رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الرابع عشر 14 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الرابع عشر 

"لحظة التهديد بالفقد تنكشف مشاعرنا, وتلك الأحاسيس التي كنا نجهلها ولا نعرف ماهيتها باتت واضحة تمامًا, تُرجمت للغة نفهمها جيدًا, وأصبحت الحقيقة معروفة, والجهل بالمشاعر لم يعد له مكان, رُبما بطبيعتنا نحن البشر يجب أن نُلسع من سخونة الشوربة لنعرف قيمة الزبادي!" 

وضعت فنجان القهوة فوق المكتب بعدما ارتشفت البعض منهُ ونظرت له بتوتر يبدو أنها تريد فتح موضوع ما لكنها مترددة, وقد قرأ هو ما يظهر على ملامحها ويكمن في نظراتها فسألها في هدوء:
-في حاجة عاوزة تقوليها؟ 

اومأت برأسها فورًا, وفركت كفيها تخرج توترها بهما وبدأت القول ببعض الحرج من التطرق للحديث في هذا الموضوع:
-انا كنت ناوية نأجل يعني جوازنا زي ما قولتلك يوم الفرح, لكن اللي حصل امبارح محدش مننا كان ناويه.. ف.. كنت عاوز أتكلم معاك في حاجة تخص الموضوع ده. 

-حاجة إيه؟ قولي. 

زفرت أنفاسها في تروي وقالت وهي تنظر له لتختبر رد فعله على حديثها:

-كنت عاوزه نأجل موضوع الحمل دلوقتي.. انا محبتش اعمل حاجه زي دي من غير ما ارجعلك لان حقك تكون عارف وموافق كمان. 

لم تتغير ملامحه, فقط لمحة من الدهشة مرت كسحابة في عينيهِ, وسألها:
-ليه؟ زي ما بتقوليلي رغبتك لازم تقوليلي سبب إنك تفكري في حاجه زي دي, احنا يدوب لسه متممين جوازنا امبارح, صاحية بتفكري في الموضوع بالسرعة دي! 

أجابته في تردد:
-مانا اكيد مش هسكت أسبوع ولا اتنين وبعدين اقرر, يعني وارد وقتها يكون حصل الحمل اصلاً, مادام ناوية أأجل يبقى لازم ناخد القرار من دلوقتي, بعدين كنت بحثت على النت الصبح وعرفت إن الاحسن الواحده تروح لدكتور هو اللي يقولها على الوسيلة المناسبة عشان متحصلش مشاكل في الحمل بعد كده. 

ابتسم ابتسامة ساخرة لا تُرى وعلق بتهكم:
-كمان اول ما صحيتِ دخلتِ تبحثي على النت! ده الموضوع مهم اوي بقى, طب ما ندمتيش بالمره على اللي حصل بينا امبارح؟ 

تنهدت في تفهم لموقفه, وردت على سؤاله السابق تقول: 
-شاهين انا وانتَ لدلوقتي حياتنا على كف عفريت, انا مش واثقة إن كنت هكمل معاك ولا لأ, وانتَ كذلك, انتَ لحد اللحظة دي راجل غامض بالنسبالي معرفش عنك اكتر من اللي أي حد تاني يعرفه, انتَ لدلوقتي لغز بالنسبالي, بحياتك وشغلك والناس اللي حواليك, يمكن انتَ نفسك مش عارف حياتك وبتكتشف فيها اسرار جديدة, زي موضوع والدك اللي طلع عايش وانتَ من وقت ما تولدت فاكر إنه ميت.. 

أشاح بوجهه للناحية الأخرى والوجوم يسيطر على ملامحه, فاقتربت قليلاً لتجذب وجهه لها مرة أخرى وهي تنظر لعينيهِ مكملة:
-افهمني عشان خاطري.. دلوقتي حياتنا مش مستقرة, انتَ نفسك قولتلي إنك مبتحبنيش, يعني وارد بعد فترة انا مقبلش اكمل حياتي مع راجل مش معترف بالحب, ويمكن يحصل بينا مشاكل, يمكن اكتشف عنك حاجات متقبلهاش, يمكن انتَ تزهق مني او تقرر إنك مش مرتاح في الجواز وخصوصًا إنك عيشت عمرك كله لوحدك, مش متوعد على ست وبيت ومسؤولية, عاوزني بقى فوق كل ده يحصل حمل, ويبقى في طفل.. طفل ممكن يتظلم معانا بأي شكل من اللي قولتهم.. طب قولي هتحبه ازاي وانتَ قولتلي مبعرفش احب؟ 

قطب ما بين حاجبيهِ بسخط:
-انا مقصدتش إني مبعرفش احب في المطلق... مانا حبيت ناس كتير في حياتي, ماما ونورهان و مازن وجدي, حتى صحابي كنت بحبهم, وزمان حبيت شدوى وحبيت ليل...

