رواية ارض الدوم الفصل الثامن عشر 18 بقلم رحمة نبيل


 رواية ارض الدوم الفصل الثامن عشر 

 [ الحب صفعة ]
الحب صفعة؟! 
حتمًا كان،  وصفعة مدوية..... 

الفصل إهداء الجميلة اسماء سلامة بمناسبة يوم مولدها، عسى جميع اعوامها خير وبركة وسعادة .

صلوا على نبي الرحمة .

برجاء التفاعل مع الفصل بوضع لايك ( فيس ) أو تصويت ( واتباد ) قبل القراءة، ولا تنسى رأيك في النهاية .

قراءة ممتعة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنِّي بشَوقٍ مَتَىٰ الأيَّامُ تَجمَعُنَا
وأُسعِد فُؤَادِي بقُربٍ مِن مُحَيَّاكِ! 

قلب مسلم عيونه من الجملة التي سمعها، هو في هذه اللحظة لم يكن في مزاجه يسمح له بالجلوس واخبار الجميع ما مر به في سفره وكيف تحول لهذا الشكل الذي لا يفخر به في الواقع .

_ السلام عليكم يا جماعة، اتمنى تكونوا بخير يارب وآسف لو بزعجكم بس كنت محتاج اتكلم مع خالي أمير شوية في موضوع مهم .

ختم حديثه يتجاهل الفتاة ومن معها وهو ينظر صوب أمير بجدية، والذي تنحنح بصوت شبه مسموع وكأنه يغطي على صوت الهمسات حوله، ينهض ببسمة صغيرة يرحب بمسلم :

_ مسلم حمدالله على سلامتك يا بني، عامل ايه واهلك وعمي حليم أخباره ايه !؟

- بخير يا خالي وبيسلموا عليك، ممكن كلمة لو مش هزعجك ؟!

صمت وقد نسى أمر حاتم يستدير له، يعرف الجميع عليه باختصار :

_ صحيح نسيت اعرفكم، صاحبي حاتم .

ابتسم حاتم يرفع كفه في الهواء وهو يرحب بهم بلهجة واضحة مختلفة عن لهجة الجميع في المكان :

- مسا الخير يا جماعة .

ابتسمت فتاة تبدو مراهقة وهي تراقبه بانبهار :

_ واو أنت سوري ؟؟

- فلسطيني .

اتسعت بسمة البنت أكثر والتي لم تكن تتخطى الثالثة عشر ربما، ليتعجب حاتم وهو يعود خطوة للخلف ينظر صوب مسلم وكأنه يسأله التعجل، ومسلم أشار لأمير:

- معلش لو هاخدك منهم بس محتاج اخلص الموضوع قبل ما ارجع .

_ ترجع ؟؟

تنفس مسلم وقد علم أن خاله لن يتحرك من مكانه في هذه اللحظة يتحدث بصوت شبه مسموع الجميع :

_ أرض الدوم .

اتسعت عيون الجميع وأعطوا كامل انتباههم لمسلم الذي مرر عيونه بين الجميع يتحدث بجدية :

- جدي فرج الله يرحمه قبل ما يموت مسابش أي شيء يخص الأرض؟؟ أي ورق أو وصية ؟؟

نظر امير لعائلته التي كانت مجتمعة، ومن ثم عاد بنظراته صوب مسلم متعجب ومرتاب بعض الشيء :

- وايه اللي فكرك بموضوع الأرض ده دلوقتي يا بني ؟؟ الموضوع ده كان اتقفل من سنين ونسيناه وخلاص .

رفع مسلم حاجبه بعدم فهم يتحدث بصوت خرج حاد بعض الشيء :

_ ننسى ايه ؟! ده حقنا يا خالي، بعدين قصدك ايه باتقفل من سنين ؟؟ حسب ما اعرف فجدي فرج لغاية آخر لحظة في حياته كان بيعافر في الموضوع، فايه بقى ؟؟ 

_ ايوة ومن بعد موته اتقفل ومش هيتفتح تاني يا ابن سنية .

كانت تلك كلمات خرجت ضعيفة بعض الشيء من امرأة كبيرة في العمر تجلس على مقعد في ركن الصالون، دقق مسلم النظر بها ثواني ليدرك أنها نفسها زوجة جده الأولى، امرأة متجبرة كانت تعمل قديمًا في السلك الدبلوماسي، ومن ثم تركت عملها حينما كبرت بالعمر .

