رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل السابع عشر
|استعاد ذاكرته!|
– ألن نُخبر المجهول بأنّنا فقدنا نوح؟
– لا… هذا مستحيل.
– ولكن إن بلغَه الخبر من غيرنا فلن يرحم أحدًا منّا.
– اصمت يا فرانك… دعني أفكّر. أرسلْ رجالنا جميعًا للبحث عنه حالًا.
وفي تلك اللحظة، اقتحمت جين الغرفة كجمرةٍ تتّقد غضبًا، وصوتها يتهدّج تهديدًا:
"إن مسّ نوح سوء… فلن أغفر لأحد منكم وستندموا على فعلتكم."
تقدّم ستيفن نحوها، قبضته تُطبق على مؤخرة رأسها بقسوة، وقال ببرودٍ يقطر إذلالًا:
"اسمعي يا عديمةَ القيمة… لستُ في مزاجٍ لاحتمال تفاهاتك. لا تدفعيني لما لا يليق، فلو نطق لسانُك بحرفٍ لا يروق لي… فأقسِم أنّي سأجعلك تندمين طويلًا. والآن… اخرجي من مكتبي، وإيّاكِ أن تدخليه ثانيةً دون إذن. أفهمتِ؟"
خرجت جين من غرفة الزعيم، والدموع تتساقط مُذعورةً من تغيّر طباعه وانقلاب حدّته عليها. وبين شهقةٍ وأخرى، انبثقت في رأسها ذكرى رقم رهف… وتذكّرت تلك الصور التي كان فرانكو يرسلها على واتساب هاتفه فكرت كثيرا وخطر ببالها فكرة تمنت لو تنجح.
كانت تعلم أنها عاجزة عن الوصول إلى هاتف فرانك، لكن الوصول إلى الحاسوب امر سهل، استطاعت أن تخطف الحاسوب، وتخبّئه في غرفتها حيث لا يجرؤ أحد على تتبّعها.
وضعت الجهاز أمامها، وزفرت بعمقٍ، كتبت كلمة السرّ التي يعرفها جميع أفراد العصابة، فانفتح معها النظام، ثم دخلت سريعًا إلى تطبيق واتساب ويب… وكان فرانك ما يزال متصلاً، ولم يقم بتسجيل الخروج.
تصفّحت جهات الاتصال واحدةً تلو الأخرى؛ أرقام بلا أسماء، ظلّت تبحث حتى بلغت محادثة رقم رهف.
ارتسمت ابتسامةٌ على شفتيها،أمسكت هاتفها، ضغطت زر الاتصال، وسمِعت رنين الخطّ يدويّ في أذنها… ومعه دقّات قلبها تتسارع كطبول حرب.
لم تكن تعرف ماذا ستقول لرهف، ولا بأيّ كلمات تبدأ… لكنّها كانت واثقة من أمرٍ واحد:
لابدّ أن تقول شيئًا… الآن، قبل أن يفوت الأوان.
________________________
قال توم متسائلًا:
«ألا تذكُر شيئًا منذ أن عثرت عليك عائلتك؟ أما عرضوا عليك صورًا من ماضيك أو حاولوا أن يستدرجوا ذاكرتك إلى ما انطمس منها؟»
تنفّس نوح بعمق، ثم قضم قطعة من الشطيرة بين يديه وقال:
«لقد فعلوا كل ما بوسعهم يا توم، غير أنّ جزءًا من ذاكرتي ما يزال غائبًا عني. أحيانًا أشعر كأن رأسي يغشاه ضبابٌ كثيف.»
صمت توم قليلا مفكرًا ثم أردف بقوله:
«لستُ صاحب خبرة بتلك الأمور لاني لست طبيبا بالطبع ولكن اقرأ كتب كثيرة عن هذا الامر ، أظنّ أنّ ذاكرتك تحتاج إلى صدمةٍ واحدة… موقفٍ هزك بماضيك كفيلا بأن يفتح لك آفاق ذاكرتك.»
وما هي إلا لحظات حتى ظهرت الباخرة التي تقلُّ رفاقهم من عصابات أخرى، أولئك الذين كانوا يدينون لنوح بجمائل لا تُحصى، ويتمنّون لو يُتاح لهم أن يردّوا بعض مواقفه النبيلة.
