رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الخامس عشر
– أنا برضه مش مصدقة ولا كلمة منك… كلمتك، وصدّمني ردك. روح لها واشبع بيها… وسيبني بقى!.
“تحدّثت، ونبرة صوتها ترتجف بين الغضب والانكسار”
قهقه عاصم عاليًا، ضحكة لم تكن سوى محاولة يائسة لستر ألمه، ثم اعتدل في جلسته، ترك يدها لوهلة، قبل أن يحيط خصرها بذراعيه، وجهه بات مقابلًا لوجهها، عينيه تترجاها ألا تصدق ما رأته.
– افتحي عنيكي يا سيلا… وحشتيني أوي، ماتحرمنيش منك تاني. أنا من غيرك كنت مدمر، والله العظيم.
صمت لثوانٍ ثم أردف، يحاول بثها الحقيقة، بشيء من الهدوء والثبات:
–
قال بصوت خرج من جواه، مبحوح، ملهوف، بيحاول يوصل لها إحساسه الحقيقي:
– اللي بعدني عنك كانت مهمة جديدة… مهمة خطيرة. كان لازم أقبض على جاس.وسة روسية، وكانت المفروض تنزل في الفندق. وفعلاً استقبلتها، بس قبلها بليلة، حطّيت لها منوّم في العصير، ووقت ما انتي جيتي، كانت لسه بتفوق.
اقترب منها أكتر، أنفاسه كانت بتلفح عنقها، وصوته يفيض ندم، وجع وصدق:
– هي كانت فاكرة إن في حاجة حصلت… وقت ما شوفتينا، كنت مرتّب كل حاجة، وكان لازم أمثّل… بس والله، ما حصلش حاجة. أقسم لك.
دفعت صدره غيظًا، ألمًا… أرادت أن تصدّقه لكنها عجزت عن محو المشهد من ذاكرتها.
قال بصوتٍ خافت، وقد خنقته الذكرى:
يوم ما كلمتيني… كانت قُصادي. وكان جوايا كلام كتير نفسي أقولهولك. قلبي حرفيًا كان بيطير من الفرحة أول ما شفت اسمك منوّر على شاشة تليفوني.
بس… كل حاجة حصلت ورا بعض. ما لحقتش أشرح، ما لحقتش حتى أفرح.
سامحيني…
حقك عليّا، يا ست البنات.
نظر إلى عينيها، لكنها لم تجبه. تنهد طويلًا، يتأمل وجهها الذي لطالما أحبه. اقترب منها، وهمس قرب أذنها، وصوته يفيض بحنينٍ صادق:
– افتحي عنيكي، يا بنتي، يا سيلا…
لم تأتِه استجابة، ففهم أنها غفت، ربما من شدة التعب… أو من وجعٍ لم ينطفئ بعد.
ابتسم ابتسامة باهتة، وهمس من جديد وهو يعدّل وضعية نومها بين ذراعيه:
– مش جديدة عليكي…
ظلّ يحتضنها، كأنّه يخشى أن تبتعد من جديد، يمسك بيدها، ويترك أنفاسه تلامس عنقها، يشتم رائحتها التي اشتاق إليها. أقسم في داخله أنه لن يدع دمعةً تسقط من عينيها بعد الآن، لا لأجله ولا بسبب غيره.
ظلّ ينظر إليها، يتأمل كل تفاصيلها، يروي بها عينيه بعد شوق طويل. اشتاق إليها حدّ الألم، ويريد أن يعوّضها عن كل لحظة وُجِدت فيها وحدها… حتى لو بنظرة.
…….
عند مي، بعد رفض وتعنّت منها لعدم تواجدها في نفس المكان الذي يتواجد فيه هو، وافقت في النهاية على السفر إلى الغردقة لتغطية مؤتمر بأحد الفنادق الكبرى. وقد شعرت ببعض الاطمئنان لوجود شقيقها معها، كونه سيحضر المؤتمر ذاته.
كان المؤتمر يشهد حضور عدد كبير من كبار أطباء الشرق الأوسط والغرب، واعتبرت ذلك فرصة تُحتسب لها، وانتقالًا إلى الأفضل.
وصلا إلى الفندق، تمنت في داخلها ألا تجتمع الصدفة، وألا تلتقي به؛ فهي ليست مستعدة بعد لرؤيته، وقلبها ما زال ضعيفًا أمام حضوره.
خرج هيثم بعد أن نقل الحقائب إلى داخل الغرفة، قائلًا:
– مي، خدي انتي الأوضة دي، بتطل على البسين، وأنا هاخد اللي جنبك. عارفك بتحبي الحاجات دي.
نظرت له وابتسامة تكاد تصل إلى عينيها:
– حبيبي، ما تحرمش منك يا رب. بس عادي، مبقاش يفرق معايا دلوقتي حاجة، خدها لو حابب.
لم يكن يعتبرها شقيقته الصغرى فقط، بل كأب رباها واعتنى بها. كان يعلم تمامًا ما يدور في ذهنها الآن؛ من وجعٍ وألمٍ مضى، ومن فقدانها لشغف الحياة.
