رواية في قبضة العاصم ( كامله جميع الفصول) بقلم سيليا البحيري



 رواية في قبضة العاصم الفصل الاول بقلم سيليا البحيري 

السماء كانت مغيمة، والريح بتعدّي على الحصى كإنها بتوشوش بأسماء اللي راحوا.

وقف عاصم القاسمي قدّام شاهد رُخامي أبيض، مكتوب عليه بخط حلو:


"رائد القاسمي

29/9/1995 - 12/10/2022"


المطر بدأ ينزل خفيف، بس عاصم ما اتحركش.

نقطة ميّه نازلة من السما خلطت بنقطة تانية… ما كانتش ميّه.

فضل يبُص للاسم كتير، وبعدين قال بصوت واطي ومبحوح:


"أخي… كَم مرة وعدتك إني هافضل ضلك وسِترك؟

وها أنا دلوقتي جاي أزورك… بعد ما فشلت أحميك."


ركع على رُكبُه، ومدّ إيده على التراب المبلول، وعينه سِرَحت في البعيد.

كمّل بصوت مخنوق بين الوجع والغِلّ:


"قالوا حادث… قالوا صدفة… بس أنا عارف يا رائد.

عارف إن ده ماكانش قَدَر… كانت خيانة.

خيانة من إيد وسّخت اسم عيلتنا."


طلع من جيبه ملفّ أسود مُهترئ، فتحه، وطلّع منه صورة راجل في نص عمره، شكله وقور وهادي.

بصله كتير… وبعدين صوته انفجر من جواه بغضب مكتوم:


"زياد الزهراوي… الاسم اللي هكتبه على جدران جحيمك زي ما اسمك مكتوب على قبر أخويا."


شد الصورة بإيده لحد ما اتكرمشت بين صوابعه.

سكت لحظة… وبعدين طلع صورة تانية صغيرة، باهتة شوية، لِبِنت عيونها رمادي وشعرها اسود زي الليل.


ملامحه اتغيّرت فجأة — ما بقِتش كلها قسوة، لكن فيها ضحكة صغيرة سودا كده، فيها وجع وسخرية.

رفع الصورة قدام عينه وقال بهدوء خطر:


"بنتك… ليل.

فيها شبهك… بس فيها كمان اللي هيهدّك.

مش هقرّب منك بالسلاح يا زياد… هقرّب من ملاكك المدلل.

هحوّل نورها لنار… نار تاكلكم إنت وهي سوا."


وقف بهدوء، رجّع الصورة جيبه، وبص تاني للقبر وقال:


"سامحني يا رائد…

مش هقدر أكون طيب تاني.

الرحمة بقت خيانة لما القاتل يسكن قلبك.

وأنا… خلاص ما عدتش عارف يعني إيه رحمة."


وبعدين لفّ بخطوات ثابتة ناحية بوابة المقابر، الهوا بيشد معطفه الطويل، والمطر بيغسل صوته كإنه تصفيق بارد على قرار مافيش رجعة منه.

وفي عينه، كان فيه وعد… وعد بالانتقام، مكتوب باسم واحد:"ليل الزهراوي".

******************


كانت أشعة الشمس بتتسلّل بخجل من ورا ستاير أوضتها الوردية، عاملة خطوط دهب على الحيطة اللي قصادها، اللي معلّقة عليها صور صغيرة ليها مع إخواتها.


صحيت ليل على صوت ضحك عالي، وبعده حركة سريعة تحت السرير.


"مازن؟!" قالتها وهي بتضحك، وهي بتميل تبص تحت السرير.


خرج مازن من مخبّاه وهو بيصرّخ:

"بووو! خوّفتك!"


قهقهت ليل وهي ماسكة المخدة ورامياها عليه:

"كام مرة قلتلك ما تستخبّاش تحت سريري يا شقي!"


ضحك الولد اللي عنده عشر سنين، ضحكة صافية زي الميّه، وفضل يجري حوالين الأوضة وهي بتحاول تمسكه بالمخدة.

الأوضة كانت مليانة حياة — ضحك، ألوان، ولعب مرمية في كل حتة.


دخل أدهم فجأة، شايل كتاب في إيده، ووشّه الجديّ ما يديش إحساس إنه طفل عنده 12 سنة.

