أنفاسه في هدوء وهز رأسه متفهمًا ما تريد قوله, ورفع رأسه بعدها ينظر لها في عمق عينيها:
-شيفاني ازاي يا أمل؟
صمتت, لم تريد أن ترد فورًا, لأن الإجابة ستهينه, لن يحبذ ابدًا ما سيسمعه منها, والتقط هذا في تحول ملامحها, فقال لها مبتسمًا ابتسامة هادئة عكس ما بداخله:
-قولي, هتقبل اللي هتقوليه متقلقيش.
تركت للسانها العنان, ستقول ما صمتت عنه لأشهر طويلة, ستقول ما حاولت تجاهله كي تمضي قدمًا في حياتها البائسة معه, التمعت عينيها بالدموع وهي تردد بنبرة مختنقة من الذكريات:
-شيفاك واحد اتجوز واحده كان عارف إنها بتحبه وهتموت عليه, وهتقبل بيه بأي وضع, فاتجوزتها لما حصلت معاك الحادثة, عشان ببساطة كنت واثق إنها الوحيدة اللي مش هيفرق معاها وضعك, كل ما اكلمك تقولي انا مضحكتش عليكِ, انتِ كنتِ عارفه من الأول كل حاجه, بس انتَ ضحكت عليا, ووعدتني وخلفت بوعدك.
خرج من صمته ومن الدوامة التي دلف بها من حديثها الذي شعر أنه سيكون أكثر صراحًة من اللازم:
-انا وعدتك بإيه؟ وضحكت عليكِ ازاي؟ انا قايلك كل حاجة من قبل الخطوبة حتى.
-ضحكت عليا لما قولتلي انها خرجت من جواك, وإنك مبقتش تفكر فيها, وإنها مش هتأثر خالص على علاقتنا, ووعدتني إنك مش هتظلمني, لكن انتَ معملتش حاجة غير إنك ظلمتني.
أشار لنفسه بصدمة:
-انا ظلمتك!
سخرت متهكمة:
-تبقى مصيبة لو مش حاسس كمان إنك ظالمني! ظالمني بإنك بتعاملني زي أي كرسي في بيتك, مفيش حاجة واحدة ما بينا بتحصل زي أي اتنين متجوزين طبيعي, لا كلام ولا قعدة ولا تفكير سوا, ولا إنك تحكيلي وافضفض معاك.. ولا أي حاجة, حتى...
صمتت لبرهة كأنها تحاول تجنب ما خطر على بالها, لكنها عادت تقوله بقوة ودون حياء, فيكفي صمت, ويكفي أن تهمس لنفسها أنها مجرد حياة ستمر كيفما تمر:
-حتى علاقتنا الخاصة مش طبيعية خالص, وكأنك مش عايزها اصلاً, تقدري تفتكر امتى اخر مرة كنا مع بعض؟
صدمه تطرقها للحديث في موضوع كهذا, لم يعهدها بهذه الجرأة, ولكن يبدو أن الانفجار لا يعرف حياء أو حدود حمراء, نظر لها بوجه أحمر قليلاً من فرط حرجه من موقفه, خاصًة حين يتعلق الأمر بموضوع حساس كهذا, ولم يجيب فردت هي نيابًة عنه بلوم واضح:
-من اكتر من شهر, من اخر مره اتخانقنا فيها بسبب الخلفة, من بعدها وانتَ متجنبني في كل حاجه.. وعلى فكرة انا مش غبية, انا عارفه كويس اوي إنك بتكون معايا كراجل وست عادي, من غير أي مشاعر, حاجه طبيعي تحصل وخلاص, تفتكر بقى الحياة دي لها أمل تستمر!؟
ونزلت دموعها في نفس اللحظة, حسرةً وحزنًا على باب من الألم والحزن انفتح ولن يُغلق إلا حين تنهار في بكاء عنيف يُنهك قواها, نظر لها في صمت وعقله يترجم كل حرف قيل, لقد كان يرى ما يفعله جيدًا, لكنه لم يراه لهذه الدرجة المأسوية, لم يظن ابدًا انها تشعر بكل شيء يصدر منه حتى ادق الأفعال.
