رواية ملك بلا مملكة الفصل السابع عشر 17 بقلم اسماعيل موسي


رواية ملك بلا مملكة الفصل السابع عشر  بقلم اسماعيل موسي 


استعاد جسد جود وعيه ببطء، لا كمن يستيقظ، بل كمن يعود من معركة لم تنتهِ تمامًا، الألم لم يختفِ، لكنه انكفأ إلى الخلف، صار مجرد ظل ثقيل بدل أن يكون سكينًا، فتحت عينيها على سقف الكوخ الحجري، تنفّست بعمق، ثم جرّبت أن تحرّك أصابعها، استجابت، مترددة لكنها مطيعة، جلست بعد محاولتين، وأسندت ظهرها إلى الصخر، صوتها خرج خشنًا لكنه حاضر حين نادته باسمه

يامان كان قرب الباب، لم يبتسم ولم يقترب بسرعة، راقبها بعين المقاتل قبل عين القلق، سألها كيف تشعر، أجابت أنها ما زالت قادرة على الوقوف وأن لسانها لم يُكسر، محاولة سخرية لم تُخفِ حقيقة أنها عادت إلى نفسها، نهضت ببطء، خطوتان أولًا، ثم ثالثة، جسدها تذكّر ما عليه فعله، وإن بقيت الوجع معلقة في المفاصل، كانت قادرة على الحركة والكلام، وهذا عندها يكفي

في الخارج لم يكن الهدوء طبيعيًا، كان يحمل نفَس بحث، نفَس خوف لا يُعلن، الملك إيمير لم يترك دربًا إلا وسأل عنه، أرسل الحراس إلى الحلبة وإلى ضفاف النهر وإلى حدود الغابة، ارتفعت الأوامر وكأن الأرض نفسها تُفتش، الأميرة اختفت، وهذا وحده كافٍ لاهتزاز المملكة، لم يكن يعرف أنها قريبة، ولم يكن يتوقع أن تختبئ في كوخ لا يحمل علمًا ولا راية

التفت يامان إليها فجأة، صوته جاء حاسمًا هذه المرة، بلا لين، قال إن عليها أن تنصرف الآن، أن تعود إلى القصر قبل أن يضيق الطوق، قبل أن تتكرر الفوضى التي كادت تبتلع الجميع في المرة السابقة، لم يكن تحذيرًا نظريًا، بل ذاكرة حية يعرف ثمنها جيدًا، أضاف وهو يشيح بوجهه أن بقاءها هنا يجرّ عليه وعلى غيره ما لا طاقة له به، وأنه مجرد بشري تافه في نظر المملكة، لا اسم يحميه ولا سلالة تشفع له، ولا قدرة على الوقوف أمام ملك وحراس حين يقررون أخذ ما يطلبون

نظرت إليه جود طويلًا، فهمت ما لم يقله أكثر مما قاله، فهمت أنه لا يطردها خوفًا على نفسه فقط، بل لأنه يعرف حدود اللحظة، وحدود الدم حين يُستدعى، لم تشكره، لم تجادله، فقط أعادت شدّ عباءتها، واستقامت رغم الألم، وقالت إنها ستعود، لا لأن أحدًا أمرها، بل لأن الوقت لم يعد يحتمل عنادًا جديدًا

وعندما خرجت من الكوخ، كان يامان واقفًا في مكانه، لا يودّع، ولا يتبعها بنظره طويلًا، تركها تذوب بين الأشجار كما تذوب القصص التي لم تُحكَ بعد، وكان يعلم أن عودتها إلى القصر لا تعني نهاية ما بدأ، بل مجرد تأجيل، تأجيل صراع يعرف الآن أنه لم يعد يخص الحلبة وحدها.


مع شروق شمس يوم ما قبل الختام بدت الحلبة كأنها تدخل عمرًا آخر، لم تعد ساحة تجارب ولا ميدان تهور، بل صارت مكانًا تُغلق فيه الطرق ويُختصر فيه المستقبل في نزال واحد

النيران اشتعلت على أطراف الساحة بثباتٍ مقصود، لا تلهب ولا تُخيف، لكنها تقول للجميع إن من يقف هنا اليوم قد لا يقف غدًا.