يتعجب كون جده يمتلك الكثير من المعارف الذين يمكنهم مساعدته ولم يفعل ذلك .

_ ايوة يا مرات جدي، بس ده حقنا وحق جدي وورثهم، و ...

_ أنت جاي تتكلم في حوارات اتقفلت من زمان يا مسلم ومش مستعدين نفتحها تاني يا بني، انسى وكبر دماغك لأنك مش هتوصل لحاجة، لو كان فيه حاجة توصل ليها كان ابويا عملها .

نظر مسلم صوب أمير بصدمة من كلماته، والتي كانت واضحة وتخبرك بكل بساطة أنه لن يساعد فيما جاء لأجله، وهذا ما لم يكن مستعدًا له .

_ افهم من كده أنك بعت حق جدي وحق اولادك ؟؟

_ مكانش فيه حق عشان نبيعه، الحوار ده من ايام ابو ابويا يعني من سنين طويلة اوي واتنسى أنساه وعيش حياتك، بعدين مش أنت كنت في امريكا واعتقد الدنيا اتظبطت معاك ولا ايه ؟؟

كان يتحدث بلطف لم يبتلعه مسلم وهو ينظر له نظرة سوداء، ومن ثم ابتسم وهو ينظر لحاتم الذي أدرك أن هذه العائلة كانت من السلبية التي تجعلها تبيع كل شيء لأجل راحة لحظية أو ربما كان الأمر اكبر من هذا .

_ طيب لو مش هتساعد على الأقل محتاج اشوف اوراق جدي اللي ...

_ مسلم الموضوع انتهى قولتلك وأوراق ابويا كلها ضاعت في حريق مكتبه اللي حصل، للاسف مفيش حاجة اتبقت من الحريق .

تنهد مسلم وهو يدور بعيونه بين الجميع وقد أدرك أن لا فائدة من الحديث معهم وقد كان الجميع مستسلمين للوضع الحالي بكل بساطة : 

_ لو مستعد تتخلى عن حق ابوك اللي مات وهو بيسعى ليه، فده راجع ليك يا خالي، بس حق جدي اللي كان آخر طلبه يندفن في أرضه أنا مش هسيبه.

ختم حديثه وهو يدور بينهم بنظراته للحظات، قبل أن يتحرك للخلف بسرعة ويجذب حاتم مغادرًا المكان وقد أوضح له أمير ووالدته جيدًا أن لا رغبة لهم في السعي في هذا الأمر، رحل لكنه لم ينسى كلمات أمير، الاوراق ذهبت مع حريق مكتب جده، أي أنها كانت في مكتبه، حسنًا هذا لا يغلق الأمر بالكامل ....

ـــــــــــــــــــــــــــــ

تجمدت اقدام رايانا في أرضها بصدمة وقد شعرت أن المكان حولها تلاشى لا تبصر به سوى وجه محمد الذي كان يبتسم لها برقة جعلتها تكاد تسقط ارضًا، ولم تشعر برحيله من أمامها بعدما ألقى لها بغمزة، وقد سحبته شيما لغرفة والدها .

ومن ثم عادت شيما بوجه مشرق ببسمة واسعة لا تصدق، الدكتور محمد جاء يطلب ود رايانا، كانت السعادة تقفز من وجه شيما وهي تجذب زراع رايانا معها :

- سمعتِ يا رايانا ؟؟ الدكتور محمد جاي يطلب ايدك، أنا مش مصدقة .

شعرت رايانا بالخدر يسري في جسدها تسير خلف شيما دون شعور، ولا تعلم شعورها، لكنها فقط تشعر بالحيرة، هل هي سعيدة ؟؟ أم لا ؟؟ 

دخلت غرفتها وقد نزعت منها شيما طبق الحلوى ومن ثم تحركت صوب خزانتها تهتف بحماس شديد :

_ يلا البسي فستان حلو وانزلي .

تتحدث بلهفة وحماس شديد وهي تدور في المكان، تحضر لها هذا وذاك لتتجهز، ورايانا تتابعها بأعين متعجبة مما يحدث لها، هل فعلها محمد ؟؟ لقد راهنت على جبنه مع ساڤا، كيف ؟؟ كيف ومتى قرر أنه يريد الزواج بها ؟! وهل هي تريد ؟؟ 

هل تفعل ؟! 

