رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثالث عشر 13 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثالث عشر 

"بعض الخبايا ليتها ظلت هكذا للأبد"
"يُقتل الانسان فضولاً لمعرفة كل الأسرار والحقائق الغائبة عنه, حتى يصطدم بما لم يستوعبه, فيدرك حينها ان الفضول قاتل.. والنبش وراء الحقائق طريق محفوف بالمتاعب التي رُبما لا يتحملها, ويندم على فضوله لاحقًا" 
ناهد خالد

أراد أن يعرف لِمَ يفعل معه "نصر" كل ما يفعله وشغل رأسه كثيرًا بهذا السؤال, وأتى وقت الإجابة.. 

وقف في منتصف صالة فيلته, ينظر لصورة "نصر" المعلقة على الحائط بغضب دفين, حتى سمع صوته من خلفه:
-استغربت لما قالولي إنك هنا, اول مرة تيجي من غير ما اطلبك ومن غير ميعاد, حصل حاجة؟ 

لم يرد عليهِ فورًا بل قال بعد ثواني وهو على وضعه:
-يسري الصاوي لما أذى حد يخصني خدت بحقي منه, ووقتها قولت إن العقاب الأكبر هيكون للي منعني اوصله وكان ناوي يداري عليه, هو عملتله عاهة مستديمة.. وانتَ.... 

انهى الأخيرة والتفت يشهر سلاحه الذي سحبه من جانبه في وجه "نصر" الذي بُهت.. بينما أكمل "شاهين" بتلذذ مجرم:
-تحب اعمل عاهتك في رجلك زيه.. ولا نغير واخليها في دراعك؟ 

ووجهه لم ينم ابدًا على أنه يمزح, أو يهدد.. بل جاء ليُنفذ..

حاول "نصر" الهدوء وهو يخبره:
-نزل سلاحك يا شاهين عيب كده, مش انا اللي يترفع عليا سلاح في بيتي, نزل سلاحك وخلينا نتفاهم. 

لم يهتز له جفن وهو يهتف في قسوة:
-بس انا مش جاي اتفاهم, وقت التفاهم عدى.. وقت التفاهم كان لو انتَ اللي اعترفت بنفسك باللي عملته, وانا جاي النهاردة انفذ الوعد اللي قطعته على نفسي بأني لما اعرف مين كان واقف في النص بيني وبين يسرى الصاوي مش هحله, لأنه يعتبر شريكه في الجريمة.. لا ده انيل, ده شخص قرر يستغفل شاهين المنشاوي.. التفاهم ده لو كنت راجل بجد وقولتلي انك كنت مسيب كلابك عشان يبعدوني عن الحقيقة. 

احنى "نصر" رأسه محاولاً ضبط نفسه, فيبدو أن "شاهين" سيقول بما لا يتقبله, وسيفعل الأسوأ. 

رفع رأسه بعد لحظات يقول بأعين متقدة غيظًا:
-طب بطل هبل ونزل سلاحك, متنساش إنك في بيتي يعني لو أذتني مش هتطلع على رجلك, نزل السلاح. 

-محدش يقدر يقف في وشي, حتى لو كان الجيش اللي عندك بره. 

خرج عن طور هدوئه وهو يهدر بهِ:
-بلاش تهورك ده, فتحة صدرك دي اخرتها وحشة, انتَ فاكر نفسك هولاكو, نزل سلاحك قولتلك. 

-شاهين بيه!
رددها "رأفت" بصدمة حين دلف للفيلا ووجد "شاهين" يقف موجهًا سلاحه ل "نصر" الذي تحول وجهه لجمرة ملتهبة من الغضب والتعصب, لم ينظر له "شاهين" حتى ليكمل "رأفت" بحذر: 

-شاهين بيه اللي بتعمله ده غلط, مينفعش ترفع عليه السلاح كده. 

-وانتَ مال اهلك! 
هدر بها "شاهين" في قوة عنيفة وهو يحدقه بنظرات متعصبة, لينظر "رأفت" ل "نصر" علّه يجد منه رد فعل يوقفه بهِ عما يريد فعله, لكن اتسعت عينيهِ بصدمة حين هتف "نصر" ببرود:
-طب شوف إيه هيريحك واعمله يا شاهين, هترتاح لو عملتلي عاهة! اعملها يلا.. 

"نصر" ك "شاهين" تمامًا, غريب الطِباع, لا يُفهم له رد فعل, متهور احيانًا, وسريع الغضب, وذكي, ولعوب... او لنقول "شاهين" ك "نصر"!

 نظر له "شاهين" بأعين ضيقة بشك, فلِمَ هذا الاستسلام؟ لكن تصلبت عيناه حين أكمل "نصر" في هدوء تام كأنه لا يُلقي بقنبلة مدوية:

-بس اعرف إن اللي هتضرب عليه النار ده وتعمله عاهة, نصر المنياوي؟ ولا عمران المنشاوي؟ 

قطب ما بين حاجبيهِ بشدة يسأله باستغراب:
-إيه الخرف ده؟ إيه جاب اسم ابويا في كلامنا؟ 

ابتسامة هادئة, هي كل ما صدرت منه وتبعها يقول:
-طول عمرك ذكي, متخلنيش اشك في ذكائك دلوقتي, يا ترى إيه معنى كلامي؟ 

هدر في عصبية بالغة:
-انا مش عايز الغاز, رد على ***** السؤال.

هز رأسه بعدم رضا عن اللفظ الذي نطقه, وأجاب في نفس الهدوء:
-يمكن عشان نصر المنياوي, وعمران المنشاوي شخص واحد.. واللي هو انا. 