قطع حديثه زافرًا أنفاسه باختناق فلا يجب أن يذكر "ليلى" من الأساس وهي ستصبح زوجة أخيه, نظر ل "فيروز" بتعجب حين سمعها تقول:
-انتَ محبتش شدوى ولا ليلى.. شدوى انتَ كنت معجب بيها يمكن, وكنت شايف إنها بنت عمك واقرب بنت ليك فطبيعي تكونوا لبعض, لكن لو كنت حبتها بجد يا شاهين ماكنتش هتتقبل فكرة حملها من راجل تاني, لا وتفضل لدلوقتي مش عارف هو مين, وكملت حياتك عادي, وحبيت بعدها ليلى! طب ازاي؟ 
ميكسرش الراجل قد إن الست اللي حبها بجد تغدر بيه وتخونه, ووقتها بيقع بجد وممكن متقملوش قومة تانية, لو كنت بتحبها ماكنتش هتسيبها غير لما تعرف مين اللي خانتك معاه, كان ممكن تقتلها وقت ما عرفت, ماكنتش هطيق تبص حتى في وشها بعدها, لكن انتَ بعدها بقيت تتعامل معاها عادي, مابقتش فرقالك.. ازاي بالسرعة دي لو فعلاً حبيتها؟ وجعك منها خف بسرعة اوي, لدرجة إنك قابلت ليلى وحبتها, وحتى ليلى لما حبتها زي ما بتقول وهربت منك بعد اللي قالهولها مازن دورت عليها بس عشان تثبتلها إنك لو عاوز تجيبها هتجبها, مش عشان ترجعها او تصلح الأمور معاها..

-عشان اللي بيخرج من حياتي بمزاجه مبرجعوش ليها بمزاجي. 

هزت رأسها بنفي:
-مفيش حاجة اسمها كده, لو بتحبه بجد هتتنازل وترجعه, مش هتعرف تمشي حياتك من غيره اصلاً, خصوصًا إن ليلى مغلتطش هي خافت على نفسها وهربت, كان ممكن تصلح الوضع معاها وتطمنها بأي شكل وترجعها, لكن انتَ بيعت... وبيعانك ده لو انتَ بتحبهم فعلاً تبقى مصيبة.. لانك كده ملكش آمان للأسف, وتقدر تبيع اللي بتحبه في لحظة. 

نظر لها ولم يعرف بما يجيب, فأكملت:
-شوفت! انتَ مش فاهم نفسك اصلاً, يعني لا رديت دلوقتي قولتلي انا فعلاً محبتهمش, ولا رديت قولتلي انا فعلاً بياع.. 

-انا عمري ما كنت بياع, وإلا كنت بيعت مازن اللي وقف في وشي كتير, وعداني سنين, ومكنتش قبلت ارجع اتعامل معاه تاني, كنت بيعتك انتِ بعد ما كنتِ داخله حياتي جاسوسة عشان توقعيني, مكنتش رجعتك حياتي تاني مهما حصل. 

ابتسمت بتعب بسيط شعرت بهِ منذُ ثواني في معدتها, وبدأ جسمها يتعرق بعرق غير مفهوم سببه, وأجابت:
-يبقى انتَ محبتهومش, وفي أي حال.. محتاج تفهم نفسك اكتر, محتاج تعرف انتَ عاوز ايه بالضبط يا شاهين, وعاوز مين في حياتك, وتحدد أدوار الناس اللي حواليك.. وخصوصًا دوري.. انا مجرد مراتك, ولا ليا دور اهم؟ لأني لو مراتك بس فمعتقدش إني هقبل اكمل كده, عشان كده بقولك نأجل الحمل لحد ما نشوف هنرسي على أي شط. 

لاحظ التعرق على وجهها ونظراتها الناعسة فسألها باستغراب:
-مالك؟ عرقانة كده ليه ده التكييف شغال! 

