رواية خلف زجاج النظارة الفصل الحادي عشر
في هذه اللحظة، فُتح الباب بحدة. دخلت أسيل وهي تحمل صينية عليها أكواب العصير، لكن الصينية كادت أن تسقط من يدها. تجمدت مكانها، رأت القرب المريب، رأت نظراتهما التي فضحت كل شيء.
— أسيل بصوت مهتز يملؤه القهر: "كمال؟ همس؟ أنتم.. أنتم بتعملوا إيه؟"
ارتبكت همس وابتعدت بسرعة وهي تحاول هندمة ملابسها، بينما حاول كمال استجماع شتاته: "أسيل.. إحنا كنا بنراجع فكرة البرج، أنتي فهمتي غلط!"
لم تنتظر أسيل سماع الأعذار. صرخت في وجه همس بحقد وهي تبكي بانهيار: "فهمت غلط؟ أنا شوفت نظراتكم! أنتي يا همس؟ بعد ما قاسم سابك جاية تاخدي خطيبي؟ أنتي أحقر واحدة شوفتها في حياتي!"
اندفعت أسيل خارج المكتب وهي تشهق بالبكاء، تاركة خلفها دماراً نفسياً. ركض كمال خلفها وهو ينادي باسمها: "أسيل استني! اسمعيني!" لكنها كانت قد وصلت للمصعد واختفت.
في ممر الشركة.. عرض الشيطان
خرجت أسيل من مبنى الشركة والدموع تغطي وجهها، كانت تمشي بلا هدى، تشعر أن كرامتها وخطيبها يضيعان من يدها. وفجأة، اعترض طريقها رجل بملامح هادئة ومخيفة.. إنه صقر.
وقف أمامها وقال بنبرة واثقة:
— "الدموع دي غالية أوي يا آنسة أسيل.. والوجع اللي في قلبك سببه معروف. العقبة اللي في حياتك هي (همس)، وطول ما هي موجودة، كمال عمره ما هيكون ليكي لوحدك."
توقفت أسيل ونظرت إليه بذعر وهي تمسح دموعها: "أنت مين؟ وعايز مني إيه؟"
ابتسم صقر ومد يده بكرت صغير عليه رقم هاتف مجهول:
— "أنا اللي هخلصك من العقبة دي للأبد. الباشا معجب جداً بذكائك، وعارف إنك مظلومة. خدي الرقم ده، وفكري.. لو عايزة تخلصي من همس وتخلي كمال يركع تحت رجلك، كلميني وتجيلي للباشا نتفق. القرار في إيدك.. يا تفضلي تعيطي، يا تاخدي حقك."
نظرت أسيل للكرت بريبة وخوف، كانت يدها ترتجف. لم تنطق بكلمة، سحبت الكرت منه بسرعة ووضعته في حقيبتها، ثم ذهب نحو تاكسي وهي لا تشعر إلا بنبضات قلبها المتسارعة وصوت صقر يتردد في أذنيها.
عاد كمال إلى المكتب بخطوات متعثرة بعدما فشل في اللحاق بأسيل التي انطلقت بسيارتها كالبرق. وبمجرد أن فتح الباب، وجد همس منهارة تماماً؛ كانت تجلس على الأرض بجانب طاولة الرسم، تخبئ وجهها بين يديها وصوت شهقاتها يمزق سكون المكان.
اندفع كمال نحوها وجثا على ركبتيه أمامها، مد يده المرتجفة ليلمس كتفها محاولاً تهدئتها:
— "همس.. اهدي يا همس، أرجوكي كفاية عياط. أسيل بس مصدومة وأنا هفهمها كل حاجة."
انتفضت همس ونظرت إليه بعيون حمراء غارقة في الدموع، وبدأت تصرخ في نفسها بانهيار:
— "أنا حقيرة يا كمال! أسيل عندها حق.. أنا إزاي سمحت لنفسي بكدة؟ أنا خاينة! خاينة لأختي اللي المفروض أحميها. أنا مكنش قصدي حاجة والله، أنا كنت بشرح المشروع.. بس ليه حسيت بكدة؟ ليه النظرة دي؟ أنا مش عايزة أكون سبب في وجعها يا كمال، هي لازم تعرف إني مستحيل أعمل كدة!"
بدأت تضرب برأسها بخفة وهي تكرر "أنا حقيرة"، فما كان من كمال إلا أن جذبها من يديها بقوة وأطبق ذراعيه حولها، دافناً رأسها في صدره ليقطع صرخاتها.