-يا حلاوتك! انتَ رافع حاجه عملالك دماغ!

-رأفت. 

تلقى "رأفت" الأمر وفهم الإشارة فدلف فورًا لمكتبه وخرج بعد لحظات يحمل ظرف أبيض كبير, وضعه فوق الطاولة التي تنتصف المكان وهو يقول:
-نزل يا بيه سلاحك وشوف الظرف وهتفهم كل حاجة. 

مرر نظراته بينهما في شك, قبل أن يفعل مأخوذًا بعنجهيته وتهوره كالمعتاد والذي جعل "نصر" يردد:
-برضو غرورك هيوديك في داهية, افرض ده فخ وأول ما تنزل سلاحك تروح في خبر كان.

-محدش يقدر يخلص مني بالسهولة دي.
قالها بغرور تام, ليردد "نصر" مستهزئًا:
-مش بقولك مغرور. 

فتح الظرف الأبيض الكبير ليجد العديد من الأوراق والصور, كانت جميعها تخص شخصان "عمران المنشاوي" و "نصر المنياوي".. 

-يا ترى تحب تهدى عشان تفهم؟ 

رفع رأسه ل "نصر" بنظرة ظهر فيها الحيرة والتخبط والغضب, ولم يجيب ليتنهد "نصر" وهو يقول مشيرًا للأوراق التي بيد الآخر:
-الأوراق دي فيها كل حاجه تخص عمران المنشاوي.. بطاقته وشهادة الميلاد, قسيمة جوازه من امك والطلاق كمان, وهتلاقي من ضمن الأوراق.. شهادة وفاته. 

وقعت في يد "شاهين" ليطالعها باهتمام وبعدها هتف بابتسامة ساخرة:
-دي الوحيدة اللي معايا.. الوحيدة اللي لقيتها تخص ابويا. 

اومأ "نصر" برأسه متفهمًا يوضح:
-عشان انا خدت كل الأوراق التانية. 

نظر له بقوة يسأله في حدة واضحة:
-ايوه برضو كل الأوراق دي بتعمل إيه عندك؟ 

هز "نصر" رأسه بيأس وأعاد جملته للمرة الثالثة:
-قولتلك عشان نصر المنياوي هو عمران المنشاوي, الاتنين واحد. 

-انتَ مجنون يا راجل انتَ؟ هو انتَ مش شايف *** ام الشكل, ازاي عاوز تفهمني إنك هو.. اذا كان كل الأوراق اللي في ايدي اللي تخص عمران المنشاوي فيها صوره, وفيها شكله اللي بعيد عن شكلك, هو انتَ فاكرني معرفش شكل ابويا! مانا اكيد شوفتله مية صورة وعارف شكله. 

ضغط "نصر" على شفتيهِ بنزق من الفاظه التي يقذف بها في وجهه: 
-بعيدًا عن طولة لسانك, لكن انا مقولتش انهم شبه بعض.. 

اتجه لأحد الكراسي وجلس فوقها بجسد متشنج متردد مما سيقبل على قوله الآن, تأجل الاعتراف كثيرًا, وحاول التستر على الحقيقة أكثر, خائف من هذه اللحظة تحديدًا, اللحظة التي يكشف فيها جميع أوراقه وينتظر رد فعل ولده. 

ابتلع ريقه يكتسب قوة للاعتراف وقال بغصة تحتل حلقه:
-نصر المنياوي اتوجد بعد شهادة وفاة عمران اللي في ايدك, بعدها اتعملت أوراق نصر المنياوي, مش محتاج اقولك إنها أوراق مزورة, لشخصية وهمية ملهاش وجود. 

جلس "شاهين" على الكرسي الموجود خلفه, كأن قدماه لم تعد تحمله, وقال متسائلاً باستنكار:
-يعني انتَ عاوز تقولي إن عمران المنشاوي اللي المفروض ميت بقاله 31 سنه عايش؟ ابويا اللي ميت من وانا لسه مكملتش سنه.. عايش؟ وكل ده كان إيه؟

انطلق "نصر" في الشرح من البداية وهو ينظر لنقطة بعيدة كأنه يرى أحداث الماضي تُعاد أمام ناظريهِ:
-اشتغلت مع المنظمة وانا عندي 25 سنه, كنت اتجوزت امك يدوب من شهرين ومكانتش لسه حِملت فيك, وعجبني شغلهم, وعجبني اللي كسبته منهم, وكملت, وعدت سنتين, والأمور ماشية تمام, وبقى عندي ثروة ماكنتش احلم بيها, انا كده كده كان عندي الفيلا والعربية من شغل جدك, لكن بقى عندي رصيد في البنك, وعملت شركة "المنشاوي" أو اللي انتَ غيرت اسمها للعقرب, اللي كتبتها باسم امك, عشان كنت عامل حساب كويس اوي ليوم اقع فيه, فاكون سبت حاجه تسندها, لحد ما جت عملية وحد من رجالة المنظمة غدر بينا وجندته الشرطة, فبلغ عنا, وانكشفنا في العملية دي, واتمسكنا.. وقتها كان عندك انتَ كام شهر, عرفت هي وقتها شغلي.. واتأكد شكها فيا إني شغال في حاجة شمال, وقتها حصلت مشكلة كبيرة بينا, وجاتلي السجن وطلبت الطلاق.. كان مُتوقع.. وأصرت عليه, وانا قصادها أصريت ماطلقش, لحد ما هربت من السجن قبل ما يتحكم في القضية, هربت بعد شهر, وقعدت هربان شهرين ونص, لحد ما تعرف مكاني, وكان معايا باقي الرجالة اللي اتمسكوا معايا في العملية, الشرطة هاجمت المكان اللي كنا فيه وقامت حرب بينا وبينهم.. نهايتها كانت قنبلة انفجرت في المكان.. خدت اللي خدته في طريقها, واللي قدر يهرب هرب.. وانا وواحد بس اللي هربنا.. 

