رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الثامن عشر
|ابغض الحلال عند الله الطلاق|
كان وقعُ الكلمة أشدَّ من صفعة:
«يعني إيه هربت!… ده اسمه كلام يا حمزة!»
فأجابه ببرودٍ يوشك أن ينكسر:
«أهو زي ما بقولك كده.. البت فصّ ملح وداب، مش لاقيها، صحيت ملقتهاش.»
عاد حمزة بذاكرته إلى ساعات مضت؛ استيقظ فيه قبيل التاسعة صباحًا، فزعًا بلا سببٍ واضح. مدَّ يده إلى جواره، فلم يجدها. فتح نصف عينيه، فرأى غزل جالسةً على كرسيٍّ قريب، تمسك قلمًا، وتخطُّ كلماتها على ورقةٍ كأنها تفرغ قلبها فيها.
لم يُرِد أن يقطع خلوَتها، فاكتفى بالمراقبة الصامتة. كان يتأمل انحناءة كتفيها، وسكون جسدها المشحون، حتى انتهت. رفعت رأسها، ونظرت إليه. في تلك اللحظة أطبق جفنيه سريعًا، متظاهرًا بالنوم.
نهضت غزل واقتربت منه.. سبقته رائحتها قبل خطاها، حتى أحسَّها تملأ أنفاسه. دنت أكثر…
أنفاسها لامست خدَّيه، وتسارعت دقّات قلبه حتى خُيِّل إليه أنها ستفضحه. ثم أحسَّ بشفتيها تلامسان وجنته، فاجتاحته حرارةٌ مباغتة رغم قسوة البرد. وبعدها… دمعة.
دمعةٌ سقطت على خدّه، أثقل من قبلة، وأصدق من ألف اعتذار.
ظلَّ ساكنًا حتى ابتعدت.
ثم سمع صوت الباب… وهو يُغلق.
رحلت.
وكان هو… من تركها ترحل.
انتُزع من شروده على صوت رامي، مشحونًا بالغضب والخذلان:
«كان عندنا أمل فلوسنا ترجع، فلوس شقانا طول السنين ترجع لنا، وإنت تقولي هربت!!»
زفر حمزة بضيق، وقال:
«الخطة بتاعتنا كانت هتكمل لو هي سرقتني… وده محصلش. مش هنعرف نعمل حاجة… طول ما البنت مش معانا مش هنقدر نوصلهم. وإنت شوفت إني كلمت هاكرز خبرة كفاية، وقالوا بمجرد اختراق حسابي هتتشفر كل الحسابات القديمة اللي وصلها فلوس، ونقدر نسترد كل فلوسكم، بس ده محصلش. البنت ما حاولتش حتى… ده ذنبي يعني؟ هروح أقولها والنبي ارجعي اسرقيني؟!»
صرخ رامي بمرارة:
«ما آه… ما إنت مش دريان بحاجة… فلوسك زي ما هي، وروحت اتبسط معاها في طوكيو، لكن إحنا نولع!»
انعقد حاجبا حمزة بصرامة، وقال محذرًا:
«حاسب على كلامك يا رامي… إيه روحت اتبسط معاها دي!»
– «تنكر إنك كنت مبسوط…؟»
ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه، لكنها لم تلبث أن ذابت بسرعة ليعود لادراكه:
«هو فيه حد بيبقى مبسوط إنه هيتسرق يعني؟ ولا إنت جرالك إيه في مخك!»
ساد صمتٌ قصير، قبل أن تومض فكرة في رأس رامي:
«بلّغ عنها… أيوة بلّغ عنها يا حمزة… مش هتعرف تسافر لو كان عليها بلاغ.»
سكت حمزة لحظة، ثم قال: «الأوتيل قالّي إنها مشيت من سبع ساعات.»
كانت غزل قد رحلت منذ خمسٍ وأربعين دقيقة فقط…وكانت تلك مهلةً كافية للإمساك بها في المطار.
ومع ذلك…
لم يرد حمزة أن يُمسك بها.
دوّى صوتٌ حادٌّ من الهاتف، كتحطّم زجاج. أدرك أن رامي فقد السيطرة، وأن غضبه صار يتهشّم في كل ما يطاله.
_____________________________
جلس في مقعده بالطائرة، عائدًا إلى مصر، تحفُّه أسرته، غير أن روحه كانت بعيدةً عن ضجيج الرحلة. أدخل يده في جيبه، وأخرج الرسالة، وراح يقرؤها… للمرة الأربعين! ويبتسم نفس الابتسامة البلهاء... حقًا!
لو جاءه أحدٌ قبل ثلاث سنوات، وأخبره أنه سيذوب يومًا كصبيٍّ مراهق أمام خطابٍ غرامي، لضحك ساخرًا، ولم يكن ليصدقه أبدا...
آهٍ يا سمر…
كانت رحلةً ممتعة بحق.
استمتعتُ بها… ضحكتُ من أعماق قلبي، وارتكبتُ لأجلك أفعالًا ساذجة لا تشبه وقاري، ولا تليق برجل أعمال!
أنتِ… أنتِ من كشفتِ لي وجهًا خفيًّا مني، لم يظهر قط لأحد.
جزءًا نائمًا في داخلي… لم أكتشفه إلا بكِ.
نعم لا أعرف حتى الآن ما اسمك الحقيقي؟!!
ومع ذلك…
استمتعتُ بقضاء هذا الوقت معكِ.
