رواية ملك بلا مملكة الفصل الثامن عشر 18 بقلم اسماعيل موسي


رواية ملك بلا مملكة الفصل الثامن عشر بقلم اسماعيل موسي


حين نودي اسما الهنطاع وهشمير معا لم تحتج الحلبة الى صراخ كي تثبت اهمية اللحظة، فالصمت الذي سقط على الوادي كان اثقل من اي هتاف، صمت يعرفه من شهد اساطير تتواجه لا مقاتلين.

 تقدم الهنطاع اولا، جسد محفور بالمعارك وعينان لا تطلبان شيئا سوى الحسم، لم يحمل غرورا بل يقينا، يقين من عاش طويلا لدرجة لم يعد يخاف النهاية.


اما هشمير فدخل بخطوات بطيئة محسوبة، لم ينظر للجمهور ولا للقضاة، نظر فقط للارض ثم رفع عينيه نحو خصمه، وفي تلك النظرة لم تكن رغبة في الاستعراض بل وعد قديم، كأن النزال تأخر سنوات اكثر مما ينبغي.


مع الاشارة الاولى لم يندفع اي منهما، دارا حول بعضهما كذئبين يعرفان ان الخطأ الاول هو الاخير، اختبر الهنطاع المسافة بضربة ثقيلة، صدها هشمير دون تراجع، اصطدمت القوة بالقوة فاهتزت الارض تحت اقدامهما.


زاد الايقاع تدريجيا، الهنطاع اعتمد على الضغط المباشر، قوة متواصلة لا تسمح بالتقاط الانفاس، ضربات تهدف للكسر لا للجرح، بينما هشمير تحرك على الاطراف، يستهلك خصمه بذكاء، يترك الضربة تمر قريبة ثم يرد حيث لا يتوقع.


مرت الدقائق كأنها ساعات، الدم سال من الاثنين، لكن الوجوه لم تتغير، الهنطاع بدا صلبا كصخرة تصر على الوقوف مهما تآكلت، وهشمير كان اشبه بظل كثيف، يتلقى ما يجب ويتجنب ما يستطيع، يحسب كل شيء.


في منتصف النزال حاول الهنطاع انهاء الامر، جمع قوته واندفع بضربة تحمل ثقل حياته كلها، ضربة لو اصابت مباشرة لانتهى كل شيء، لكن هشمير لم يتراجع، تقدم خطوة صغيرة في لحظة محسوبة، غير زاوية جسده، واستقبل الضربة على نحو كسر اندفاعها لا عظمه.


هناك تغيرت المعركة، انكسر ايقاع الهنطاع للحظة واحدة فقط، لحظة لا يراها الا من عاش طويلا، وهشمير لم يضيعها، ضرب سلسلة ضربات قصيرة عميقة، ليست قاتلة وحدها، لكنها انهكت ما تبقى من توازن خصمه.


سقط الهنطاع على ركبة واحدة، حاول النهوض، حاول مرة اخرى، لكن الجسد خانه اخيرا، ليس ضعفا بل صدقا، فالمعارك العظيمة لا تنتهي دائما بالموت.


رفع القاضي يده معلنا نهاية النزال، ووقف هشمير امام خصمه لا محتفلا ولا متشفيا، انحنى له انحناءة قصيرة، اعترافا لا يفعله سوى من يعرف قيمة من سقط امامه.

انفجرت الحلبة بعدها بالصراخ والهتاف، ليس فرحا فقط، بل رهبة، لان الجميع فهم ان اسطورة ثبتت قدما، وان اسطورة اخرى اختارت ان تتوقف لا ان تتحطم.


لم يمهل القضاة الجمهور طويلا، فهذه البطولة لم تبن على الراحة، دعي ملوك عشائر الذئاب الى الحلبة، واحدا تلو الاخر، حضروا بوجوه جامدة وعيون تقيس المستقبل، ليسوا شهودا بل لاعبين في لعبة اكبر.


وضعت اوعية القرعة امامهم، قرعة نصف النهائي ستحدد مصير العروش لا اسماء النزالات فقط، سحبت الاسماء علنا، تحت اعين الجميع، ودون تدخل.