وقف عند الباب، رافع حواجبه وقال بنبرة هادية:

"إنتو حوّلتوا البيت لملاهي ولا إيه؟ مافيش صباح يعدّي بهدوء كده؟"


ليل وقفت ضحكها، وبصت له بابتسامة ماكرة وهي مايلة راسها:

"تعالى إنت كمان يا رجل الأعمال الصغير، سيب الكتب خمس دقايق بس!"


بس أدهم هزّ راسه بجدّية مضحكة كده وهو بيقول:

"أنا بقرأ عن الفيزياء يا ليل، ماعنديش وقت للكلام الفاضي ده."


مازن انفجر من الضحك وقال:

"الفيزياء! مين مهتم بالفيزياء! تعالى العب معايا وأنا أوريك إزاي أستخبى تحت السرير!"


قرب أدهم من أخوه الصغير، وابتسم أخيرًا رغم محاولته يبقى جاد، وقال بنغزة خفيفة كده:

"ماشي، خمس دقايق بس… بس لو كسبت، هتقرأ معايا بعدين!"


ليل صفّقت بفرح وقالت بصوت مليان حماس:

"اشطا! واللي يقدر يواجه بطلة المخدة، يوريني نفسه!"


ضحكهم عليا الأوضة، ضحك نضيف وصافي كأنه مايعرفش إن في ظل بعيد بيقرّب منهم بهدوء.

ضحكت ليل لحد ما دموعها نزلت من كتر الضحك، وقعدت على السرير تلهث وهي بتبص لإخواتها بحنية كبيرة.


في اللحظة دي، كل حاجة كانت كاملة… دافية… نقية.

بس القدر، في حتّة تانية، كان بيحضّر لتبديل الفصول.

********************


بصّ أدهم على الساعة اللي في الحيطة وتنهد بجدية كده مصطنعة وقال:

"اتأخرت على المذاكرة، وهتأخر أكتر لو فضلت مع المجنون ده!"


وأشّر بإيده على مازن اللي كان خطف مخدة ليل وبيلوّح بيها كأنها علم النصر.

ضحكت ليل وقالت وهي مش قادرة تمسك نفسها من الضحك:

"استسلِم يا عالم يا كبير! شكلك خسرت، ومازن هو اللي كسب المعركة!"


أدهم رد بابتسامة صغيرة نادرًا ما بتظهر على وشه وقال:

"انتصاره مؤقت كالعادة… هرجع مخدتي بكرة."


مسك شنطته الصغيرة من ع الكرسي وخرج بخطوات منظمة كده، كأنه راجل كبير محشور في جسم طفل.

اتبعُه مازن وهو بيجري وبيتنطط وبيقول بصوت عالى:

"استناني! هاقول لماما إنك كسرت قاعدة الفطار قبل المذاكرة!"


خرجوا الاتنين وسابوا وراهم دوشة طفولية لذيذة، وسكون بسيط رجع يملأ الأوضة.

ليل قعدت على طرف السرير، بتمشّط شعرها الطويل اللي نازل على كتافها، وأخدت نفس عميق كده كأنها بترجع هدوء الصبح لنفسها.


"أدهم بعقله الكبير، ومازن بروحه المجنونة… عيلتي الصغيرة العجيبة."

قالتها وهي بتضحك لنفسها، وبصّت في المراية تعدّل الشال الخفيف عشان تجهّز تروح الجامعة.


بس فجأة رنّ الموبايل اللي على المكتب.

مدّت إيدها بسرعة تاخده، وظهر على الشاشة اسم معروف: رؤى 💫


فتحت الخط بابتسامة تلقائية:

"صباح النور يا رؤى."


جالها صوت مليان حياة وضحك من الناحية التانية:

"صباح الورد والجنون! إنتِ لسه في البيت؟ يا نهار أبيض! الساعة تسعة إلا عشرة! دكتورة سامية هتدفنّا لو اتأخرنا ثانية!"


ضحكت ليل بخفة وهي بتدور على الجزمة بتاعتها:

"عارفة، عارفة! بس مازن عمل حرب مخدّات الصبح، وأنا كنت الضحية البريئة!"


رؤى ضحكت وقالت:

"ضحية؟! إنتِ اللي دايمًا بتبدأي المعارك يا ملاك! يلا اتحركي بسرعة، أنا في السكة وهاعدّي آخدك."