وسعدتُ بلقائك…
أيتها المحتالة الجميلة.
____________________________
في اليوم التالي، شقَّ السكونَ صراخٌ مدوٍّ، اخترق جدران المكان كإنذارٍ مفاجئ، فانتفضت تمارا من نومها على وقع الهتاف المتعالي في كل زاوية:
"غزل رجعت!"
فتحت الباب على عَجَل، لتلمح رحيم يهبط الدرج مهرولًا من الأعلى، كأن قدميه تسبقانه شوقًا، فأوقفته بدهشةٍ قائلة:
"فيه ايه؟؟!"
لكنه لم يُجب. أفلت منها واندفع إلى الأسفل، يشقُّ الجموع التي احتشدت حول غزل يعانقونها بلهفةٍ ودموعٍ وضحكاتٍ متداخلة. وما إن وقعت عينه عليها، حتى دوّى صوتها، دافئًا كما كان دومًا:
"رحيم... وحشني ياعم."
اتّسعت ابتسامته، ضحك من القلب، وعانقها عناقَ مَن استعاد جزءًا ضائعًا من روحه. كم اشتاق إلى تلك الشقيّة الصغيرة، إلى حضورها الذي يملأ الفراغ ضجيجًا وحياة.
اجتمعوا جميعًا على السطح، كما اعتادوا، يضحكون، ويتبادلون الحكايات، وتنساب الأحاديث بينهم بلا ترتيب.
بعد قليل، صعدت تمارا تحمل سليم بين ذراعيها، وتوقفت عند باب السطح صامتة، تراقب المشهد من بعيد. كانت عيناها تلتقطان التفاصيل دون أن تتدخل، حتى انتبهت إليها دنيا، فابتسمت، وتقدّمت تمسك بيد تمارا، تقودها إليهم، وتعرّفها بغزل قائلة:
"دي يا ستي تمارا... مطرح ما تلاقي رحيم بيتخانق هتلاقي تمارا السبب..."
ارتسمت على وجه غزل ابتسامة ودٍّ صافية، ونهضت لتعانقها قائلة:
"اهلا بيكِ معانا... مبسوطة ولا ايه الدنيا حلوة هنا ولا في العصابة التانية أحلى."
ضحكت تمارا بخفة:
"يعني لسه مقررتش شهرين كده واشوف واقارن بعدل مين أحسن من مين."
ضحكت غزل،وحينها انتبهت إلى الصغير الذي كان يراقبهم بعينين بريئتين، فمالت نحوه قائلة بإعجاب:
"يا خلاثو يا ناس... إيه القمر ده."
أخذت لعبته، وراحت تلاعبه بحب وطلبت من تمارا ان تحمله هي فلم تمانع.
ثم التفتت إلى رحيم بنظرة ماكرة:
"هي دي اللي نصبت عليك وقالت إنها عامية."
ضحك رحيم:
"هي..."
وهنا تدخّل المراهق الصغير الذي كان مع رحيم من قبل، يوم اختطف تمارا متنكّرة في هيئة امرأةٍ عجوز، وهو يقول:
"يالهوي يا غزل هحكيلك، في يوم خطف ست عجوزة، أقسم بالله اللي يشوفها يقول خلاص بينها وبين الموت عشر دقايق، واقفة بتبيع وحالتها تصعب عالكافر. خطفها وربطها وحطها في شنطة العربية، وأنا أقوله حرام يا رحيم دي ولية غلبانة، يقولي ولية غلبانة ايه يا ابني؟ ويشيل الماسك والباروكة ألاقي دي ظهرت! أنا ساعتها جسمي نمل ومبقتش حاسس بأطرافي، كنت حاسس إني في فيلم رعب أقسم بالله."
تعالت ضحكاتهم حتى ملأت المكان، وغزل مواصلةً ثرثرتها مع الجميع دون توقف، وقد أيقنت في تلك اللحظة أنها لم تفتقد دفئ العائلة ابدًا معهم نعم هي اكتشفت ان عائلتها ما زالت على قيد الحياة ولكن هذه العائلة هي عائلتها الحقيقية التي كبرت معهم وعاشت معهم اجمل لحظاتها.
_____________________________
بعد أن انسحب الجميع إلى غرفهم بقي رحيم وغزل وحدهما على السطح، يلفّهما صمت ثقيل، كان الليل شاهدًا على ما لا يُقال عادة، وعلى اعترافات لا تجرؤ القلوب على البوح بها إلا حين تخلو بنفسها.
تنفّست غزل بعمق، وكأنها تجمع شتات روحها، ثم بدأت تسرد ما جرى، لا بلسانٍ متماسك، بل بقلبٍ عارٍ من الحِيَل. كانت كلماتها تخرج صادقة، موجوعة، تحمل ارتباكها وخوفها معًا، وقالت كل مشاعرها كما هي، دون تجميل أو مراوغة:
" أنا حبيته يا رحيم... عارفة إنك هتضحك دلوقتي... بس أنا حبيته منغير ما أحس...ولما حبيته اتأكدت إني لازم أبعد..."
طأطأت رأسها، كأنها تحاكم نفسها قبل أن يُحاكمها أحد. كان الحزن واضحًا في انحناءة كتفيها، وفي الصمت الذي أعقب اعترافها. مدّ رحيم يده وربت على كتفها برفق، محاولًا أن يخفف عنها ثقل الفكرة قبل ثقل الشعور، وقال:
"وليه انتِ مصعّباها كده وفكراها مستحيلة؟!"