اصطف المتأهلون الثمانية في قلب الحلبة، سبعة وجوه يعرفها الجمهور، ووجه واحد تغيّر عند ظهوره الهواء ذاته، هشمير كان حاضرًا، لا ينتظر، لا يطلب، وجوده كان قرارًا بحد ذاته.

ضمّت القائمة النهائية آدم، وهشمير، والهنطاع، والعملاق الرمادي، والذئبتين الرماديتين برأس واحد، والمقاتل الشمالي، والذئب الهجين، ويامان الذي لا يحمل إلا صمته ورقمه.


تقدّم القضاة بثيابهم الداكنة، ووُضع حجر القرعة في منتصف الساحة، الحجر الذي شهد سقوط ملوك وبداية أساطير، وأُعلنت القرعة أمام الجميع، لا همس ولا تصحيح بعد ذلك

خرجت النتائج ببطءٍ ثقيل، وتبدّلت ملامح الوجوه مع كل اسم يُعلن.

آدم في مواجهة الذئب الهجين، نزال الهيمنة ضد المكر

الذئبتان الرماديتان في مواجهة المقاتل الشمالي، عقلان ضد برد السلاح.

هشمير في مواجهة الهنطاع، صدام الأسطورة مع من يعرف الكسر أكثر من الإنهاء.

ويامان في مواجهة العملاق الرمادي، مواجهة لا توازن فيها، جسد ضد جبل.

لم يعلُ اعتراض، لأن القرعة لا تُناقش، لكن النظرات تغيّرت، فمواجهة العملاق ليست اختبار مهارة، بل اختبار بقاء، والعملاق خرج من نزاله السابق وهو يعرف كيف يُنهي بلا تردد،بقي أمر الترتيب معلقًا.

القضاة انسحبوا للتشاور، لأن وضع نزال العملاق في البداية أو في النهاية قد يُسقط أكثر من اسم، ولأن إبقاء هشمير لنزال أخير قد يجعل البطولة تنتهي بصدى لا يُنسى.

الجمهور وقف في صمتٍ ثقيل، لا هتاف ولا ضجيج، كأن الجميع يشعر أن ما هو قادم لن يكون فرجة، بل كتابة جديدة لتوازن القوة.

وفي الصفوف الخلفية، كان يامان واقفًا بلا حركة، لا ينظر إلى العملاق ولا إلى القضاة، وكأنه يعرف أن الخصم لم يُحدَّد الآن، بل منذ زمن بعيد، حين قرر أن يسير بهذا الطريق إلى النهايه :


حين عاد القضاة الى الحلبة لم تكن وجوههم تحمل حيادا بل ثقلا يعرفه كل من شهد بطولات سابقة، رفع اكبرهم يده فعم الصمت ثم اعلن القرار الذي كان الجميع يترقبه بقلق وفضول، نزال هشمير والهنطاع سيترك حتى النهاية، لن يكون مجرد نزال ختام بل نهائى مبكر والمنتصر منهم سيكون البطل لا محاله.


لم يثر القرار اعتراضا بل همهمة مكتومة، الجميع فهم الرسالة، هذا النزال ليس للمتعة بل للتتويج، والباقي محطات لاختبار من يستحق الوقوف امام الاسطورتين.


بدأت النزالات تباعا، دخل ادم اولا بقامته المنتصبة وغروره المعلن، سحق خصمه في وقت قصير بلا رحمة مستخدما قوة نظيفة محسوبة، لم يتفاخر كثيرا اكتفى بنظرة قصيرة نحو هشمير وكأنه يقول انا هنا ولن اغيب.


تلاه نزال الذئبتين الرماديتين برأس واحد ضد المقاتل الشمالي، كان نزالا فوضويا عنيفا، العقل المزدوج واجه جسدا تمرس على البرد والجراح، انتهى النزال بعد صراع طويل بسقوط المقاتل الشمالي بعدما انهكته الضربات المتبادلة.