ظهر اسم هشمير اولا، ثم اسم ادم، همهمة سرت كالنار، صدام الكبرياء والدهاء.

ظهر اسم يامان بعدها، ثم اسم الخصم الاخير، لتكتمل الدائرة، ذئب متخف لا يزال يحمل اسراره، واساطير بدأت تشعر بان وقته يقترب.

ثبت القضاة النتائج، رفعت الرايات، واعلن الترتيب، ومعه انتهى يوم لم يكن مجرد بطولة، بل بداية فصل جديد، فيه ستختبر الاساطير حدودها، وسيفهم الجميع ان ما تبقى لن يكون استعراضا، بل حربا هادئة على من يملك الايقاع ومن يفرض النهاية.


عادت جود الى كوخ يامان دون سابق انذار، لم تطرق الباب، لم تعلن حضورها، دخلت كما دخلت اول مرة، بخطوة حذرة تعرف المكان اكثر مما تعترف.


كان الليل قد استقر، والحطب مشتعل في الموقد بصوت خفيض، والنار تلقي ظلالا متكسرة على جدران الخشب، ورائحة شواء السمك تملأ الهواء بدفء غريب لا يشبه المعارك ولا الحلبات،توقفت عند العتبة حين رأته.


يامان كان جالسا قرب النار، قميصه مفتوح على جراح لم تندمل، خطوط داكنة عبر صدره وكتفه، وبعضها ما زال طازجا، يضغط عليها بخرقة مغموسة بسائل عشبي، وبجواره حزمة اعشاب مرتبة بعناية، كأنه يعرف بالضبط ماذا يفعل ومتى ؟

رفعت جود حاجبها ببطء، تقدمت خطوتين، وعيناها لم تتركا جسده.

قالت بنبرة هادئة لا تخلو من حد، هذه ليست جراح صيد ولا سقوط عابر؟

لم ينظر اليها فورا، قلب قطعة السمك فوق الجمر، انتظر حتى استقر الصوت، ثم قال بهدوء مصطنع انه تعرض لهجوم من ذئب شارد عند تخوم الغابة، ذئب فقد عقله، ضربه وفر قبل ان يلاحقه.


كانت كلماته مستقيمة اكثر مما ينبغي، هادئة اكثر من اللازم، وكأن القصة حفظت مسبقا.


نظرت جود الى الجرح الاكبر، الى زاويته، الى العمق، ثم الى الاعشاب، تعرف السلفان والهربان والليرما الزرقاء، تعرف ان هذه لا تستخدم بعد عضة عشوائية، بل بعد نزال طويل.


قالت له ان الذئاب الشاردة لا تترك هذا الاثر، وان الضربات كانت موجهة، لا فوضوية.

رفع عينيه عندها، التقت النظرات لثانية واحدة، ثانية انسحب منها قبل ان تنكشف اشياء لا يريد لها ان ترى.

ابتسم ابتسامة قصيرة، وقال ان الغابة تغيرت، وان الذئاب لم تعد كما كانت، لكن الشك كان قد تحرك داخلها بالفعل

جلست قرب النار دون دعوة، مدت كفها للدفء، وقالت بصوت منخفض كأنه حديث مع نفسها انها رأت نزالات اليوم، وانها تعرف الفرق بين من يقاتل ليبقى ومن يقاتل ليخفي شيئا،

صمت يامان، شد الضماد حول جرحه، كانت حركته تلقائية اكثر من بشرية.

نظرت اليه من الجانب، وقالت انها بدأت تشعر ان من امامها لا يعيش خارج الحلبة كما يدعي، وان رائحته لا تشبه البشر تماما، ليس رائحة دم فقط، بل رائحة شيء اقدم، اثقل.


لم ينف، لم يؤكد، اكتفى بادارة وجهه نحو النار، وكأن اللهب صار فجأة اكثر اهمية من الاسئلة.


قال اخيرا ان بعض الاشياء ان عرفت في غير وقتها تفسد من تحميهم، وان الذئاب الحقيقية لا تعلن انيابها قبل الاوان.