رفعت رأسها قليلًا، وفي عينيها سخرية موجوعة، ثم أجابته:
"يابني أنا حرامية وهو رجل أعمال بتقولي فين الصعوبة!!... فلنفترض محكيتلوش حاجة وقولتله مثلا اني لسه سمر واني افتكرت إن جوزي خالد مات بس وقعت في حبه واتجوزته... ها هبدأ علاقتي معاه بكدبة؟ وفلنفترض إني اعترفتله بالحقيقة كلها و سامحني هيبقى بقى مكاني بيته ولا السجن... الموضوع عبثي بطريقة مش طبيعية. "
صمتٌ قصيرٌ سبق اعترافًا خرج من رحيم هو الآخر:
«أنا برضو حبيت بنت، ودلوقتي بحاول أنساها.»
-طب بصرة يا معلم... بس قولي ليه؟؟… اعترفت بمشاعرك ليها؟؟
حرّك رحيم رأسه يمينًا ويسارًا نافيًا، فقهقهت غزل بسخريةٍ حاولت أن تُخفي بها اضطرابها:
«بتحاول تنساها وانت أصلاً معترفتش ليها بحبك!»
تنفّس رحيم الصعداء، كأن صدره كان محبوسًا منذ زمن، وقال بصوتٍ خافت:
«مش بتحبني…»
ضحكت غزل بقوة:
«انتصّت في نظرها دي ولا إيه؟!»
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ جانبية، ورفع بصره إلى السماء، كمن يلتمس منها صبرًا لا يملكه. كان يقاوم دمعًا يلحّ.
مدّت غزل يدها، وأمسكت يده بحزن، وقالت:
«بتحبها أوي؟»
نظر إليها.
نظر طويلًا…
تعلّقت عيناه بعينيها، والدموع تتلألأ فيهما، لا تعرف طريقها إلى السقوط:
«بعشقها.»
ارتجفت غزل، ثم قالت بسرعةٍ توهم بها نفسها بالثبات:
«مين يا رحيم؟… وأنا أتكلم معاها…»
صمت لحظة.
لحظةٌ أطول مما ينبغي.
ثم نطق الاسم، كأنه يلقي به بعيدًا عنه:
«تمارا.»
وفي الجهة الأخرى، كانت تمارا واقفةً، تتوارى خلف الجدار، تتجسّس على الحديث. وحين سمعت اسمها، شهقت، ووضعت يدها على فمها، كأن الاسم سقط عليها دالصاعقة.
ابتعدت غزل عنه، وتركت يده وما لبث أن انصدع صمت السطح بضحكتها العالية:
"ينهار ابيض... زياد كسب الرهان."
رفع رحيم أصابعه إلى عينيه كمن يدعكهما إرهاقًا، غير أن الحقيقة كانت أبعد من ذلك؛ إذ كان يمسح دموعًا أوشكت أن تخونه. ثم التفت إليها باستغرابٍ لم يُخفِ ارتباكه، وسألها:
"رهان ايه؟؟ "
"-الواد زياد همسلي وانتو بتحكولي المواقف اللي بينك وبين تمارا وقالي انك مهتم بيها والبت تهمك بس انا قولتله عادي يابني رحيم ده جدع ولو اي واحدة كان عمل معاها نفس الموضوع فلما قالي لا هو بيحبها قولتله مفيش حب ولا نيلة ورحيم راهب ومش هيتجوز الهزار بتاعنا العادي ده قام قايلي طب نتراهن ان مكانش بيحب البت دي قولتله يسلام نتراهن وانا عارفة اني هكسب الرهان بس شمّت الواد فيا الله يسامحك."
انفلتت من رحيم ضحكةٌ ساخرة، لا تحمل فرحًا بقدر ما تحمل اعترافًا موجعًا، وأدار وجهه إلى الجانب الآخر، كأن النظر إليها صار يفضح ما حاول إنكاره. فبادرت غزل، وهي لا تزال تبتسم:
"تخيل انا اخسر رهان دي محصلتش من عشر سنين ومع الواد الشمّات ده."
-حقك علينا يا ستي المرادي...انت عارف يا صاحبي الحاجات دي مش بإيدينا.
-ياعم تمارا تتحب اصلا انا لو منك كنت حبيتها.
ضحك رحيم وقال وهو يهز رأسه:
"بطلي فشر طيب... تمارا دي مينفعش تتحب من اول نظرة دي محتاجة معاشرة زي اللي حصل معانا عشان تعرف تحبها."
-طب اقسم بالله تمارا دي لو حطت ميكب زيينا ولبست بناتي لتبقى في حتة تانية.
تغيّر شيءٌ في ملامح رحيم، وخفَت صوته وهو يقول:
-ياريت... ياريت تخليها في حتة تانية بتمنى ده من كل قلبي.
اتسعت ابتسامة غزل، وفي عينيها بريق فكرةٍ وشيكة:
"طب والله لاعملها... اصبر بس تاخد عليا اسبوع كده وانا اخليهالك باربي..."
نهضت غزل من مكانها، وقد هدأ ضحكها، وقالت وهي تستعد للرحيل:
"يلا هروح انام انا بقى... تصبح على خير."
-وانتِ من اهله.