يجب أن نقف مع أنفسنا وقفة صارمة حين ينعطف بنا المسار, وقفة تُحدد وجهتنا المُقبلة, وجهة مختلفة تمامًا عن سابقتها, والأهم أن تكون نتيجتها مضمونة ألا وهي الاستقامة للمسار الصحيح, فلا مجال لفشل جديد.
نهض يجلس على مقعد كرسيها ويحاوط كتفيها بذراعه السليم, ربما لم يريد أن يكن وجهًا لوجه معها وهو يُدلي بحقيقة مُرة لكن لابد الاعتراف بها:
- اقسملك إن ما فيروز اللي واقفة بينا خالص, ولا بقيت بفكر فيها زي الأول, انا مكانش المفروض اقولك الكلام ده, بس لازم أقوله مادام انتِ ملاحظة كل حاجة وفاهمة غلط إن في طرف تالت بينا, الحكاية كلها إني لسه مش متقبل حياتي كلها باللي فيها, لسه متأقلمتش على خسارة دراعي, ولسه بحاول اعافر وابين ان عادي والإعاقة دي مش هتأثر علي حياتي في حاجة, ومع ده بحاول اتعود عليكِ يا أمل, انا واحد بين ليلة والتانية اتجوز واحده مكانش في دماغه إن ممكن يجمعهم بيت, اتجوزتك بعقلي.. لكن حتى عقلي لسه متعودش على الوضع الجديد, ساعات ببصلك وانتِ نايمة وبستغرب احنا امتى اتجوزنا! ساعات بصحى من النوم متفاجئ من الشقة نفسها مش منك انتِ بس, انا في وقت عقلي فيه لسه مش مترجم كل الحاجات اللي حصلت ورا بعض ومكانتش عامل لها حساب... بس انتِ معاكِ حق, انا غلِط اني مكانتش بحاول, وسيبت نفسي لعقلي وشيطاني يسحلوني ويبعدوني اكتر عنك, وانا فعلاً ظلمتك معايا بتصرفاتي.. لكن اوعدك المرادي بجد إني هحاول اصلح كل الغلط اللي في علاقتنا, بس انتِ ساعديني اتعود... ساعديني ابقى مستوعب إني فعلاً اتجوزت واتجوزتك انتِ.
مسحت دموعها بضحكة ألم:
-مش ملاحظ إن كل كلامك فيه إهانة جديدة ليا؟
نفى برأسه رغم عدم رؤيتها له وقال:
-مش إهانة, انا صارحتك زي ما صارحتيني, مانتِ قولتِ إني اتجوزتك عشان قولت محدش هيرضى بيا غيرها.. ليه معتبرتهاش إهانة! لازم نصارح بعض من غير تجميل عشان نعرف نكمل وعشان حياتنا تتغير فعلاً.
مالت برأسها تنظر له بدموعها التي عززت وجع ضميره أكثر وقالت:
-هساعدك, وهكمل عشان للأسف لسه بحبك.
قبل مقدمة رأسها في هدوء وهو يقول:
-اوعدك إن هييجي اليوم اللي تقولي فيه بحبك من غير للأسف.
ولا حرج في فرصة أخرى... لكن ستكون الأخيرة, فإما البقاء إما ذِهاب دون لِقاء.
--------------------------
فيلا العقرب..
نظر "ممدوح" من خلفه ل "مازن" الذي مازال واقفًا محله وقال باستغراب:
-إيه يا مازن؟ مش هتسلم على ابوك؟
تقدم منهما بوجه واجم وقال مرحبًا بهِ من بعيد:
-حمداً لله على السلامة.
-كده! من غير سلام؟
لم يؤخر العِتاب وهو يسأله في غيظ وغضب:
-دلوقتي نزلت عشان الفرح! ومنزلتش وقت موت بنتك.
ظهر الحزن واضحًا على وجهه وهو يبرر غيابه:
-انا كنت محجوز في المستشفى من قبلها بيومين, كان عندي مشاكل كبيرة في انزيمات القلب, وشاهين عارف... عشان كده مبلغنيش غير بعدها بأسبوع لما عرف إن صحتي استقرت, كنت هنزل بعد أسبوع اعمل إيه! ده انا مقدرتش اعدي عليها وانا جاي, مش قادر اشوفها في المكان ده.