ليل ردت وهي مبتسمة بخبث:

"ماتتعبيش نفسك، هوصلك قبل ما توصلي، استني المفاجأة!"


"مفاجأة؟ يا بنتي أرجوكي ما تكونيش اشتريتي القهوة من المكان الغالي تاني، مرتبي في الحضيض!"


قهقهت ليل وقالت:

"المرة اللي فاتت كنتي إنتِ اللي شتريتيها، النهارده دوري أدلع نفسي شوية!"


"تمام، بس أسرعي، عايزة أحجز مكاننا المفضل في أول الصف قبل ما يسبقونا الاتنين الغريبين دول!"


"تمام، عشر دقايق وهاكون عندك."


رؤى ردت بسرعة:

"خمس دقايق، ما تستخدميش نظام التوقيت الزهراوي!"


وقفلت المكالمة وهي لسه بتضحك، سايبة ليل تبتسم بشغف كده ليومها اللي لسه بيبدأ.


وقفت قدام المراية لحظة، تبص على انعكاسها — العيون الرمادي اللي شبه الغيم، والشعر الأسود اللي باين فيه لمعة زرقة خفيفة من ضوء الصبح.

في اللحظة دي، كانت شبه بطلة في لوحة… ما تعرفش إن الملامح الهادية دي قريب هتبقى في قلب عاصفة مش هترحم.


مسكت شنطتها، وبصّت من الشباك على الحديقة، شافت أمّها بتسقي الورد، لوّحتلها بابتسامة خفيفة قبل ما تمشي.

وصوت الباب وهو بيتقفل وراها كان بسيط…

بس الحقيقة؟ كان بداية الحكاية.

*********************


كانت ساحة الجامعة زحمة على الآخر، الطلبة رايحين جايين كأنها خلية نحل فـ بداية يوم جديد.

أصوات وضحك وخطوات سريعة، وشمس الصبح عاملة لمعة على الزجاج الكبير عند مدخل الكلية.


ماشية ليل بخفة، شنطتها على كتفها، وشعرها الأسود بيتحرّك مع الهوا بخفة كده، ورؤى ماشية جمبها مش ساكتة لحظة:


"والنبي يا بنتي، المحاضرات الصبح دي مؤامرة ضد الجمال!

مين عنده طاقة يفكّر الساعة تسعة الصبح؟!"


ضحكت ليل وقالت وهي بتغلس عليها:

"الجميلات يا رؤى مش محتاجين يفكّروا أصلاً!"


رؤى فتحت عينيها بدهشة مصطنعة:

"هاه! بتقولي كده عشان جبتي عشرين في المشروع، وأنا نسيت أضيف المراجع!"


ليل وهي بتضحك:

"ما قلتلك قبل كده، ما تعتمديش على ذاكرتك بعد نص الليل!"


فضلوا يضحكوا سوا وهما بيعدّوا من الساحة، وماخدتش ليل بالها إن في راجل واقف عند البوابة، عينه متعلقة بيها بصمت تقيل.


كان عاصم القاسمي واقف ببدلة رمادي غامق، أنيق أوي، كأنه طالع من إعلان عطور.

عينه السودة بتتابعها — البنت اللي كان يعرفها قبل كده من صور وملفات وتقارير بس.

بس دلوقتي؟

هي حقيقية.

بتتحرك، بتضحك، وبتنادي الحياة ببراءة تِغلي جواه إحساس غريب مش عارف له اسم.


همس لنفسه بصوت واطي كأنه بيكلم شبح قديم:

"أهو انتي أخيرًا… يا بنت زياد الزهراوي."


قرب بخطوات بطيئة، شايل شنطة صغيرة بإيده، ماشي بين الطلبة بعينه اللي متشوفش غير وش واحد.

كل حاجة فيه كانت محسوبة — خطواته، ملامحه اللي شبه الحجر، والبرود الأنيق اللي مخبّي وراه نار.


عند مدخل القاعة، ليل لفت فجأة وخابطت فيه من غير قصد.


"أوه! آسفة جدًا!" قالتها بسرعة وهي بتبص له.


اللحظة دي الزمن وقف.

بصّت في وشه — غريب، بس في حاجة فيه مألوفة… حاجة حَسّتها قبل كده ومش فاكرة فين.

