رواية سائق الموتي كامله جميع الفصول بقلم أندرو شريف
-وهي الحياة ايه غير يومين نعيشهم مبسوطين، أصلنا في الآخر ضيوف، ويوم ما يجي عليك الدور، هتقول يا ريتني.. مش كده يا استاذ؟
-ايه؟.. أه.. كده طبعًا، أنت في ايه ولا في ايه بس يا عم جابر.
-انا قولت أفوّقك معايا بدل ما انت دموعك على خدك من ساعة ما اتحركنا.
-وأنت كده بتفوقني يا عم جابر؟.. اسكت الله يرضى عنك ووصلنا.. المرحوم مستعجل.
-والله لو حد مستعجل يبقى انا.
-بتقول حاجة يا عم جابر؟
-انا؟.. لا، ادينا سكتنا وسايقين، المرحوم مستعجل وانا حاسس بيه.
وكمل في العياط ماوقّفش، وقتها ركزت في الطريق ومابصتلوش، لحد ما وانا خلاص قربت من المقابر، سمعت صوت حاجة بتتحرك ورا، وقتها سألت خالد ابن المرحوم وقولتله؛:
-هو المرحوم ردت فيه الروح، ولا مستعجل زي ما بتقول.. فيه حركة ورا يا استاذ خالد... استاذ خالد!.. انت معايا ولا نمت!
بصيت جنبي مالقتش استاذ خالد، ساعتها ومن الخضة فرملت بالعربية مرة واحدة، بصيت جنبي تاني عشان اتأكد، مالقيتهوش، وصوت الخلوشة اللي جاي من ورا اتكرر، فـ قلقت، استعذت الله من الشيطان الرچيم وأنا خايف أبص لورا:
-لا حول ولا قوة الا بالله، هي لو سلكت في جنازة الشغلانة تبوظ!.. أعوذ بالله من الشيطان الرچيم.
وقتها ومن ورا، صوت الخلوشة بقى صوت عياط، صوت قادر أميزه كويس، الصوت ده يبقى صوت استاذ خالد، بصيت ورايا، لقيته قاعد جنب الصندوق وحاطط راسه عليه وهو بيبكي، فـ لما اتطمنت، خدت نفسي وقولتله:
-ماينفعش كده يا أستاذ خالد، وايه اللي جابك ورا من أساسه.. لا حول الله، ماتجوزناش والله لأجل الحاجات اللي زي دي، أنا عارف.. هي شغلانة طين واشتغلناها.
ماردش عليا، وأنا دوّرت العربية واتحركت على المقابر زي ما انا، دخلت جوة ونزّلنا الصندوق، دفنا بعدها خدت حسابي وطلعت على القهوة، وزي ما متعود، زتونة نزل بحجر القص، وقتها قالي:
-أحلى حجر قص لعم جابر التمساح، حجر طارد للبلغم والبرد.
-أصيل ياض يا زتونة، فهمان وعارف اللي فيها، اقتنعت بقى إن الدخان بينعنش الصدر، يطردلك البلغم والبرد.
-تشرب حاجة تاني يا عم جابر؟
-أمّا أنت زتونة بيخللوك في ماية مالحة صحيح، انجر ياض وسيبني مع الحجر وحدينا.
-ماشي يا عم جابر، بس يا رب تدفع، مش زي كل مرة.
شديت من الحجر وقولتله يختفي من قدامي، بعدها مسكت موبايلي وقعدت أدوّر على موته كده ولا كده ناكل منها عيش، لاحسن سواقة الميتين دي مش جايبه همها، بس نقول ايه، ورثناها أبًا عن جد، والحزن بقى عادة، مابنحسش بيه غير فين وفين، أصل اللي يعيش حياته في الجنازات، ويفضل رايح جاي بالأموات، يخليك بارد، ثابت، ومايتهزلكش شنب، خصوصًا لو انت بتكلمهم وبيكلموك، هبة عندي مش كتير يعرفها، ولما حكيت عنها.. قالولي بيتهيألك ولا نايم.. بس هو فيه حد بينام وهو سايق!
بعد عشر دقايق من قعدتي على القهوة موبايلي رن، واللي بيتصل كان رقم غريب.. رديت عليه وكنت لسه هقول ألو.. الشخص اللي كان بيتصل قالي بصوت واحد بيطلع في الروح:
-جابر التمساح؟
-بنفسه وذاته.
-مافيش وقت، والساعة جت.. عايزك في جنازة دلوقتي، في أسرع وقت.