تدخل "شاهين" وهو يعلم مدى صعوبة الموقف على "ممدوح" وهو يقول:
-مازن مكانش يعرف لأنه مسألنيش قبل كده انتَ منزلتش ليه, وعمومًا أي كلام دلوقتي ملوش لازمة, اطلع ارتاح سفرك كان بعيد.
تحرك "ممدوح" خطوتين حتى وقف أمام "مازن" تمامًا فنظر له بصمت لبرهة حتى احتضنه بقوة وهو يردد بصوت مختنق:
-نورهان كانت من ريحة الغالية, كانت شبهها في كل حاجة, مش قادر اتخيل إنها كمان راحت ومبقتش موجودة.
اغمض "مازن" عينيهِ بوجع وهو يبادله الاحتضان, بالفعل "نورهان" كانت نسخة مصغرة من والدتهم, نفس الملامح والطِباع, وهو يعلم جيدًا ان والده كان يحبها كثيرًا, ولولا سفره من ثلاث سنوات بعد وفاة والدتهم بفترة طويلة للمكسيك لضرورية إقامة فرع جديد لشركته الخاصة هُناك ما كان ابتعد عنها ابدًا, حتى انه عرض عليها السفر معه, لكنها رفضت لارتباطها بعملها المحبب لديها.
-باشا, المنشاوي بيه وجماعته وصلوا بره.
تحرك "شاهين" فورًا بعد سماع صوت الحارس ليستقبل الجِد والعمة, ويدعو الله ألا يكون ذلك السِمج "سيف" أتى معهم, ولكن دعوته لم تُستجاب ابدًا وهو يُبصره موجودًا بل ومعه زوجته.
-----------------------
بعد ساعات...
بأحد غُرف القصر العُليا, جلست أمام المرآة ومعها والدتها و "أمل" التي صُدمت من كونها هي العروس وظلت تُثرثر:
-انا متخيلتش خالص إنك انتِ.. انا لدلوقتي مش مصدقة.
قالت "فيروز" وهي تنظر لانعكاسها في المرآة بينما السيدة تقوم بعملها في وضع مستحضرات التجميل:
-ولا انا.. انا حاسه إني في حلم.
دقات فوق الباب جعلت "مستكة" تركض له ترى الزائر, فوجدته "شاهين" بطلته المعتادة, فخفضت بصرها فورًا في احترام وتوتر, حتى سمعته يقول:
-قولي لفيروز إن فساتين الفرح وصلت والبنات هيعملوا بروفة.
دلفت فورًا للداخل وغابت لدقائق قليلة حتى خرجت "فيروز" له تراه للمرة الأولى منذُ أمس, فهي حين جاءت منذُ ساعات لم يكن بالفيلا, وقفت امامه بابتسامة واسعة جعلت عيناها تلمع بلمعة محببة, وارتخت ملامحه تلقائيًا فور رؤيتها, ليقول مشيرًا لمن خلفه بالدلوف:
-ادخلوا.
وحين تخطوا الباب وجه حديثه لها:
-هتقيسي الفساتين وهشوفهم عليكِ عشان باقي اليوم مش هكون فاضي.
استندت على باب الغرفة في دلال تُظهره لأول مرة:
-وتشوفهم ليه! ده حتى بيقولوا فال وحش.
-اشوفهم عشان لازم ادي الأوكيه عليهم, وإلا مش هيتلبسوا.
اعتدلت تسأله في استغراب:
-هو انتَ بتجمع ليه؟ ده هو فستان!
-لا, اتنين, مانا اخترت فستان تاني غير اللي اخترتيه الصبح, فستان هنكتب بيه الكتاب, وفستان هتلبسيه بعدها.
سألته في دهشة:
-طب وليه كل ده! ما واحد كفاية؟
لمع المكر في عينيهِ وهو يقول:
-لما تشوفي اللي اختارته هتعرفي.
نظرت له بقلق ما بها نظراته لا تنم عن خير!
--------------
في قاعة العُرس.