— كمال بصوت عميق يملؤه الحنان والصدق:
"اششش.. اهدي.. أوعي تقولي عن نفسك كدة تاني. أنتي أنقى وأجمل قلب أنا شوفته في حياتي يا همس. أنا اللي قربت، وأنا اللي ضعفت، أنتي ملكيش ذنب في مشاعر أكبر مني ومنك. أنتي مستحيل تخوني يا همس، والكل عارف إنك أطيب إنسانة في الدنيا. أرجوكي متموتيش نفسك بالذنب، أنا جنبك ومش هسيبك."
في تلك اللحظة، توقفت همس عن المقاومة. سكنت تماماً بين ذراعيه، واستسلمت لذلك الدفء الذي طالما اشتاقت إليه دون أن تدري. أحكمت قبضتها على قميصه وتشبثت به وكأنها غريقة وجدت أخيراً شاطئ الأمان. استنشقت رائحته التي منحتها سكينة غريبة، وشعرت لأول مرة منذ سنوات أن هناك من يحميها حقاً، ليس من العالم فحسب، بل من شتات نفسها.
كان كمال يشدد من ضمتها وكأنه يغلق عليها أبواب العالم، يهمس في أذنها بكلمات طمأنينة، بينما كان "زجاج نظارته" يخفي دمعة حارقة نزلت من عينه.. دمعة فرح بوجودها في أحضانه، ودمعة خوف من القادم الذي يهدد هذا الصفاء المسروق
في تلك اللحظة التي اختلطت فيها أنفاسهما، استيقظ الضمير داخل همس كصرخة مدوية في وادٍ سحيق. دفعت كمال عنها بقوة مباغتة كادت أن تفقده توازنه، ونظرت إليه بعينين يملؤهما الرعب من نفسها قبل أن يكون منه. كانت ترتجف، ليس من البرد، بل من ذلك الأمان "المحرم" الذي شعرت به بين ذراعيه.
بكت بانهيار وهي تلملم شتات روحها المبعثرة، تشعر بالاشمئزاز يسري في عروقها؛ فكيف لقلبها أن يطمئن في حضن الرجل الذي يرتدي قيد أختها؟ رفعت كف يده بعنف، وقربت "الدبلة" من عينيه وهي تصرخ بصوت مزقه القهر:
— "شايف دا يا كمال؟ شايفه ولا النظارة عامية عينك عن الحقيقة؟ أنت خلتني أكره نفسي! الأمان اللي بحس بيه وأنا في حضنك بيخليني أقرف من روحي.. أنا بقيت بشوف ملامح الخيانة في المراية كل ما أبص لنفسي! أسيل معاها حق.. أنا أنانية، وبجحة، وخاينة لأختي!"
حاول كمال الاقتراب، كانت يداه تمتدان إليه بلهفة يائسة، كغريق يتمسك بالقشة الأخيرة:
— "أنتي عمرك ما كنتِ خاينة يا همس.. مفيش أنقى من قلبك، أنا حبيتك عشان براءتك وعفويتك.."
وضعت يدها على فمه بقوة لتخرس كلماته التي كانت تنزل على مسمعها كالجمر، ثم غطت أذنيها بصرخة مكتومة:
— "اسكت! كفاية سموم.. أنت لسه بتقولها؟ أنت السبب إن أختي تكرهني، أنت السبب في نظرة الاحتقار اللي شوفتها في عينيها! إزاي بـ "بجاحة" تقولي بحبك وأنت خاطبها؟ اطلع برا يا كمال.. اطلع برا ومش عايزة أشوفك في حياتي تاني!"
تراجع كمال والخيبة تنهش ملامحه، شعر بقلبه يُقتلع من مكانه وهو يرى انهيارها الشامل. خرج من المكتب والضياع يلفه، كانت الغصة في حلقه كقطعة زجاج حادة تمنعه من التنفس، ودموعه تحارب لتخونه أمام الموظفين. لم يجد نفسه إلا وهو يقتحم مكتب صديقه الوحيد ومستودع أسراره.. أنور.
دخل كمال المكتب شاحباً، شارد الذهن، وارتمى على المقعد المقابل لأنور كجثة هامدة. انتفض أنور من مكانه، رعباً من هيئة صديقه التي لم يره عليها من قبل؛ فكمال "الجبل" كان اليوم منهاراً.
— أنور بهلع: "كمال! مالك في إيه؟ طنط عبير جرالها حاجة؟ مايان؟ رد عليا يا صاحبي!"