اهتزت رأسها بدوار عنيف, وقد شعرت بعينيها يخرجان من مكانهما من قوة الوجع الذي ضرب رأسها, وثُقل هائل في تنفسها, نظرت له بتيه وأجابت:
-مش عارفة.. نفسي.. راسي.. 

وهوت برأسها على ظهر الكرسي خلفها في ضعف, انتفض من فوق الطاولة ينحني عليها بقلق:
-في إيه؟

رفع رأسها بكفه وسألها:
-حاسة بإيه طيب؟ 

هي من الأساس لا تعرف بما تشعر, لكنها ليست بخير في العموم. 

-الح..الحقني..

خرجت كلمتها متقطعة لكنه سمعها بوضوح, فصرخ على الحارث الواقف أمام باب مكتبه:
-ليــث.. 

دفع الباب فورًا يلبي النداء فأخبره:
-خلي مرسي يجهز العربية.. يــــــلا..

وحملها فوق ذراعيهِ سريعًا, لا يعلم ما بها, لكنها ليست بخير ابدًا, ركض للخارج لتراه "مديحة" التي كانت تجلس مع "مازن" تتحدث معه محاولة معرفة سر غياب "شاهين" اليومين السابقين وعودته المفاجأة, لتنتفص راكضه خلفه تصرخ في ذعر:
-يالهوي.. بنتي مالها, عملت فيها إيه؟ 

تبعها "مازن" وهو يرى "شاهين" يضع "فيروز" في سيارته التي انطلقت فورًا بعد ركوبه, و"مرسي" يجلس بجوار السائق. 
-تعالي نحصلهم. 

ركض لسيارته التي دلف بها منذُ قليل فقد عاد من عمله المسائي الذي أخذ منه الليل بأكمله على قضية صعبه, تهاوت دموعها بخوف وهي تلحقه ولسانها يردد:
-يا رب استر يا رب.

-------------------- 
ضحكت بسعادة وهي تنظر للاختبار الذي بين كفيها, لا تصدق نتيجته, بعد أشهر طويلة من الزواج وقد قاربا على إتمام العام كانت تنتظر حدث كهذا, وقلقت كثيرًا لتأخره, لكن ها هو يحدث. 
كانت قد شعرت ببعض التعب الغريب الأيام الماضية, ومع تأخر عادتها الشهرية أسبوع كامل قررت أن تأتي بالاختبار للمرة العاشرة تقريبًا, وقلبها فقد الأمل يحدثها أن النتيجة ستكون ككل مرة, سلبية, ولكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا.. 
بعد دقائق هدأت من نفسها وهي تهمس لذاتها:
-مش هقول لمجد دلوقتي, لازم اتأكد الأول انه اتغير معايا عشاني و عشان عاوز حياتنا تستقر مش عشان الحمل, ايوه مش وقته.. بعدين. 

-------------- 
تلفتت حولها بحذر وأخرجت هاتفها تطلب الرقم الأخير الذي اتصلت بهِ وما إن أجاب حتى قالت بلهفة:
-باشا الموضوع خِلص, بس.. هو يعني مش شاهين بيه اللي شرب القهوة. 

على الجهة الأخرى انتفض "مختار" من جلسته يردد بصدمة وغضب:
-نعم يا روح امك؟ يعني إيه مش هو؟ هو حد غيره بيشرب قهوته!

-يا باشا انا شوفته دلوقتي طالع يجري وشايل فيروز هانم على ايده وقاطعه النفس, شكلها هي اللي شربت القهوة, انا دخلت جبت الفنجان ولاقيت نصه مشروب.. ودلقت الباقي عشان لو شك فيه ميعرفش يوصل لحاجه, بس انا مش هينفع افضل هنا, فين باقي اتفاقنا يا باشا؟ 

-باقي اتفاقنا ده لو كان شاهين اللي راح في داهيه!

ردت بخوف حقيقي:
-يالهوي يعني إيه؟ لا انا مليش فيه, انا عملت اللي اطلب مني مكنتش هدخل اشربهاله بايدي يعني! باشا انا مش هينفع افضل هنا, شاهين بيه اول ما مراته تموت هيدور ورا الموضوع وهيجبني, ابوس ايدك خرجني من هنا, هربني من أي مكان يعرف يوصلي فيه كفاية اللي حصل في البت اللي عرف إنها متفقة مع حد بره تحط رسايل للهانم, ما بالك بيا وانا حاولت اقتله. 