-لمين إن شاء الله؟
-ليا.
-بِعد الشر يا أستاذ، استهدى بالله بس واستعيذ بيه.
-هبعتلك فلوسك دلوقتي، ومستنيك.. اللوكيشن وصل.
وقفل السكة، عشان في ظرف دقيقتين ألاقي فلوس متحولالي، والفلوس دي تبقى ضعف اللي باخده في أي جنازة تانية، وقتها ماهمنيش مين هيموت ومين هيعيش، وبـ أعلى صوت قولت:
-الحجر التاني بسرعة يا زتونة، عندنا جنازة من بتوع ال vip
نزّل الحجر وشديته في السريع، بعدها قومت وقبل ما أمشي وأركب العربية قولتله:
-يبقى الميتين يحاسبوك بقى يا زتونة، عشان تجرني للسكة دي تاني بس.
واتحركت على اللوكيشن، أول ما وصلت الشارع.. عرفت البيت فين من لمّة الناس وصوت الصويت، ركنت تحتيه وأنا مش عارف أقول ايه ولا الخطوة الجاية المفروض تبقى عاملة ازاي.. أقولهم ان الميت كلمني قبل معاده، ولا أفضل ساكت.. واخترت الاختيار التاني، مشيت وسط الناس كأني مش عارف حاجة، سألت عن الميت، وانه اتوفى ازاي، عرفت إنه نام صحي ماقامش، فطلعت فوق وأنا في دماغي كلام كتير مش عارف هقوله ازاي، لحد ما واحد سألني انت مين، رديت عليه وقولتله اني جابر التمساح، صاحب عربية نقل الميتين، فعيط وقالي:
-لا حول الله.. احنا ماكلمناش حد والله.. سبحان الله، سبحان من سهل الأمور في وقت صعب زي ده.
-يا استاذ بس انا اااا.
-خش يا عم جابر.. خش برجلك اليمين.
-رجلي اليمين ايه يا استاذ، هي جنازة ولا جوازة، وبعدين انت مين اصلا؟
-محسوبك تريكة أخو متعب المرحوم.
-أه.. ده انتوا جايين في ماتش كورة وبلس تسعين.. وأنا أقول المكالمة جاية في اللحظات الآخيرة ليه.
-بتقول ايه بس يا راجل يا طيب؟
-والله انا ما فاهم حاجة.. بس ادينا ماشيين.
دخلت وراه وعرفت ان فيه دكتور جه كشف عليه، قال انه جاله سكتة قلبية وهو نايم.. بس سكتة قلبية ازاي بس، وهو مين اللي كان بيكلمني من شوية؟.. أنا أه كلمت أموات كتير، بس عن طريق مكالمة تليفون دي جديدة، فـ عشان مادخلش في سين وجيم، غسّلنا الميت وطلعنا تصريح الدفن بعدها حطيناه في الصندوق واتحركت بيه مع أخواته الاتنين.. أخواته اللي أصرّوا انهم يفضلوا قعدين جنب الصندوق طول الطريق، أمّا والدته والباقي طلعوا بعربية تاني، ساعتها وأنا في الطريق سألت تريكة وقولتله:
-وهو أخوك كان بيعاني من ايه بالظبط يا أستاذ تريكة؟
-ايه!.. أخويا.. أخويا ماكنش بيعاني من حاجة.. كان زي الفل، بس ساعته جت الله يرحمه.. أصله كان طيب وابن حلال، ساعدنا كتير وهو عايش، ومن بعده مش عارفين هنعمل ايه، ولا ايه يا عبد الغني؟
-أه والله.. الواحد مش عارف هيعمل ايه من بعده، وموته كان مفاجأة، صحيت الصبح وجيت أصحيه هو كمان، ماصحيش وماتحركش مع ان نومه خفيف، فـ قلقت بس حاولت تاني، ولما مافقش حطيت راسي على قلبه لقيته مش بيستجيب، يعني عطلان، وقتها كلمت الدكتور على طول، وعلى ما وصل قالنا انه مات عن طريق سكتة قلبيه.. ما اللي جراله الفترة الآخيرة قبل ما يموت ماكنش قليل برضه.. حياته كانت بايظة وخسر كتير.
-اه والله يا عبد الغني ياخويا.. بس جنازته سهلة أهي، وربنا بعت اللي يساعدنا.
استغليت كلامه وطلبت فلوس، قولت بما ان اللي بيحصل مش مفهوم ومش هنرغي فيه، فطلبت، عشان بكل هدوء تريكة يقولي:
-وفلوسك محفوظة يا عم جابر، كفاية تعبك معانا.