غادرت غزل السطح، وبقي رحيم وحده، ساكنًا في موضعه، شارِدًا فيما قيل، صامتًا لا لأن الكلمات نفدت، بل لأنه كان يُجبر قلبه على الصمت، خوفًا من أن ينطق بما لا يحتمل عواقبه.
لم يلبث السكون طويلًا؛ إذ صعدت تمارا إلى السطح بعدما تأكدت أن غزل قد آوت إلى غرفتها واستسلمت للنوم. دخلت على رحيم فجأة، واقتحمت صمته بحدةٍ قاسية، كأنها ألقت حجرًا في مياه راكدة:
"انت ايه يلا شيطان!"
التفت إليها رحيم مذهولًا، غير مدركٍ لما ترمي إليه، وقال بدهشة صادقة:
"تمارا!... ايه اللي مصحيكي؟!"
أشاحت تمارا بيدها في ازدراء، ونطقت بكلماتٍ تقطر سخرية ومرارة:
"بتحب دنيا وبتحبني بتحب كل الناس ما شاء الله عليك قلبك كبير اوي. "
نهض رحيم من مكانه دفعةً واحدة، وقال باستغرابٍ ممتزج بالإنكار:
"انتِ بتقولي ايه!"
-بقول اللي سمعته وشوفته يا رحيم...
-انتِ سمعتينا!
-اها... وشوفت ورقة الغرام اللي كتبتها لدنيا ودلوقتي تقول انك بتحبني... انت مقرف يلا عارف يعني ايه مقرف ده كفاية اصلا دنيا دي لوحدها كفاية... مرات صاحبك وانتيمك!!!!
صرّ رحيم على أسنانه، وقد بدأ الغضب يتسلل إلى صوته، وقال محذرًا:
"حاسبي على كلامك يا تمارا..."
لكن تمارا لم تتراجع، بل صاحت بانفعالٍ أعمى:
" انت بني آدم قذر قذارة أنا مشوفتهاش في حياتي.... "
فصرخ رحيم وقد فقد صبره:
"دنيا مين اللي بحبها انتِ اتجننتي في مخك؟!!"
أخرج هاتفه بسرعة، وفتح قائمة الاتصال، ثم ضغط على رقم دنيا وقال بحدةٍ لا تقبل الجدل:
"دنيا اطلعي السطح عاوزك."
جاءه صوتها مثقلًا بالنعاس:
"خير يا رحيم فيه ايه...؟"
-اطلعي يا دنيا ضروري... تمارا بتقول كلام و... اطلعي مش هعرف اشرحلك علتلفون...
نظرت تمارا إليه، ثم أطلقت ضحكةً قصيرة متوترة، وأدارت وجهها بعيدًا، مكتفة ذراعيها فوق صدرها. لم تمضِ دقائق حتى صعدت دنيا، وعلى ملامحها أثر القلق، رغم محاولتها التماسك:
"خير يا جماعة الساعة اربعة الفجر اهدوا."
صرخ رحيم:
"انا بحبك يا دنيا؟؟؟؟..... بخدع صاحب عمري وبحب مراته!!!! "
هتفت دنيا بذهول:
"ايه الكلام ده يا رحيم اهدا نفهم اكيد هي مش قصدها ده."
لكن تمارا صاحت بانفعالٍ منفلت: "لا قصدي.... انتو اوسخ اتنين انا شوفتهم طالعين تبرروا ايه ها؟؟! "
اندفع رحيم نحوها صارخًا باسمها:
"تمارا."
غير أن دنيا أسرعت، وأمسكت به، ووقفت أمامه تحجزه عنها:
"اهدا يا رحيم...."
-اهدا ايه انتِ شايفة بتهلفط بالكلام وبتقول ايه!!
-طلعوني انا بقى اللي مختلة في الآخر عشان تداروا على نفسكوا.
حاول رحيم الاندفاع مرة أخرى، لكن قبضة دنيا كانت حازمة، وصوتها متوسلًا:
"ونبي لتهدا."
نظرت إلى عينيه مباشرة، وقالت بصوتٍ متهدج:
"رحيم... لازم نقولها.... رحيم المرة دي مينفعش نسكت... لازم تعرف الحقيقة..."
تأمل رحيم عينيها وقد اغرورقتا بالدموع وهي تقول:
"انا مش هقبل كلام زي ده يتقال في حقي وفي حقك...لازم تعرّفها."
ابتعد خطوتين إلى الخلف، وضم ذراعيه إلى صدره كمن يحاول احتواء نفسه قبل أن ينهار.
التفتت دنيا إلى تمارا وسألتها بهدوءٍ قاسٍ:
"عرفتي منين انه بيحبني ايه اللي وصلك انك تفكري كده؟"
-الجواب...
مدّت تمارا يدها، وأخرجت ورقة مطوية من بنطالها:
"الجواب الغرامي ده اللي بيعترف بيه رحيم بحبه ليكي لقيته في جيب بنطلونك ولا نسيتي انك ادتيني هدومك."
انعقد حاجبا رحيم، وتقدم بسرعة، وخطف الورقة من يدها، وراح يقرأها بعينين متسعتين:
"ده جواب انا كتبته فعلا!"
تظاهرت تمارا بالدهشة، وقالت بسخرية مصطنعة:
"يا شيخ!... لا والله مكنتش اعرف..."