دفع بيده أحد التحف القابعة فوق المكتب لتسقط ارضًا مدوية بصوت عالي, وهدر بعدها في عنف:
-غوري في داهيه, كده كده مينفعش شاهين يلاقيكِ عشان مايعرفش اننا اللي وراها, عارفك خايبة وهتقري له بكل حاجه, في عربية هتلاقيها مستنياكِ بعد شارعين من الفيلا.. هتاخدك على ابعد مكان شاهين مش هيعرف يوصلك فيه, وهتلاقي هناك بيت باسمك وباقي فلوسك هتلاقيها في البيت, متحاوليش تتصلي بيا تاني, وقبل ما تخرجي من الفيلا شيلي خط تليفونك واكسريه وارمي التليفون في أي باسكت زبالة بره في الشارع.. 

-حاضر.. حاضر.

رددتها بلهفة وهي تغلق معه المكالمة وتسرع في عمل ما طلبه منها, وخرجت بعدها من باب المطبخ الخلفي في هدوء وثبات كي لا يشك أحد بها, مستغله التوتر الحادث بعد خروج "شاهين" بزوبعته, وصلت لبوابة الفيلا ليوقفها احد الحرس يسألها:
-رايحة فين؟

أجابت في ثبات:
-امي تعبانة واستأذنت من مدام صفاء امشي, وهي ادتني الأذن. 

افسح لها الطريق لتخرج وضربات قلبها تتعالى في رعب, مرت على سلة للقمامة فالقت فيها الهاتف, واكملت طريقها تبحث عن السيارة التي اخبرها عنها, حتى وجدت سيارة سوداء تقف في جانب الطريق, وسائقها اخرج ذراعه يشير لها, اسرعت تستقل السيارة وهي تنظر للرجل ذو الجسد الضخم بقلق والذي قال:
-هوصلك زي ما الباشا أمر.. 

-وامي؟ 

-امك سبقتك على المكان, هتلاقيها مستنياكِ هناك. 

ابتسمت في راحة وهي لا تصدق هروبها من بين براثن العقرب قبل أن يعرف بِمَ فعلته, سارت بها السيارة لمسافة طويلة, حتى بدأت تدخل في طرق ساكنة, مُقلقة, فسألته وهي تشعر ببعض القلق:
-هو انتَ مش المفروض تمشي على طريق سريع؟ الباشا متفق معايا انه هيشتريلي بيت في الأقصر, يعني المفروض توصلني لهناك.

هدأت سرعة السيارة حتى توقف بها في منتصف الطريق الذي يسكنه الصمت, وفقط حفيف أوراق الشجر هو ما يبعث بعض الصوت, توقفت السيارة تمامًا واستدار لها الرجل يسألها باستخاف:
-وانتِ تضمني لو روحتي الأقصر شاهين ميعرفش يوصلك؟ 

ردت بقلق بلغ أقصاه:
-مش عارفه, بس الباشا متفق معايا على كده, اومال اروح فين؟ إيه المكان اللي ميعرفش يوصلي فيه. 

ابتسم لها ابتسامة مخيفة وهو يجيبها:
-هقولك.. 

وفي لحظة اخرج سلاحه وكانت رصاصة غادرة تستقر في منتصف رأسها ردتها قتيلة في الحال, رفع هاتفه يتصل برب عمله وقال:
-تمام يا باشا... نضيف. 

------------------- 
اغلق الهاتف مع حارسه, ليلقيهِ بعنف فوق المكتب, فُتح الباب ودلف "ممدوح" يقول بقلق:
-في إيه كلمتني من ساعة وقولتلي تعالي بسرعه ليه؟ 

اجابه ووجهه يشتعل غضبًا:
-كنت بكلمك تيجي عشان تسمع الخبر اللي هيفرحنا واحنا سوا, البت كانت خلاص حطت الدوا للزفت, بس بنت ال**** لسه مكلماني وقالتلي ان البت مراته اللي شربت القهوة مش هو. 

تصلب وجه "ممدوح" في صدمة مستنكرة:
-نعم؟ هي البت دي طالعه في البخت؟ كل ما حد يحاول يقتله تيجي فيها هي!؟ 

-اهو اللي حصل.