لوّح نوح لهم وهو يرفع صوته:
«مرحبًا يا رفاق… لقد اشتقتُ إليكم.»
فناداه أحدهم بحرارة:
«بيتر! افتقدناك يا صاح… أين اختفيت طوال هذه المدّة؟»
ابتسم نوح ابتسامة نصف متعبة وقال:
«كنت في مهمة في مصر… سأقصّ عليكم كل شيء، ولكن ليس الآن. أنا بحاجة إلى مساعدتكم.»
قالوا جميعًا:
«نحن في خدمتك دائمًا… اصعد على متن الباخرة.»
تدخّل توم وهو يعترض:
«ليس الآن… انزلوا. نريدكم معنا في جولة قصيرة.»
ضحك الرفاق وقال أحدهم بحماسة:
«سنستمتع بهذه العطلة، وسنفعل ما تحبّه يا توم… الصيد.»
تلألأت عينا توم سرورًا، فالتفت إلى نوح، الذي ردّ بابتسامة هادئة:
«حسنًا… لنستمتع قليلًا قبل أن تشتعل حربنا.»
ثم صعدا معًا إلى الباخرة التي انطلقت تشقُّ سطح الماء كأنها تمضي نحو قدرٍ لا يعلم أحدٌ مآله.
______________________
كانت الساعةُ تقترب من الحادية عشرة في طوكيو، يجتمع الجميع حول العشاء الأخير قبل أن يأوي كلٌّ منهم إلى غرفته.
قالت العَمّةُ وهي تتأمّل غزل بنظرةٍ يغلّفها القلق:
«مالك يا غزل يا بنتي انتِ تعبانة؟؟!»
قهقه حمزة بسخرية لا تخفى، ثم قال:
"لا مفيش حاجة يا عمتو أصل سمر بتحب تشعر بشعور الشفقة من حواليها يعني بتحب تصعب علناس أوي. "
رفعت غزل بصرها إليه، فرأت ابتسامته الباردة المستفزّة، فاتّجهت بنظرها إلى الجهة الأخرى، تقلّب الطعام في طبقها من غير أن تلمس منه لقمة.
وحين استكانت غزل على الفراش.. انفجرت في بكاءٍ مكتومٍ طويل، ينساب بلا توقّف. حاولت أن تخفي صوتها، لكن أنينها الخافت ظلّ يتسرّب في الغرفة.
تقلّب حمزة ضجرًا، ثم قال بصوتٍ مرتفع وهو يزفر بتململ:
«سمر… عاوز أنام.»
وتوقّف بكاؤها فجأة، كأن صوتها انحشر في صدرها. غصّةٌ ثقيلة باغتت قلبه لحظة الصمت تلك… غير أنّه ما لبث أن طردها عن نفسه، مقنعًا ذاته بأن تلك الدموع ليست إلا محاولاتٍ جديدة لاستعطافه، دموعُ تماسيح لا تُثير في قلبه شفقةً ولا رحمة.
__________________
ما إن بلغوا حلبة الملاكمة، تلك التي اعتادت العصابة ارتيادها مرّتين في الأسبوع، حتى نزلت معهم تمارا. وكان كلما تلاقت عيناها بعيني رحيم رمقته بنظرةٍ يختلط فيها الاحتقار بالضيق، مما أثار حيرته للحظة، غير أنّه آثر تجاهلها والمضيّ في شأنه.
صعدت تمارا إلى إحدى الحلبات، وأخذت تتفحّص أطرافها ونقاط وقوفها، فإذا برحيم يلحقها بخفّة ويقفز إلى داخل الحلبة ذاتها. نظرت إليه بابتسامة صفراء، وقالت:
«هتعلمني؟»
أومأ برأسه، وبدأ يشرح لها أساسيات الوقوف وتوازن الجسد وطريقة رفع الذراعين لصدّ الضربات. وبينما هو منهمك في الشرح، كانت الغيظ يعصف بداخلها كريحٍ محمّلة بالنار، فباغتته بضربةٍ قوية سريعة لم تمنحه لحظة إنذار.
