رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الخامس عشر 15 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الخامس عشر 

"الحب شعور مهما حاولت الهرب منهُ لن تُفلت, وحقيقة مهما حاولت إنكارها لن تنجح, الحب.. خوف على محبوب, وغيرة تحرق دواخلك إن اقترب منهُ أحد, أمان لم تشعر بهِ سوى معه, تجد قلبك ينفتح له لتبوح بما لم يعرفه أحد غيره, مشاعر جميلة تغزوك تجاه المحبوب حتى رؤيته فقط كفيلة أن تحرك مشاعرك, وسماع صوته يرفع دقات قلبك, كالعلاقة بين الأم ووليدها, علاقة غريبة غير مُفسره سوى أنهما جسدان لروح واحدة, يعرفها الصغير فور اشتمام رائحتها, يعرفها هي دونًا عن غيرها, ويشعر معها بالسكينة والأمان, وحين يسمع صوتها يهدأ كأنها القت عليهِ تعويذتها, الحب.. هو كل شيء جميل مصحوب بمرارة العلقم كحال كل شيء" 

هز رأسه بنفي غير مصدق ما يحاول "نصر" إقناعه بهِ:
-لأ.. مش للدرجادي, اصدق مختار يعملها, طول عمره مش طايقني وكان ساكتلي بس عشان بنته, لكن ممدوح.. مش لدرجة إنه يقتلني, ده بيعتبرني ابنه. 

نظر له "نصر" لبعض الوقت ثم قال بتروي حذِر: 
-حتى لو قولتلك إنه هو اللي قتل امك... 

لف رأسه ينظر له في عنف, بأعين جاحظة وانتفض واقفًا يهدر بعدم تصديق:
-إيـــــــــــــه!!! 

-اقعد عشان هتلفت الأنظار. 

جلس مرتميًا على المقعد بصدمة ما زالت مرتسمة على ملامحه وقال بإنكار:
-امي متقتلتش, هي تعبت وفضلت كام يوم في المستشفى وماتت. 

لم يعقب على حديثه وقال شارحًا ما حدث في الماضي:
-امك عرفت إنه بيشتغل في السلاح, دنيتها اتهدت وحست انها طلعت من نقرة وقعت في العن منها, يعني سابتني عشان شغلي ده, تقوم اللي تتجوزه وتخلف منه عيلين يطلع زيي, طلبت منه الطلاق, وهو رغم رفضه في الأول لكن ماكنش عنده مانع لما هددته انها هتفضحه, لكن هي النار اللي كانت جواها كانت اكبر من انها تكتفي بالطلاق, بدأت تدور وراه, وتفتش في أوراقه, لحد ما مسكت عليه فيديو له مع راجل من رجالتنا بيتفق معاه على شحنة سلاح, وفي يوم قررت انها توري مازن الفيديو ده, بس اللي ماكنتش تعرفه ان الخادمة شافتها يوم ما كانت بتصور وقالتله, واجهها ورفضت تسلمه الفيديو وقالتله هتوريه لمازن عشان يعرف حقيقة ابوه وكمان يحبسه, حصلت بينهم مشكلة كبيرة, نهايتها كانت انه حبسها وخد منها التليفون, لكن كان عارف انها مصدر خطر, وانها مش هتهدى غير لما تفضحه حتى لو بالكلام, فقرر يخلص منها, ووقتها حطلها الدوا اللي حطوه دلوقتي لمراتك.. 

نظر له بأعين جاحظة كادت تخرج من مكانها, ليُكمل "عمران":
-انتَ عارف كويس ان الدوا ده محدش يقدر يستخدمه غيرنا في المنظمة, تعبت ونقلوها المستشفى قعدت يومين وماتت, وده لانه ماكنش ناوي ينقلها اصلاً ومازن لما اكتشف الموضوع كان اتأخر وهي خلاص بتخلص, الموضوع كان ابسط من انه يعتبر شبهه جنائيه, وخصوصًا ان بعد دخولها المستشفى عمل مدحت اتصالاته وظبط الدنيا, لا وقبلها اوهمكم انها مريضة قلب. 

همس في خفوت مصدوم:
-وهمنا! ده احنا عيشنا 6 شهور انها مريضة بالقلب وسافر بيها عشان يعملها عملية! 