ضغط "ممدوح" على أسنانه وبداخله بركان من الغضب:
-وعملت إيه مع البت الخدامه؟ 

-خلاص.. راحت في المكان اللي مستحيل شاهين يوصلها فيه, وخلتها تكسر الخط وترمي التليفون.. في الآمان, بس شاهين بعد اللي حصل هيبقى تور هايج, وهيحرص اكتر, يعني قتله مره تانية صعب. 

هز "ممدوح" برأسه:
-لا احنا هنكن شوية بعد اللي حصل لا هنقربله ولا هنفكر نعمله حاجه لحد ما الأمور تهدى, وطبعًا لازم اروحله المستشفى.. مش واجب برضو! 

 هز "مختار" رأسه ينطق من بين أسنانه:
-واجب... اممم واجب طبعًا, عامل زي القطط بسبع أرواح ابن ال***..

-المهم عمران ميعرفش باللي بينا, ومتكلمنيش اجيلك تاني يا مختار. 

اردف "مختار" بادراك:
-يوووه نسيت حوار عمران, بس متقلقش عمومًا عمران عينه مش عليا, يعني مش هيوصله حاجه. 

-برضو, للاحتياط, عشان منرجعش نقول يا ريتنا. 
----------------- 
في أحد مستشفيات محافظة القاهرة... 
اقترب منه "مازن" وهو يراه كمن يجلس على جمر من النار, وملامحه تنم عن قلق شديد, ربط على كتفه يقول بمواساة:
-إن شاء الله خير, متقلقش.

نظر له بحيرة قلِقة:
-مش عارف حصلها إيه, كانت كويسة وفجأة حالتها بقت غريبة. 

-دلوقتي الدكتور يخرج ويطمنا الموضوع بسيط إن شاء الله. 

رد وهو ينظر للغرفة المغلقة:
-بسيط إيه, دي وهم بياخدوها كان نفسها يدوب حاسس بيه بالعافية. 

فُتح الباب وخرج الطبيب ليتجه له سريعًا يسأله بتوتر وقلق من إجابة الآخر:
-خير يا دكتور؟ 

نظر له الطبيب بأسف وهو يخبره:
-لازم تنزل عناية مركزة. 

-عناية مركزة! 

رددها "شاهين" بصدمة, وشحب وجهه من الجملة الغير متوقعة ابدًا, ليسأله "مازن" الذي ظهر القلق عليهِ جليًا هو الآخر:
-ليه؟ هي فيها إيه؟ 

تنهد الطبيب وهو يجيب:
-والله هي عندها مشاكل كتير, نبض القلب ضعيف جدًا, والتنفس مش مستقر, وعندها هبوط في الدورة الدموية, غير إنها للأسف دخلت في غيبوبة. 

-إيه كل ده؟ كانت كويسة, من إيه كل ده؟ 
هدر بها "شاهين" في غضب وأعين جاحظة مما يسمعه, ليجيب الطبيب:
-انا شاكك إن في مادة غريبة دخلت جسمها, وطلبت تحليل دم فورًا, وهنشوف, بس كل التدهور اللي حصل ده مش هيكون من غير سبب, هي كلت او شربت حاجه وحصل كده بعدها؟ 

نظر "مازن" ل "شاهين" بتساؤل, ليقطب ما بين حاجبيهِ بتذكر, حتى قال وملامحه تحتد بخطر:
-شربت اه.. شربت قهوتي. 

اتسعت أعين "مازن" وهو ينظر له بإدراك, وغمغم:
-قهوتك! 

-عمومًا هننقلها عناية دلوقتي لازم تتحط تحت الأجهزة, عشان كمان ضغطها واطي اوي ولازم كل ده يتظبط, وكمان محتاجة تتحط على جهاز تنفس, ولما نتيجة التحليل تطلع هنشوف نقدر نعملها إيه.  

رحل الطبيب من أمامهما, ليُفتح الباب مرة أخرى بعدها والممرضين يدفعون السرير المتحرك التي تقبع فوقه في سكون تام ووجه شاحب لدرجة مخيفة, تحرك مع السرير حتى وصل لمصعد كهربائي ليخبره الممرض باعتذار:
-معلش ده اسانسير العناية ومحدش بيطلع فوق, تقدر تاخد الاسانسير التاني. 