نزلت دمعة متمردة من عين كمال، مسحها بظهر يده وهو يهمس بصوت محطم:
— "أنا تعبان أوي يا أنور.. تعبت من الحرب اللي جوه صدري. بفكر أرجع باريس، يا ريتني ما نزلت مصر، دايماً كنت حاسس إن ماليش مكان هنا."
وضع يده فوق قلبه، يضغط عليه بقسوة وكأنه يحاول إيقاف نزيفه:
— "من ساعة ما جيت والمكان ده مش مريحني.. قلبي عاصي، مش قادر أخلفه ولا قادر أطاوع عقلي. أنا بضيع يا صاحبي."
اقترب أنور وعانقه بصدق، هو يعلم يقيناً معنى أن يُطعن المرء في أعز ما يملك، لكن وجع كمال كان مركباً؛ فهو الجاني والمجني عليه في آن واحد.
— أنور بحزن وشفقة: "مش عارف أقولك إيه.. الموقف ملوش مخرج سهل. أسيل اللي حياتها ممكن تتدمر لو سبتها، وهمس اللي روحك متعلقة بخيط منها ومش قادر تطلعها من قلبك."
— كمال بنبرة يأس: "همس بتموت بسببي يا أنور.. بقت بتكره نفسها بسببي. بتقولي إني بحسسها إنها خاينة.. أنا دمرت أنقى حاجة في حياتي."
نظر أنور لصديقه بصمت،
في سيارة الأجرة، كانت أسيل منكمشة على نفسها كعصفور بلله المطر، لكن عينيها كانت تشتعل بنيرانٍ لا تنطفئ. كانت تنظر إلى "الكرت" الصغير بين أناملها المرتجفة؛ ذلك المستطيل الورقي الذي صار تذكرتها الوحيدة للجحيم. لم تكن أسيل تملك حظ كأختها
، كانت تملك فقط جمالاً مغلفاً بالغيرة، وقلباً تعطلت فيه لغة الرحمة منذ أن رأت كمال يرتوي بعطر همس.
ترجلت أمام ذلك البرج الشاهق الذي يناطح السحاب بجفاء، وصعدت في المصعد الذي كان يئن مع كل طابق، تماماً كأنين ضميرها المحتضر. حين فُتح باب مكتب جينك باشا، استقبلتها رائحة تبغ معتق ورائحة "سلطة" خانقة. كان المكتب فسيحاً لدرجة مرعبة، جدرانه مكسوة بجلد أسود، وإضاءته خفتت لتصنع ظلالاً تتراقص على وجه جينك القاسي.
كان جينك يجلس خلف مكتبه الأبنوسي، يراقبها بنظرات فاحصة وكأنه يقيم بضاعةً جديدة. وقف صقر في الركن المظلم، صامتاً كحارس القبور.
— جينك بصوت أجش يشبه احتكاك الصخور: "تأخرتِ يا أسيل.. كنت أظن أن الغيرة ستأتي بكِ قبل هذا الوقت."
— أسيل بصوت مهتز لكنه مشحون بالقوة: "أنا جيت.. وده معناه إني مش هنسحب. أنا عايزة همس تختفي.. مش عايزة أثرها يفضل في البيت، ولا ريحتها تفضل في مناخير كمال. عايزة كمال يرجع ليّ، حتى لو جثة مفيهاش روح، بس يكون ليّ لوحدي."
ضحك جينك ضحكة باردة لم تصل لعينيه، ونفث دخان سيجاره ليرسم دوائر في الهواء: "الغيرة هي المحرك الأقوى للبشر.. لكن يا ابنة الشامي، أنا رجل أعمال، لا أتحرك بالمشاعر. أريد ملفات مناقصة (ليبرتي) التي يخبئها والدك في خزنة المكتب. تلك الأوراق هي ثمن رأس همس." انا منذ رأيت همس وهي عجبتني بطريقه غريبه لا تقلقي عليها فا سوف تكون ب آمان معي
ابتلعت أسيل ريقها بغصة مريرة. هي تعلم أن سرقة تلك الملفات تعني طعنة في ظهر والدها الذي لم يحرمها من شيء، لكنها أغمضت عينيها بقوة، وتخيلت همس في أحضان كمال، فصرخت بداخلها: "ليحترق الجميع!" وقالت بصوت ميت: "موافقة.. الملفات هتكون عندك."
