رواية ندوب وهواجس عشاق الفصل الاول
*** عندما يكون هناك ظلام سيكون هناك ألام و لكنها لا تلتئم بسهولة حتى مع مرور الدهر فعندما يعيش شخصًا حياة قاسية تتولد به القساوة و الفتور ولا يعد كما كان فى السابق و كيف يعود لطبيعته و هو لا يرى أحد يتشبث بيده ليكون دوائه الذى ينتشله من ذاك الظلام الحالك ، لكن قدره كان يخبئ له شئ أو لا ليس شئ بل شخص ، لا. لا ليس شخص بل ملاك ، نعم ملاك ...ملاك بهيئة إنسان ... لا يوصف جمالها بالياقوت ، ولا يُوصف طيبة قلبها النقى بالألماس ، فهل يمكن أن تكون تلك الملاك من تنتشل القاسى المتبلد من ظلامه ؟ ***
فى إحدى الشركات الكبرى المتعارف عليها فى الوطن العربى فى الصباح المشرق الجميل حيثُ تتسلل أشعة الشمس على زچاچ النافذة التى كان هو يقف أمامها بزيتونية عينيه القاسية ، ملامحه الرجولية الوسيمة و أناقته الفائقة الجذابة كان يقف و هو يحدق أمامه بأعين باردة و فاترة لا يكمن بها الروح و يتذكر كيف أستطاع أن تمر عليه تلك السنوات و هو لم يحقق غايتهُ بعد ، جميع الناس تعتقد أن أى رجل أعمال مشهور يكون هدفه من صغره أن يصبح له مكانة مرموقة بين مجتمع رجال الأعمال لكنه لم يكن يريد كل هذا ، هذا لم يكن حلمه منذ البداية، لم يكن ذلك الطريق الذى أراد دربه فى حياته ، ثم أبتسم بتهكم و هو يقول لذاته بنبرة هادئة باردة مُختلطة بسخرية
ــ " وهو كان مين مهتم أصلا باللى عاوزه؟ أو ... بيا ... كلهم بيشوفوا اللى برا و بس و هيفضلوا كده طول عمرهم "
كان يقولها و علامات الغضب تكتسح وجهه بشدة لدرجة أن عروق وجهه كانت تبرز منه و كأنها سوف تنفجر منه إلى أن يموت و مره واحدة إرتخت ملامحه و هو يتذكر طفولته ثم هى ... هى التى كانت كل ما يملكه و لا يملك أحدًا غيرها و لكن عينه خدعته عندما بدت عبرة تهطل منه و أكتسح وجهه الحزن الشديد و قلبه يعتصر من الألم بشدة و دمعه فرت من عينه مسرعا بإزالتها لكى لا يراه أحد من الموظفين إتجه إلى المقعد الخاص بمكتبه الذى حقا صمم بطريقةً إحترافية و بدأ يباشر عمله بأجتهاد ... وبعد قليل سمع صوت طرقات على الباب و أمر الطارق بالدلوف دلفت السكرتيرة إلى المكتب الخاص به و هى تقف أمامه مخفضة عينيها أمامه بأحترام فهى على الرغم من أنها تعمل معه إلا أنها ترهبه كثيرا ...وقع على الأوراق وهى أخذتهم و خرجت من المكتب و هو عاد ينظر مره أخرى فى الفراغ أمامه إلى أن دلف عليه صديقه معتز و هو كان أقرب صديق له جلس أمامه و هو يراه شاردًا غير منتبه لشىء من حوله
ــ " إيه يا مراد سرحان فى إيه ؟ "
ثم انتبه مراد لصديقه الذى يُخاطبهُ بتساؤل ثم تنهد بإرهاق و هو يُجيب عليه بهدوء
ــ " ولا حاجه يا ابنى أنا كويس كنت بس منشغل و تعبان شويه لكن أنا كويس الحمد لله "
ــ " ألف سلامه عليك يا صاحبى عارف إنك بتيجى على نفسك كتير علشان الشركة و بتتعب أوى ربنا يكون في عونك "
ــ " يارب المهم شوفت الإيميل اللى بعتهولك "
ــ " أه شوفته و بعته كمان للشركة الأجنبية اللى هنتعاقد معاها مش عارف أقولك قد إيه الشركة دى هتفرق معانا أوى "
ــ " معاك حق هى فعلا شركة كبيرة بس إحنا مش محتاجين حد يعلينا لأن إحنا كده كده عاليين من يومنا ممكن بس الشركة دى تزودنا بس فى قوتنا الأساسية و إن شاء الله نقدر نكسبها و بعدها هنقدر نطور الإنتاج بتاعنا و محدش هيقدر ينافسنا فى السوق "
ــ " معاك حق يا صاحبى إحنا كل ماده ما بنعلى أكتر و أكتر و شركتنا بقت رقم واحد على مستوى الوطن العربى كله "