التقط نفسه وأكمل وهو ينظر لشاهين الذي يطالعه بملامح واجمة متحفزة:
-بعد ما هربت بكام يوم اتفاجأت إن الحكومة نزلت بيان بأسماء الناس اللي ماتت في المداهمة, وكان اسمي بينهم, وعرفت بعدها ان كان في جثة مجهولة الهوية ومشوهه من القنبلة اللي انضربت, فطلبوا اهلي انا والراجل اللي معايا عشان يتعرفوا علينا, اهل الراجل قالوا انه مش هو.. بس اللي طلبوه من اهلي كان عمك.. مختار .. .. وهو كان شغال معايا, فقال اني الشخص ده عشان ابقى في نظر الحكومة ميت, بس الجثة كانت لراجل قاعد معانا بيشوف طلباتنا الحكومة مكانتش تعرف عنه حاجه, ومن وقتها وعمران المنشاوي ميت.. في نظر الحكومة وفي نظر الكل. 

سأله في هدوء مُقلق:
-امي كانت عارفه إنك عايش؟ 

-كان لازم تعرف... عشان ينفع تتجوز ممدوح.

ظهرت السخرية على وجهه وهو يُكمل:
-ممدوح كان صاحبي, الوحيد.. وكنت واثق فيه اوي, لدرجة اني ملاقتش حد أأمن عليه ابني زيه, حتى مختار ماكنتش اضمنه, لأني كنت عارف كويس إن الغدر في طبعه, وعشان مصلحته يضحي بأبوه لو لزم الأمر. 

-كنت عاوز تأمن ابنك من إيه؟ 

ضحك ضحكة ساخرة صغيرة والأخر يتحدث كأنه يقصد شخص غريب بحديثه وليس هو, فأجابه بنفس الطريقة:
-كنت عاوز أأمن ابني من خطر اللي شغال معاهم, لان كلهم عارفين إني عايش مش ميت, ويوم ما يحبوا يلووا دراعي هيكون بيك, وبرضو من خطر اللي حوالين عمك مختار, اللي لو وقع في أي وقت هتكون انتَ دراعه اللي هيلووه, بس اختياري طلع غلط.. ومطلعش ممدوح احسن من مختار الاتنين او** من بعض. 

اعترض يدافع عن الأول:
-ممدوح ميتقارنش بمختار اصلاً, مختار زي ما قولت ميهموش غير مصلحته ولو على حساب ابوه, زيك بالضبط, لكن ممدوح مقصرش معايا, بالعكس كان بيفضلني ويفضل مصلحتي عن عياله. 

نظر "عمران" بطرف عينيهِ ل "رأفت" الذي ابتسم ساخرًا, فلا أحد يعرف خبايا "ممدوح" كما يعرفان هما, عاد ينظر ل "شاهين" يتغاضى الحديث حول "ممدوح" واكمل:
-كان لازم امك تعرف إني عايش عشان اطلقها, هي قانونًا ارملة, لكن شرعًا مطلقة, هروبي كان حيطه سد بيني وبينها, خلاص مفيش فرصة لوجودنا سوا, وممدوح كان قدر يكسبها لصفه ويقنعها انه راجل كويس وبيحبها وبيحب ابنها وهيبقى زوج مثالي لها, وده طبعًا كان من ترتيبي معاه, عشان كده قبلت تتجوزه, واصرت اكتر لما عرفت إني عايش, ممدوح بالنسبه لأمك كان كمان حمايه ليها.. حماية مني, لانها بعد ما عرفت مجال شغلي كرهتني.. كرهتني لدرجة إنها مزعلتش عليا لما مُت تخيل! وكرهتني لدرجة إنها لما عرفت إني عايش خافت عليك مني, خافت اخدك منها.

-وجدي؟ 

احتل الحزن قسماته وهو يجيب:
-ماكنش ينفع يعرف, لما اتقبض عليا جالي وحلفني إن كان ليا علاقة باللي مقبوض فيه ولا لأ, وحلفت إني مليش.. مقدرتش ابص في عينه وأقول اه وانا عارف إني هكسر ضهره بكلمتي دي, ولما هربت مختار قالي إنه قال إنه كده اتأكد إني مذنب وإلا مكنتش هربت, وقاله لو عرف عني حاجه يبلغ عني, ولما قالوا إني مُت, مختار قالي إن كل اللي قاله لما سمع الخبر "خد جزائه", ماكنش ينفع بعدها اظهرله, لأن موتي مفرقش معاه, وظهوري يمكن كان يخليه يصمم إني اسلم نفسي او يقول لمختار يبلغ عني, جدك طول عمره بيعمل الصح.. الصح اوي, حتى لو على حساب نفسه, وتقريبًا لما عرف إني عملت كده فعلاً ودخلت مع الناس دي في شغل نسي اني ابنه, وشاف بس اني لازم اتعاقب. 