انزوى بهاتفه ليطلبها بعد أن تابع آخر ترتيبات الفرح, ثواني وأتاه الرد ليقول بعد قليل:
-هتيجي الفرح يعني هتيجي.
أتاه صوتها المعاتب والساخر في آنٍ:
-أجي الفرح عادي كده! مش خايف عيني متنزلش من على اخوك؟
احتد صوته وهو يهتف محذرًا:
-ليلى! بلاش تخريف, انا قولتلك لما كلمتك الصبح إني مقصدتش كده خالص, كانت مجرد هواجس وأفكار غبية في راسي, وقولتها لكِ عشان تطمنيني, مكانتش محتاج منك اكتر من رد شاهين لما قالي ليلى هتكون مرات اخويا وبس, كنت محتاجك تقولي شاهين هيبقى اخويا وبس, مش اللي فهمتيه خالص.
قررت العفو, فلقد قضى مكالمة طويلة صباحًا يلتمس منها السماح والعُذر لِمَ قاله لها, واخبرته في نهايتها أنها سامحت.. إذًا فما الداعي من العودة لحديث انتهى.
-ماشي يا مازن, هاجي حاضر.
هدأت ملامحه ونبرته وقال:
-هعدي عليكِ اخدك كمان ساعتين, وعلى فكرة جهزي نفسك لكتب كتابنا قريب.
سمع شهقتها وتلاها ردها المصدوم:
-كتب كتاب إيه!
-ما اكيد مش هنتخطب! ملهاش لازمة الخطوبة, احنا عارفين بعض كويس, خلينا ندخل في المفيد, ولو هتسمعي مني ياريت تكون كتب كتاب وفرح.
رفضت بإصرار:
-لا طبعًا, هو سلق بيض! كتب كتاب ماشي, لكن الفرح مش دلوقتي خالص, بعدين هو انتَ كنت اتقدمتلي لسه.
ابتسم يقول بصوت مرح:
-يا ستي هتقدم وهجيلك بعلبة جاتوة فاخرة كمان ولا يكون عندك فِكرة, واقولك هجبلك شاهين من قفاه معايا.
ضحكت وهي ترى تحسن العلاقة بينه وبين أخيه, وسواء كان "شاهين" جيد أم لا, المهم ألا تنقطع علاقة الأخوة وألا يصبحوا أعداء.
---------------------
-فكي بوزك.
قالتها "مديحة" وهي تنغز "فيروز" في كتفها لتنظر لها بأعين تطق شراراً ولم تستجيب لجملتها, فاتبعت قولها:
-الراجل معاه حق, رغم إني مش طايقاه, لولا كده كنت مسكت فيه, بس مش قادرة أتكلم.
-سبونا لوحدنا شوية.
-مش بقولك مش طايقاه.
أردفت بها "مديحة" حانقة وهي تنسحب مع كل من في الغرفة, اقترب منها وهي ترتدي ذلك الثوب الذي اختاره وبدى رائعًا عليها, بل الأكثر روعة, تفحصه لبعض الوقت حتى أردف بصوت بهِ بحة مميزة:
-كنت عارف إنه هيكون حلو عليكِ, بس متخيلتش للدرجادي.
لانت تكشيرة وجهها قليلاً, ونظرت له في صمت, بينما تابع:
-التاني حلو, بس مش هقبل كل الحضور يشوفوكِ بيه.
-فتقوم تلبسهولي هنا بس وقت كتب الكتاب! مش قولت إن كتب الكتاب في القاعة؟
أردفت حانقة, ليقول في هدوء تام:
-لا مقولتش, انا قولت الفرح في قاعة, وكنت هعمل ده لو مكانتيش مُصرة على الفستان التاني.
نظرت له باستغراب حقيقي وهي تسأله:
-ماله الفستان! ده بس الكتف هو اللي عريان!
رفع حاجبه الأيسر باستهجان:
-والصدر سيباه صدقة جارية!
ضمت شفتيها في خجل لتلميحه بفتحة الصدر التي لم تكن هينة بالنسبة له, ونفخت بضيق حقيقي قبل أن تقول باستسلام:
-حاضر يا شاهين, هلبسه في كتب الكتاب هنا, وقبل ما نمشي هلبس الشوال ده.