-هو عمل كده عشان لما تموت ميبقاش الموضوع غريب وتدوره وراه, حتى هي كدب عليها وفهمها انها فعلاً مريضة عشان ترضى تسافر معاه, ولولا سفر مازن في نفس اليوم اللي ماتت فيه ووداها المستشفى كانت ماتت في البيت. 

لم يعلق "شاهين" وظل ينظر أمامه بصمت مُقلق, جعل "عمران" يظن أنه لم يصدقه, فقال:
-لو مش مصدقني انا ممكن... 

قاطعه يقول وهو على نفس وضعه:
-مش مصلحتك تكدب, ولو بتكدب كنت قريتك.. 

-طب ناوي على إيه؟ 

نظر له بأعين تنطق بقسوة وتوعد بالغين:
-مع مين فيهم؟ 

-لا مختار سيبك منه دلوقتي, معايا اللي يجيبه الأرض لو حابب, بتكلم على ممدوح. 

رفع جانب فمه باستنكار:
-واضح إن فيه في حجرك كتير! 

ابتسم "عمران" ابتسامة تشبه تلك الخبيثة الماكرة التي يبتسمها "شاهين" احيانًا:
-كل اسرار مختار عندي, وكل بلاوي ممدوح على علم بيها, مفيش حاجة بتحصل حواليا من غير ما اعرفها. 

-عرفت ازاي اللي حصل بينه وبين امي؟ 

-لما امك ماتت بعت افتش ورا الموضوع فعرفت ان في مادة غريبة دخلت جسمها عملت فيها كده, شكيت, وفضلت ادور لحد ما كان الشك الأكبر في الخادمة اللي حياتها اتغيرت بعد موت امك, لدرجة انها سابت الشغل عند ممدوح, جبتها... وعملت معاها الصح, خرت بكل حاجه.. وبحاجات تانيه تخص ممدوح, اصلها كانت بترمي ودن طول وجودها في البيت عندهم. 

ظهر التوتر جليًا على وجهه, وشحب لونه وهو يسأل بقلق من الإجابة:
-هو معنى كده إن فيروز مش هتقوم منها؟ 

ابتسم "عمران" ابتسامة هادئة وقال مطمئنًا:
-متقلقش, مادام حالتها مستقرة هتقوم, زي ما قولتلك امك وصلت متأخر, لكن مراتك انتَ لحقتها على طول. 

زفر أنفاسه بقوة قبل أن يُشير ل "مرسي" الواقف في آخر الطرقة وعينه لم تبعد عنه تحسبًا أن يحتاجه, واقترب سريعًا منه:
-اوامرك يا باشا. 

لمعت عيناه بالقسوة وهو يخبره:
-ممدوح الليلة يكون في مخزن الجبل. 

اتسعت اعين "مرسي" بصدمة متسائلاً:
-ممدوح بيه أبو مازن بيه؟ 

لم يجيبه واكتفى بثبات نظراته ليتوتر "مرسي" قائلاً:
-امرك يا باشا, اعتبره حصل. 

وابتعد فورًا ليبدأ في تنفيذ المطلوب منه, نظر "عمران" له يقول بتنبيه:
-هتقتله؟ متنساش أنه ابو اخوك، لو عرف انك قتلت ابوه اكيد مش هيسامحك.

نظر له ثم عاد ينظر ل "عمران" ويقول:
_مازن مش هيعرف حاجه عن الموضوع من أوله لأخره...

سأله "عمران" مستفهمًا:
_مش هيعرف إيه بالضبط؟

رد بقوة وإصرار:
_مش هيعرف إن ابوه قــ'تل أمنا.. ولا هيعرف اللي هعمله في أبوه..

قطب "عمران" ما بين حاجبيهِ مستغربًا:
_طب ميعرفش باللي هتعمله معاه مفهوم سببها.. لكن ليه ميعرفش باللي ابوه عمله، حتى عشان ميسألش عليه ولا يهتم بموته..

تنهد "شاهين" بتعب، وقال بعدها بعاطفة مدفونة لأخيه:
_مش عاوزه يتوجع.. إني اعرف ان ممدوح قتل أمي ماكنش سهل اتقبل الموضوع، والاحساس اللي حسيت بيه متمناش مازن يحسه.. وهو حياله جوز امي حتى لو كنت بعزه، هو بقى هيكون إيه احساسه وهو ابوه.. اصل يا نصر باشا الضربة اللي بتيجي من الاب مش بتوجع... بتموت..
وجملته الأخيرة كانت ضربة في مقتل "عمران" الذي نظر له بتأثر بالغ ولم يجد ما ينطق بهِ...