أمسك رحيم فكه بألم، وحدّق فيها بعينين تتقافزان شررًا قائلاً:
«انا لسه مخلصتش كلامي!»
ابتسمت تمارا بسخرية:
«علمني وانت بتشتغل يا كابتن… متضيعش وقت.»
ثم عاودت ضربه بضربةٍ أخرى، وأخرى… حتى كاد قفازها ينشقّ من شدّة القوة. أما رحيم فرفع ذراعيه أمام وجهه، يدرأ الضربات المتلاحقة بصلابة، إلى أن قفز فجأة على حافة الحلبة برِجلٍ واحدة، ثم هبط عليها في حركةٍ سريعةٍ خاطفة، موجّهًا ضربةً أصابت نصف وجهها.
سقطت تمارا أرضًا، وانفجر أنفها دمًا يسيل نحو شفتيها. نظر إليها رحيم وهو يُصلح القفاز في يده اليمنى، وقال ببرود:
«يلا قومي.»
مسحت الدم عن وجهها ونهضت من جديد، وعندما اقترب منها رحيم رفعت يدها بضربةٍ سريعة، غير أنّه حرّف رأسه إلى اليمين، فاندفعت ضربتها في الهواء. وفي لمحة بصر ردّ عليها بلكمةٍ أصابت وجنتها اليمنى، فصرخت من شدّة الألم.
أمسك رحيم فكّها بيده، ونظر في عينيها نظرةٍ صارمة وقال:
«عينيك تبقى مع الخصم… وتشوفيه مركز فين. الخصم اللي قدامك بيبان من عيونه بيفكر في إيه. أي ضربة تتفاديها بدراعاتك… دايمًا يبقوا قدام وشّك كده.»
أخذ ذراعيها بكل حزم، ورفعهما أمام وجهها، ثم بدأ يعلّمها خطوةً بخطوة. كانت حركاته تقترب منها، تتسلّل إلى حدودها، تثير خجلًا لم تُرِد الاعتراف به، وتخنق أنفاسها في صدرها. وبينما هي تكرر حركاته بدقة، قال ضاحكًا وهو يحاول تخفيف حدّة الأجواء:
«بكرة الصبح الساعة عشرة هنبدأ نتدرب بيانو… بس توعديني إن العدا يبقى عليكي بكرة.»
لم تردّ تمارا، ولم يلمح على شفتيها ابتسامةً واحدة. بقيت صامتة، وكأنّ كلماتها محبوسة خلف جدارٍ لا يريد الانهيار.
نظر إليها رحيم باستغراب:
«مالك؟..»
لم تُجِب. تابعت حركتها بعناد. فاقترب منها، وأوقفها بأن قبض على ذراعها قائلًا:
«تمارا… في إيه؟ ما كنا كويسين الصبح.»
رفعت عينيها إليه، وكاد الغضب المختنق في صدرها أن ينفجر في وجهه، غير أنّها صمتت لحظة سمعت أصوات رفاقه يصعدون إلى الحلبة. تقدم رجل طويل وهو يحدّق فيها باستغراب:
«ده واحد جديد انضمّ لفريقنا؟؟»
وقبل أن تستوعب السؤال، أحاط رجل آخر عنقها بذراعه من الخلف وشدّ بقوة. بدأ الهواء يضيق في رئتيها، وأصابعها تتشبث بذراعه محاولةً فكاكها، لكن قوته كانت طاغية.
صرخ رحيم بصوتٍ يشقّ الفضاء:
«سيبها يا هاشم… دي بنت!»
أفلتها هاشم بسرعة، يحدّق فيها بدهشة؛ فملامحها وإن غيّبتها هيئتها وشعرها القصير، إلا أنّ نظرةً متفحّصة تكشف حقيقتها.
وضعت تمارا يدها على رقبتها بألم، فاقترب منها رحيم، ومسح شعرها بيده وهو يقول:
«انتي كويسة؟»
ابتعدت عنه بسرعة، ونزلت من الحلبة ركضًا حتى اختفت داخل دورة المياه.
وقفت أمام المرآة تتأمّل وجهها المرهق، وعينيها الحمراوين، وشعرها القصير الذي يزيد من ملامحها الخشنة. وما هي إلّا لحظات حتى تهالكت دموعها، تتساقط بحرارةٍ تكاد تحرق خدّيها.