ظل ينظر لها حتى أُغلق باب المصعد لتختفي عن انظاره. اقترب منه "مازن" يقول من خلفه:
-تفتكر حد كان قاصدك؟ 

التفت له بوجه متجمد وقال بأعين ظهر فيها احمرار بسيط من كتمه لمشاعره الثائرة:
-أتمنى يكون لأ, هستنى اشوف نتيجة التحيل, لو طلعت انا المقصود مش هعرف احط عيني في عينها, مهو مش كل مرة تتأذي مكاني.

-طب مين ممكن يعمل كده؟ 

فرك وجهه بكفه في تعب وقال:
-هنشوف.. هنشوف. 

-طيب بالنسبه لأم فيروز, ماكنش ينفع تمشيها بالغصب يا شاهين, دي برضو أمها يعني كان لازم تطمن عليها. 

اجابه بعصبية:
-بقولك إيه يا مازن انا مش ناقص ولولة حريم, كلمها قولها انها كويسه هيطمنوا عليها وهتطلع, اكتر من كده لأ, لكن مش هتقعد هنا تقعد تقطم في اللي جابوني وتندب. 

-خلاص طيب اهدى, تمام انا هكلمها, انا بس مش عاوز الأمور تتأزم بينكوا اكتر وانتَ بعد ما مشتها غصب هتلاقيها مش طيقاك.

أشاح بذراعه بلامبالاة غاضبة:
-انا مش فايق للهبل ده, انا المهم عندي دلوقتي فيروز تكون بخير واعرف إيه اللي حصلها.  
 
-------------- 
في شركة "نصر المنياوي" 
دلف "رأفت" بعد أن دق دقة واحده فوق باب المكتب, ووقف أمام "عمران" بأنفاس لاهثة والذي نظر له بقلق يسأله:
-مالك يا رأفت؟ مصيبة إيه المرادي؟ 

وقد كان هذا مظهره في كل مرة تقع مصيبة ما, ليجيبه بما أكد شكوكه:
-مرات شاهين بيه في المستشفى.

قطب "عمران" ما بين حاجبيهِ بتعجب:
-ليه؟ حصل حاجة ولا تعب عادي؟ 

-فاكر لما بلغت سعادتك بمقابلة ممدوح و مختار من كام يوم, وقتها قولتلي حط عين لينا على شاهين عشان ابقى مطمن عليه, لاني قلقان من مقابلتهم لبعض. 

نهض "عمران" واقفًا بتحفز, وسأله:
-اللي حصلها لهم يد فيه؟ 

-الراجل بتاعنا راح وراهم المستشفى, وسأل حد من الممرضين اللي استقبلوها وقال ان الدكتور شاكك إن في مادة غريبة دخلت جسمها هي اللي عملت فيها كده, راجلنا القديم بقى اللي بيراقب شاهين بيه من زمان متحركش من قدام فيلته, وبعد خروج البيه بفترة طلعت بت خدامة شكلها كان مريب, وعماله تتلفت حواليها وكان معاها تليفون رمته في الشارع قبل ما تكمل طريقها, فهو كمل وراها لاقاها ركبت عربية متفيمة ومشيت بيها, عربية نضيفة مش طبيعي حتة بت جربوعة زي دي تركبها, فكلمني وبلغني, قولتله يمشي وراها, كلمني بعد شوية وقالي إنها اترمت من العربية في طريق مقطوع وهي مقتولة برصاصة في نص راسها. 

جحظت أعين "عمران" بغضب وقال:
-يبقى بيلعبوا! 

وجمع أشيائه الهامة راحلاً من المكتب وخلفه "رأفت" يسأله:
-على فين يا باشا؟ 

-على المستشفى, مينفعش اسيب شاهين يلطش لوحده, لازم يفهم كل حاجه. 

------------------ 
عودة للمستشفى.. 

جلس أمام غرفة العناية منحني الرأس وعقله مسحول في ألف فكرة وفكرة, وأكثرهم قلق على تلك المختفية عن انظاره, هز رأسه باختناق وضيق ومشاهده معها في اليوم السابق لا تنفك عن الترديد في ذاكرته, لن يسامح نفسه ابدًا إن حدث لها مكروه, وليت الأمر يتوقف على المسامحة بل هو لا يتقبل أن يخسرها! 

-متخيلتش اشوف شاهين المنشاوي حاني راسه ابدًا, صحيح أي حاجه فيها تاء مربوطة بتجر. 