اقتربت دنيا، ونظرت إلى الورقة، وما إن قرأت سطورها حتى تذكرت، فتبدلت ملامحها، ونظرت إلى رحيم الذي استعاد هو الآخر ذكرى كتابته. التقت عيناهما، لكن دنيا عضّت شفتيها وصمتت.
سألها رحيم بحدةٍ متصاعدة:
"الجواب ده ازاي وصلك؟؟؟"
قهقهت تمارا وهي تضع يدها على خصرها:
"اه جايين تتفاجئوا هنا صح؟"
"-ردي يا دنيا الجواب ده وصلك ازاي؟؟!!!"
لم تُجِب دنيا.
ساد الصمت لحظةً ثقيلة، كأن الهواء نفسه توقّف عن الحركة، فصاح رحيم باسمها وقد بلغ به القلق حدّه:
"دنيا."
التفتت دنيا ببطء نحو تمارا، وفي عينيها وعيدٌ مكتوم، وقالت بصوتٍ منخفضٍ حادّ:
"منك لله يا بعيدة."
تقدّم رحيم خطوةً إلى الأمام، ونبرته قاطعة لا تحتمل مراوغة:
"بصيلي هنا وجاوبيني!"
وحين لم يعد هناك مجال للهروب، نطقت دنيا أخيرًا بما لم يكن رحيم يتوقعه قط:
"انا اول واحدة قريت الجواب يا رحيم... وخبيته... هي مقرأتهوش."
-لا لحظة فهموني انا مش فاهمة مين دي اللي مقرأتهوش ما دنيا قرأته بتقولك...هو مش الجواب ليها؟؟"
انفجرت الكلمات من صدر رحيم، لا صراخًا فحسب، بل انكشافًا كاملًا لحقيقة طال كتمانها:
"لا يا تمارا الجواب مكانش لدنيا... اللي كان المفروض يقرأ الجواب كانت غزل... لاني بحب غزل... غزل يا تمارا."
تلجّمت تمارا، وجمُد لسانها، كأن الكلمات خانتها فجأة.
اكمل رحيم كلماته ناظرا لدنيا باستفهام:
"والمفروض اني كتبت الجواب ده ليها بس لافاجأ دلوقتي ان الجواب معاكِ انتِ!"
زفرت دنيا باستسلام لتبدأ بروي كل ماحصل من قبل:
" لانك يوميها كنت خايف ان غزل تقرأ الجواب بعد الاجابة اللي قالتها في لعبة الصراحة وانا ساعتها كنت عارفة انك كتبتلها جواب فاخدته وخبيته عشان شكلك ميطلعش وحش وجيت قولتلك انها رمت كل الورق اللي على مكتبها عشان اعرفك ان الورقة اللي كنت حاططها على مكتبها كمان اترمت وانت ساعتها هديت وارتاح قلبك لانك مكنتش عايزها تقرأ اعترافك ليها بعد اللي قالته عنك في لعبة الصراحة وانها استحالة تفكر فيك كزوج وانك اخوها غزل مكانتش رمت ورق المكتب ولا حاجة انا اللي اخدت الورقة وخبيتها ومن ساعتها نسيت امرها انا لسه مكتشفة معاك انها لسه موجودة. "
لم تعد قدما رحيم تقويان على حمله، فجلس على الأرض ثم جلست دنيا إلى جواره، وأمسكت يديه في حنانٍ صامت، وقالت:
"انت اخويا رحيم.... وكرامتك من كرامتي... يوميها مستحملتش تتحرج قصادها واخدت الورقة... لو انت زعلان اني عملت كده وان كان ممكن لما تقرا كلامك اللي في الورقة تحبك فحقك عليا."
كانت كلماتها تضمّد ما تعرّى من ضعفه، وتستعيد له شيئًا من توازنه المفقود. رفع رحيم بصره إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ممتنّة، وقال:
"مش عارف اشكرك على ايه ولا على ايه يا دنيا... انتِ ساعدتيني منغير ما تحرجيني او تعرفيني انك قرأتيه... حتى بعد مدة لما صارحتك بعديها بفترة اني بحب غزل مقولتليش انك عارفة مثلتي عدم معرفتك عشان محسش بحرج قصادك... شكرا يا دنيا انك في حياتي."
ابتسمت دنيا، ثم طوّقت عنقه بذراعيها قائلة:
"بتشكرني على ايه يا عبيط انت اخويا..."
تلاقى المشهد بعينَي تمارا، التي وقفت مشدوهة، عاجزة عن العثور على الكلمات المناسبة، فتمتمت بتردد:
"انا.. مش عارفة اقول ايه."
نظر إليها رحيم بعينٍ ثابتة، وقال بنبرةٍ لا تحتمل الالتفاف:
"تعتذري... تعتذري لدنيا على اللي قولتيه عليها."
التفتت تمارا نحو دنيا، وما إن التقت عيناها بعينيها حتى خانتها دموعها، وقالت بصوتٍ متهدّج:
"دنيا بجد حقك عليا انا اسفة متزعليش والله ما كنت فاهمة كل ده.. اذا كان رحيم نفسه مكانش فاهم انا هفهم السيناريو ده ازاي."
نهضت دنيا وعانقتها دون تردّد، واحتوتها كمن يطفئ حريقًا لا يُلام صاحبه عليه، وقالت:
لا يا حبيبتي مش زعلانة منك وبعدين انا مقدّرة كنتِ بتعملي كده ليه وقلبك محروق اوي كده."