كانت ترى في انعكاسها رجلاً لا امرأة… هيئةٌ لا تُشبه قلبها، ولا ما تمنّت أن تكونه. الأشياء التي تُفترض أن تمنحها نعومة الأنثى باتت عبئًا ثقيلًا على كتفيها؛ إذ كل ما قاستْه في حياتها كان لأنّها وُلدت أنثى.
كرهت ملامحها الأنثوية… كرهت هذا اللقب الذي جرّ عليها الويلات…
وكل ذلك — كل الجرح القديم — يعود إلى شخصٍ واحد:
والدتها.
_______________________
-مرحبا؟
جاءها صوت رجل غريب: "من أنتِ؟"
-أليس هذا رقم رهف؟
-لا انا توني.... من تكوني انتِ؟؟
اغلقت الخط فورا وهي واضعة يدها على قلبها... فرانكو لا يبعث الصور على رقم رهف مباشرة.
فردت جسدها على الفراش ونظرت للسقف وهي تفكر ماذا ستفعل.
_____________________________
كان ضحك الرفاق ينحدر من أسفل الباخرة كخيطٍ بعيد لا يكاد يُسمَع، ضحكاتٌ تتناثر حول الصيد والغنيمة، لا يبلغ نوح منها إلا صدى باهتًا لا يلامس روحه.
آثر الابتعاد، فصعد إلى القبطان، يطلب صحبته لا حبًّا في الحديث، بل هروبًا من نفسه.
كان القبطان شيخًا تكسّرت السنين على كتفيه، ومع ذلك ظلّ فيه بقايا خفّةٍ تُضحك من لا رغبة له في الضحك. ابتسم نوح له ابتسامة مجاملة، يردّ طرف النكتة بلا روح، ثم يشيح بنظره إلى البحر كمن ينتظر شيئًا ثقيلاً لا يعرف مصدره.
دخل مساعد القبطان مسرعًا، وملامحه يشوبها القلق، وقال بصوت خفيض متقطّع:
"كابتن… المحرك يزدادُ سُخونةً على غيرِ عادته."
رفع القبطان رأسه ببطء، كمن يتهيّأ لسماع الأسوأ، ثم قال بصرامة مكتومة:
"كم بلغت حرارته؟ وماذا عن مضخّة التبريد؟"
اقترب المساعد خطوة وقال:
"الخرطومُ الرئيسُ المُغذّي للتبريد يهتزّ بقوّة، ويبدو أنّ الضغطَ داخله يرتفع. إن استمرت السخونة على هذا النحو فسنواجه تسرّبًا إلى غرفة المحرّك."
تجمّد القبطان لحظة، ثم نهض واقفًا وقال بصوت أكثر حِدّة:
"إن تسرّب الماءُ إلى داخل الهيكل، ولو قليلًا، فسيبدأ القارب بفقدان طفوِه تدريجيًا. السخونة ليست الخطر… بل ما تُفسده السخونة."
تردّد المساعد، ثم قال بصوت خافت كمن يلقي حقيقة لا يريدها:
"وقد بدأ العادم المائي يُصدر رائحة غريبة… وإن تضرّر خراطيمُه سيدخل ماء البحر إلى الداخل. وإن غَمَرتِ الغرفةَ السفليّة موجة واحدة… فالباخرة ستبدأ بالهبوط."
هزّ القبطان رأسه وكأنّه يحدّث نفسه:
"الغرق لا يبدأ من البحر… بل من داخلنا. من شرخ صغير لا ينتبه له أحد."
ثم التفت إليه بلهجة حاسمة:
"انزل فورًا إلى غرفة المحرّك. أغلق المضخة الثانوية، وافحص وصلة العادم. لو وجدت تسريبًا… حتى لو بحجم إبرة… صِح بي حالًا. لأننا إن تأخّرنا دقيقة واحدة… فلن يُنقذنا البحر."
لحظة صمت تجتاح نوح هذا الحوار قد دار أمامه من قبل!
ارتجف قلبه…
شيء في الحوار لم يكن جديدًا…
الجمل، نبرة الصوت... تحذيرات القبطان لقد سمعها من قبل.. ممَن سمعها؟؟
أو...