------------------- 
بعد سبع ساعات... 
كان قد أقبل الليل حتى وصل منتصفه, فأمر "شاهين" الجميع بالذهاب لأن وجودهم ليس له داعي, عدا "مازن" الذي طلب منه ان يذهب للمنزل ليستريح قليلاً ثم يعود ومعه ثياب نظيفة له, اغمض "شاهين" عينيهِ بنفاذ صبر حين أبصر "مازن" مقبلاً عليهِ ومعه "مديحة" الواجمة بوضوح كأنها تنوي شجارًا, مسح على وجهه بنفاذ صبر وتعب, فقد أُرهق من الجلوس هكذا في انتظار مميت, انتظار لأي خبر عنها ولكن لم يكن هناك جديد, وعقله يرهقه اكثر من التفكير في كل شيء, ومحاولة تقبل الصدمات المتتابعة فوق رأسه, وصلا إليهِ فدفع له "مازن" بالحقيبة التي بيده:
-جبتلك طقمين عشان شكل القعدة مطولة...

ثم مال عليهِ هامسًا:
-لما روحت البيت حلفت لترجع معايا على المستشفى, معرفتش امنعها. 

اخذها منه في صمت, لا يريد الحديث كي لا يضطر للتصادم بها, لكن للأسف لم تكن هذه نيتها ابدًا وكما توقع, هي آتيه ومتحفزة للشجار, حين بادرت القول بهجوم ضاري... 

-بقى انتَ تطردني وتمنعني اشوف بنتي!

تدخل "مازن" محاولاً منع تصعيد الموقف بينهما:
-يا طنط استهدي بالله بس، ده شاهين قلبه بيتقطع من وقت ما طردك.. قصدي مشاكي يعني، وعمال يقولي انا مش عارف ازاي امشي طنط مديحة بالطريقة قليلة الذوق دي.

نظرت له ساخرة بحركة سوقية:
-يا راجل! بقى هو قالك طنط مديحة! ده مبيقولهاش ليا في وشي هيقولها من ورايا! ومين ده اللي قلبه بيتقطع... ده! ده عنده قلب اصلاً!

نطق" شاهين" في هدوء مفتعل:
-وطي صوتك عشان عاملي ازعاج. 

اتسعت اعين "مازن" من رده الجلف, وبرر متدخلاً:
-يقصد عشان صحتك، الصوت العالي غلط على الصحة بيهيج القاولون... 

انفلتت اعصابها تقول بضيق:
-انتَ بتبررله يا مازن! ده مش عاملي اي احترام ولا كأني ام مراته.

رد "شاهين" ببرود صادق:
-مانتِ لولا انك ام مراتي، ولولا خاطر مراتي ويمكن تزعل لو اتصرفتِ معاكِ، كان زماني...

لكزه "مازن" بكوعه في صدره ليصمت وقال بابتسامة متوترة:
-كان زمانه سايبك في المستشفى معاها، بس هو قالك تمشي خايف على صحتك، لاحسن قعدة المستشفى بتجيب روماتيزم.

دفعت "مديحة" مازن من بينهما ورفعت سبابتها في وجه شاهين بتحذير:
- اسمع يا جدع انتَ إن كنت فاكر إنك هتمنعني عن بنتي تبقى بتحلم، ده انا اطبق في زمارة رقبتك اطلع بروحك.

عاد "مازن" يقف بينهما يقول:
-يا طنط اهدي، الحوار ده كله شيطان.. اه والله شيطان ودخل بينكوا.

أشارت على "شاهين" وهي ترد بتهكم:
- الشيطان الحقيقي اللي دخل حياتنا ومن وقتها وبنتي متمرمطة بسببه واقف قدامك اهو، مفيش شيطان غيره هو واعماله المشبوهة. 