عينه كانت سابتة عليها، لا فيها قسوة ولا لين، بس فيها عمق… كأنه بيبُص جواها مش عليها.


قال بصوت هادي، نبرته تقيلة:

"خلي بالك أكتر، الطرق هنا مش دايمًا آمنة."


ليل اتلخبطت شوية من كلامه الغامض، وبعدين ابتسمت بخجل وقالت:

"عندك حق، مش هتتكرر. شكرًا على التنبيه."


ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد تتشاف، وقال قبل ما يبعد شوية كأنه بيحفر ملامحها في دماغه:

"احرصي على كده… يا آنسة ليل."


اتجمّدت في مكانها، بصّت له بدهشة:

"إنت تعرفني؟!"


بس عاصم ما ردش.

لف وخرج بخطوات بطيئة، وداب بين الزحمة، سايب وراه سؤال بيزنّ في دماغها وارتباك مش لاقيه تفسير.


رؤى كانت واقفة جنبها، بتتفرج عليه وهو ماشي، وقالت بنبرة فيها خبث وضحك:

"مين الوسيم ده اللي يعرف اسمك قبل ما تعرفيه؟ فيه حكاية وأنا مش عارفاها ولا إيه؟"


ليل قالت وهي لسه متوترة شوية:

"ماعرفش… يمكن سمعه من حد."


رؤى ضحكت وقالت:

"يمكن… أو يمكن وقعتِ في أول مصيبة درامية الترم ده!"


ضحكت ليل بخفة، بس وهي داخلة القاعة، ماقدرتش تمسح النظرة دي من دماغها.

كانت نظرة فيها وعد… وعد مش فاهمة معناه لسه.

*******************


صوت الماتور كان مالي السكون جوّه العربية السودة الفخمة اللي راكنة في حتة مظلّلة جنب سور الجامعة.

عاصم قاعد في الكرسي اللي قدّام، عينيه سابتة عالزجاج الأمامي بس في الحقيقة مش شايفة غير وشّ البنت اللي خبّطت فيه من شوية.

ملامحها طرية، بريئة… وغريبة تمامًا عن عالمه اللي كله حسابات وانتقام.


مدّ إيده ورا وسحب ملف تخين، حطّه على رُكبته وفتحه بهدوء.

في أول صفحة… صورة ليل زياد الزهراوي، متصوّرة يوم حفل تخرّجها من الثانوي.

ابتسم ابتسامة فيها مرارة وخبث وقال لنفسه بهمس:

"زياد عمره ما هيعرف إني قرّبت… غير لما تبقى بنته جزء من دمي."


فتح الباب وجِه سليم الكرخي، لابس بالطو رمادي ونظارة سودا.

قعد جنبه وقال وهو بياخد نَفَس طويل:

"كنت عارف إنك هنا، قلت لنفسي مستحيل يبعد قبل ما يتأكد بنفسه."


عاصم ما ردش، قفل الملف ورماه على الكرسي اللي جنبه وقال بهدوء:

"شُفتها."


سليم اتفزّع:

"شُفتها؟! ليه يا عاصم؟! ما أنا قلتلك متقرّبش منها قبل ما نعرف الحقيقة كلها!"


بصّله عاصم بنظرة باردة كالسيف:

"الحقيقة باينة قدامي من تلات سنين يا سليم… زياد الزهراوي هو السبب في موت رائد."


سليم قال بنبرة فيها وجع:

"لأ يا عاصم، السبب مش هو. أنا دورت أكتر… الأوراق اللي اتوقّعت باسمه مش بخط إيده. في حاجة أكبر من زياد نفسه في الموضوع ده."


عاصم ولّع سيجارته بهدوء قاتل وقال:

"كفاية يا سليم… متحاولش تبرّئ اللي وسّخ إيديه بدم أخويا."


ردّ سليم بحرقة:

"يا عاصم، إنت عارف إني كنت بحب رائد أكتر من نفسي، بس هو كان عارف شغله في الشركة دي خطر. متسيبش الوجع يعميك."


عاصم رمقُه بنظرة فيها جرح وتهديد وقال:

"الوجع هو الحاجة الوحيدة اللي مخلّيني عايش… أما الحقيقة، فهصنعها بإيدي."