نظر له "شاهين" بشك, فهو قد عاش مع جده لسنوات طويلة, ولطالما رأى حزنه عليهِ, وتأثره حين يُذكر اسمه, لكنه لم يعقب وهو يستكمل استجوابه:
-ازاي شكلك متغير كده؟ 

نفى برأسه مبتسمًا:
-شكلي مش متغير للدرجة يا شاهين, واقولك حاجه جدك لو شافني هيعرفني.. كل اللي عارفين عمران المنشاوي كويس لو شافوني ودققوا هيعرفوني, لما القنبلة اضربت وشي اتأثر من شظايا طالته, ده خلاني اعمل عمليتين تجميل وقعدت سنتين بره مصر عشان العمليات دي, وطبعًا غيروا شوية من شكلي, بس غيروا جزء بسيط, والباقي يرجع للزمن.. كل الأوراق والصور اللي معاك دي وانا في العشرينات.. عمران المنشاوي مات وهو عنده 28 سنه, فمش هتلاقي ولا مستند له بعد كده, واللي قدامك دلوقتي عنده 60 سنه.. يعني عُمر تاني, وأي ورق لنصر اتعمل وانا عندي 40 سنه لما قررت استقر في مصر وكان شكلي بدأ يتغير برضو, وصبغت شعري وشوية حركات تغيره اكتر. 

 القى بالأوراق التي في يده ارضًا ونظر لها قليلاً بدون تعبير, ثم ابتسم فجأة وهو يقول بسخرية:
-كنت طول الوقت بسأل نفسي هو الراجل ده بيعمل معايا كده ليه؟ كل الإجابات اللي في الدنيا جت في بالي.. إلا الحقيقة. 

نظر له "عمران" بتأثر وقال بصدق محاولاً تحسين موقفه:
-هجاوبلك سؤال مسألتوش لكن مهم.. هو إني ليه محاولتش زمان اعرفك إني عايش؟

لم ينطق "شاهين" لكن ظل ينظر له في صمت لا يحفز ابدًا على تكملة الحديث, لكنه تغاضى مجاوبًا:
-لما انتَ كبرت وعودك شد, كان تقريبًا نص اللي يعرفوا ان عمران هو نصر اتكلوا.. اللي مات واللي اتمسك واللي هرب.. واللي فاضلين وعارفين إني عمران اقل من انهم يرفعوا عينهم فيا, كل اللي كنت بحرص منهم ميعرفوش اني عمران, كلهم عارفين إني نصر.. ونصر ملوش نقطة ضعف واحده, ففضلت تفضل بعيد عني ومتعرفش عني حاجه مقابل إني اضمن حمايتك, غير إني وعدت امك زمان إني مقربش منك ولا اعرفك اني عايش.. بس بعد ما ماتت وانتَ بقيت شاهين بيه "العقرب" فكرت اقولك.. وخصوصًا إنك كنت خلاص دخلت في الطريق اللي بعدت عنك عشان اخليك بعيد عنه, بس قلقت من رد فعلك, فرجعت تاني فضلت إنك تفضل جنبي حتى لو متعرفش إني ابوك, احسن ما تعرف وتبعد, وعلى فكرة مختار لما دخلك الطريق ده وضمك للمنظمة للأسف ماكنتش اعرف, كنت وقتها في سويسرا قعدت سنه هناك مسحول في حاجات تخص المنظمة وكنت بكتفي إني بطمن عليك منه.. بس على رأي المثل حرصوا الديب على الغنم, ولما عرفت كان فات الأوان لأنك عارف اللي بيدخل بيغرز.  

نهض فجأة دون رد, والتقط سلاحه من فوق الطاولة يضعه في خصره, ونوى شق طريقه للخارج قبل أن ينتفض "عمران" واقفًا في وجهه ليصبحا متوازيان...
 وكأنهما أصل و صورة..
نفس البنية..
 ونفس الوقفة.. 
 وإن نظر "شاهين" للصورة من بعيد لتأكد من حديث "عمران" الذي سأله بجبين مقطب:
-انتَ رايح فين؟ 

نظر له بنظرات قوية شامخة:
-ماشي.. حقي في موضوع يسري اتنازلت عنه, ودي اول مره تحصل واتنازل عن حق ليا.. بس هعتبره قصاد مواقف كتير عملتها معايا قبل كده. 

سأله وهو يبتلع ريقه في وجل:
-واللي حكيتهولك؟ 

نظر له بغرابة وكأنه برأسين, وابتسم فجأة مرددًا:
-عمران المنشاوي.. ابويا, ميت من 31 سنه, ميت يا نصر باشا... هو في ميت بيصحى! 

واختفت ابتسامته في حدة قبل أن يشق خطواته للخارج بقوة كادت تكسر البلاط من أسفل قدميهِ, ووقف "عمران" مصدومًا من جملته الأخيرة التي سدت كل باب في وجهه, وأصابت قلبه بسهم مُلغم بالألم. 

-طريقك طويل معاه يا باشا.
قالها "رأفت" بأسف وحزن, ليرد "عمران" بغصة قاتلة احتلت حلقه:
-مش لو كان في طريق اصلاً. 
-------------------   
بعد مرور يومين.. 
تغيب فيهما "شاهين" عن الأنظار, والجميع لا احد يعرف له مكان, و "فيروز" كادت تجن من غيابه الغير مُبرر, والأدهى أن الجميع يخبرها أنه لم يفعل هذا من قبل.

-ايوه يعني هنفضل كده مش عارفين عنه حاجه؟ 
قالتها بعصبية بالغة وهي تقف أمام "مازن" في بهو الفيلا, ليرد بقلة حيلة:

-اعمل إيه مانا حاولت اوصله كتير معرفتش, وتليفونه مقفول, ومعاذ وغسان محدش يعرف حاجه عنه. 