أراد أن تأتي إلى هنا لتقوى، لتجمّد قلبها، وتدفن الحزن والوجع كما دفنه هو من قبل، وتعود إلى حياتها من جديد.
اقترب منها، واحتضنها من كتفيها قائلًا:
– ميوي، أنا صمّمت إنك تيجي مخصوص معايا، عشان عاوزك تكوني أقوى من كده. ما تخافيش من حاجة، وأنا جنبك، ماشي؟
ابتسمت له بحب، وهزّت رأسها موافِقة. كان دومًا السند في حياتها.
ربت على منكبيها متحدثًا:
– طيب أنا هخرج بقى شوية كده، هقابل زمايل ليا. لو عاوزة تمشي شوية، اخرجي.
– حاضر…
وجدت الوقت مبكرًا على بدء المؤتمر، ترددت في بداية الأمر، لكن حسمت أمرها وغلبت خوفها. أرادت أولًا أن تتناول مشروبًا ساخنًا، وبعد ذلك تمضي باقي الوقت أمام البحر.
خرجت تبحث عن الكافيه حتى وجدته، وأحضر النادل طلبها وبدأت في تناوله وهي تنظر إلى جمال المكان، وتحتسي مشروبها. فوجئت بمن يسحب المقعد أمامها ويجلس دون استئذان، صُدمت من جرأته، هبّت واقفة من مجلسها وكادت أن تصرخ به حتى…
…
عند سيلا، شعرت بتنمّل في ذراعها السليم، نتيجة إبقائه على ذات الوضعية لفترة طويلة، فكانت كأنها تحتضنه. حاولت سحب ذراعيها، لكنها فشلت بسبب ثقل ما تحمله، فتركته كما هو، حاولت تلامس رأسها وجهه، تستنشق رائحته التي اشتاقت إليها، وتستدفئ بحرارة أنفاسه التي كانت تضرب عنقها بلطف.
كانت ضربات قلبها تنبض بقوة كلما تسللت أنفاسه الحارة إلى عنقها، فتزيد من اشتياقها إليه أكثر فأكثر. ابتسمت له بحب، ثم حاولت الاقتراب منه بحذر شديد، حتى لا توقظه، فقط رغبةً في لمس وجهه. وصلت إلى مبتغاها، وتحسسته بأطراف أصابعها، لكن حين لفحت وجهها أنفاسه الحارة، ابتعدت سريعًا، وقلبها يخفق بشدة… لم تكن تعلم أنه مستيقظ، ينظر إليها بعشق جارف.
اعتدل من وضعيته، وما إن شعرت بحركته، أيقنت أنه استيقظ.
خجلت، وأدارت وجهها إلى الجهة الأخرى، لكن تصرفها لم يُعجبه. أمسك وجنتيها بكف يده وقال:
– على فكرة، صباح الخير مش تتقال كده.
ثم أخذ شفتيها في رحلة طويلة، بعث لها خلالها مدى اشتياقه، وعندما شعر بحاجتهما إلى الهواء، ابتعد عنها رغماً عنه، يلتقط أنفاسه، متأملًا احمرار وجهها وعضّتها الخجولة لشفتها. همس مازحًا:
– لو هتكرري اللي بتعمليه ده، أنا اللي هآكلهم تاني… مش بهزر.
لم تفهم مقصده تمامًا، لكنها فقط أرادت الهروب من أمامه، شعرت بأن الموقف يفوق قدرتها على الاحتمال، لا ترى، ولا تستطيع الحركة… محتجزة أسفله، والخجل يكاد يفتك بها، استمرت في عضّ شفتها، وهي لا تدري أنها تفعل ما ينتظره منها بشغف.
أخذها بين ذراعيه مرة أخرى، كأنه يذيب جليد الحواجز التي بقيت، فذاب الثلج ماءً. نهض من فوقها مبتسمًا بمرح:
– هسيبك بس عشان انتي تعبانة… بس لو لاقيتك بتعضي شفايفك، تبقى دعوة صريحة ليا تاني إني أتذوق فراولة دي تاني، وأنا على استعداد مرة ثالثة!
التقطت أنفاسها المتلاحقة، ثم همست بغضب خجول:
– انت قليل الأدب… عشان تستغلني كده، وأنا لسه زعلانة منك أصلاً… امشي بقى.
قهقه ضاحكًا بصوت رجولي عميق:
– حبيبي، مقدّرش على زعلك… هصالحك بمعرفتي. أما بقى بالنسبة للاستغلال… أنا بموت فيه، عجبني جدًا… أوي… خالص.
تمتمت وهي تُشيح بوجهها:
– آه… استغلالي حقير…
التقط كلمتها وهمس:
– سمعك على فكرة… بس هعدّيها، عشان الأيام الجاية كتير، وهاخد حقي منك، هروح أحضّر لنا الفطار، وأجيلك… يا عسل… يا فراولتي.
ابتسمت بسعادة، ووضعت أنامل يدها على شفتيها ما إن شعرت بحرارتهما المرتفعة فجأة
…..