تصلّبت تمارا لحظة، وابتلعت ريقها خوفًا من أن تكون دنيا قد لامست خيط مشاعرها الخفيّة تجاه رحيم، لكن دنيا أردفت بقولها:
"على شاكر... انت مشوفتيش منه حاجة وحشة وقولتي خسارة اللي بيحصله اكيد."
تنفّست تمارا بعمق، وقد هدأ اشتعال قلبها قليلًا، لا لأنه انطفأ، بل لأنه تحوّل إلى نارٍ أعمق أثرًا. كانت غيرتها ما تزال تنهش صدرها، لكنها الآن أوضح إيلامًا؛ فقد أدركت أن قلب رحيم ما زال معلّقًا بأنثى يحبها بصدق، والفارق القاسي هذه المرة… أنه اعترف أمامها بمن يسكن قلبه حقًا.
__________________________
في اليوم التالي، اجتمع الزعيم برجاله في مكانهم المعتاد. شبكت غزل أصابعها ببعضها في توترٍ خفي، كأنها تحاول أن تحبس ارتجاف قلبها بين كفّيها، بينما تقدّم الزعيم خطوةً إلى الأمام، وصوته يقطر سخريةً وازدراء:
"بقى انتِ يا غزل تفشلي في مهمة... دي ولا كدبة ابريل."
أطرقت غزل رأسها لحظة، ثم رفعت عينيها بثباتٍ مصطنع وقالت:
"حقك عليا يا زعيمنا والله الواد المرة دي كان مفتح... لان رامي اللي نصبنا عليه قبل كده طلع عارفه وقاله على كل حاجة."
تنفّس الزعيم بعمق، وزفر زفرةً مثقلة بالضجر، وقال بنبرةٍ باردة:
"ودي غلطة مين يا ترى؟ "
في لحظةٍ واحدة، اتجهت الأبصار جميعها نحو فريد؛ ذاك الذي أوكل إليه تتبّع خيوط الرجل ومعرفة محيطه وأصحابه، غير أن عمله بدا ناقصًا.
تلعثم فريد، واهتز صوته وهو يقول:
"والله ما كنت اعرف يا زعيم."
قهقه الزعيم قهقهةً جافة، تخلو من أي مرح:
"مهو لو انت مش عارف اومال مين اللي يعرف؟ "
-يا زعيم م....
قاطعه الزعيم بحدّةٍ قاطعة:
"تلم حاجتك وتتكل على الله."
انهار فريد عندها، وتقدّم متوسلًا:
"حقك عليا يا زعيم والله.... والله ما هتتكرر... يا زعيم ابوس ايدك ما تمشيني...."
نظر فريد لغزل:
"يا غزل ما تقولي حاجة."
رمقته غزل بنظرةٍ حادة، وقالت ببرودٍ لا يخلو من حدّة:
"اقول ايه ياض انت هتلبسها فيا... ايش عرفني ان رامي هو صاحبه وهييجي يطب عليا ده الحمد لله اني خرجت منها سليمة محطينيش في السجن تاني يوم. "
ساد صمتٌ ثقيل، قطعه صوت الزعيم:
"منغير شوشرة كتير تلم حاجتك وتمشي... الشغل عندي مينفعش يبقى فيه غلطة واحدة بس... الغلطة دي تودينا كلنا في داهية....
________________________
مرّ أسبوعٌ كامل منذ آخر مرةٍ وقعت فيها عيناه على غزل. أسبوعٌ بدا له دهرًا مثقلاً بالفراغ. افتقد حضورها الذي كان يملأ أرجاء البيت حياةً، ويغمره بطاقةٍ دافئةٍ لا تُرى، لكنها تُحَسّ في كل زاوية. خرج من منزله وقلبه مثقلٌ بالأسئلة، متجهًا إلى بيت هبة، بعد أن ألحّت عليه أن يأتي.
"اقعد يا بني."
جلس حمزة قبالتها، وقد ارتسم القلق في ملامحه قبل أن ينطق:
"خير يا عمتو فيه حاجة حصلت؟!"
بلعت هبة ريقها، وكأن الكلمات تأبى الخروج، ثم قالت بصوتٍ مشوبٍ بالحزن والانكسار:
"رهف هتطلق من نوح.. رفعت عليه قضية وهتكسبها لانه مختفي بقاله اربع سنين ولما ظهر كان جاسوس وهرب فالمحكمة هتقف في صفها لحد ما تطلق منه."
ساد الصمت لحظةً ثقيلة، كأن الزمن توقف عند صدر حمزة. ظلّ ينظر أمامه بلا تركيز، ثم قال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:
"ليه... ايه اللي حصل لكل ده... مقالتش حاجة؟؟"
هزّت هبة رأسها بأسى:
"مقالتش اي حاجة... وده اللي مجنني يعني رهف اللي اعتبرها زي بنتي تعمل كده ومنغير ما تقولي."
تنفّس حمزة بعمق، وكأن ذكرى بعيدة لاحت في ذهنه:
"كانت مريبة من ساعت ما طلعنا الطيارة في بداية سفرية طوكيو وهي مش طبيعية... اكيد حصل حاجة.... انا هكلمها."