كان يريد أن يقول حقا إن تلك الشركة أصبحت من أشهر الشركات فى الوطن العربى لكن مع الأسف كان هذا الشيء يأتى عليه هو عكس ما أراد فإن تطور تلك الشركة أخذت سنين عمره التى كان يحلمُ فيها بأشياءٍ عديدة كان يتمناها لكن ماذا حدث لم ينل أى شىء بالمقابل ظل هكذا حتى أصبح عمره ثلاثون عاما و كان فقط يرى ذاته أنه ليس له قيمة لأحد فهو فقط مُجرد عبدًا لتنفيذ رغباتهم لا أكثر ... تنهد بصعوبة و حاول أن يتحدث بثبات أمام صديقه لكى لا يلاحظ عليه شىء
ــ " فعلا إحنا تعبنا أوى لحد ما وصلنا لحد هنا و إن شاء الله نفضل كده علاطول"
معتز استغرب جدا نبرة صوته و حاول أن يعرف ما خطبه
ــ " مراد أنت كويس "
ــ " أنا كويس متقلقش عليا "
ثم نهض من على المكتب و هو يتجه للباب و لكن قبل أن يفتحه ليغادر أوقفه صديقه عندما قال له
ــ " مراد أنت فاكر إنهاردة "
مراد أغلق عينيه بحزن شديد لكنه حاول تصنُع القوى أمامه فمعتز صديقه منذُ أيام الجامعة و كان يقص له كل شئ عن حياته و معاناته فهو كان أخًا له طوال ذلك الوقت حاول أن يتمالك ذاته و هو ينظر له و يقول له بنبرة خالية من الحياة
ــ " أيوه فاكر "
ثم قام بوضع نظارته الشمسية السوداء على عينيه الزيتونية الحزينة و هو يفتح باب المكتب ليغادر ... كان يسير و هو لا يشعر بشىء يُعتبر شبه فاقد للحياة، يشعر وكأنه آلة، لتلبية رغبات من حوله، لكن هو لا شىء أبدا. و لكن من سيشعر به، من سيكون بجانبه، و هو لا يجد أحدا، يتشبث بيده و يدعمه بحياته. كان فقط يستسلم لرغبات من حوله فقط. خرج من الشركة و صعد إلى سيارته و هو يتوجه إلى منزله ... وبعد وقت وصل إلى القصر الخاص بعائلة السويفى ترجل من السيارة و دلف إلى القصر و وجد الخادمة
ــ " أهلا وسهلا يا مراد بيه "
ــ " أهلا بيكى يا داده فاطمة الهانم فوق "
ــ " أيوه يا باشا فى أوضتها هى كل يوم لما أنت بتمشى بتفضل قاعده فى الأوضة لحد ما تيجى "
مراد بهدوء مختلط بأمر : " طيب جهزي الغدا عقبال ما أغير و أجيبها و أجى "
فاطمة بطاعة : " تحت أمر حضرتك "
غادرت الخادمة من أمامه و اتجهت للمطبخ و هو صعد إلى غرفته و دلف إلى المرحاض أخذ حمامه اادافئ ليقوم بتهدأة جسده المتصلب و أرتدى بذلته السوداء الأنيقه و كان حقا يبدو جذابًا جدا بهيئته المهندمه و الوقورة ثم خرج من الغرفة وأتجه إلى غرفة والدته سعاد طرق الباب ثم قام بالدلوف إليها و جدها و هى تجلس على فراشها و هى عندما رأته ابتسمت له بسعادة و هى تستقبله
ــ " مراد حبيبى، عامل إيه؟ تعالى فى حُضنى "
أتجه إليها و علامات البرود على وجهه لهذه الدرجه لا شىء قادر على التأثير عليه لا شىء يستطيع أن تخرجه من دوامته السوداء التى لا تنتهى هو يعرف أنه سيظل هكذا طوال حياته لا أحد يعرف ما بداخله جلس بجانبها و هى تربت على ظهره بحنان أمومى
ــ " عامله إيه يا أمى؟ "
ــ " الحمد لله يا حبيبى أنت أخبارك إيه؟ و شغلك
عامل إيه ؟ "
" الحمد لله كله كويس و ماشى متقلقيش و يلا بقى عشان نتغدا سوى عشان ورايا مشوار مهم أعمله بعدها "
نهض من على الفراش و هو يتجه إلى الباب لكنها أوقفته بكلمتها
ــ " هو انهارده يا مراد؟ "
أستدار لها و هو يعرف ماذا تقصد بكلمتها تلك فهى تعرف كل شئ على عكس والده التى لم يكن مهتم به و هو يقول لها بنبرة تميل إلى الهدوء و الثبات
ــ " أيوه انهارده "
أنهى كلماته و خرج سريعًا من الغرفة ... أما هى نظرت له بحزن كبير فهى تعرف مدى أهمية هذا اليوم لمراد فهو لم ينسى ولا سنة ذلك اليوم الذى تعهد به على ذاته أن لا ينساه يوم