-كده الكلام مظبوط، وعم جابر مبسوط.. أصل التمساح مايحبش الجوع أبدًا، تلاقيه هادي هادي.. بس مرة واحدة هوب.. ياكلك لو سرحت.. أو حاولت تشغل دماغك عليه.
-ماتقلقش يا عم جابر، سوق بينا بس.. المرحوم مستعجل.
رديت بصوت واطي:
-مستعجل مستعجل، هم كلهم مستعجلين كده.
-قولت حاجة يا عم جابر؟
-قولت مسافة السكة.
وركزت في الطريق، بس وانا ماشي، حسيت بحركة جنبي، وخيال حد باين على ايدي، بصيت على الكرسي، لقيت شخص قاعد، والشخص ده كان متعب!..الجثة اللي في الصندوق!
قبل ما أنطق أو ألفت النظر، متعب اتكلم وقالي:
-لو تعرف أنا وصلت للصندزق ورا ازاي، ماكنتش كملت طريقك للمقابر عادي وكأن مافيش حاجة حصلت.
-هو انت ااا.. انت ميت مش كده؟.. يعني انا مش مجنون؟
-ومن امتى وانت مجنون يا عم جابر، بس انت لازم تساعدني، لازم تنهي كل الغلط اللي بيحصل ده، ومافيش حد غيرك هيقدر يعمل كده.
في اللحظة دي تريكة دخل في الحوار وقال:
-انت بتكلم حد يا عم جابر؟
-أنا؟.. لالا.. انت متهيألك بس.
بعدها بصيت لمتعب وكملت بصوت واطي:
-قول اللي عندك.. وانا هسمع.
-هحكيلك الحكاية.. من الأول خالص، لحد اللحظة اللي احنا موجودين فيها دلوقتي.
**
من وانا صغير كبرت واتربيت مع أهلي ووسط منطقتي، وطول الفترة اللي ما بين الابتدائية ودخولي للجامعة بعدها الجيش.. ماحبتش قد سهيلة بنت الحاج نعمان، البنت اللي خطفت قلبي وكل حاجة فيا من صغري، وحبي ليها يوم عن يوم كان بيكبر أكتر، لحد ما دخلت الجامعة واعترفتلها بحبي، خصوصًا اني حسيت بمشاعر متبادلة من ناحيتها، واحساسي طلع صح، سهيلة هي كمان طلعت بتحبني، ودخلنا في قصة حب كبيرة، اتطورت مع سنين الجامعة، لحد ما دخلت الجيش.. السنة اللي بيمر بيها شباب كتير، منها بيخسر حاجات هو ماتخيلهاش.. يمكن بيخسر نفسه عن طريقها، وأنا رفضت أستسلم لأي شعور باليأس ممكن يتملكني، وبقيت لما بتعب أوي، وبضعف.. بتصل بسهيلة، أحكيلها وتحكيلي، أقلب المواقف الصعبة لمواقف مضحكة خفيفة على القلب، وبالطريقة دي عديت أيام كتير صعبة، بس يؤسفني اني أخيّب ظنون ناس كتير وأقول إني ماتعلمتش أي حاجة من السنة دي بالعكس.. أنا اتعطلت عن مشاوير كتير كان نفسي أقطعها، لكنها وفي الآخر سنة ولا بد منها، وأهي انتهت، ودلوقتي انا بقيت قدام أهم مشوار، هو وإني هتحرك آخيرًا وهتقدم لسهيلة، بس في آخر أيام جيشي، وأنا خلاص قربت من أجازة الرديف، سهيلة اتغيّرت معايا، وبقى كلامها قليل.. حتى أحلامنا اللي كنت بتكلم فيها وهي من المفروض بتبقى مبسوطة، كانت بتسكت، ومابتتكلمش، سايباني أحلم لوحدي وكأنها مش جزء من الحلم ده، وقتها مارضتش أقولها مالك، أو أعمل مشكلة بعد ما خلاص قربت، والحلم بيني وبينه خطوة، ولما نزلت أجازة الرديف، وخلاص قعدت قدام أمي عشان أقولها على كل اللي جوايا وإني عايز اتقدم لسهيلة، لقيتها هي اللي بتقاطعني وبتقولي:
-أنا قولت لعبد الغني يتصل بيك ويقولك والله يمكن تقدر تاخد أجازة، بس هو مارضيش وقالي بلاش لا يلغولك اجازتك قصاد النزولة دي.