في تلك اللحظة، انفتح الباب الجانبي ببطء مستفز، وخرج منه قاسم. كان يرتدي قناعاً من البرود، والضمادة لا تزال تزين جبهته كوشمٍ للهزيمة.
تراجعت أسيل للخلف، وشحب وجهها لدرجة البياض: "قاسم؟! أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟"
خطى قاسم نحوها بخطوات ذئب جريح، وابتسامة خبيثة تلتوي على شفتيه: "أهلاً يا "سوسو".. المفاجأة صعبة؟ متخافيش، الباشا هو اللي داوى جروحي بعد ما كمال كسرني. والظاهر إننا هنشتغل سوا المرة دي."
نظر جينك إليهما بمتعة: "قاسم هو سلاحي المنفذ. هو يعرف كيف يكسر همس من الداخل، وأنتِ ستكونين "الطعم". غداً مساءً، ستتصلين بها وتخبرينها أن هناك حالة طارئة في موقع (الشيخ زايد)، وأن كمال ينتظرها هناك بطلب من والدك. حين تصل.. سيكون قاسم بانتظارها ليأخذها إلى مكانٍ لن يراها فيه ضوء الشمس مجدداً."
اقترب قاسم من أسيل، وانحنى ليهمس في أذنها بفحيح أفعى: "متخافيش من فضيحتي ليكي يا أسيل.. إحنا دلوقتي شياطين في مركب واحدة. لو غرقت، هاخدك معايا للقاع. فخليكي شاطرة، ونفذي المطلوب عشان تخلصي من (الست همس) اللي واكلة الجو منك."
خرجت أسيل من المكتب وهي تشعر ببرودة غريبة تسكن عظامها. كانت المدينة تحتها تبدو كغابة من الأسمنت، وهي مجرد فريسة واهمة تظن أنها الصياد.
في المساء
كانت ترقد همس بفراشها وهي شارده تمام لا تعلم ماذا تفعل تلوم نفسها عن اتهمها لكمال وحملته هو فقط الذنب اغمضت عيونها تستعيد ذكره وهي بين احضانه و كأنها كانت بالأمان ابتسمت وهي تتذكر لهفته عليها وذكره اخري عندما كانت تشرح له فكره البرج وهو وقف مقابلها وكيف شردت بملامحها وكأنها لأول مره تراه بعيون اخري عيون العشق !
فاقت علي نفسها وهي تنزهل من نفسها ومن قلبها التي بات ينبض كلما فكرت بكمال او رأته
انا ايه اللي بيحصلي همس فوقي لنفسك بقي بلاش تعملي كدا في نفسك
انفتح الباب وكانت هاجر
هاجر : همس حبيبتي منزلتيش عشان تتغدي ليه امك بعتني عشان تنزلي
همس بشرود
اسفه يا داده بس عايزه ابقي لوحدي وماليش نفس صدقيني لو ممكن تسبيني لوحدي
اوأمت هاجر برأسها
كان علي السفره ياسر وعبير وصفاء
ابتسم ياسر وهو يتناول الطعام
مافيش ولا واحد منهم علي السفره يعني شكلهم متفقين مع بعض
دخل كمال وصعد الي غرفته بعدما القي عليهم التحيه وذهب الي غرفته فورا
استغرب الجميع من طريقته ولكن اكملو غداهم
أشرقت شمس الصباح على فيلا "الشامي"، لكنها لم تكن تحمل الدفء لأحد. كانت الخيوط الذهبية تتسلل عبر الستائر، لتكشف عن وجوهٍ شاحبة غادرها النوم. في غرفتها، كانت أسيل تقف أمام مرآتها، تنظر لانعكاس وجهها الذي لم تعد تعرفه؛ عيناها المحتقنتان بالسواد كانت تحكي قصة ليلة قضتها في التخطيط لدمار أختها. كانت تمسك بهاتفها، تارةً ترفعه وتارةً تخفضه، وصورة قاسم وجينك تطاردها ككابوسٍ يقظ.
في الغرفة المجاورة، كانت همس قد ارتدت ملابسها الرسمية بآلية، وكأنها جسد بلا روح. لم تضع أي مساحيق تجميل، فالحزن كان كفيلاً برسم ملامحها. كانت تنظر ليدها التي صدمتها بها أسيل بالأمس، تشعر بحرقة لا تزال تسري في جلدها، لكن حرقة قلبها كانت أشد.