ولماذا لا تريد ؟؟ ما الذي ينقص محمد ؟؟ لقد فعلها وجاء يطلب يدها دون وضع اعتبار لكل ما ذكرته ساڤا يومًا، إذن هل توافق عليه ؟؟

 هل حصل ونالت الأمير أخيرًا ؟! 

_ انا والله قلبي كان حاسس، من زمان وهو باين اوي أنه عينه عليكِ بس مكنتش متخيلة أنه يجي يتقدم ليكِ بالسرعة دي، ده كأنه خايف تضيعي منه .

كانت شيما تتحدث وتتحدث بكلمات كثيرة دون الإنتباه أن رايانا لا تعي ما يحدث حتى، وكل أفكارها دون إرادة منها تتحرك صوب شخص آخر، شخص آخر تمنت خفية أن يكون هو الرجل الذي يتحدث مع والدها في الاسفل الآن .

ابتلعت ريقها، تفكر وهي تنظر للفستان الخاص بها، هل هذه مجرد مشاعر مشوشة؟؟ ربما كان محمد هو من تنتظره، رغم الصوت الذي يصرخ داخلها بالعكس، لكنها لا يمكنها ...

لا يمكنها أن ترفض و....

تأوهت وهي تدفن وجهها بين يديها وقد ارتجف جسدها من هول ما وقعت به، هل ترفض وتضيع فرصة الحصول على شخص يحبها حقًا، وتنتظر شخص لا تعلم إن كان سيأتي حتى ؟؟

أم توافق وتحيا معه حياة غير معلومة الملامح، حياة باهتة بجسد خالي وقلب مع غيره .

وفي لحظة الاختيار، وهنا في مفترق الطرق أدركت رايانا الكارثة التي وقعت بها.

لا تعلم كيف ومتى لكنها فعلتها، لقد فعلتها وهي تدرك السبب منذ أول لحظة .

هي تحب مسلم ...

خرج صوت مختنق منها تخفي فمها خلف يدها وقد دارت بها الغرفة من هول ما تردد صداه داخل نفسها، هي تحب رجل لا ...لا تعلم حتى إن كان يُكن لها مشاعر أم فقط يشفق عليها، تحب الرجل الوحيد الذي شعرت معه بالأمان، المنبع الاول للحنان الذي تلقته في هذه الحياة، تحب مسلم ..

وماذا بعد ؟؟

نظرت شيما التي اقتربت منها بقلق :

_ مالك يا رايانا أنتِ كويسة ؟؟ 

هزت رايانا رأسها وهي تنظر لها بعجز، تخاف أن ترفض وتوقف حياتها لأجل مسلم ويضيع كل ذلك في السراب .

لكن هي ربما مستعدة لتضيع عمرها، ولا تضيع حياة مع شخص لا تكن له شيء .

_ أنا بس ...بس مش مصدقة ومش مستوعبة و...

تنفست بصعوبة وهي تنظر لشيما تحاول رسم بسمة على ثغرها :

_ معلش ممكن كوباية مايه حاسة ريقي نشف فجأة .

نظرت لها شيما بشك، لكنها هزت رأسها وتحركت بسرعة تحضر ما تريد، بينما رايانا هرولت تغلق الباب وهي تشد خصلاتها بصدمة وعدم قدرة على التفكير في شيء، نهضت وهي تتعثر في سيرها تمسك هاتفها بسرعة ودون تفكير اتصلت بأول رقم ابصرته وهي تهتف بصوت مرتجف بعد دقائق من الرنين وبمجرد أن سمعت الصوت على الجهة الأخرى .

_ محمد ...محمد تحت مع بابا جاي يطلبني للجواز.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وبعدين محستش بنفسي غير بعد  ما بعدت عن الكهرباء .

ختم عيسى كلماته وهو يقص على أحمد ونورهان ما حدث معه، بينما يحيى يجلس على الأريكة أمام الفراش يضم ذراعيه لصدره بحنق من نظرات أحمد له والذي بمجرد أن فرغ عيسى من كلماته حتى صاح بضيق شديد :

_ كل ده وحضرتك مفهمنا أنكم في الماركت ؟! اخوك كان بيموت ومقولتش يا يحيى ؟! 