تطلعت مي إليه بصدمة من جرأته، فاستشاطت غضبًا حين جلس أمامها ممسكًا كوب القهوة خاصتها، وقال ببساطة:
– ممكن أقعد معاكي؟
هتفت بحنق وهي تستعد للرحيل:
– حضرتك قعدت خلاص… أنا اللي همشي.
وقف في مواجهتها، وابتسامة جذّابة تعلو ملامحه، وقال بسرعة قبل أن تغادر:
– آسف لتطفّلي… فكرتك عارفاني والله. أنا مازن، زميل هيثم أخوكي. شوفتك قاعدة فقولت ندردش شوية مش أكتر، ولو وجودي مش مرغوب فيه، عادي… ممكن أمشي.
ضربت بكفها جبينها، وكأنها تذكّرته للتو، وردّت بابتسامة خفيفة:
– مازن! طبعًا أعرفك، معلش… الزهايمر اشتغل عندي. اتفضل، طبعًا… ماعنديش مانع.
عادت إلى مقعدها، فجلس هو الآخر، وساد بينهما صمت ثقيل، قطعه عندما لاحظها تفرك كفيها بتوتر وتنظر بعيدًا. حاول كسر الجمود قائلًا:
– أحم… شكلي ضايقتك ولا إيه؟
أسبلت جفنيها خجلًا وقالت بهدوء:
– لا، أبدًا… عادي. أنا كمان شوية ورايحة على المؤتمر. أنت أكيد مدعو، صح؟
هزّ رأسه موافقًا بابتسامة:
– آه، فعلاً… وبصراحة، حاسس إني محظوظ إني قابلتك وشوفتك.
تابع مراقبتها وهي تلتفت برأسها في كل اتجاه بتوتر، فابتسم داخليًا، ثم قال أخيرًا:
– أحم… مي، هيثم قالك عني حاجة؟ يعني… قالك إني طلبت أتقدّم ليكي رسمي؟ كنت حابب أسمع منك رأيك.
أغمضت عينيها للحظات، استنشقت بعض الهواء بعمق، ثم أخرجته ببطء، وقالت:
– إنت عارف إني لسه خارجة من تجربة فاشلة، صح؟
وحين أومأ برأسه، تابعت:
– أنا مش بفكر في أي ارتباط دلوقتي… مش مستعدة أظلم اللي هارتبط بيه. أنا أخدت نصيبي من الدنيا، ومش عندي استعداد أدي لحد حاجة تاني. عطيت كل حاجة، وفي الآخر اتظلمت. ومش مستعدة أتعامل أو أتحمّل من جديد.
نظر إليها مطولًا، وقد شرد ذهنه بكلماتها التي لامست شيئًا عميقًا بداخله، ثم قال بنبرة حزينة:
– عارفة… إحنا فعلاً شبه بعض في حتة الظلم. يمكن قصتي مختلفة، لكن الألم واحد.
صمت للحظة، ثم استأنف:
– أنا كمان منفصل، ومش هكدب عليكي… تعبت بعدها، لأنها كانت حبي الأول، وبنت الجيران… حاجات كده. اتوجعت جدًا، وزعلت، والدنيا سدت في وشي. لكن ربنا عوّضني، ورحمته واسعة. لما لجأت له، وقلت: “اللهم أخرج من قلبي كل حبٍ غير حبك، واملأ قلبي بحبك”… والله مفعول سحري. نسيتها، ورجعت لحياتي وشغلي، وهي كملت حياتها… ماوقفتش بعدي.
ثم أردف بلطف:
– اللي عايز أقوله… حتى لو مافيش نصيب بينا، قدامك فرص كتير. أحسني اختيار فرصتك، ومتوقفيش حياتك عشان حد ما يستاهلش. وفكّري في ربنا لما قال: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين”… حقك هيرجع، واللي ظلمك ليه يوم.
نهض وهو يلتقط كوبه، وقال بابتسامة دافئة:
– أسيبك دلوقتي أجهّز نفسي قبل المؤتمر… سعيد جدًا إني اتكلمت معاكي.
ابتسمت له أيضًا وتوقفت في مكانها، ثم مدت يدها لتصافحه، وقالت بامتنان:
– وأنا كمان سعيدة بكلامي معك جدًا، وهفكر في اللي قلته أكيد.
هتف لها قبل أن تغادر:
– أكيد لينا كلام تاني، أنا لسه مخلصتش، ويسعدني لو تنوريني في العيادة كمان، هيفرق معاكي جدًا، بس كطبيب… إيه رأيك؟
أومأت برأسها موافِقة، وقد بدا عليها بعض الخجل، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها زيّنت ثغرها، ثم غادرت بدورها استعدادًا لحضور المؤتمر.
وأثناء ذهابها، لم تدرِ لماذا خفق قلبها فجأة، وكأن نذيرًا مرّ بجوارها، حين لمحت شيئًا لم تتمنّ يومًا رؤيته من جديد. كان ذلك آخر ما قد ترغب في مواجهته، حتى إنها انصدمت، واتسعت عيناها وشفتيها دهشةً حين مرّ أمامها، و…