-هو انتَ مش ضابط؟ ولا واخدها بالوسطة ولا إيه حكايتك انتَ؟ 

-لا بقولك إيه اظبطي كده وشوفي انتِ بتقولي إيه, انا ضابط يا ختي مش حاوي. 

لوت فمها في تهكم:
-صحيح مانتَ مش شاطر غير إنك ترسم وتخطط ازاي تستقوى على الغلابة عشان مصلحتك. 

رفع رأسه بادراك:
-اااه.. ده انتِ هتلوني بقى, وكل ما نتكلم في حاجة تحشري الموضوع ده بينا, يا ستي ماعتذرتلك بدل المرة اتنين, إيه هنفضل العمر كله في نفس القصة؟!

-لا كله ولا ربعه, لولا غياب اخوك مكانش لساني خاطب لسانك, وأول ما يرجع ولا تفكر تبصلي بطرف عينك حتى, انا لا مسمحاك ولا ناوية اسامحك. 

-مازن بيه. 

نظر "مازن" لمحل الصوت ليردد بنزق:
-في إيه يا صفاء؟

-سهيل تعبان اوي وطلبناله الدكتور بره.
جحظت أعين "مازن" في صدمة وهو يركض للخارج مغمغمًا:
-ما هي ناقصة.. ده لو جراله حاجة شاهين هيطربق البيت على راسنا لما يرجع. 

تبعته "فيروز" حتى وصلت لمحل "سهيل" فرس "شاهين" الجامح, لتجده ذابل, متعب, نظرات عينيهِ حزينة, تنهدت وهي تنظر له بأعين دامعة وقالت بغصة بكاء:
-حتى انتَ كمان قلقان عليه وزعلان على غيبه.. 

نظرت حولها بتيه مرددة بتعب وقلق بالغين:
-يا ترى انتَ فين يا شاهين؟ وإيه الغيبة دي؟ 

-اقطع دراعي إن ما كان عمل مصيبة وهرب, ده طريقه كله قرف, وكنتِ تستغربي انا مبطيقوش ليه!

قالتها "مديحة" من خلفها لتلتفت لها تهدر بأعصاب منهارة:
-ارحميني بقى.. انتِ مواركيش غير الكلمتين دول, ياماما حسي بيا, انا اعصابي مش متحملة كلامك ده.. جوزي غايب ويمكن جراله حاجه وانتِ عماله تقطمي فيا في الراحة والجاية!

وانسحبت من امامها بوجه متألم, غاضب, غير قادرة على البقاء اكثر وسماع المزيد من التهم عنه. 
---------
وبداخل الفيلا كانت تقف في أحد الأركان تهمس في الهاتف:
-يا ست شدوى والله زي مابقولك لسه اهي قدام عيني متخانقة مع مازن بيه عشان مش عارف مكان شاهين بيه. 
صمتت تسمع الطرف الآخر لتقول بعدها:
-حاضر.. حاضر والله هي سوسن عمرها اتأخرت برضو, اول ما يظهر هديكِ خبر, بس هو يا هانم طبيعي حد يختفي كده بعد جوازه بكام يوم؟

امتعض وجه "سوسن" وهي تسمع صراخ الأخيرة بها لترد:
-خلاص يا هانم معاكِ حق وانا مالي.. تمام تحت أمرك. 

وبشقة "شدوى"..
أغلقت المكالمة مع خادمتها الوفية "سوسن" التي لا تنفك عن إبلاغها بكل شاردة وواردة في المنزل, لتضحك بصوتٍ عالٍ ضحكات خرجت من قلبها, وقالت بفرحة تشع من ملامحها بعدما سكنت ضحكاتها:
-مش معقول.. قوام كده طفش منها! ده انا قولت قدامه شهر ولا اتنين على ما يمل ويزهق.. تؤ تؤ.. خيبتي ظني يا.. يا فيروز. 
---------------- 
وبأحد الشقق السكنية الفاخرة.. 
اطفأ سيجارته التي لم يعرف رقمها, وسند رأسه لظهر الكرسي الجالس فوقه بإرهاق, ثواني وشعر بكف ناعم يُوضع فوق فخذه وصوتها يتسلل له:
-مش كفاية سجاير كده, انتَ شارب كتير اوي اليومين دول.

لم ينظر لها ورد وهو على نفس وضعه:
-انا جيتلك هنا عشان مش عاوز وجع راس. 

كانت مازالت جالسة على ركبتيها أمامه وردت بحزن:
-وانا مفتحتش بوقي عشان مضايقكش, وساكته حتى مسألتش إيه سبب حالتك دي, بس صحتك يا شاهين. 

زفر بضيق وهو يعتدل في جلسته قاطبًا حاجبيهِ بشدة:
-ماكنوش كام سيجارة يا ميرنا. 

رفعت كفها تلمس وجنته في حنو:
-يا حبيبي قول كام علبة.. وكمان مبتاكلش كويس, وبتنام قليل وطول الليل سهران, كده غلط انا خايفة عليك ممكن تتعب. 

نظر لها بتفحص صامت, يراها ترتدي أبهى الثياب وأغراهم, وتهتم بمظهرها كما أنها ليلتها الأولى معه, يقدر مجهوداتها طوال اليومين السابقين, لكن لم تأتي بثمارها ابدًا, فعقله مشغول بما يكفي عن أي شيء آخر, وقدومه لها فقط لكي ينفرد بنفسه تمامًا.. ويعلم أنها ستمنحه هذا الهدوء. 