كان قد وصل لمبلغه من الغضب فهو بالأساس لا يحتمل حرف من أحد, تكفي الحرب الكامنة بداخله وافكاره التي كادت تذهب بعقله, والحقائق المُرة التي يتلقاها:
 -بقولك إيه يا ولية انتِ انا صبري له آخر، متخرجنيش عن شعوري لأني ساكتلك عشان خاطر فيروز، لكن ماتسوقيش فيها. 

جحظت عينيها باستنكار و دهشة وهي تشير لنفسها:
- وليه! اا.. 

حدقه "مازن" بنظره متعصبة ولم يعد يجد ما يدافع بهِ عنه: 
-يا طنط مديحة، احنا كلنا ولادك، وشاهين زي ابنك، ولازم تقدري حالته النفسية الصعبة من وقت اللي حصل لفيروز، ده انا لحقته على اخر لحظة كان هيقطع شرايينه. 

زمجر "شاهين" بغضب:
-مازن! لو ماكتمتش هقطع شرايينك انتَ!

رفعت "مديحة" شفتها العليا باستنكار:
-ابني! بقى الشحط ده ابني.. ليه شايفني عندي ٧٠ سنه! 

-شحط!
رددها "شاهين" في نزق وهو بالكاد يمسك اعصابه التالفة, ليهدر "مازن" بضيق تمكن منه:
-لا يا جماعه كده الموضوع كبر وبنخبط في بعض، وفيروز لو عرفت باللي بتعملوه ده هتزعل اوي، اتهدوا بقى.. قصدي اهدوا. 

رفعت "مديحة" كفيها باستسلام:
- انا بنتي لما تخرج بالسلامة هاخدها وامشي، ملناش قعاد هنا بعد اللي حصل انا مش مستغنيه عنها.

تهكم "شاهين" معلقًا:
- ليه هي متجوزة شوشو! احكمي على نفسك متحكميش عليها.

تدخل "مازن" معترضًا:
- معلش بقى يا طنط في دي شاهين معاه حق، احنا رجالة عليتنا رجالة اوي يعني...ودي مراته هو بس اللي يحكم عليها، بعدين ده ممكن يطلبها منك في بيت الطاعة ده قادر ويعملها اسأليني انا.. وانتِ ست كبيرة مش وش بهدلة محاكم، فنلم الموضوع بينا بالتفاهم أحسن.

قطع شجارهم العقيم, خروج طبيب العناية من الداخل لينظر ل "شاهين" مبتسمًا: 
-كده اقدر اقولك حمدا لله على سلامة المدام. 

-فاقت؟ 
سأله بلهفة واضحة, فهو لم ينفك عن سؤال الطبيب كلما رآه عنها, حتى ابتسم له يقول "والله لو في جديد انا بنفسي هطلع ابلغك, بس اطمن الحالة مستقرة" 
اجابه بابتسامة:
-ايوه فاقت, واختبرتها كمان وزي الفل, قالتلي انكم متجوزين قريب مكملتوش شهر, ولما قولتلها إنك بره طلبت تشوفك كمان. 

زال الحزن من فوق وجه "شاهين" كأنه مُسح بممحاة, واشرقت ملامحه مبتسمًا بأعين لامعة يسأله في لهفة:
-وهدخلها؟ 

-بص هو بلاش تدخل العناية لأنك دقيقتين وهتخرج, فانا كده كده طلبت ينقلوها اوضة عادية بس بعد ساعة على ما نتأكد إن كله تمام وهي متشتكيش من حاجة, ووقتها اقعد معاها براحتك, مسموح بمرافق واحد في الأوضه. 

-يقعد معاها ده إيه انا أمها واولى اقعد بيها! 
هدرت بها "مديحة" التي بكت عيناها حين سمعت خبر إفاقة ابنتها وانها بخير, ليتأفف "شاهين" باختناق وحدثها بحدة:
-ده وقته يعني؟ مش لما تخرج الاوضة الأول!

تجاهلته وهي تسأل الطبيب بعبوس:
-هي مسألتش عليا؟ 

ابتسم لها الطبيب ورد بدبلوماسية:
-هي سألتني مين بره, وانا قولتلها ان جوزها, واطمني لما تخرج للأوضة هتقدروا تكونوا معاها, بس واحد بس اللي هيقعد معاها على طول, والباقي يقدر يدخل يشوفها زي ما يحب, بس مش كتير يعني تقدري تقعدي معاها ساعه او اتنين مش اكتر من كده عشان هي محتاجه هدوء تام وراحة على الأقل ال24 ساعة الجايين, عن اذنكم. 