سادت لحظة صمت طويلة، لم تكسرها النار ولا الريح،

فهمت جود انها لن تحصل على اعتراف الليلة، لكنها ادركت ايضا ان شكها لم يعد وهما، وان الذئب الغامض الذي تراقبه الحلبات قد يكون اقرب اليها مما توقعت، يجلس امامها، يعالج جراحه بصمت، ويكذب عليها كي تبقى بعيدة خطوة واحدة عن الحقيقة.خرج يامان وجود من الكوخ دون اتفاق صريح، كأن الخطوات سبقت القرار، وساقهما الطريق نفسه نحو شاطئ النهر، وكان القمر معلقا فوق الماء مثل شاهد صامت يعرف كل الاسرار ولا يبوح بها.


كان الليل صافيا، والهواء محملا برطوبة خفيفة، وصوت الماء وهو يلامس الحصى يصنع ايقاعا بطيئا يناسب صمتهما.

سارت جود حافية قرب الحافة، تترك اصابعها تلامس الماء بين حين واخر، بينما كان يامان يمشي بمحاذاتها، لا يسبقها ولا يتأخر عنها، يراقب انعكاس القمر اكثر مما يراقبها، كأنه يخشى ان يلتفت فتسقط اسئلتها عليه مرة اخرى.

قالت ان هذا المكان يهدئ الذئاب المتعبة، قالتها وكأنها تمتحن رد فعله، فاكتفى بالقول ان الماء لا يسأل من يشربه عما هرب منه.

جلسا على صخرة ملساء، القمر امامهما والنهر اسفل، وبينهما مسافة صغيرة لا هي قرب ولا بعد، مسافة تحفظ توازنا هشا.

تحدثت جود عن الحلبة دون اسماء، عن الاصوات والعيون التي تترقب السقوط اكثر من الانتصار، وتحدث يامان عن الغابات البعيدة التي لا تعرف مدرجات ولا قضاة، غابات تحاسب من يخطئ فورا دون ضجيج،وقبل ان يكتمل الليل، تغير الهواء.

لم يكن صوتا ولا حركة واضحة، بل ثقل خفيف سكن المكان، كأن النهر نفسه شد مجراه لحظة،رفع يامان رأسه اولا، ثم نهض ببطء، وجفلت جود حين رأت نظرته تستقر على نقطة خلفها.


كان هشمير واقفا بين الاشجار، لا يختبئ ولا يتقدم، جسده نصفه في الظل ونصفه تحت ضوء القمر، عيناه ثابتتان، لا تحملان عداء ولا ترحيبا، فقط معرفة قديمة.


تجمدت جود في مكانها، تعرف هذه الوقفة، تعرف هذا الصمت الذي لا يصدر الا عن من لا يخشى المفاجآت.

قال هشمير بصوت منخفض كأن الليل انحنى ليسمعه، النهر مكان غريب للقاءات غير المخطط لها.

رد يامان بهدوء مماثل ان الطرق المفتوحة تصنع اللقاءات وحدها.

اقترب هشمير خطوتين، نظر اولا الى جود، نظرة قصيرة لكنها فاحصة، ثم عاد ببصره الى يامان، وارتسم شيء يشبه الابتسامة على طرف فمه.

قال ان الرائحة هذه المرة لا تكذب، وان الذئاب تختبئ جيدا، لكنها لا تختفي عن من يعرف كيف يشم الحقيقة.


حبست جود انفاسها، نظرت من احدهما الى الاخر، وفهمت فجأة ان هذا اللقاء ليس صدفة عابرة كما ظنت، وان النهر شهد على لحظة تتقاطع فيها اسرار اثقل من البطولة نفسها.

لم يقل يامان شيئا، ولم ينكر، فقط ثبت مكانه، كتفيه مستقيمين، كمن يعرف ان الانسحاب هنا اعتراف.


ترك هشمير جمله اخيرة معلقة في الهواء، قال ان الاقنعة جميلة ما دامت اختيارا، لكنها تصبح عبئا حين يفرضها الخوف، ثم استدار واختفى بين الاشجار كما ظهر، بلا اثر سوى ارتجافة خفيفة في الماء.


بعد رحيله، عاد صوت النهر طبيعيا، لكن شيئا ما تغير.

نظرت جود الى يامان طويلا، هذه المرة دون مزاح ولا اختبار، وقالت بهدوء ان الاساطير لا تمشي مع البشر هكذا من غير سبب.