رفع رأسه بسخط وهو يعرف صاحب الصوت جيدًا, لينقل بصره ل "مازن" الذي رفع كفيهِ يقول بنفي للتهمة عنه:
-والله لا كلمته ييجي ولا عرفته, انا كلمت معاذ وهو كان جنبه بالصدفة. 

جلس "غسان" يجاوره وهو يقول باستفزاز:
-حصل, انا لما عرفت عرق الواجب نقح عليا وقالي قوم ياض روح لصاحبك لازم تبقى جانبه, على الأقل عشان لما تفكر تاخد حقك اقدر اوقفك, لاحسن الاتنين دول مبيسلكوش معاك زيي. 

حدقه "معاذ" بنظرة ضيق كي يصمت, وقال ل "شاهين":
-إن شاء الله هتكون بخير يا شاهين متقلقش, ربنا يقومها بالسلامة. 

لمح الطبيب مقبل عليهم لينتفض واقفًا في انتظاره, اقترب منهم وعلى الفور قال:
-النتيجة طلعت.. تحب تعرفها عادي ولا؟ 

أجابه "شاهين" على الفور:
-لا تمام قول. 

مرر "الطبيب" انظاره عليهم قبل أن يقول:
-شكي في محله, في مادة غريبة دخلت جسمها, المادة دي بتعمل هبوط حاد في الدورة الدموية وبتضعف عضلة القلب, وبتأثر على ضخ الدم بشكل عام.. المادة دي بتستخدم في خفض ضغط الدم لما يكون في مريض ضغطه عالي اوي, بس بكمية صغيرة جدًا, واصلاً مش أي دكتور يقدر يستخدمها لانها بتتعامل إنها من المواد المحظورة, ومبتتباعش في الصيدليات, اعتقد الموضوع مقصود, والفاعل كمان حد له ايد في وزارة الصحة عشان يوصله مادة زي دي. 

رفع "غسان" حاجبه بإدراك وقال:
-تمام يا دوك, شكر الله سعيك, المهم بس تاخد بالك منها وتعملها اللازم. 

نظر له الطبيب بغرابة من طريقة حديثه وقال:
-لا تمام, احنا عملنا اللازم والقلب بدأ يستقر, والضغط بيرفع شوية, لسه بس النفس, ولسه مستنيين تفوق من الغيبوبة, وأي جديد هبلغكوا.. عن اذنكوا. 

أردف "مازن" بتعصب فور ذهاب الطبيب:
-مين هيقصد يعمل معاك كده؟ ده حد كان عاوز يقتلك؟ مين يا شاهين؟ 

عاد يجلس على المقعد الحديدي خلفه ونظر أمامه في صمت تام, لكنه مقلق.

-اصبر عليه يا مازن, مش لما يطمنا عليها الأول يبقى يشوف اللي وراها. 

قالها "معاذ" بعتاب, ليتدخل "غسان" في الحديث وهو يجاوره الجلوس ويربط بكفه على فخذ الآخر:
-مش محتاج يدور.. مش كده ولا إيه؟ 

أردف بجملته الأخيرة بمغزى غامض, لينظر له "شاهين" بتفهم لقصده, ورد بهمس:
-محتاج اعرف مين فيهم. 

-انتوا بتتكلموا عن إيه؟ 
سأل بها "مازن" في عصبية واضحة, لينظر له "غسان" مبتسمًا باستفزازه المعهود:
-لما تكبر هنقولك. 

رفع سبابته في تحذير له:
-اسمع يا جدع انتَ احنا مش بنقربكوا لبعض عشان ترجعوا تعاملونا زي الطرش في الزفة زي زمان, وتقعدوا تتكلموا بالألغاز ولا كأننا موجودين. 

-هدوا يا شباب احنا في مستشفى, وراعوا حالة الراجل اللي قاعد وسطكوا ده. 

التفوا جميعًا على الصوت الغريب الذي صدر بينهم, ليقطب "مازن" جبينه بسخط:
-ده مين ده كمان؟ 

نهض "غسان" يرحب بنبرة لا تخلو منها الدهشة:
-نصر باشا! 

نظر "نصر" ل "شاهين" الذي احتقن وجهه بدماء الغضب, ليعود ينظر لهم يقول:
-معلش يا رجالة ممكن تسبوني مع صاحبكم شوية. 