ربط "مازن" على كتف "شاهين" بمواساة:
-حمدا لله على سلامتها, إن شاء الله ترجع تنور بيتها قريب. 

غمغم بتمني:
-يا رب.  

------------------ 
في منزل مختار المنشاوي.. 

-ياااه يا بابي مش مصدقة إني اخيرًا هخلص منها. 

قالتها "شدوى" بسعادة واضحة, ليغمغم "مختار" هامسًا بعدم رضا:
-يا ريتنا خلصنا منه هو. 

نظرت له تسأله باستغراب:
-بتقول حاجة؟ 

رفع نظره لها بمقت وسخرية:
-بقولك متفرحيش اوي, انا عرفت إن حالتها مستقرة في المستشفى. 

وجم وجهها وسكنه الغضب وهي تقول وقد اختفت سعادتها:
-ومقولتش ليه من الأول؟ انا فرحت فكرت إنها غارت في داهية. 

-اللي زي شاهين ومراته دول زي القطط بسبع أرواح, مش سهل تخلصي منهم. 

هزت ساقيها بعصبية وأردفت: 
-وبعدين؟ إيه الحل مع البت دي؟ 

نظر "مختار" أمامه بتنهيدة وقال:
-سيبك منها دلوقتي, احنا حاليًا هنقعد نتفرج ونشوف شاهين هيعمل إيه, مهو مش هيسكت على اللي حصل. 

هزت رأسها بتأكيد, وقالت بعدها بامتنان:
-بس أيًا كانت النتيجة, شكرًا يا بابي إنك حاولت تخلص منها زي ما وعدتني. 

بالطبع لم يخبرها أن المقصود كان شاهين! 
فابتسم بتهكم خفي وهو يقول:
-طبعًا يا حبيبة بابي هو انا ليا اغلى منك, أي حد يضايقك ويقف في طريق سعادتك لازم انهيه. 

نهضت مقبلة عليهِ تقبله بحب تقول:
-حبيبي, ربنا ما يحرمني منك ابدًا.. 

----------------- 
خرجت من غرفة العناية على السرير الناقل, لتُبصر وجوههم أمامها, فابتسمت بضعف وتعب, ليقبلوا عليها يسيرون معها حتى تصل للمصعد, مسك كفها بكفه في لغة صامتة يطمئنها, وعيناه تركض فوق ملامحها بلهفة ليطمئن عليها, ابتسمت له ابتسامة أخيرة بنظرة سكن بها الحب قبل ان تبتعد قسرًا لتدلف للمصعد بدفع الممرضين لها. 

وصلت للغرفة لتجدهم امام بابها في انتظارها, دلفت للداخل وهم خلفها ليعرض "شاهين" المساعدة حين وجد الممرضين على وشك حملها, يقول:
-استنوا انتوا. 
واتجه لها يحملها في حذر حتى وضعها على السرير بلطف, واقتربت بعدها الممرضة توصل لها بعض الأجهزة, وما إن انتهت حتى قالت:
-انا علقتلها محلول اول ما يخلص هاجي اغيره واحط مكانه, وده جهاز اكسجين عشان تنفسها لسه مش مظبوط, لكن لو حست بأي اختناق بلغوني هاجي اقلل درجته, ولو حابه تستخدم الحمام هترفعوه عنها وتقفلوه من الزرار ده.. 

اومأ لها "شاهين" الذي كانت تتحدث معه بالعنيه, واكملت بابتسامة هادئة:
-لو حابه تتكلم تقدر طبعًا لان الجهاز زي مانتوا شايفين في الانف بس, لكن بلاش يبقى كلام كتير عشان الاكسجين في جسمها ميقلش, ولو احتاجتوا أي حاجه انا قاعدة في أخر الطرقة مع استف التمريض, ولو ملقتنيش اسأل عليا اسمي شروق وهاجيلكوا فورا هكون بس مع مريض تاني ولا حاجة. 

-تمام. 
رد مقتضب جعل الفتاة تتوتر وهي تستأذن للخروج, اسرعت "مديحة" تقترب من "فيروز" تسألها بلهفة أم:
-حبيبتي انتِ كويسة؟ طمنيني عنك يا بنتي انا قلبي هيقف. 