في ردهة الشركة.. صمتُ الزلازل
وصل الجميع إلى الشركة. كان الممر المؤدي للمكتب الهندسي يبدو طويلاً وموحشاً. دخل كمال، وبمجرد أن وقعت عيناه على همس، شعر بطعنة في صدره. كانت تجلس خلف مكتبها، تنكبُّ على الأوراق وكأنها تحاول الاختباء داخل المخططات.
لم ينطق كمال بكلمة. دخل مكتبه الزجاجي، وأغلق الباب، لكنه لم يرفع عينيه عنها من خلف الزجاج. كان يراقب ذبولها، يراقب كيف يرتجف قلمها بين أناملها، وكان يود لو يخرج ويصرخ في وجه العالم ليأخذها في حضنه مجدداً.. لكن قيد "الخيانة" كان يلتف حول عنقه كحبل المشنقة.
مكالمة الغدر.. بداية النهاية
مع اقتراب نهاية الدوام، اهتز هاتف همس. نظرت للشاشة لتجد اسم "أسيل". ترددت لثوانٍ، ثم أجابت بصوت مخنوق:
— "أيوة يا أسيل.."
جاءها صوت أسيل هادئاً بشكلٍ مريب، نبرةٌ مغلفة بالتمثيل والندم المصطنع:
— "همس.. أنا آسفة على اللي حصل امبارح. أنا كنت مجنونة، والغيرة عمت عيني. أنا بكلمك عشان بابا بعتني لموقع (الشيخ زايد) أشوف عينات الرخام اللي وصلت، بس المهندس هناك بيقول إن فيه هبوط في جسّة التربة والمشروع في خطر.. وكمال تليفونه غير متاح. أرجوكي يا همس، تعالي الموقع فوراً، أنا خايفة المشروع يضيع وبابا ينهار."
انقبض قلب همس، ليس خوفاً من الموقع، بل حزناً على أختها:
— "أسيل.. أنتي كويسة؟ متخافيش، أنا نص ساعة وهكون عندك. المشروع ده تعب بابا، مش هنسيبه يضيع."
أغلقت أسيل الخط، وسقط الهاتف من يدها على فراشها. غطت وجهها بيديها وهي تنشج بصمت: "سامحيني يا همس.. بس لازم تمشي، لازم تبعدي!"
في الموقع المهجور.. حيث يسكن الشيطان
وصلت همس إلى موقع (الشيخ زايد). كانت الشمس قد بدأت في الغروب، تاركةً خلفها شفقاً أحمر يشبه لون الدماء. الموقع كان صامتاً، الرافعات الضخمة تبدو كوحوش حديدية نائمة، والهدوء كان يبعث على الريبة.
ترجلت من سيارتها وهي تنادي بصوتٍ قلق:
— "أسيل؟ أنتي فين؟ يا بشمهندس؟" هو مافيش حد هنا ولا ايه
لم يجبه سوى صدى صوتها. سارت بخطوات حذرة نحو المبنى الهيكلي الذي لم يكتمل بعد. وفجأة، شعرت بوقع أقدام خلفها. التفتت بسرعة، لكنها لم تجد أحداً. خفق قلبها بعنف، وشعرت بأنفاسٍ ثقيلة تقترب منها.
من خلف عمودٍ خرساني ضخم، خرج ظلٌّ طويل. تسمرت همس في مكانها، واتسعت عيناها برعبٍ لم تعرفه من قبل حين رأت الوجه الذي ظنت أنها خلصت منه للأبد.
— قاسم بابتسامة صفراء تتلوى على شفتيه: "تأخرتِ يا حبيبتي.. بقالي كتير مستني اللحظة دي."
— همس بصدمة وصرخة مخنوقة: "قاسم؟! أنت بتعمل إيه هنا؟ فين أسيل؟"
ضحك قاسم ضحكة جافة، واقترب منها ببطء وهو يمسك بمطواة صغيرة يعبث بها بين أصابعه:
— "أسيل؟ أسيل هي اللي جابتك لهنا يا قطة. اختك باعتك بـ "قرش صاغ" عشان تخلي لها الجو مع كمال. أهلك كلهم غدروا بيكي، ومبقاش ليكي غيري.. أنا اللي هعرف أربيكي من أول وجديد."
حاولت همس الجري، لكن قاسم كان أسرع. قبض على ذراعها بعنف، وألصق ظهرها بالعمود الخرساني وهو يهمس بفحيح مقزز: "المرة دي مفيش كمال يلحقك.. المرة دي أنتي طوق نجاتي."
اقترب منها وهمس همت بالركض لكن !!