ابتلعت ريقها بتوتر وتردد بالغين, لكنها تغلبت عليهما وهي تسأله بحذر السؤال الذي أرقها طوال اليومين:
-طب قولي الحالة اللي انتَ فيها لها علاقة بيها؟ 

-بمين؟ 
خرجت نبرته باردة, قوية, جعلتها تهتز باضطراب, لكنها ردت في ارتباك ظهر في ارتعاش نبرتها:
-فيروز. 

احنى رقبته المتيبسة ليصدر منها صوت فرقعة قوي, وعاد ينظر لها بأعين متقدة:
-طب بصي.. سيرتها اول واخر مرة تيجي بينا.. تمام؟ 

اومأت برأسها سريعًا بتأكيد, وكأنه انقذها بما قال, فلقد ندمت أنها نطقت بسؤالها الأحمق. 

-حضريلي هدومي عشان لازم ارجع النهاردة, في مصالح كتير واقفة. 

على رنين هاتفه الذي لا يعرف عنه أحد سوى ذراعه الأيمن وأقرب رجاله "مرسي" فأجابه ليسمع الأخير يقول له ما جعل الراحة تحتل وجهه قليلاً:
-باشا يسري الصاوي اتشيع.. اتقبض عليه امبارح بليل وشرف في الحبس.. وبعون الله تأبيده ومش هيعرف يخرج منها. 
---------------- 
فيلا العقرب..
دلف لغرفته في إرهاق, وقد تخطت الساعة الثانية صباحًا.. وجد الظلمة تحيط بالمكان فعرف بأنها قد خلدت للنوم, وصل للسرير فوجدها تنام فوقه محتضنة وسادة مجاورة لها, ضغط زر الإنارة الخافتة التي بجانبه, ليرى وجهها واضحًا وتأخذه الدهشة مما ترتديه, وكأنها واثقة من عدم عودته بعد غيابه ليومين, قميص نسائي من البيج الفاتح, بحمالات رفيعة ويصل لقبل ركبتيها ب... بكثير! يعرفه, بالطبع يعرفه ألم يختار جميع ثيابها معها, ولكنها البخيلة ارتدته في غيابه! 

جلس على حافة السرير في هدوء كي لا تستيقظ, والقى بسترة بدلته بجانبه, وأتته رغبة قوية في العبث بخصلاتها المتناثرة خلفها, ولم يبخل على نفسه بتحقيق ما تمنت, فرفع كفه يخلل أصابعه بين خصلاتها في رفق وابتسامة بسيطة تخرج من مشاعره التي هاجمته في هذه اللحظة زينت ثغره, ابتسامة استمرت حتى.. حتى صدح في عقله صوت "عمران" بالحقائق التي اعترف بها له, فاختفت.. وهو يتذكر مواجهتهما المُرة, ظل هكذا لدقائق حتى أنه لم ينتبه بأنها بدأت تفيق.

شعرت بشيء يعبث بشعرها, فأجبرت نفسها على الإفاقة من نومها العميق, فتحت عينيها ببطء لتبصره أمامها, فُزعت في بداية الأمر لكنها هدأت بعدما أدركت عودته, كان يمرر أصابعه بين خصلاتها وهو يميل عليها قليلاً, وجسده قريب منها, لكن عينيهِ شاردة.. شاردة تمامًا وقد لاحظت هذا, فظلت ساكنة علّه ينتبه, لكن انتفضت جالسة حين تذكرت ما ترتديه, فأخرجته قسرًا من شروده. 

-مقصدتش اصحيكِ. 

هزت رأسها بلا معنى وهي تلتفت حولها بتوتر كبير تبحث عن مئزرها حتى وجدته فوق كرسي بالقرب من السرير, وما كادت تتحرك لتلتقطه حتى مسك ذراعها يسألها في مكر وهو يعرف ما ترنو إليهِ:
-رايحة فين؟ 

-هــ..هجيب الروب بس..
قالتها بارتباك واضح وهي تجذب القميص للأسفل بكل قوتها, فضحك وهو يقول:
-اولاً بطلي تشدي القميص هتقطعي الحملات, ثانيًا بتشديه لتحت بيبين أماكن تانية فوق.. 

شهقت بخجل بالغ وهي تدرك حقيقة قوله, فوضعت كف يدها فوق فتحة صدرها فورًا, فهز رأسه بيأس واكمل:
-ثالثًا انا جوزك.. والمفروض ده الطبيعي بدل لبس الكورة اللي بتلبسيه ليا ده. 

-انا.. انا مش متعودة عليك, ومكسوفة بجد مش... مش عارفة لسه اا...

كانت متوترة بحق, ومرتبكة, حتى انها فشلت في تكوين جملة واضحة, أدرك هو خجلها وتوترها منه, لكن عليها أن تعتاد, فقرر أن يتجاهل مظهرها ويأخذها لحديث آخر كي يبعد تفكيرها عما ترتديه:
-مش هتسأليني كنت فين اليومين اللي فاتوا؟ 

وكأنه القى بتعويذة عليها, ففورًا ازاحت كفها ولم تعتد تهتم بشيء سوى غضبها الذي ظهر فجأة:
-اسألك؟ ليه هو انا ليا حق اسألك؟ واضح انك بتعاملني على إني كرسي في بيتك تيجي وقت ما تحب وتغيب وقت ما تحب, حتى لو كان في أسبوع جوازنا, مفكرتش الناس هتقول عليا إيه؟ جوزي طفش مني واحنا يدوب بقالنا أسبوع مع بعض؟ ولا فكرت انا قلقانة عليك ولا لأ, حتى اخوك م... 

صمتت إجبارًا حين وضع كف يده فوق فمها يقاطعها:
-اهدي.. اديني فرصة ارد. 