-كويسه يا ماما متخافيش. 
قالتها بصوت منخفض بتعب واضح, واكملت بنفس النبرة:
-اهدي بخير والله. 

-الحمد لله, الف حمد وشكر ليك يا رب, هو إيه اللي حصل يا بنتي؟ محدش عاوز يقولي إيه سبب اللي جرالك؟ 

قالت جملتها الأخيرة وهي تحدق "شاهين" و "مازن" بنظرة غيظ وغضب, لتنظر "فيروز" فورًا ل "شاهين" تسأله في خفوت:
-انا مش عارفه.. هو إيه اللي حصل يا شاهين؟ 

اقترب "شاهين" منها وهو يمسك كفها الموصول بالمحلول بحرص, وأجاب في هدوء:
-البيتزا اللي صممتِ تاكليها يا ستي طلعت بايظة, وحصلك تسمم. 

هزت رأسها في صمت, لتشهق "مديحة" غاضبة وقالت:
-وانتَ هتسيب صحاب المطعم؟ دول كانوا هيموتوا بنتي! 

رد بنزق:
-اكيد مش هسيبهم, قدمت بلاغ. 

-حمدا لله على سلامتك يا فيروز, قدر ولطف. 
قالها "مازن" متدخلاً لينهي جدلاً كان على وشك الاندلاع, لتجيب "فيروز" بهدوء:
-شكرًا, الله يسلمك.  
------------- 
دقات فوق باب الغرفة جعلت "شاهين" يتجه ليفتحه بينما "مديحة" لم تتحرك من جوار "فيروز" وهي تطعمها بعض الأطعمة الخفيفة, ليبصر "مدحت" في وجهه
تحكم في انفعالات وجهه بالكاد, وهو يستقبله, حين قال الأخير بابتسامة سِمجة ويحمل في يده باقة من الزهور:
-حمدا لله على سلامة المدام, كنت هاجيلك من بدري بس طلعلي كام مشوار منعوني, أتمنى تكون بقت بخير. 

افسح له "شاهين" المجال ليدخل وقال بهدوء:
-اتفضل. 

اقترب "مدحت" من "فيروز" يقدم لها باقة الزهور وهو يقول:
-الف سلامة عليكِ يا مدام. 

-الله يسلم حضرتك. 
رددتها بهدوء مبتسمة بخجل, فهي لم تعتاد التعامل معه, ولم تصادفه سوى مرات قليلة جدًا دون حديث مباشر بينهما. 

عاد ل "شاهين" يقف أمامه يسأل بجهل مصطنع:
-إيه اللي حصل يا شاهين؟ بفعل فاعل ولا؟ اوعى يكون حد قاصدك؟ 

نفى برأسه وهو ينظر له بتمعن:
-مش بفعل فاعل, دي حادثة عادية, الدكتور بيقول تسمم من اكل بايظ, كانت واكلاه قبلها. 

ارتاحت ملامحه وهو يجد الأمر قد فُسر بعيدًا عن أي شبهه, ليقول بابتسامة:
-طب الحمد لله, انا قولت مين اللي امه داعيه عليه وفكر يأذي حد من عيلة المنشاوي. 

ربط على كتفه بقوة مرددًا بمغزى:
-لا متقلقش يا عمي, محدش يقدر يقرب من عيلة المنشاوي, واللي يقرب يبقى كتب نهايته ومضى عليها. 

هز رأسه بتوتر خفي:
-طبعًا, ده انتَ العقرب.. عمومًا حمدا لله على سلامتها تاني, همشي انا بقى عشان الوقت متأخر. 

ودعه بابتسامة هادئة حتى اختفى من امامه فأخرج هاتفه يتصل ب "مرسي" الذي أخبره قبل ساعه بأن "ممدوح" لم يظهر على الساحة بعد:
-الفار خرج اقفل عليه المصيدة. 

-امرك يا باشا. 

اغلق معه المكالمة ونظر أمامه بتوعد قاسٍ, سيكن جحيمهم على الأرض, سيدفعون ثمن لكل ذنب ارتكبوه, سيأتي بحق كل حبيب أذوه, وقد بدأ العد التنازلي لحياتهم من الآن.. 