ثم جاء نزال الهجين الاخر، خصم حاول اللعب على التخفي والسرعة، لكن خصمه كان اشرس، وانتهى النزال بانسحاب قسري بعد كسر واضح، اثار صخب المدرجات.

ومع كل نزال كانت الحلبة تثقل اكثر، كأن الارض تحفظ الالم وتراكمه بانتظار المواجهات الكبرى.


وقبل الاخير، نودي اسم يامان، سكنت الحلبة حتى النيران بدت اكثر هدوءا، لان الخصم لم يكن عاديا.

العملاق الرمادي دخل بخطوات تهز الارض، جسد ضخم كتل عضلية مشدودة وعينان لا تشبهان عيون الذئاب المعتادة، لم تكن وحشية فقط، بل فراغ مظلم، فراغ يعرفه يامان.


منذ اللحظة الاولى توقف يامان عن السمع وبدأ يشم، ليس الهواء بل الرائحة الخفية التي لا يلاحظها الا من اختبر الدم القديم، رائحة معدن بارد ممزوج بلعاب الذئاب، شيء دخيل، شيء لم يولد في هذه الارض.

الهجين، لكنه ليس كغيره، مع الضربة الاولى فهم يامان ان القوة التي امامه لا تتبع قوانين الذئاب، العملاق لم يندفع، لم يخطئ، كان يقاتل بثبات غير طبيعي، يتحمل الضربات وكأن الجسد يعاد ترميمه في اللحظة نفسها.

ساعات مرت، الجمهور نسي الوقت، القضاة تبادلوا النظرات، النزال لم يحسم.

يامان كان يعرف، هذا ليس ذئبا كاملا، داخل عروقه شيء اخر، جينات فامبيرية قديمة، اسرار مظلمة دفنت منذ قرون، قوة لا تنفد بسرعة وجسد لا ينهار بسهولة.

حاول العملاق دفعه الى الكشف، كل ضربة كانت تستفزه، تكسر عظما، تفتح جرحا، لكن يامان لم يفعل، قاتل بحدود، بدقة، كفنان يستخدم الشوكة والسكين، ضربات صغيرة، انسحابات محسوبة، توازن دقيق بين البقاء والانهاك.


كان يعلم، اذا كشف عن جسده الحقيقي، اذا اطلق قوته الكاملة، فلن يبقى سرا، وهذا النزال ليس اللحظة.

العملاق بدأ يضجر، القوة الفامبيرية تحتاج انهاء سريعا، والساعات لا تخدمه، تقدمت وحشيته، زاد اندفاعه، وهنا فهم يامان العلامة الاخيرة، رائحة الدم تغيرت، اصبحت اكثر حرارة، ذلك يعني ان الجسد بدأ يستنزف نفسه.


استغل يامان اللحظة، ليس بضربة قاتلة، بل بسلسلة ضربات متلاحقة على نقاط محددة، اعصاب، مفاصل، مناطق لا تقوى عليها حتى الجينات المظلمة، سقط العملاق على ركبة واحدة، لا ميت، لا مهزوم جسديا، بل عاجز عن المتابعة.

انهى القضاة النزال، ليس بسقوط، بل بعدم القدرة على الاستمرار، يامان وقف بصمت، ملابسه ممزقة، جسده مجروح، لكنه لم يكشف شيئا، لا عروق، لا تحول، لا سر

خرج من الحلبة وهو يعرف، لقد مر، لكن الثمن تأجل، وبقي نزال واحد، هشمير والهنطاع، الاسطورة امام الاسطورة، نزال يعلم الجميع انهم لن يرو مثله مره اخرى


ورغم كل الصخب الا ان عيون هشمير والهنطاع تسمرت على يامان لم يفهم الجمهور سبب ذلك وما المهم فى ذئب انتصر بالعافيه وجسده كله جروح بل ربما لن يتمكن من خوض النزال قبل النهائى

الفصل الثامن عشر من هنا

stories
stories
تعليقات