ازالت كفه في ضيق واضح وقد ادمعت عينيها من الحيرة والقلق والخوف التي عاشتهما اليومين السابقين, فقال وهو يرى حالتها وحزنها الحقيقي:
-كنت محتاج ابعد.. ابعد عن الكل. 

نظرت له تسأله بعتاب وصوت محشرج من خنقتها:
-ليه؟ وجودي مضايقك للدرجادي؟ ولا اكتشفت انك اتسرعت في جوازنا؟ 

تنهد بتعب يجيبها:
-بطلي هبل.. جواز إيه اللي اتسرعت فيه! وبعدين وجودك عمره ما يضايقني, بالعكس وجودك هو اللي خلاني ارجع دلوقتي.. يمكن لو مش موجودة كنت غيبت شهر كمان. 

-ليه كل ده؟ 
سألته في حيرة, ليصمت قليلاً, ثم قال بقلة حيلة:
-مبعرفش احكي للأسف, بس ظرف صعب بمر بيه, انا بس قولتلك عشان متزعليش. 

ها هي أول فرصة لتغييره, كانت موقنة أن هناك بعض الخِصال بزوجها تحتاج للتعديل, وها هي أولهم.. 
فردت ساقيها فجأة تقول له بحماس وهي تجذبه لها تحت نظرات المندهشة, وجعلت رأسه فوق فخذيها ينام فوق السرير بالعرض وأعينه المتسعة تطالعها:
-امي كانت دايمًا تقولي الكتوم يفضل طول عمره مهموم, وإن الواحد لما يفضفض نص حمله ينزاح, والنص التاني يمكن يلاقيله حل مع اللي بيتكلم معاه, ففضفض نص حملك هينزاح والنص التاني انا هلاقيلك حل له. 

-بس انا قولتلك مبعرفش احكي.

نظرت له باستغراب وكأنه اخبرها بحقيقة كونية خاطئة, وقالت تحدث في لطف جعله يبتسم:
-ماهي برضو لما كنت ابقى مخنوقة ومش قادرة احكي من الخنقة تنيمني على رجليها كده وتفضل تلعبلي في شعري.. فاحكي.. مانا منيماك اهو على رجلي اعمل إيه تاني؟ 

 كانت تسأله وتنتظر الإجابة! فرد مبتسمًا:
-تلعبي في شعري.

رفعت حاجبيها بإدراك كأنه حل لها مسألة حسابية معقدة وأسرعت تعبث في خصلاته:
-ايوه صح.. ها احكي بقى.  

وهل له ألا يفعل تحت سطوة كل هذا اللطف؟ 

لم يزح عينيهِ عنها, وكأن ملامحها تبعث له الراحة والهدوء..

-ابويا طلع عايش.. 

وحكى لها كل شيء, دون مراعة لِمَ لا يجب عليها معرفته, وما حكاه اثبت لها أنه كأبيه متورط في تلك الأعمال المشبوهة, وهي كانت تعلم.. لكن كان بداخلها صوت ضعيف يهمس لها أنه ولربما بريء بشكل ما.. 
لن تنكر ابدًا خيبة أملها, وحزنها, وشعورها بأنه وقعت على جذور رقبتها, فكيف لها أن تأمن حياتها مع شخص مثله! شخص رُبما مصيره سيكون كمصير والده, إما السجن او الموت او الهرب طوال العمر. 
لكنها عادت تهمس لنفسها عليها ان تحاول معه, ولو لمرة, كي يبعد عن كل شيء, كي يصبح شخص صالح, وإن كان لأجلها هي! وهي تشعر بحبه لها, وإن لم يقول, لكنها أنثى وتشعر, وتشعر بأهميتها لديهِ وإن لم يُظهر, وستستغل كل هذا في الوصول معه لبر الأمان.. وإن لم يحدث.. ستنسحب في هدوء, لن تكون كوالدته, وتضيع عمرها مع الشخص الخطأ, وتضيع أولادها من بعدها.

كان قد صمت وقد انتهى من الحديث, فتصنعت الابتسامة التي كان صعب استحضارها الان وقالت:
-وانتَ حاسس إنك فعلاً عاوز تفضل معتبره ميت؟ 

-ايوه. 
رد قاطع اتاها قطع عليها أي حديث آخر.

-خلاص اعمل كده, وسيب الدنيا ترتب الاقدار, لكن الحالة اللي انتَ فيها دي مينفعش تستمر اكتر من كده, اعتقد 3 أيام كانوا كفاية عشان تقدر تتخطى صدمتك.

حرك رأسه بتأكيد, تنهيدة حارة خرجت منه حين أردفت بعتاب:
-بس كان الأولى تجيلي لما حصل كده, على الأقل اقف جنبك واواسيك, بدل ما تجيلي بعد ما تهدى. 

-انتِ لسه مشوفتنيش وانا عفاريت الدنيا بتتنطط في وشي, ومحبتش اجيلك وانا كده عشان ميحصلش بينا مشكلة, ماكنتش طايق حرف من حد. 

-مش يمكن كنت لاقيت عندي راحتك, ليه فرضت إني مش هقدر حالتك وهنتخانق؟ 

-مش عارف. 
رددها بحيرة حقيقية, فابتسمت تربط بكفها على صدره:
-طب ابقى جرب المرة الجاية, اول ما العفاريت تحضر تعالالي وانا هصرفهالك. 

نهض ليعتدل فوق السرير واراح ظهره في الوضع الصحيح ليجذب جسدها له بعدها يقول:
-طب يلا ننام لأني تعبان فعلاً. 