----------------- 
أخيرًا اقتنعت "مديحة" بالذهاب مع "مازن" بعد شوط طويل قطعته "فيروز" في إقناعها, معللة أن المبيت بالمستشفى مُرهق لها, ولكن الحقيقة الكبرى أن "مديحة" تقطع أي تواصل بينها وبين "شاهين" وهي تريد الانفراد بهِ, تريد أن تنعم بقربه بعدما ظنت انها لن تراه مرة أخرى, وأن تعرف شعوره حين كاد يفقدها, وتفهم حقيقة ما حدث. 

اغلق الباب خلفهما واقترب منها مبتسمًا بالكاد, جلس فوق الفراش يجاورها لتبادر القول:
-شكلك مرهق. 

هز رأسه يؤكد:
-وإيه في الدنيا مش مُرهق؟ 

رفعت كفها لينحني بوجهه لها كي تطله, فوضعتها على وجنته تسأله بحنو:
-مالك؟ لسه موضوع والدك؟ 

مال بوجهه على كفها شاعرًا بالانتماء, ورد بتهكم:
-يا ريتها وقفت على كده. 

قطبت ما بين حاجبيها قلقًا:
-اومال في إيه؟ احكيلي. 

مسك كفها يوجهه لفمه وقبله بعاطفة غزته وهو يهمس لها بابتسامة:
-يعني المفروض انا اللي اطمن عليكِ, مش انتِ اللي تطمني عليا. 
رمشت بأهدابها وقالت بدلال:
-وانا وانتَ إيه؟ مش واحد! 

رفع حاجبه بتلاعب:
-قصدك انا وانا.. مفيهاش انتِ بقى! 

ضحكت برقة وهي تؤكد:
-ايوه معاك حق. 

تنهد وهو يسألها:
-مش غريب إنك مجادلتنيش لما قولت إن اللي حصلك تسمم من البيتزا, انتِ اصلاً ماكلتيش بيتزا. 

ابتسمت تجيب بما أدهشه:
-قريت عينك وعرفت إنك مش حابب تقول الحقيقة قدام امي, فقولت اعديها لحد ما افهم منك. 

هز رأسه بعدم تصديق وقال:
-بقيتِ خطر عليا يا فيروز.. 

-انا خطر؟ 
سألته باستغراب وقد وجمت ملامحها, ليجيبها بتنهيدة عميقة:
-ايوه, انتِ سامعه قولتِ إيه, قولتِ قريتِ عيني, ده انا محدش بيفهم تعابير وشي, انتِ بقيتِ تفهمي نظرتي! ومستغربة إنك خطر! انا كده بقيت مكشوف قدامك. 

مدت كفها الآخر تربط فوق كفه الممسك بكفها والمستقر على فخذه وقالت بابتهاج:
-وماله.. طب ما ده المطلوب, مش انتَ جوزي, وصاحبي, والمفروض اقرب حد ليا, فطبيعي افهمك من نظرة, وكويس إني مميزة عندك ومحدش بيفهمك غيري. 

صمت ولم يعقب فقالت بعدها متسائلة:
-قولي بقى, إيه الموضوع؟ 

ذم شفتيهِ بقوة قبل أن يفرجها وهو يقول بأعين معتذرة:
-ماكنتيش المقصودة, زي كل مرة بتحميني بروحك, مش عارف اقولك إيه, اول مرة في حياتي ابقى مش لاقي كلام أقوله. 

سألت بإدراك:
-القهوة بتاعتك كان فيها حاجة؟ 

اومأ برأسه مؤكدًا, لتقول بملامح غاضبة, حزينة:
-وبعدين يا شاهين؟ مرة حد يضرب عليك رصاص, ومرة يحاولوا يسموك, ومرة واحد يجيلي ويقولي عاوز اقهره, وبعدين! إيه أخرة كل ده؟ وليه بيعملوا معاك كده؟ ومين دول؟ 

ضغط على كفها وهو يقول:
-ممكن تهدي, الموضوع اكبر مما تتخيلي, الموضوع له علاقة بناس من عيلتي, عيلتي هم اللي عاوزين يخلصوا مني.

سألت بدموع:
-ليه؟ ومين من عيلتك؟ 

تجنب ذِكر "ممدوح" وأجاب:
-عمي مختار.. من وقت طلاقي بشدوى بينا مشاكل كتير, ومبقاش طايقني, وعاوز يخلص مني. 

