رواية سفاح التاكسي كامله جميع الفصول بقلم أندرو شريف
عشان توصل للمجرم أو القاتل، لازم تفكر كأنك هو، انسى انك متربي وابن ناس، لأن صدقني، لو فكرت بالطريقة دي عمرك ما هتوصل لحاجة، ولو وصلت، هيبقى حظ أو القضية كانت سهلة، لكن في القضايا التقيلة، مابيبقاش قدامك غير انك تعيش دور الضحية، بعدها تفكر زي المجرم، عمل كده ليه؟ الدوافع ايه؟.. لحد ما توصل لطرف الخيط اللي هيوصلك للمجرم، وبكده، القضية تبقى اتحلت وقلبك ارتاح، ووقتها تقدر تروح بيتك وتقعد وسط عيلتك وتفرفش معاهم شوية، بعد أيام صعبة عاشوها معاك، أو بمعنى أصح وأدق، مع مجرم رسمته في خيالك وعيشت حياته، والفترة دي انا عايشها دلوقتي، بعد ما قدرت أقبض على راجح الخميسي، اللي قتل عيلته وهرب، لكن على مين.
بس تعرف، دي مش المشكلة.. المشكلة ان بعد مرور اسبوع من القبض على راجح الخميسي، كنت قاعد في البيت وواخد اجازة اريح فيها اعصابي وأرجع العلاقات ما بيني وبين مراتي داليا وبنتي ملك، وقتها جتلي مكالمة من ماهر على الفجرية صحيتني من النوم.. وماهر ده يبقى ظابط محترم وله مستقبل، وانا دايما بقوله إنه عنده طريقة بتميزه عن غيره لأنه بيفكر برة الصندوق، وعشان كده بحب اشتغل معاه، بس معنى انه يتصل بيا دلوقتي، اكيد يبقى فيه قضية جديدة وكبيرة. وقتها فوقت من نومي ورديت عليه بصوت نعسان:
-نوعها ايه المرادي يا ماهر؟
-قتل على طريق سريع يا باشا.
-فين؟
-هبعت لحضرتك اللوكيشن حالا، وحقيقي احنا محتاجينك ضروري لاني شامم ريحة حاجة كبيرة.
-طب ايه اللي واضح قدامك لحد دلوقتي؟
-مافيش أي حاجة واضحة، بس طريقة القتل على قد ما هي سهلة، فهي غريبة.
-ماشي، اقفل وانا جايلك حالا، مسافة السكة.
-في الانتظار يا باشا.
قفلت السكة وخدت نفس عميق، غمضت فيه عيني وقولت لنفسي (قدرني يا رب).. بعدها قومت من على السرير براحة عشان ماصحيش داليا، غيرت هدومي وطلعت برة الأوضة واتمشيت لأوضة ملك بنتي وفتحت الباب براحة، دخلت وقعدت على طرف السرير وبوست ملك، وبعد ما اتطمنت عليها، قومت خدت مفاتيحي ومفاتيح العربية من على السفرة ونزلت، ركبت العربية وطلعت على اللوكيشن اللي بعتهولي ماهر، ولما بقيت على أول الطريق شوفت من بعيد عربيات الشرطة، أول ما وصلتلهم ركنت العربية، وقتها لقيت ماهر واقف فوق راسي وبيقولي:
-حمد لله على السلامة يا باشا.
-الله يسلمك يا ماهر، وصلت لايه؟
-مافيش جديد، كل حاجة مجهولة.
-مين المتهم؟.. والبلاغ من مين؟.. ايه يا ماهر؟ هو انا هعلمك شغلك.
-يا باشا كلام بديهي ومحفوظ، و...