هل سمعها حقا؟
أم... قالها؟!
الحوار كلّه كان نسخةً من شيء عاشه، شيء غارق في أعماق ذاكرته المعطوبة.
ركض القبطان نحو غرفة المحرك، فلحقه نوح بخطوات مترددة، كأن الأرض تحت قدميه ليست ثابتة.
اقترب، وانحنى بجوار القبطان، يحدّق في الآلة التي تتوهّج بحرارة غير مألوفة.
وهناك… حدث الشرخ.
شعورٌ كأن مطرقةً خفيّة تهوي على رأسه.
اختنق الهواء من حوله.
ضغط بيديه على صدغيه، وأغمض عينيه بقوة، وكأن الظلام قد يمنع الألم من التوغّل فيه.
لكن الصور انفتحت.
في البداية كضوءٍ خاطف…
ثمّ انسكبت، تتزاحم، تتوالى بعنف...
— صراخ
— ماء يبتلع... أقدامًا راكضة
— الحديد يصرخ
— وجهٌ يُسحب تحت السطح
— ويد لا تصل إلى شيء
شهق نوح، وكزّ أسنانه حتى كاد يسمع طقطقة عظامه.
لم يكن الألم في رأسه وحسب… بل في الذاكرة نفسها، كأنها تُنتزع من ركامٍ قديم بالقوة.
تراجع خطوة، ثم أخرى، بينما المشهد يتشكّل أمامه كما كان…
ليس كما يروي أحدهم… بل كما رآه هو…
كما نُقش فيه يومًا، ثم ضاع.
وعند تلك اللحظة...
بدأ يستحضر المشهد... المشهد الذي انقضى عنده كل شيء… بدأ من نهايته، حيث آن أوان بدايته.
الذهاب الى الماضي
كانت السماء معتمة إلا من خيوط برقٍ بعيد تشقّ الأفق كأنّ الليل نفسه يتصدّع. وعلى ظهر الباخرة، ارتجفت الألواح الخشبية تحت أقدام البحّارة، بينما ارتفع صوت المحرّك بنبرةٍ مختنقةٍ توحي بأنّ قلب السفينة يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ركض نوح وهو يصرخ:" اربطوا الحبال! حضّروا قوارب النجاة… حالا!"
بدأ الركّاب يهرولون مذعورين، أصواتهم ترتفع فوق هدير البحر.
كان نوح يتحرك بينهم.. يدفع أحدهم إلى الأمام، يثبّت سترة النجاة على آخر، ويصرخ:أسرعوا!"
"اربطوا الحبال جيدًا… جميعكم إلى قوارب النجاة الآن!"
"اقترب منه أحد البحّارة قائلاً وهو يلهث:
"كابتن… القارب الأخير امتلأ!"
ردّ نوح دون تردد:
"أنزلوه فورًا… لا تنتظروا أحدًا! أنتم أولًا… هيا!"
ـ "وماذا عنك؟"
ـ "سألحق بكم… انزلوا!"
هبط الجميع تقريبًا، وبقي السطح شبه خالٍ… إلا من هدير الريح ورائحة الخطر التي تسري وسط الهواء كالسمّ.
وفجأة شعر نوح بوجود أحد خلفه. التفت… فوجد رجلين.
كانا واقفَين في الظلّ، والبحر يلمع خلفهما كمساحةٍ سوداء تنتظر ضحيتها.
صاح نوح: "ماذا تفعلان هنا... اهبطوا للقوارب فورا."
ثم صعد نوح للاعلى ليبحث عن اي شخص بقي بالباخرة ام لا ولم يجد فنظر للاسفل وجد الرجلان مازال واقفين وينظران له للاعلى رافعين رأسهم وقبل ان يصرخ بهمم مجددا رأى واحدا منهم يخرجوا جسيمًا صغيرًا من جيبه، يلمع مع ضوء الكشافات ورأى الرجلان يقفزان ويسبحان بعيدا نزل للأسفل ليرى ما هذا وانصعق قلبه حبنما رأى عدادا ينخفض لقنبلة!
تجمّد نوح لثانية.
ثم دوّى صوت القنبلة وهي تقترب من الانفجار.