نقلوا النظرات لبعضهم ولا أحد فيهم يعرفه سوى "غسان", الذي قال وهو يدفعهم أمامه:
-طبعًا طبعًا, يلا يا رجالة.

انتظر حتى ذهبوا لينظر ل "شاهين" قبل أن يجلس جواره, فسمع صوت الآخر يقول بصوت حاد:
-لو جاي تعمل الواجب واجبك وصل يا نصر باشا, نورت. 

 ابتسم "نصر" يقول وهو ينظر أمامه:
-واجبي اللي جاي اعمله مش اني اقف قدامك واقولك حمد الله على سلامتها وامشي, واجبي اني اقولك مين قصدك. 

نظر له "شاهين" فورًا وقال بأعين متقدة:
-تعرفه؟ 

نظر له "نصر" يقول بنفس الابتسامة:
-واعرف اللي معاه كمان. 

-مين؟ 

-قبل ما اقولك محتاجك توعدني. 

-اوعدك بإيه؟ 
سأله بوجه محتقن رافض لعقد أي اتفاق معه, ليجيبه "نصر" بجدية:
-اوعدني إنك متتهورش, ومتعملش زي اللي عملته في يسري, المرة الأولى لما عملتله عاهة في رجله كان تهور منك وانا داريت وراك عشان رجالتنا في المنظمة ميعرفوش ويزعلوك, لكن المرة التانيه وراميك له في السجن كانت حركة ذكية ولعبتها صح, يا ريت تفكر بنفس الهدوء والذكاء ده على طول. 

-مين اللي وراها؟ 
لم يهتم لأي مما قاله, فقط يريد الوصول للفاعل, ليفجر بركان غضبه بهِ, لن يهدأ قبل أن ينهي حياته. 

-قولي الأول انتَ اختلفت مع ممدوح في الفترة الأخيرة؟ 

نظر له بدهشة يسأله:
-إيه دخل ممدوح في كلامنا؟ 

-جاوبني. 

-ايوه, بس اختلاف عادي, كان عاوزنا نشتغل في المخدرات ورفضت, وبعدين قالي هشتغل لوحدي رفضت برضو, خد جنب مني شوية ورجع اتعامل عادي. 
-طب ولو قولتلك ممدوح قابل مختار مرتين لحد دلوقتي, إيه قولك؟ إيه يجمع بين مختار وممدوح؟ وانتَ عارف إنهم مبيطيقوش بعض. 

ظهرت الصدمة على وجهه وهو يعلق:
-مش معقول رفضي للشغل يقلب ممدوح ضدي! مش لدرجة إنه هيتفق مع مختار عليا! 

-هو انتَ اتعلمت في شغلنا إن في حاجة مستحيلة يا شاهين؟ اصلاً في حد في شغلنا ينفع تثق فيه! انتَ بعد ما سبت بنت مختار وهو يطيق العمى وميطيقش وقالي وش إنه رفع ايده عنك ولو حد حاول يأذيك وهو عارف مش هينبهك ولا هيمنع عنك أذى, دورك بالنسبة لمختار انتهى, وبالعكس انتَ واقفلة زي الشوكة في الزور, لأن أي غلطة بيعملها بيلاقيك في وشه, وبالنسبه لممدوح, فهو عمره ما هيقبل تأمره وتمنعه عن حاجه هو عاوزها, وبعدين زمان كنت بتسند ضهره في كل عملية بيدخلها بس مؤخرًا بدأت ترفع ايدك عنه, وبدأت متهتمش له زي الأول, فوق كل ده هتقرفه؟ لا يبقى موتك احسن على الأقل ممدوح هياخد مكانك في المنظمة. 

هز رأسه بنفي غير مصدق ما يحاول "نصر" إقناعه بهِ:
-لأ.. مش للدرجادي, اصدق مختار يعملها, طول عمره مش طايقني وكان ساكتلي بس عشان بنته, لكن ممدوح.. مش لدرجة إنه يقتلني, ده بيعتبرني ابنه. 

نظر له "نصر" لبعض الوقت ثم قال بتروي حذِر: 
-حتى لو قولتلك إنه هو اللي قتل امك... 

لف رأسه ينظر له في عنف, بأعين جاحظة وانتفض واقفًا يهدر بعدم تصديق:
-إيـــــــــــــه!!! 


تعليقات