قاطعته وانا منفعل:
-طالما عارف انه بديهي، ليه ماتعرفش حاجة لحد دلوقتي؟
-مش ده القصد يا باشا.. القصد اني اهتميت فعلا ان اعرف التفاصيل دي، لكن للأسف، القتيل ماعهوش أي حاجة بتدل هو مين ولا كان بيعمل هنا ايه، يعني احنا دلوقتي قدام شخص مجهول، اما اللي بلغ فهو واقف هناك جنب البوكس، كل اللي يعرفه انه شاف واحد واقع على الطريق، في الأول افتكره عمل حادثة او تعبان، ولما نزل وشافه لقاه واخد رصاصة وبينزف، ولحسن الحظ انه طلع دكتور، بس للأسف، وقت ما حاول يساعده كان خلاص، قطع في النفس.
-مافيش حاجة اسمها مجهول، طالما جوة حدود بلدنا يبقى هنعرفه، والجثة دي تطلع على المشرحة، والتقرير بتاعها يبقى عندي قبل ما الشمس تغرب، بلغ دكتور سليم بكده.
-بس دكتور سليم....
-ما بسش يا حضرة الظابط، ده شغله وده شغلنا، مش هنطبطب احنا.
-أوامرك يا باشا، يوصل حالا.
سابني ومشي، بعدها خدت بعضي واتمشيت لحد الجثة، ومع وصولي عندها، شوفت قدامي راجل عنده حوالي تلاتين سنة وواخد رصاصة في النص اليمين من دماغه، وفي دم كتير متجلط على الأرض، معنى كده انه هنا من مدة مش كبيرة ومش صغيرة، لكن الاقرب ان دي قضية انتقام، ولما القاتل خلص على الجثة رماها في حتة بعيدة، ماعرفش بقى الموضوع كان داير على فلوس ولا شرف، لكن المظهر العام للقتيل اللي قدامي، بيقول انه مايعملش مشاكل مع حد.
ولحد هنا، نيجي للنقطة التانية، الراجل ده متجوز، اه اضل مكان الدبلة في صباعه معلم، ومعنى كده ان ممكن يكون في ناس سرقوه وقتلوه، بعدها رموه على الطريق هنا، بس ايه اللي يخليهم يسيبوه في حتة مكشوفه زي دي؟.. علامات استفهام كتير مالهاش اجابة، لكن هنعرف جزء منها لما نكتشفت هوية القتيل، وبكده، هنقدر نوصل لطرف الخيط اللي هيوصلني للقاتل.
عدى حوالي ساعتين وانا في مسرح الجريمة، استنيتهم لحد ما اخدوا الجثة واتحركوا بيها على المشرحة، وبعد ما اخدوها ركبت عربيتي ورجعت البيت، وأول ما وصلت طلعت الشقة ودخلت الأوضة، وقتها سمعت داليا بتنادي عليا فماردتش عليها، طب ليه ماردتش، انا ابتديت في تقمص دور القتيل ومش عايز حد يخرجني منه، حتى داليا لما لقيتني مش برد، فهمت وسكتت، ومعنى سكوتها انها حضرت نفسها لدور الاكتئاب بتاع كل قضية، اصلها عارفة كويس انها داخلة على فترة انا هتحول فيها.. المهم، في اللحظة دي فردت جسمي على السرير وفضلت أفكر في الجريمة، لدرجة اني حسيت اوكرة الباب بتتحرك حركة خفيفة، وان في حد هيدخل دلوقتي ويخلص عليا، فمن تعب التفكير والتوتر روحت في النوم، وبعد ما نمت، فوقت وانا على نفس الطريق، وقتها حسيت اني طولت، ولما ركزت، لقيت شخص شايلني، بصيت في عينه لقيته مغيب وداخل في حالة نفسية صعبة، ومع تركيزي معاه سمعته وهو بيقول:
-ماحدش هيعرف، أنا لازم اتصرف.
معنى كده انه قاتل وانا القتيل، اتأكدت من معلومتي لما بصيت على الأرض وشوفت دم كتير بينقط مني، حاولت أصرخ ماعرفتش، كأن في حاجة مكتفاني، في اللحظة دي قطع حبل افكاري صوت رنة موبايلي، فوقت كالعادة من النوم وانا عارف اني كنت بحلم، بعدها بصيت على اللي بيتصل لقيته دكتور سليم.