قلبه قفز قبل قدميه.
ركض.
ركض كأن الأرض تحترق خلفه.
قفز من فوق الحاجز الحديدي نحو البحر…
لكنّ السفينة انحدرت فجأة، فارتطم رأسه بحافة معدنية بارزة.
رأى شرارةً بيضاء تمزّق عينيه… ثم انطفأت الدنيا.
سقط جسده في الماء بلا وعي، والبحر ابتلعه ببطء…
العودة الى الواقع
فتح نوح عينيه كمن خرج من حلما طويل حلما ارجع له نبضه للحياة وظهرت ابتسامة على جانب شفتيه قائلا: "أنا القبطان نوح.."
_______________________
نهض من الأريكة وهو يزفر زفراتٍ عنيفة، فقد مضت ثلاث ساعات وهي ما تزال غارقة في بكائها، وهو لا يعرف كيف يغمض له جفن. لم يكن يسمع نشيجها صريحًا، غير أنّ هنهنتها المكتومة كانت تتسلّل إليه بين الفينة والأخرى.
ولم يكن يدري أيؤذيه أنّ النوم قد استعصى عليه، أم أن وجعها هو الذي يثقل عليه حتّى يضيق به صدره. كان يعلم أنّها تستعطفه من جديد، لكنّ دموعها هذه المرّة بدت مختلفة… أشبه بنداءٍ يخرج من أعمق مواضع الانكسار فيها.
فتمتم في سره وهو ينهض:
“حسنًا يا سمر… سأفعل ما تريدينه.”
سار نحو الفراش بخطًى حذرة، فرأى جسدها منكمشًا على نفسه كجنينٍ يبحث عمّن يحتضنه، تحدّق في الفراغ بعينين محمرّتين لا ترقبان شيئًا. اقترب وهمس:
"سمر!"
وما إن انتبهت إلى وجوده حتّى أسرعت تتلفّع بالغطاء، تزيّف النوم، ويتحوّل ضجيج الغرفة إلى صمت ثقيل. انحنى فوقها، مدّ يده ليزيح الغطاء، فرأى جفنيها مغمضين بشدّة، وعلى وجنتيها آثار دموعٍ لم تجد الوقت لتجفّ.
جلس بقربها، ومرر أصابعه على شعرها بحنانٍ خافت:
"انا عارف انك صاحية.... سمر... قومي اتكلمي معايا متناميش معيطة."
وما إن سمع انحدار دموعها من جديد حتى مدّ يده إلى عنقها من الخلف، ورفع رأسها برفقٍ نحو صدره، فاستسلمت له، وانفجرت شهقاتها في حضنه كأنّ صدره مأوى طال غيابها عنه. أحاطها بذراعيه، ورفع بصره إلى السقف مهمومًا:
"حلاص يا سمر انا خالد جمبك ومش هسيبك."
لكنّها صرخت من عمقها، فاهتزّت الكلمات بين ضلوعه:
"مش عارفة استوعب الحقيقة.... مش قادرة استوعب ان اهلي كل الفترة دي عايشين....طب هما فين طيب ليه مدوروش عليا... انا كل ده فاكرة ان اهلي اللي ماتوا دول اهلي وبروح لقبرهم لحد دلوقتي.... آآآه قلبي هينخلع من مكانه يا حمزة مش عارفة استحمل حاجة زي دي.... هما ممكن يكونوا عايشين؟؟... اهلي عايشين!!!.. انا مش مصدقة اني بنطقها يعني انهم يكونوا ميتين وابقى يتيمة وانا عارفة انهم ماتوا احسن عندي من انهم يكونوا عايشين وانا مش عارفة هما فين...."
تجمّد للحظة حين نادت اسمه الحقيقي دون مواربة… حينها فقط أدرك أنّها لا تمثّل، وأنّ روحها هي التي تنوح بين يديه.
ولعن نفسه في سرّه لأنّ الشك مرّ بقلبه يومًا، ولأنّه لم يلتفت إلى ألمها حين كانت في أشدّ الحاجة إليه. فأحاطها بذراعيه، ضامًّا إياها بعناقٍ حار، كأنه يريد إدخالها بين عظامه.. وقال بصوتٍ هادئ يداوي:
"هتلاقيهم.... اهدي... كل شيء محسوب اجله هيكون امتى... زي ما مكتوب هتقابلي اهلك الحقيقيين امتى."