سليم بص له مصدوم:

"بإيدك؟! وعلى حساب مين؟ بنت مالهاش ذنب؟!"


عاصم سكت شوية وبعدين قال بصوت هادي يخوّف:

"بنت القاتل ما تتولدش بريئة."


سليم خبط بإيده على الكرسي بغضب وقال:

"إنت مجنون يا عاصم! هتدمّر نفسك قبل ما تدمّره! شُفتها، صح؟ بصّيت في عينيها وشُفت إنها مش عارفة حاجة."


ضحك عاصم ضحكة باهتة وقال وهو باصص قدّامه:

"هي دلوقتي مش عارفة حاجة… بس هتعرف قريب أنا مين.

وهخليها تحبّني بجنون… قبل ما تعرف ليه أنا دخلت حياتها."


سليم سأله بمرارة:

"وتسمي ده انتقام؟"


عاصم ردّ بنبرة جامدة:

"ده مش انتقام… دي العدالة."


ضغط برجله على البنزين، والعربية انطلقت زي وحش أسود بيشق الطريق، وساب وراه سليم ساكت وصوت الجملة بيرنّ في ودنه:

"بنت القاتل ما تتولدش بريئة."

*********************


القاعة رقم ٢٠٤ كانت عاملة دوشة رهيبة، الطلبة قاعدين يتكلموا ويضحكوا، في اللي بيتثاوب، واللي ماسك ورقه بيذاكر بخوف كدّاب، واللي متفقين يزوغوا قبل الدكتورة ما تيجي.


في الصف التاني، كانت ليل قاعدة جنب رؤى اللي لابسة نضارة شمس وكأنها داخلة فيلم تحقيقات.

وراهم كان زين متمدد على الكرسي باستهتار، وقدامه سليم الشرقاوي مركز في المذكرة كأنه داخل امتحان مصيري وسط كل الهيصة دي.


رؤى (تهمس):

– الساعة فعلاً تسعة وخمس دقايق؟ إزاي لسه ما جاتش؟ دي مخالفة لقوانين الطبيعة! الدكتورة سامية عمرها ما اتأخرت!


زين (بصوت تمثيلي):

– لأ يا ستّي، ده دليل إن نهاية العالم قربت! أول ما سامية تتأخر… اعرفي إن الكوكب خرب!


ليل (تضحك وهي بتغطي بقها بإيدها):

– زين، لو سمعتك، هتحذفك من سجل الطلبة للأبد!


زين:

– تحذفني عادي، أنا أصلاً عايش في قائمة الانتظار بقالّي سنتين!


سليم (يرفع عينه من الورق):

– يا زين، بدل الهزار ده، ذاكر، دي هتسألك النهارده عن الفصل التالت.


زين (ينطّ):

– أوووه! بلاش الاسم ده! “الفصل التالت” عند سامية كأنه تعويذة ممنوعة!


رؤى (تضحك):

– زين، والله لو كنت في العصور القديمة كانوا حطّوك في السيرك!


زين (ينحني بمبالغة):

– لأ يا هانم، كنت هبقى ملك المسرح وشاعر القاعة ٢٠٤!


ليل (تبتسم):

– والجايزة الكبرى… طرد نهائي من الجامعة!


ضحكوا كلهم، حتى سليم اللي نادرًا ما بيضحك، ما قدرش يمسك نفسه وقال:

– يا عم، لو سامية دخلت وشافتك بتضحك كده، هتخليك إنت اللي تدي المحاضرة!


زين (بنشاط):

– تمام! هبدأها وأقول: “أهلاً بيكم يا طلبة الأعزاء، النهارده هنتكلم عن طرق النجاة من سامية من غير ما تخسروا درجاتكم ولا كرامتكم!”


رؤى (تضحك):

– زين، كفاية، كده هتستدعيها بالأرواح!


وفجأة… الباب اتفتح بعنف!

القاعة سكتت في ثانية.

دخلت الدكتورة سامية بخطوات ثابتة، شايلة ملفاتها، وعنيها بتلفّ على الطلبة كأنها قائدة كتيبة.


سامية:

– صباح الخير… واضح إن المسرحية بدأت من غيري!


زين (يهمس لليل وهو مرعوب):

– الأرواح فعلاً استدعتها!