-تحفة الشوال, قصدي الفستان.
قالها في خبث قاصدًا إثارة غيظها, وبالفعل نظرت له نظرة حارقة وهي تتحرك تجاه المرآة, وقفت أمامها تراه للمرة العاشرة وتدور حول نفسها بهِ تقيمه, لن تنكر أنه جميل, جزأه العلوي مُغلق تمامًا, ومُزين بقماش الدانتيل الراقي, وبهِ أزرار بيضاء مرصوصة بطول الجزء العلوي, والجزء السفلي واسع بطبقات من التُل المتعددة أعطته مظهر يشبه فساتين الأميرات.
تحرك ليقف خلفها في المرآة وقال مُبدي إعجابه للمرة الثانية:
-برنسيس.
نظرت له عبر المرآة تقول بضيق طفيف:
-بس تحكماتك دي مش هتنفع معايا.
لم يلقي لها بالاً وهو يقول:
-نبقى نشوف الكلام ده.
وانسحب من الغرفة في هدوء كيفما دلف.
-------------------------
مساءً....
-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
انتهى المأذون من عقد القران, والذي كان فيهِ الجد وكيلاً ل "فيروز" برغبتها, كان قلبها ينتفض بقوة وكأنه في سِباق, وأنفاسها محبوسة بصدرها, لا تصدق ما هي فيه, هل باتت زوجته حقًا! لقد كان الأمل قد انقطع بعدما أقصاها من حياته, متى عاد؟ ومتى عادت هي؟ وكيف أصبحت زوجته! عقلها في حالة من الصدمة اللذيذة, لقد كانت صباح أمس تسير مهمومة وقلبها يُكوى بنيران الحب والهجر, متى انقلب الحال هكذا؟
الراحة التي شعر بها الآن لم يتخيل أن يشعر بها, لقد ظن أن الأمر سيمر عابرًا, لن يكن له إحساس مميز, مُجرد زواج كالمرات السابقة, ولكن قلبه بهِ شيء مختلف, شيء يشعره أنه يتزوج لأول مرة, فرحة وارتباك لم يعهده ابدًا! وتلقائيًا وجد كفه يمتد ليقبض على كفها في تملك وعناق قوي صامت, جعل مشاعر غريبة تندفع لكليهما, وشعور لذيذ يتسرب لهما.
---------------
في قاعة الزفاف...
لم يكن زفاف كما ظنته, بل كان شيئًا راقيًا جدًا وهادئًا, ومختلف كحال كل شيء في حياة هؤلاء الأغنياء, كان أشبه بحفلة بسيطة, يتحرك "شاهين" بها بين الجمع ويقف لتلقي التهنئة, ويده لم تُفلت يدها ابدًا, حتى ما إن شعرت بالتعب أخبرته في رغبتها في الجلوس, فيجلسها في موضع العروسان ويذهب هو ليُكمل استقباله للحاضرين.
توقفت قدميهِ وهو يُبصر من يُقبل عليهِ والذي لم يكن سوى "غسان البلتاجي" الضِلع الرابع للقاعدة القديمة.
-مبروك يا عقرب.
قالها "غسان" بابتسامة سخيفة وهو ينظر له بعلياء أدركها "شاهين" فوقف أمامه يجابهه وقال بنبرة تحمل كل الجدية:
-بس انا مفتكرش إني عزمتك!
ضحك "غسان" باستفزازه المعروف:
-يا راجل ده انتَ شقيقي, اجي من غير دعوة طبعًا!
قبل أن يرد وجد "معاذ" و "مازن" يقتحمان الأجواء بأنفاس بدت وكأنهم كانوا يركضون للوصول قبل تصاعد الموقف:
-نورت يا غسان, تعالى اما اشربك عصير.
قالها "معاذ" بسخافة, ليرد الأخرى باستخفاف:
-ليه هو انا ابن اختك!
تدخل "مازن" يقول بابتسامة حمقاء:
-كنت عارف إنك جاي, مفيش واجب يعديك.
رفع "غسان" حاجبه بمكر:
-على أساس مش انتَ اللي بعتلي الدعوة واتساب!