خفض بصره اخيرا، وقال ان بعض الطرق تبدأ بنزهة تحت القمر، وتنتهي بحرب لا يختار توقيتها احد.

جلسا من جديد، القمر فوقهما كما كان، لكن الليل صار اكبر، والنهر اعمق، والاسئلة لم تعد تنتظر اجابة بعيدة.


مع بزوغ اليوم قبل الاخير كانت الحلبة مختلفة، لا ضجيج زائد ولا استعراض، كأن الارض نفسها قررت ان تشهد بجدية ما سيحدث، والمدرجات امتلأت بعيون تعرف ان من يسقط اليوم لن يكون عابرا في الذاكرة.

نزال ادم وهشمير جاء اولا، نزالا ثقيلا منذ الاعلان عنه، وقف ادم في الحلبة بثقة فاضحة، صدره مرفوع وعيناه تبحثان عن الهيمنة قبل الضربة، كان جسده مدربا ومهارته حاضرة، لكنه دخل وهو يحمل رغبة اثبات اكثر مما يحمل صبرا.

اما هشمير فدخل كعادته بلا تعجل، بلا نظرة للجمهور، كأن خصمه ليس امامه بل داخله.


بدأ النزال سريعا، ادم هاجم بقوة مباشرة، ضربات عريضة يريد بها انهاء المعركة مبكرا، ودقائق قليلة بدت كأنها في صالحه، اجبر هشمير على التراجع خطوة، ثم ثانية.


لكن هشمير لم يكن ينسحب، كان يقيس، يترك الهجوم يفرغ نفسه، وعندما اخطأ ادم التوقيت مرة واحدة فقط، انقلب كل شيء.


ضربة واحدة من هشمير، قصيرة وقريبة، كسرت اندفاع ادم، ثم اخرى اسقطت توازنه، لم تكن قسوة ظاهرة بل دقة قاتلة، حاول ادم النهوض، حاول استعادة صورته امام الجمهور، لكن جسده خانه، ومع الحركة الاخيرة انهى هشمير النزال دون ان يرفع صوته او يغير تعابيره.


سقط ادم، وبقي اسم هشمير واقفا في الحلبة وحده، وصعد الى النهائي كما يصعد من كان مكانه محجوزا منذ البداية.

بعدها جاء نزال يامان، ولم يعلن اسمه، فقط الذئب المتخفي، وخصماه ذئبتان برأس واحدة، جسدان منفصلان لكن حركة واحدة، تنسيق مرعب يعرف كيف يطوق ويخنق المساحة.


تحركتا معا منذ اللحظة الاولى، ضربة من اليمين تكملها الاخرى من اليسار، سرعة تربك وتضغط، والجمهور انتظر سقوطا سريعا.

يامان لم يستعجل، ترك الطوق يضيق، تحرك بخفة بين المسافات الصغيرة، تلقى ضربة، ثم ثانية، لم يهرب ولم يرد مباشرة، كان يبحث عن الخلل، عن اللحظة التي تنفصل فيها الرأس عن الجسد.


وحين ظهرت اللحظة، تغير الايقاع، حركة واحدة كسرت التنسيق، اجبرتهما على التقدم غير المتوازن، عندها دخل يامان بينهما، لا قوة مكشوفة، فقط دقة وزاوية صحيحة، سقطت الاولى، حاولت الثانية ان تعيد السيطرة، لكن الرأس قد انفصل بالفعل.


انتهى النزال بثبات هادئ، وقف يامان وحده، يحمل اثار المعركة دون ان يظهر انتصارا، وصعد الى النهائي دون اسم ودون هتاف خاص، لكن مع صمت ثقيل يعرفه الذئاب جيدا.

مع غروب شمس ذلك اليوم، كانت النتيجة قد حسمت، هشمير الاسطورة في مواجهة الذئب الغامض، يامان الذي لا يعرفه احد حقا، وصار النهائي ليس مجرد نزال على بطولة، بل لقاء بين ما هو معلن وما هو مخفي، بين اسطورة تعرف نفسها وذئب ما زال يختار متى يكشف انيابه.


الفصل التاسع عشر من هنا

stories
stories
تعليقات