ليل (تهمس بخبث):

– ما تقلقش، هاحجزلك قبر صغير جنب القاعة… شكلك مش هتطلع منها عايش!


ضحكت بخفة وهي بتبصّ لقدّام، وسامية خبطت على الطاولة وقالت بجدية:

– طيب، نبدأ… واللي هيجاوب على سؤالي الأول هو بطل اليوم!


كلهم بصّوا على زين، اللي قال بصوت متهدّج:

– أنا مش بطل… أنا ضحية!


رؤى انفجرت من الضحك ومقدرتش تمسك نفسها، وليل حطّت إيدها على وشها وهي مستنية الكارثة اللي جاية.

***********************


المكتب الكبير اللي في آخر دور كان غارق في نور الشمس اللي داخل من الشبابيك الزجاج الكبيرة.

زياد الزهراوي كان قاعد ورا مكتبه الضخم، الورق مرمي حواليه، بس عينيه مش على الورق…

كان بيبصّ على صورة صغيرة متعلّقة على الحيطة — صورة قديمة ليه مع صاحبه اللي راح زمان، خالد القاسمي، أبو عاصم ورائد.


دخل أدهم بخطوات هادية شايل شوية ملفات، وراه مراد الشرقاوي، أبو سليم.

التلاتة باين عليهم تعب السنين، والهموم اللي ما خلصتش لحد دلوقتي.


زياد (بصوت واطي):

– تلات سنين يا مراد… تلات سنين وإحنا لسه بندور في نفس الدايرة.


مراد (بتنهيدة):

– رائد كان زي ابني يا زياد… كل ما أفتكر وشّه، قلبي مش بيصدق إن اللي عمل كده لسه حرّ.


أدهم (وهو بيحط الملفات على المكتب):

– البوليس قفل القضية بعد كام شهر، بس إحنا عارفين إن في حد لعب في الأدلة.


زياد (يقوم من مكانه بهدوء):

– خالد كان من أنضف الناس اللي عرفتها… خسر ابنه، وبعدها هو نفسه ما استحملش.

موته بعد الحادث مش صدفة… دي كانت روحه اللي اتكسرت.


يسكتوا شوية، والجو يبقى تقيل، قبل ما زياد يكمل بنبرة حزينة:

– كل اللي عايزه دلوقتي… أعرف الحقيقة.

مين قتل رائد؟ وليه؟


مراد (بهدوء):

– سمعت إن عيلة الصاوي ليهم ابن تاني… اسمه عاصم، صح؟


زياد (يهز راسه):

– أيوه… خالد كلّمني عنه مرة واحدة بس.

قال إنه مختلف شوية… غامض، ومبيحبش الظهور.

أنا شخصيًا ما شفتوش أبدًا.


أدهم:

– ما نحاولش ندور عليه؟ يمكن يعرف حاجة.


زياد:

– حاولت، بس ولا حد من اللي عرفوا خالد شاف ابنه بقاله سنين… كأنه اختفى من الدنيا.


مراد (يهمس بتوتر):

– ساعات بحس إن الغياب الطويل ده وراه حاجة… يمكن عاصم ده شايل حاجة في قلبه.


زياد (يرفع حاجبه ويبص له باهتمام):

– تقصد إنه يعرف الحقيقة؟


مراد:

– أو يمكن… عايشها بطريقته.


يسود صمت تقيل كده، كأن الجملة دي رمت ظِلّ غامض في المكان.

وبعدين أدهم يكسر الصمت:

– المهم دلوقتي نفتح الخيوط تاني.

أنا هراجع كل الأسامي اللي كانت بتتعامل مع رائد قبل ما يموت.


زياد (بحزم):

– اعمل كده.

ومش هرتاح غير لما اسم القاتل الحقيقي يظهر قدامي.


مراد (بحذر):

– بس خُد بالك يا زياد… أوقات الحقيقة ما بتداويش، بتفتح جرح جديد.


يبصّ زياد من الشباك ناحية المدينة البعيدة، ويقول بنبرة فيها إصرار:

– حتى لو فتحت ألف جرح… مش هسمح إن خالد ولا ابنه يتنسوا.


يمشي ناحية الصورة القديمة، يمد إيده ويلمسها بإيده المرتعشة،

ويهمس كأنه بيكلم صاحبه اللي راح:

– وعد مني يا خالد… هاعرف مين اللي دمّر حياتكم،

حتى لو اضطرّيت أواجه الدنيا كلها.