قاطعته هبة بسرعة، وقد بدا القرار في نبرتها لا جدال فيه:
"لا متكلمهاش... هي كده خلاص يا بني فاض بيها... انا مقدّرة اللي هي فيه... خصوصا بعد ما نوح رجع وهرب مرة تانية... خليها تعمل اللي هي عاوزاه... انا بس طلباك عشان تقولها اني مليش ذنب تمنع عني اشوف البت... رهف لما بتتجنن بتتجنن علينا كلنا قولها اني اشوف حفيدتي وقت ما احب يا حمزة."
رفع حمزة رأسه إليها، وفي عينيه رجاءٌ ممزوج بالإنكار:
"ايه الكلام ده يا عمتو هي ان شاء الله ساعة شيطان وترجع لعقلها من تاني رهف بتحب نوح كلنا متأكدين من ده."
تنهدت هبة تنهيدةً طويلة، وقالت بنبرةٍ منهكة:
"ايوة يا حبيبي بس نوح معادش موجود... ربنا يرجعه بالسلامة ويرجع لحضننا من تاني بس هي ست ومن حقها تقرر هي عايزة ايه استحملت كتير."
اشتد صوته، وكأن الدفاع عن الغائب واجب لا يسقط:
"استحملت اربع سنين يا عمتو مش قادرة تستحمل كام شهر عليهم كمان لحد ما نشوف نوح هيقرر ايه هيرجع ولا هيفضل لحد دلوقتي نوح هرب عشان مش عاوز يتحبس نوح لو رجعتله ذاكرته هيرجع مهما كلفه الامر ده بيته وعيلته مش قادرة تستنى لما يتعالج! "
نظرت إليه هبة بقلة حيلة:
"زي ما قولتلك اهو... هي حرة... تعمل اللي عايزاه... انا مش امها عندها ام واب ينصحوها لان نصيحتي انا هتبقى وحشة لانه ابني فانا مش هنصحها بحاجة انا بس بقولك تقولها انها تخليني اشوف البت مش اكتر ولا اقل."
______________________
صرخ كريم، شقيقها، وقد استبدّ به الغضب:
"انا بصراحة بقى مش داخل نفوخي مبقيتش بحبه دي يا رهف!"
فأجابته ببرودٍ قاطع:
"دخل نفوخك مدخلش انا قولت اللي عندي... وكلّمت حسن هيخلصلي كل حاجة."
تدخّلت أمها بضجرٍ ظاهر، وهي تعقد حاجبيها:
" حسن ده اللي عينه منك وجاتله علطبطاب مش كده؟ "
قبض كريم على ذراع رهف بعنف، وقال محتدًّا:
"انتِ ازاي تخبي علينا حاجة زي دي يا رهف؟؟"
تقدّم الأب، وقد أثقله الغضب والحيرة، وقال بصوتٍ مشحون:
"جاية تقوليلنا في اليوم الاخير وانتِ مكلمة حسن من اسبوع يطلقك منه!.... احنا آخر من يعلم مش كده؟؟... عايزانا منوقفش الموضوع وعايزة تاخدي قرارك بنفسك."
رفعت رأسها بثباتٍ وقالت:
"ايوة لانه قراري فعلا يا بابا... محدش له الحق انه يتدخل انا عاوزة ايه... كفاية بقى لحد كده انا نوح ده بالنسبالي صفحة واتقفلت."
وفجأة، قُطع الحديث بطرقٍ حازمٍ على باب الشقة.
توقفت الكلمات في الحناجر، والتفتت الأنظار دفعةً واحدة.
نهضت رهف مسرعة، وكأن قلبها سبق خطاها، وفتحت الباب.
كان حسن واقفًا، ملامحه هادئة على غير عادته، وابتسامته — وللمرة الأولى — لم تكن مجاملة، بل تحمل فرحًا حقيقيًا صادقًا ويهتف بخبر طال انتظاره.
مدّ يده بملفٍّ بنيٍّ، تتدلّى منه أوراقٌ مرتبة بعناية، وقال بثبات:
"كل حاجة خلصت زي ما اتفقنا."
اندفع كريم نحوه، قابضًا على ثيابه، وصاح في وجهه:
" انت اللي لعبت في نفوخها... انت عمرك ما هتبقى مكان نوح يا حسن فاهم؟ "
تعالى صوت الأب صارخًا، يأمره بالابتعاد، فيما أمسكت رهف بالأوراق.
ترددت للحظة، وخوفٌ غامض يعقد أنفاسها، ثم فتحتها أخيرًا.
كانت صورة الحكم.
حكمت محكمة الأسرة بتطليقها طلاقًا بائنًا.
ارتجفت أصابعها وهي تقرأ: اسمها، اسم نوح، عبارة «حكمت المحكمة».
للمرة الأولى شعرت بثقل القرار.
انتزعت أمها الأوراق من يدها، وما إن قرأتها حتى لطمت وجهها، فأمسك الأب بالملف، وتقدّم كريم بجواره يقرأ.
تنهد الأب وقال بمرارة:
"متجيش بعد ما نوح ترجعله ذاكرته تعيطي."
قالت رهف بحدّةٍ متناقضة:
"مش كنت بتكره نوح يا بابا عشان غيابه غيرني... انا مستعدة ارجع تاني زي زمان اخيرا هشم نفسي."
صمت الأب، ونظر إلى حسن، الذي كانت ملامحه تفيض رضا وفرحًا غامضًا، لا يعرف كيف يخفيهما.