-ايوه.. وصلت لايه يا دكتور؟
-الجثة يا فؤاد باشا، لسه فيها الروح.
-ازاي يا دكتور؟
-ممكن تيجي المشرحة دلوقتي يا باشا وانا هشرحلك كل حاجة.
-مسافة السكة.
قفلت معاه وقومت غيرت هدومي، ومافيش تلت ساعة وكنت هناك، ركنت العربية، وقبل ما اخش، شوفت فتوح الغفير قاعد على الباب.
-صباح الفل يا فؤاد باشا، دكتور سليم مستنيك جوة.
-داخله يا فتوح.
ضحك ضحكته السمجة وهو بيرد عليا:
-لو عاوز اي حاجة فتوح في الخدمة يا باشا.
ماردتش عليه ودخلت، وقبل ما اوصل لأوضة التشريح شوفت دكتور سليم، كان واقف ومعاه اتنين دكاترة، أول ما شافني طلب من الاتنين اللي معاه يمشوا وشاورلي من بعيد عشان اجيله، فقربت منه وانا بقوله:
-يعني ايه الجثة لسه فيها الروح؟
-يعني القتيل داخل في غيبوبة، وفي الحقيقة أنا ماعرفش ممكن يفوق منها ولا لأ، بس هو لسه فيه الروح، ولو ربنا أراد وكتبله عمر جديد، هيفوق.
-انت متأكد من اللي انت بتقوله؟
-وانا عمري قولتلك حاجة غلط ياباشا؟!
-لأ، بس لو المجني عليه فاق، بكده القضية هتبقى اتحلت وبنسبة كبيرة كمان.
-والمطلوب يا باشا؟
-تشوف شغلك، ومش عايز حد يعرف انه لسه عايش، وانا هوصي اتنين عساكر يراقبوا الأوضة اللي فيها المجني عليه، ومن اللحظة دي مش عايز حد يخش ولا يطلع، ما عدا انت طبعا.
قبل ما يرد عليا موبايلي رن، واللي كان بيتصل هو ماهر، استأذنت سليم ورديت، وقبل ما انطق بأي حاجة، اتكلم هو وقالي:
-اسف على الازعاج يا فؤاد باشا، بس احنا لقينا تاكسي متبلغ عنه، واقف في نص طريق سريع وموقف الدنيا.
-اتصل بشرطة المرور يا ماهر، ماتضيعش وقتي بتفاهات.
-ما تقريبا كده يا باشا صاحب التاكسي هو القتيل بتاع امبارح.
-ازاي الكلام ده؟
-احنا لقينا فلوس ودبلة ومحفظة، وجوة المحفظة بطاقة، وصورة صاحبها تشبه القتيل بالظبط، والمقتنيات اللي لقيناها جوة بتدل على انه هو، خصوصًا ان فيه اثار دم متجلط على كرسي السواق.
-طب ابعتلي اللوكيشن وهجيلك حالا.
-أوامرك يا باشا.
ثواني ورسالة اتبعتتلي على الواتساب باللوكيشن، بعدها أكدت على دكتور سليم ان مافيش مخلوق يعرف باللي بلغهوني، ولما خلصت معاه، اتحركت على المكان، وأول ما وصلت دورت على ماهر ومالقتهوش، لحد ما سمعت صوته وهو بيقولي من ضهري:
-في معادك يا فؤاد باشا، احنا فتشنا التاكسي حتة حتة ومافيش حاجة مسروقة، حتى الحاجات اللي اتسرقت من القتيل امبارح لقيناها موجودة زي ما هي في العربية، الحاجة الوحيدة بس اللي ماكانتش موجودة هي البصمات، لا وكمان...
قاطعته لما أخدته على جنب وقولتله:
-المجني عليه لسه عايش وداخل في غيبوبة، وانا بلغت دكتور سليم انه مايعلنش عن الخبر، احنا مانعرفش القاتل لما يعرف ان ضحيته لسه عايشة هيعمل معاها ايه.