***********************


الجو كان لسه هادي، وبعد شوية صمت تقيل، مراد الشرقاوي تنفّس بعمق كده كأنه بيحاول يكسّر الكآبة اللي غطّت المكان.


مراد (مبتسم بخفة):

– كفاية بقى كلام عن الموت يا رجالة… الحياة كمان تستاهل شوية فرح، مش كده؟


زياد (بيرفع عينه له باستغراب بسيط):

– في إيه يا مراد؟ شكلك مخبّي خبر حلو؟


ابتسامة مراد وسعت، وعينيه لمعت بفخر واضح:

– أكتر من خبر كمان… عايز أقولكم إن بنتي ريما قرّرت تتجوز أخيرًا.


أدهم (يقوم من مكانه مصدوم وفرحان):

– بجد؟! ريما؟ الصغيرة اللي كانت بتجري ورانا بالحلويات أيام الجامعة؟!


مراد (ضاحك):

– أيوه يا راجل، الصغيرة كبرت، وداخلين على جواز دلوقتي.


زياد (مندهش وفرحان):

– يا نهار أبيض! ريما؟ ما شاء الله، ألف مبروك يا مراد… تستاهل كل خير.

مين بقى العريس السعيد الحظ؟


مراد:

– شاب جزايري محترم، اسمه كامل بن يوسف. اتقابلوا في مؤتمر استثماري في دبي، والدنيا جريت بسرعة.

شاب طموح ومؤدب، وناوي ياخدها تعيش معاه في الجزائر العاصمة بعد الجواز.


زياد (بحماس):

– كامل الجزايري! أيوه أعرفه، سمعته طيبة جدًا. ربنا يتمملهم على خير يا رب.


أدهم:

– طب وامتى الفرح؟


مراد:

– الشهر الجاي إن شاء الله.

وعشان كده أنا حبيت أعزمكم رسمي النهارده،

إنت وعيلتك يا زياد، وإنت كمان يا أدهم.

اليوم ده كبير بالنسبالي، ومش هيكمل من غيركم… إنتو إخواتي مش مجرد صحاب.


زياد (يمد إيده يصافحه بحرارة):

– إحنا فعلاً عيلة واحدة يا مراد.

تصدق؟ أنا فرحان بالخبر ده كأنها بنتي.

ريما كبرت قدامي زي بناتي بالظبط.


أدهم (مبتسم):

– وكمان هي أخت رؤى وليل بالروح، أكيد ليل هتغرقها أسئلة عن الجواز من أول دلوقتي!


مراد (ضاحك):

– تسيبها تسأل، يمكن المرة الجاية نبارك لها هي!


زياد (بيضحك):

– العاقبة لبناتنا يا رب… رؤى الأول عشان الكبيرة، وبعدين ليل لما تبطل عناد شوية.


أدهم (ساخر):

– رؤى؟ دي هتخطب شغلها قبل ما تخطب راجل!


مراد (مبتسم):

– أما ليل… دي مختلفة. فيها براءة تكفي تسيّح أقسى قلب.


زياد (بحنان واضح):

– دي فعلاً قلب البيت يا مراد، ضحكتها بتشيل الهم من عليا كل صباح.


مراد:

– احمد ربنا عليها يا صاحبي، مش كل أبّ ربنا بيرزقه ببنت بتنور له الدار كده.


تتقابل نظرات التلاتة في لحظة دافية نادرة،

نسيوا فيها كل اللي فات من ألم وخلافات وجروح.

ضحك بسيط يملأ المكتب، وكوبايات القهوة بتترفع نُخبًا للفرح اللي جاي.


بس وهم بيتكلموا ويتمنّوا الخير،

عدّت قدام الشباك عربية سودا فخمة،

جواها راجل لابس نضارة غامقة، واقف بيراقبهم من بعيد.


ميل شوية لقدّام، والنور كشف عن وشّه —

عاصم القاسمي، عينيه سابتهم من غير ولا كلمة.


همس لنفسه بصوت واطي، وابتسامة خفيفة رسمت على شفايفه:

– الفرح ما بيطوّلش يا زياد…

وهعلّمك يعني إيه تخسر اللي بتحبه.