اتسعت عيناها تسأله باستنكار:
لدرجة يقتلك! وهتعمل معاه إيه؟ 

-مش عارف لسه يا فيروز, انا دماغي واقفة دلوقتي, المهم اطمن عليكِ الأول. 

-أنا خايفة عليك اوي. 
قالتها ببكاء بدأت بهِ, ليمد كفه يمسح دموعها وهو يخبرها بقوة:
-متخافيش, بس المهم تدعي متبقيش انتِ كل مرة في وشي, ابعدي عن أي مصايب بتحصلي يا فيروز مش عاوز تتأذي. 

نظرت له بقوة تسأله:
-ليه؟ خايف عليا؟ 

ابتسم ابتسامة ألم مريرة, وقال بصدق وهو ينظر في عمق عينيها:
-لما وقعتِ وجينا هنا وعرفت إن الموضوع مش سهل, حسيت بإحساس وحش, حسيت إني متكتف وقلقان وخايف من أي جملة ممكن يقولها الدكتور مش عاوز اسمعها, وانا عمري ما كنت كده.. دايمًا كنت جامد, وبيبان عليا اني مش مهتم حتى لو بموت من جوايا, المرة الوحيدة اللي ظهر فيها وجعي وخوفي يوم حادثة نورهان لما روحتلها المستشفى وماكنتش اعرف انها اتوفت, وظهر معاكِ تاني, لدرجة ان اصحابي كانوا بيبصولي باستغراب, لانهم من سنين كتير اوي مشافونيش بالوضع ده.. حتى لما امي ماتت, وعرفت بعد موتها بفترة, قفلت على نفسي ومحدش شافني غير وانا صالب طولي ومش هاممني, النهاردة انا ماكنش فارق معايا شكلي قدام أي حد, ظهر قلقي وخوفي عليكِ ومهتمتش لحاجة تانية. 

ابتسمت باتساع تقول:
-ياااه ده تطور كبير اوي, يعني انا مهمة عندك اهو. 

رد بأعين لامعة وقال بمشاعر تفيض بداخله ولا يقدر على كبحها أكثر:
-مهمة يا فيروز.. ومش مهمة بس, مميزة زي مانتِ قولتي, مميزة في كل حاجة.. حكيتلك وانا عمري ما حكيت لحد قبل كده, برتاح لما اشوفك, وبخاف إن يصيبك أذى, مقدرتش ابعد عنك لما اختفيتِ من حياتي ولاقيت رجلي وخداني ليكِ بعد شهور عشان ارجعك من تاني, ضحكتك دي بتفرحني, ومبحبش تفهميني غلط او تزعلي مني, حتى لو قسيت عليكِ بزعل من نفسي اوي, رغم إني دايمًا بقسى ومبيهمنيش, لكن انتِ الوحيدة اللي قلبي مبيهونش يقسى عليها كتير. 

فاضت عيناها بالدمع وهي تسمع حديثه, وقالت بابتسامة واسعة متأثرة:
-براحة عليا بس انا ماكنتش اتخيل إنك تقول كلمة واحدة من كل اللي بتقوله. 

اقترب منها أكثر حتى بات قريبًا جدًا, وابتسم ابتسامة صادقة قليلاً ما تظهر, وهو يهمس لها بنبرة عاطفية:
-طب اقولك الكبيرة؟ 

همست في توتر بالغ من قربه المهلك لها:
-قول الكبيرة. 

أخذ نفس عميق محاولاً التحكم في طاقة مشاعره, ولكن يبدو أنها تتصاعد ولا تهدأ, وقال بنبرة لن تنساها ابدًا, ونظرة طُبعت في ذاكرتها كأرق وأجمل نظراته:
-بحبك يا فيروز.. كنت بهرب, وبكابر, وبقول إن قلبي عمره ما هيحب ولا هيكون ضعيف للحب, لأنك زي ما قولتي انا محبتش لا شدوى ولا ليلى, وماكنتش ضعيف خالص ناحيتهم, بالعكس كنت بستغنى وبدوس وبعدي, لكن معاكِ الوضع مختلف, وده بيثبت إني محبتهمش.. لكن حبيتك انتِ يا روزا.. 

تعليقات