-الواضح كده اننا قدام واحد بينتقم من السواق، اصلنا لقينا ورقة في العربية مكتوب فيها "لن أنساكِي" بتوقيع الباكي.
-طب بص، انا عايزك توصل لمرات ال..
-اسماعيل يا باشا، اسمه اسماعيل علي، عنده 33 سنة ومواليد محافظة القاهرة.
-حلو، عاوزك توصل لمراته أو أهله وتخليهم يجولي على مكتبي.
-أوامرك.
-النهاردة يا حضرة الظابط، مفهوم؟
-مفهوم يا باشا.
رجعت على النيابة جمعت الأدلة كلها قدامي، بعدها مسكت الورقة اللي لقوها في التاكسي وكانت مبلولة، ماعرفش هي كانت كده ولا اتبلت مني، لكن كلمة الباكي ماكنتش واضحة أوي، بس الأكيد إن كل حاجة هتوضح لما نقابل أهل المجني عليه، اكيد هم هيعرفوا لو فيه خلافات بينه وبين حد تاني، وقتها بس المهمة هتبقى اسهل.. وفضلت على الحال ده وانا بفكر، لحد ما باب مكتبي خبط.
-اتفضل.
جمعة العسكري فتح الباب و دخل.
-نعمة مرات المجني عليه برة يا باشا.
-خليها تدخل يا جمعة.
-أوامرك يا باشا.
نده على مرات المجني عليه ولحظات ودخلت، بعدها عبد السميع دخل وراها، قعد على مكتبه الصغير اللي جنب مكتبي، ولما جهز شاورتله عشان يبتدي كتابة، وقبل ما أقول أي حاجة الست عيطت وقالتلي:
-هو اسماعيل حصله ايه يا باشا، ابو العيال مات؟... جوزي أبو عيالي، خلاص كده، راح؟
-اهدي يا نعمة، جوزك لسه فيه الروح، وبدعواتك هيقوم وهيبقى بخير، وعلى ما يقوم بالسلامة، عايزين نعرف منك معلومات مهمة عن اسماعيل، يعني، لو حد بيكرهه، او في خلافات الفترة الأخيرة بينه وبين شخص حكالك عليه، حاجة شبه كده، ومن فضلك يا نعمة، احكي كل حاجة بالتفصيل عشان حق اسماعيل يرجع.
-يا باشا اسماعيل غلبان، ليل نهار شغال على التاكسي عشان يأكلني انا وعياله بالحلال، لكن خلافات وكلام من ده، ماحصلش، اصل لو فيه كنت هبقى اول واحدة اعرف، لكن هو، غلبان، والله العظيم غلبان، انا اللي غلطانة، يا ريتني ما نزلته في ساعة متأخرة زي دي، بس هو راسه والف سيف ما يستلف ويدفع مصاريف العيال من جيبه.
كملت كلام وهي بتبكي بحرقة:
-يا مرك يا نعمة، سندك راح وبقى ضهرك مكشوف.
-اهدي يا نعمة وحق جوزك هيرجعلك، المهم دلوقتي تركزي معايا، انتي تعرفي واحد اسمه الباكي؟
-الباكي، يطلع مين الباكي ده يا باشا؟
شديت منديل من على المكتب ومديت ايدي بيه.
-خدي المنديل وامسحي دموعك، حق جوزك هيرجعلك، ولو فيه اي معلومة جديدة عرفتيها، يا ريت تبلغينا.
بعدها ضربت جرس لجمعة اللي دخل المكتب وخرج نعمة، وبعد ما خرج عبد السميع هو كمان طلع، ريحت ضهري على كرسي المكتب وطلعت سيجارة من الدرج، ولعتها وشديت نفس، خرجته بضيق وانا بقول لنفسي، (يطلع مين الباكي ده يا فؤاد).. قطع تفكيري ماهر وهو بيرن عليا، رديت عليه، وقبل ما انطق واقول اي حاجة، اتكلم وقالي...