العربية اتحركت بهدوء بعيد عن المكان،

وسابت وراها بداية خيوط قدر بتلف حوالين الكل… من غير ما حد يحس.


*تفاصيل الابطال.... 👇👇👇


ليل زياد الزهراوي (19 سنة)-البطلة- : فاتنة بعيون رمادية وشعر أسود كالليل، بيضاء البشرة رشيقة القوام، مزيج من الدلال والبراءة. شخصيتها مرهفة وحساسة، لكنها تملك روحًا جريئة تطلّ على العالم بفضول لم يُروَ بعد.


عاصم خالد القاسمي (31 سنة)- البطل- : رجل طويل عريض الكتفين بملامح قاسية ووسامة قاتلة، عيناه داكنتان تخفيان أسرارًا عميقة. بارد ظاهريًا، كاريزمته تفرض الهيبة، لكن قلبه يحمل مشاعر عنيفة تجاه ليل يخفيها خلف قناعه الغامض.


سليم الشرقاوي (21 سنة): وسيم أنيق بعيون زرقاء وشعر بني فاتح، ابتسامته دافئة دائمًا. عاش في الخارج بروح منفتحة، مرح ومخلص، ينظر لليل كأخته الصغيرة التي يحميها.


زين (25 سنة): معيد وسيم بشعر أسود مموج وعيون كحيلة، جسده رياضي وصوته يحمل خفة الروح. مرح ومحبوب لكنه يخفي في أعماقه جرحًا قديمًا.


رامي (27 سنة): شاب وسيم بوسامة ناعمة، عيناه خضراوان وشعره بني فاتح، ابتسامته ساحرة. مغامر جريء يجيد الغزل، طائش بعض الشيء، إعجابه بليل يتحول لصراع يثير غيرة عاصم.


نيروز (23 سنة): شابة فاتنة بشعر أشقر طويل وعيون زرقاء صافية، حضورها يخطف الأنظار. شخصيتها واثقة لكنها طيبة، تكن إعجابًا بعاصم لكن من دون خبث، بل تقف بجانب ليل وتدعمها في محنتها.


زياد الزهراوي (45 سنة): رجل طويل مهيب، شعره أسود يختلط بالشيب، وملامحه صارمة تعكس خبرته في الحياة. في داخله أب حنون لكنه يضع العائلة دائمًا في إطار الانضباط والمسؤولية.


حور الزهراوي (42 سنة): جميلة راقية بعيون عسلية وابتسامة دافئة، امرأة حنونة لكنها قوية، تعرف كيف توازن بين قلبها وعقلها.


أدهم الزهراوي (12 سنة): نحيل بوجه ذكي وعينين لامعتين، فضولي لا يهدأ، دائم السؤال وكأنه يريد أن يكبر أسرع من عمره.


مازن الزهراوي (10 سنوات): ممتلئ بعض الشيء، ملامحه بريئة وابتسامته مشاكسة، طفل مرح لا يعرف الهدوء.


أدهم الزهراوي (48 سنة): رجل قوي البنية بملامح جادة، يعيش بروح المسؤول الذي لا يتنازل عن واجبه تجاه العائلة.


جميلة أحمد (40 سنة): سيدة أنيقة الملامح رقيقة الحضور، طيبة القلب، حذرة دائمًا وكأنها تخشى على أولادها من العالم.


رؤى الزهراوي (19 سنة): فتاة رقيقة بشعر بني وعيون خضراء، هادئة وخجولة لكنها تحمل قلبًا وفيًا لا يتغير، صديقة ليل الأقرب.


كارم الزهراوي (5 سنوات): طفل صغير ممتلئ بالحيوية، عيناه سوداوان بريئتان، مدلل العائلة وضحكته تذيب القلوب.


مازن الزهراوي (42 سنة): رجل عملي بملامح قوية، يشبه شقيقته حور، عقلاني وهادئ، يزن الأمور بدقة.


ملك الزهراوي (38 سنة): سمراء الملامح الشرقية، روحها حنونة وصوتها مطمئن، عمة محبوبة.


محمد الزهراوي (11 سنة): فتى طويل قليلًا بالنسبة لعمره، وجهه بريء، شخصية هادئة تميل للكتب أكثر من اللعب.

الفصل الثاني من هنا


stories
stories
تعليقات