-ليه ياما.. عبد الغني عمل ايه للدرجادي.. ما تفرحيني معاكي كده.. واهي تبقى الفرحة فرحتين.
-فرحتين؟.. لا ده أنت تقول بقى يا واد.. فرحني الأول، ما صدقنا خلصنا من هم السنة دي يا قلب أمك وعايزين نفرحلك.
-لا قولي انتي بس ياما وانا هحكيلك كل حاجة.
-بشوقك يا ابن بطني، هنحكيلك.. عبد الغني أخوك حب واتحب.. لا وقرينا فتحته كمان.. بس والله والله قولتله كتير يكلمك، لكن هو مارضاش.. قالي أجازة الرغيف دي ولا اسمها ايه، كمان قالي حاجات انت كان نفسك فيها.
-أجازة ايه ياما.. ما تولع الأجازة، وهي قراية فتحة عبد الغني كل يوم!.. ده تغور مليون أجازة لأجل فرحته.
-كانت ليلة لوز والله يا واد يا متعب.. والبت سهيلة دي مقروضة.
الابتسامة اللي على وشي ابتدت تروح واحدة واحدة، بعدها وانا مش مستوعب قولت:
-سهيلة مين ياما؟
-سهيلة بنت الحاج نعمان.. هي عروسة أختك.
-سهيلة!.. سهيلة ازاي يعني ياما؟.. سهيلة ازاي ياما ردي عليا، وهي موافقة على العبط ده؟.. موافقة يتقري فتحتها على أخويا؟.. طب ليه؟.. دول خمس سنين ياما، خمس سنين حب ودلع وهدايا ومكالمات على الموبايل.. يروحوا كده في غمضة عين؟
-الكلام ده على مين يا متعب؟
-على المحروسة سهيلة.. على اللي اتقرى فتحتها على اخويا.. انتي عارفة انا كنت جاي اقولك على ايه ياما؟... انا كنت جاي أقولك اني عايز اروح اتقدم لسهيلة، حب عمري من وانا صغير، الاقيكي طالعة بالكلام وتقوليلي أخوك قرا فتحته عليها.
في اللحظة دي دخل عبد الغني وفي ايده سهيلة، كانت بتضحك ومبسوطة، بس اول ما شافتني ضحكتها اختفت، وبصت للأرض.. ماقدرتش تبص في عينيا بعد اللي عملته.. بعد ما راحت لأخويا وهي معايا، وازاي أصلًا!.. ازاي عملت كده وايه اللي حصل لده كله!.. انا كنت بحلم مثلًا؟.. ولا كل ده تمثيل في تمثيل وهي بتعمل فيا مقلب.. أو أنا بقى اللي اتعمل فيا المقلب:
-مالك يا متعب واقف كده ليه مابتتكلمش، مش هتبارك لاخوك ولا ايه ياض؟
-ليه؟.. ليه عملت كده؟.. وانتي يا سهيلة، نسيتي سنين الحب اللي بينا.. نسيتي أحلامنا وطموحاتنا.. نسيتي كل ده في غمضة عين كده، وكأن مافيش حاجة حصلت بينا.
-مالك داخل فيها شمال كده ليه ياض يا متعب؟.. ما براحة على مرات أخوك.
-أفهم من كده انك كنت عارف ووافقت تقرى الفتحة عليها؟
-أه كنت عارف، والناس كلها عارفة كمان، وهو بصاتك دي ماتتفهمش، كمان سهيلة حكيتلي وقالتلي كل حاجة، بس فيها ايه يعني، ما ياما الناس حبوا واتحبوا على ما يحبوا ويتحابوا تاني، واهي كلها مسميات، المهم هتلبس دبلة مين في الآخر.
-انت ازاي واخد الأمور ببساطة كده؟.. ازاي مش فاهم ان اللي عملته ده اسمه خيانة.. انت بتخون اخوك، وهي بتخون الشخص اللي حبيته من سنين.
-حيلك حيلك بس.. حب مين اللي انت بتتكلم عنه ده، سهيلة لو ماحبتنيش ماكنتش هتوافق، واهي قدامك، كانت داخلة ومبسوطة، تقولش وشك اللي عكر الأجواء، لكن سهلة يا دفعة، بكرة ربنا يكرمك وتحب تاني.. مش من نصيبك ياخويا، ومش هقول أكتر من كده، فـ نلم الكلام بمبروك وقضيت.
امي اتدخلت في نص الكلام بعد ما ابتدت تفهم اللي بيحصل قدامها، عشان تقولي وهي بتهديني...