-يا بن الجذمة.
قالها "مازن" هامسًا لتسليم الآخر له, ورفع رأسه ليجد نظرة "شاهين" النارية له, فابتسم باهتزاز يبرر:
-اصل عملت الرسالة send to all (إرسال للجميع)
هز رأسه هزة بسيطة معناها "حقًا", جعلت "مازن" يتحرك فورًا يجذب "غسان" من ذراعه بعنف تحت ضحكات الآخر وهو يقول:
-جحش طول عمرك.
صدمه في كتفه وهو يسير معه محذرًا بعدما توقفت ضحكاته:
-ولاه, متنساش إني اكبر منك عشان متطلعش روح البلطجي اللي جوايا.
و"معاذ" كان يحاول تهدئة "شاهين" الذي قال بغضب:
-بتلعبوا من ورايا؟
-والله ابدًا, احنا بس قولنا نحاول نلم الشمل تاني, الموضوع ميستاهلش العداوة دي كلها يا شاهين, والواد غسان اهطل والله وطيب, هو بس الجلالة خدته وخلته يخبط فينا شوية, بس معلش المسامح كريم.
نظر له "شاهين" بضجر قبل أن يقول وهو يتحرك مبتعدًا:
-ماشي يا عم جورج قرداحي.
--------------------
-يالهوي على الملل! وإيه الأغاني دي! فين حمو بيكا والليثي!
قالتها "أمل" بضجر حقيقي وهي تقف مجاورة ل "فيروز" الجالسة بزهق واضح, والتي ردت توافقها:
-لو كنت اعرف إن ده الفرح اللي متعملش في مصر زيه مكنتش عملت فرح.
تدخلت "مديحة" في الحديث تقول:
-وانتِ فاكرة إنه كان هيسيبك تقومي تترقصي قدام الناس! ده كان هيقيم عليكِ الحد عشان الفستان صدره مفتوح, انتِ مش شيفاه قافش في ايدك ازاي طول الوقت!
تنهدت "أمل" تنهيدة عالية تقول بهيام:
-الحب يا خالتي الحب.
ابتسمت "فيروز" بسعادة, وتخضبت وجنتيها بحمرة الفرح, وهي تلتمس أفعاله التي تصدق على حديثهما, وقالت "مديحة" بدعاء صادق:
-ربنا يعميه عن بنات حوا يارب, وميشوفش غيرك يا فيروز يا بنت بطني.
ضحكت "فيروز" بعدم تصديق:
-إيه الدعوة دي يا مديحة! هتعمي الراجل!
نفت وهي تعدل عباءتها المُطرزة بفخامة:
-لا يتعمي عن البنات بس... اسكتِ بقى لاحسن العباية دي تقيلة اوي, كل ده تِرتر!
-تِرتر!
رددها "شاهين" وهو يأتي من خلفها ضاحكًا, لتنطلق ضحكة "فيروز" على خضة والدتها من ظهوره المفاجئ.
-------------------
جلس لجوارها وكفه يحتضن كفها, وهي أكثر من مُرحبة.
-إيه رأيك في الفرح؟
ضحكت تقول:
-فرح! مشوفتش انتَ افراح منطقتنا, ده بالنسبالنا تقدر تقول... مؤتمر ثقافي.
ضحك وهو يحني رأسه قليلاً كأنه يمنع ألا يراه أحد متلبسًا بجريمة! وبعدها رفع رأسه ينظر لها يقول وهو يمد كفه ليرتب خصلاتها الساقطة على غرتها:
-على كده لو حضرتي مؤتمر حقيقي هتنامي مني.
نظرت له بهيام وأصابعه تعبث في خصلاتها وابتسامتها اللطيفة تزين ثغرها, انتبه لها فسألها مبتسمًا:
-بتبصيلي كده ليه؟
لم تشعر بنفسها وهي تسأله السؤال الذي يؤرقها:
-بتحبني؟ اتجوزتني عشان بتحبني؟
اختفت ابتسامته ونظر لها بصمت أقلقها, ليقول ما جعل ابتسامتها هي الأخرى تختفي:
-انا مبعرفش احب يا فيروز.