صرخ كريم:
"طلقتها يا حسن... ارتاحت اما اتطلقت... كده انت مرتاح صح؟ "
وقفت رهف أمامه وقالت بحزم:
"حسن ملهوش دعوة متدخلهوش بالحوار واتكلم معاه بادب انت فاهم؟ بينك وبينه مش شوية عشان ترفع صوتك عليه بالشكل ده."
رددت الأم بانكار غير مصدقة: "ده انتِ روحك كانت فيه!"
فقالت رهف ببرودٍ قاسٍ:
"بعد كده روحي في نفسي محدش ليه غلاوة عندي... انا حرة اعمل اللي عايزاه... ويا بابا انا معدتش شايفة نوح زوج لا... بقيت قرفانة مش ده اللي قولتهولي من قبل ما اتجوز قولتلي انك هتقف جمبي لما احس ان الراجل اللي قدامي مبقاش راجل وانه قل من نظري انا بقى نوح بقى قليل في نظري ومبقتش عايزة ابقى معاه حتى بعد ما يرجع مش قادرة اتقبله تاني كزوج و ابغض الحلال عند الله الطلاق. "
تقدّم الأب خطوةً، وتنهد بعجزٍ واضح:
"اللي انتِ شايفاه يا رهف... احنا مش اول مرة نتعامل معاكِ اللي في دماغك بتعمليه دماغك دي صرمة قديمة مبتمشيش الا بمزاجها وانا مش لسه هربيكي... انتِ كبرتي انك تعرفي تاخدي قراراتك بنفسك وانتِ عندك وجهة نظر وهحترمها... بس شغل العيال اللي هيحصل بعد ما نوح يرجع والله ما هسكت عليه.. نوح لو رجع وقلبتي واحدة تانية اديني بقولك اهو طلاق تلاتة على امك مانتِ رجعاله."
شهقت امها:
"منك لله ابوكي عمره ما حلف عليا بالطلاق..."
حاول حسن تهدئته:
"اهدا يا عمي الامور مش كده."
وفي داخله، كانت السعادة تعلو، تكاد تدفعه للرقص.
قال كريم ساخرًا:
"ونبي متمثلش انت تلاقيك هتموت من الفرحة."
نظرت رهف إلى أبيها:
"وانا قد كلمتي يا بابا وعارفة انا قولت ايه كويس."
قال الأب:
"يبقى خلاص..."
-خلاص ايه يا جماعة!
كان حمزة قد دخل، وقد رأى الباب مفتوحًا ولم يسمع إلا آخر الحديث.
نظرت إليه رهف وقالت:
"انا ونوح اتطلقنا رسمي خلاص ناقص ايه يا حسن؟"
أجاب حسن:
" تطلعي معايا بكرة الصبح على محكمة الاسرة نعمل قسيمة طلاق رسمية مختومة. "
-وأنا موافقة قولي علميعاد وانا رايحة معاك بكرة الصبح نخلص كل حاجة و يا دار ما دخلك شر.
نظر حمزة لحسن وناظر الباقي بذهول:
"انتِ فجأة كرهتيه كده ليه؟؟! حصل ايه من الطيارة خلاكِ قلبتي عليه كده؟؟"
فصرخت رهف بجنون:
"انا اعمل اللي انا عايزاااه أنا حرههه"
فقال حمزة بحدّة:
"ماشي يا رهف اعملي اللي عايزاه براحتك... بس متمنعيش البت عن جدتها عمتو هبة عايزة تشوف حفيدتها."
-البت في امتحانات انا مش مانعاها عنها ولا حاجة تخلص امتحان وتروح تقعد عندها بالاسابيع... خلاص.. اي حاجة تانية عايزينها مني؟
ثم التفتت إلى حسن وقالت:
"شكرا يا حسن على كل اللي عملته معايا."
اعتدل حسن في وقفته، واتسعت ابتسامته:
"على ايه يا رهف مفيش بينا شكر."
______________________
بدأت أميرة تستفيق من سباتها على مهلٍ، فتحت عينيها، فتراءى لها سمير جالسًا إلى جوارها، يبتسم ابتسامةً وادعة تخفي ما لا يُقال. انحنى قليلًا وقال بصوتٍ مليء بالحنو:
"صباح الخير على أميرتي… يلا عشان تفطري…"
امتدّت يدها إلى الطعام، تأكل في صمتٍ ثقيل، قطعه سمير:
"انتِ عارفة إن سمر مخلّتش حمزة يفلس زي ما كنا متوقعين… للأسف هربت! الغريبة ان حمزة مش متضايق من هروبها!!"
قبل أن يأتيه ردّها، جاء صوت الممرضة من الخارج، قاطعًا توتر اللحظة:
"أستاذ سمير… طالبين حضرتك في الريسبشن."
تركها سمير على مضض، وخرج معها، وما إن ابتعدت خطواته حتى دوّى رنين الهاتف الموضوع على مائدة طعام أميرة، رنينًا بدا كأنه نداء قدرٍ طال انتظاره.
التفتت أميرة ببطء، وعلى ملامحها دهشة ممزوجة بالخوف، ثم لمعت عيناها بوميضٍ خاطف حين وقعت على الاسم المضيء على الشاشة:
"حمزة".
ارتعشت أناملها، وانهمرت الدموع في عينيها دفعةً واحدة، كأن القلب سبقها إلى البكاء. التقطت الهاتف على عجل، وفتحت الخط بأنفاسٍ متلاحقة، غير مصدّقة أن الحظ—بعد طول قسوة—انحنى أخيرًا عند بابها.