ــ " ربما يكون فى عونك يا مراد يا ابنى "
نهضت من على فراشها و خرجت من الغرفة و هبطت إلى الأسفل وجدته يجلس وهو ينتظرها جلست على الطاولة و بدأوا بتناول الطعام و بعد وقليل نهض مراد من على الطاولة
ــ " الحمد لله شبعت أنا ماشى عاوزه حاجه منى "
ــ " لأ يا ابنى، خلى بالك من نفسك بس لا إله إلا الله "
ثم انحنى لها و هو بُقبل يدها و يقول لها
ــ " محمد رسول الله مع السلامة "
ترك مراد القصر، و ارتدى نظارته الشمسية السوداء، ثم خرج متوجهًا إلى سيارته، و كان الحراس الخاصون به فى انتظاره، لكنه أمرهم أن لا يأتوا معهُ، وأنه سيذهب وحده، استقل سيارته، و سار بها نحو وجهته، و قلبه مُثقل بالأفكار و المشاعر. بعد فترة وصل إلى المقابر القديمة التى تحمل عبق الذكريات، ترجل من سيارته، حيث وقف أمام قبر قديم، يلفت الصمت. خلع نظارته الشمسية، و انحنى على ركبتيه أمام القبر، و ملامح الحزن و الألم مرسومة بوضوح على وجهه، ليردف و هو يمرر يده على القبر بحزن و شوق قائلا:
ــ " وحشتينى ... وحشتيني أوى بقالى قد إيه مشوفتكيش، مسمعتش صوتك الجميل، و مبتاخدينيش فى حضنك، تطبطبى عليا لما أزعل أو أتعب "
تدفق الكلام من قلبه، كأنما كان يتحدث إلى روحها، عائدا إلى تلك اللحظات التى كانت فيها بجانبه. استرسل فى حديثه، و كأن الكلمات تحمل كل ما عجز عن قوله طوال السنوات الماضية.
ــ " تعرفى إن كل الناس بتتكلم عنى فى الجرايد و المجلات و بقيت رجل أعمال ناجح قد إيه، كل الناس بتبص عليا على الشخص الناجح العظيم ، اللى بقى أشهر واحد فى الوطن العربى. كلهم بيبصوا على مراد رجل الأعمال المشهور لكن محدش بص على مراد الطفل البرىء اللى كان هدفه فى حياته بسيط جدًا. "
أخذ نفسًا عميقا، و اعتصر قلبه ألم الفراق، لم يكن مجرد رجل الأعمال الذى يراه الآخرون، بل كان هُناك طفل داخله، يحمل أحلامًا بسيطة.
ــ " بس تعرفى حتى الحلم أستكتروا عليا و مكنش من حقى حتى أحلم لازم أبقى واحد كل الناس بتخاف منه و بتعمله ألف حساب علشان سُمعته و فلوسه و قوته مشفوش إن أنا كل ده مفرقش ليا قد ما كان فارق معايا يعرفوا أنا عاوز إيه فى حياتى "
انهمرت دموعه بحرقة، و هو يتحسس القبر و كأنه يلمس وجهها الذى اشتاق إليه بشدة.
ــ " اضطريت على كل ده علشان أعيش مكنش فى أى حاجه فى دماغى غير إنى أعمل كده عشان أعيش لكن دلوقتي أنا بتمنى الموت علشان أشوفك "
تحدث و كأن الوقت قد توقف، و كأن العالم من حوله قد اختفى.
ــ " و أضمك ليا تانى و مخرجش من حضنك أبدا "
كانت كلماته تنبع من أعماق قلبه، تحمل كل آلامه و أحزانه. هو حقا لم يعد قادر على الاحتمال ففراقها و هذا العالم القاسى قد جاء عليه كثيرا فهو حقا لم يعد يحتمل أو يُرحم من أحد فى هذا العالم ، لم يعد أحد يعرف إن كان حقا يعيش أم أنه يموت كل يوم من العذاب الذى يشعر به.
ثم قام بإزالة عبراته سريعا، و نهض و هو يضع نظارته الشمسية. و قبل أن يغادر، نظر إلى القبر نظرة أخيرة، و قال بهدوء و حزن:
ــ " الوداع يا أُمى "
خرج من المقابر ، و توجه إلى سيارته وصعد بها و هو يفكر فى مستقبله، هل يمكن أن يظل هكذا طيلة حياته القادمه؟ ، هأ. و حتى إن أراد أن يتخلص من كل هذا من سيمُده؟ تساءل فى نفسه: " هل يمكن أن ينزل الله شىء من السماء يخلصه حقا؟ "
و لكن ما قطع شروده فجأة عندما رأى فتاة أمامه و أقترب ليصدمها و هو أنصدم حقا و لم يعد يعرف ماذا يفعل ؟ كان هُناك مزيچ من الدهشة و الخوف