فرفعت وجهها المرتعش وهي تقول:
"-وافرض ملقيتهمش.... ليه بقى عرفت انهم عايشين مادام ممكن ملقيهمش... انا كنت مرتاحة كده"
فأجابها بلطفٍ وهو يحاول الابتسام:
"-وافرضي لقيتيهم وعيشتي الباقي من عمرك في حضنهم؟؟..."
ثم أمسك وجهها بكلتا يديه، وحدّق في عينيها المبلّلتين:
"الموضوع صعب بس انا عارف انك قوية.... كل الحكاية ان ممكن اللي خايفة منه ده يكون اسعد شيء اكتشفتيه في حياتك."
لكنّ غزل انفجرت ببكاء أكثر مرارة وهي تهمس بصوتٍ مكسور:
"بس انا وحشة اوي يا حمزة... انا بقيت اسوأ نسخة مني.. دول لو لقوني.. هيتبروا مني ... مش انا الطفلة اللي بيتمنوا يلاقوها ابدا...."
فابتسم حمزة ابتسامة يائسة من محاولة إقناعها، ومسح دموعها بإبهامه وقال:
"مين قال كده؟ انتي اجمل بنت انا شوفتها في حياتي."
هزّت رأسها نافية:
"لا لا... انا اللي ضيعت حياتي انا المسؤولة اني بقيت وحشة كده كان ممكن افضل في الملجأ واطلع اشتغل اي حاجة اتعلمتها منه وانا كنت شاطرة في الخياطة كان ممكن اشتغل شغلانة حلال واعيش الباقي من عمري وانا نضيفة كان ممكن اتجوز واحد يعوضني ويعيشني كل اللي اتحرمت منه كان ممكن اتعوض بس بطريقة ترضي ربنا مش اللي انا عملته ...انا اللي بدأت ده بنفسي وانا اللي عاندت ...رحيم فضل يحذرني وانا كنت بتجاهل تحذيراته قالي هتيجي في يوم تندمي واديني بندم اهو...انا لو عرفت هما مين مش هقدر اعرّفهم انا ابقى مين ....بتمنى انهم ميعرفونيش للابد."
وانهارت مرة أخرى بين ذراعيه، بينما أطبق حمزة جفنيه ليحبس دمعته… فقد كانت تلك أوّل مرّة يرى سمر الحقيقية؛ هشّة، عارية من صلابتها المزعومة، كطفلة ضاعت منها الطريق.
وتردّد في صدره سؤالٌ واحد:
هل يعقل أن يكون قد وُضع في طريقها ليعيدها إلى أهلها؟ ليمنحها جوابًا سلبته الحياة؟
وماذا لو كان لقاءهم على يديه هو البداية التي تستحقّها أخيرًا؟
_______________
صباح اليوم التالي استيقظ حمزة من نومه ليجد غزل قد اختفت.. انتفض من فراشه وهو يبحث عنها بعينيه بارجاء الغرفة اطرق على باب المرحاض يناديها ولكن لم يجد جوابا ففتح باب المرحاض ووجده فارغا جلس على طرف الفراش ووضع رأسه بين كفيه حتى لمح ورقة على الوسادة امسكها باستغراب ليقرأ المكتوب بها..
«حمزة.... ايوة انا عارفة اسمك الحقيقي... وانت مش خالد جوزي... خالد ده مجرد اكذوبة اخترعتها عشان اسرقك... للأسف امبارح وانا بتكلم معاك حسيت بالذنب تجاهك... انت جميل يا حمزة ومتستاهلش مني كده... انا حرامية وبمثل على رجال الاعمال عشان اسرقهم..هتفضل اجمل ذكرى حصلتلي في حياتي...لاني حبيتك...انا لما اتأكدت اني بحبك قررت ابعد... بعدت عشان حبي ليك اخرته وجع عشان كده قولتلك امبارح اني اسوأ نسخة مني...ياريتني كنت نقية زيك عشان البقلك... ياريتني قابلتك في زمن تاني....»