احترق وجهها في خجل وهي تقبع في حضنه بهذا الوضع المُخل بالنسبة لها, ووجدت نفسها تدفن وجهها في جانب عنقه خجلاً وهي تنام فوق كتفه.  
لتشعل حريقًا بداخله لم يقدر ابدًا على تجاهله... 
فليذهب تعبه وارهاقه للجحيم.. فالراحة الحقيقية سيسعى لها الآن.. بين أحضانها!
--------------
صباحًا...
-حاضر يا بيه, حاضر والله فهمت..

قالتها وأغلقت المكالمة, تنظر حولها بترقب وحين وجدت الأمور مستقرة ولا احد يراها, قالت ل "سوسن":
-روحي انتِ وانا هعمل قهوة شاهين بيه. 

-يبقى اريح, عندي تنضيف فوق. 
وخرجت "سوسن" لتقف الفتاة مكانها تعد القهوة, وأخرجت من جيب ثوبها زجاجة صغيرة وضعت عِدة قطرات بماكينة إعداد القهوة, وسريعًا اخفتها بين طياتها مرة أخرى, وجبينها يتصبب عرقًا.. 
------------- 
لم تلحق بالفطار.. ليس لتأخرها في النوم بل خجلاً من مواجهته بعد استسلامها المخزي له أمس.. حمقاء, ألم تخبره أنه لن يقترب منها ألا حين يعترف بحبه! ولكنه ماكر, وصياد ماهر استطاع أن يستدرجها لشباكه بالأمس ويلعب على وتيرة انوثتها بكل الطرق.. 

-فيروز هانم, شاهين بيه عاوزك في مكتبه. 

قالتها "صفاء" حين قابلتها على الدرج, وقد كانت تصعد لتستدعيها له, احمر وجهها فورًا بخجل وقد ادركت وجوب مواجهته وقالت:
-تمام روحي انتِ. 

وقفت امام باب مكتبه المفتوح تسأل الحارس:
-في حد جوه؟ 

-اتفضلي يا هانم دي البت بتدخل القهوة للبيه. 

دلفت "فيروز" لتصطدم بخفة في الفتاة التي تخرج من المكتب بخطوات غير متزنة, ووجه شاحب:
-اسفة يا هانم..

قالتها بارتباك واسرعت في الهروب, لتقطب "فيروز" ما بين حاجبيها متعجبة, لكنها انتبهت لجملة "شاهين" الذي كان يقترب منها:
-يعني الصبح عملتِ نفسك نايمة ومردتش احرجك, ومنزلتيش على الفطار, ومحبتش ابعتلك, لكن هتهربي مني طول اليوم؟ 

نظرت له بوجهها المحمر, ليضحك بصوت وهو يقترب منها ممسكًا كتفيها بكفيهِ:
-فيروز انتَ شبه الكتكوت المبلول كده ليه؟ 

ورفع كفه لوجنتها ليردد بعدم تصديق لحالتها:
-اهدي يا بنتي وشك سخن مولع. 

اشاحت بصرها عنه تقول في توتر:
-بطل كلامك طيب, وبطل تبصلي.

ضحك بيأس يسألها:
-اومال اعمل إيه؟ 

-مش.. مش عارفه. 
قالتها بارتباك واضح, وزفرت أنفاسها بعدها في قوة, ليقول بتنهيدة مبتسمًا:
-يعني كان عندي كلمتين حلوين عاوز اقولهم, هقولهم ازاي بوضعك ده؟ 

نظرت له فورًا تقول:
-لأ, مش عاوزه اسمعهم. 

ضحك عاليًا عليها وجذبها من ذراعها يجلسها أمام مكتبه وقال وهو يجلس على الطاولة الصغير أمامها:
-طيب خلاص.. هكتفي بأني اقولك إن ليلة امبارح كانت احلى ليلة في حياتي.. وعمري ما هنساها. 

ستنصهر إن نطق بكلمة أخرى, نظرت حولها تحاول تشتيت انتباهه لأي موضوع آخر, فوقع بصرها على فنجان قهوته فقالت:
-ريحة قهوتك مميزة اوي, بس ملهاش وش.. غريبة!

نظر لفنجان القهوة وقد رضخ لمحاولتها رغم فهمه إياها:
-دي نوع من القهوة, القهوة ليها طرق كتير, والبن أنواع اكتر, بس دي مبيكونش ليها وش, وريحتها مميزة.. بس طعمها اميز. 

-ينفع ادوقها؟ هتعجبني؟ 

هز رأسه بتأكيد:
-اكيد ينفع تدوقيها, لكن هتعجبك او لأ, معرفش لأن الطعم ازواق. 

نهضت تجلبها أمامها, وعادت تجلس لتلتقط الفنجان ترتشف منه رشفة صغيرة, تستطعم ما شربته, لتنظر له بعدها بانبهار:
-مميزة اوي... تحسها, هي قهوة بس تحس عليها طعم تاني مش مفهوم لكن حلو. 

اشتمت رائحتها بانتشاء:
-وريحتها بتعمل استرخاء للدماغ.

احتضنت الفنجان لصدرها تخبره:
-اعتقد هتحتاج تطلب لنفسك فنجان تاني. 

-ولا يهمك بالهنا والشفا... 

رفعته فورًا لفمها ترتشف منه قدر أكبر.. تحت نظراته اللامعة لها.. وحتمًا إن كان يعرف بأنه قد اوقعها في فخ نُصب له لِمَ سمح لها بلمس الفنجان حتى... 


تعليقات