لوح يحيى بعدم اهتمام وهو يهتف بغيظ من صرخات أحمد:

_ طب وأنا أعمل ايه يعني ؟؟ ألحقه ولا اتصل بيك ؟

_ بعد ما لحقته، متصلتش ليه ؟!

_ مكانش معايا رصيد .

ضغط أحمد بأسنانه على شفتيه يحاول كبت سبة لاذعة بسبب وجود نورهان في المكان، والأخيرة فقط تضم لها عيسى وتربت عليه بحنان :

_ يا عيني يا عيسى، وجعتك اوي ؟؟

_ ايه ياما هو ابنك ؟!

كانت تلك كلمات يحيى الذي اغتاظ من دلالها لشقيقه، ومعالمتها له بغضب طوال الوقت .

أما عن نورهان فشددت احتضان عيسى لها باستفزاز ليحيى وهي تربت عليه بحنان أكبر:

_ ايوة ابني أنت مالك أنت ؟؟

التوى ثغر يحيى وهو يبعد عيونه عنهم بضيق يدعي اشمئزاز :

_ اشبعي بيه يا ختي .

نظر بعدها صوب أحمد الذي كان يضع يديه داخل جيب بنطاله يراقب ما يحدث بهدوء عكس طبيعته المنتقدة .

_ وأنت يا استاذ أحمد هتعمل نفسك مقموص مني كتير ؟؟ ده احنا بينا عيش وفول وطعمية حتى .

ابتسم أحمد بسمة جانبية، وهو ينظر للجميع ويخرج بعدها بكل هدوء من المكان، ليحول يحيى نظرته لهم بعدم فهم، فتحدثت نورهان بصوت منخفض :

_ من وقت ما ساڤا مشيت وهو ساكت كده وكأنه تايه .

صمتت ثواني وهي تنظر صوب يحيى قليلًا وكأنها تفكر إن كان قرارها صحيحًا، لكنها في النهاية تحدثت بجدية :

_ ما تروح يا يحيى تتكلم معاه وأنتم شباب زي بعض يمكن يقولك هو ماله بالضبط لأنه منطقش بحاجة من وقت ما مشيت .

رفع يحيى حاجبه وهو يفكر فيما يحدث، ينهض مشيرًا لنورهان أن تعتني بعيسى :

_ شوفي للولد أي حاجة يطفحها مكلش من وقت ما خرج، حبيبي كان رايح يجيب حتة جبنة من التلاجة نشفت دمه في عروقه .

انكمشت ملامح عيسى بضيق :

_ ايوة والأكل اللي جابته ليا البنت الحلوة اكله هو .

استدار له يحيى بتحذير ومن ثم خرج خلف أحمد بينما نورهان تنظر للجميع :

- بنت حلوة مين دي ؟؟ هو ايه اللي بيحصل هنا ؟؟ احنا جايين نرجع الأرض ولا نوفق راسين في الحلال ؟!

نظر لها عيسى من أسفل رموشه يفكر فيما تقول، وقد أبصر أن الجميع وجد له بالفعل من تشاركه هذه الحياة ولم يعد سواه ونورهان، وحتى الأخيرة مشكوك في أمرها ..

ـــــــــــــــــــــــــ

_ أبو حميد .

استدار أحمد نصف استدارة ليحيى الذي تحرك صوبه، يبتسم بسمة وهو يفتح ذراعيه لأحمد، ليقلب أحمد عيونه بضيق يكبت ضحكة كادت تفلت منه، لكن يحيى لم يستسلم وهو يقترب منه يضمه بقوة :

- والله العظيم ما شوفت واحد حيوان زيك ياض يا أحمد ايه هفضل اصالح فيك اسبوع، ده أنت لو مراتي هطلقك واستريح من نكدك .

ضحك أحمد وهو يحاول أبعاده عنه، لكن يحيى كان ملتصق به يرفض تركه :

- والله عيب عليك، مكانتش عشرة عمر دي يا حمادة .

رمقه أحمد بضيق شديد :

- ما هي هانت يا يحيى .

- والله ما هانت يا أحمد، بعدين أنت المفروض اكتر واحد عارف إن لساني ده ميتاخدش منه كلمة، ثم أنت بعينك شوفت اللي حصل لمسلم ومقدرتش استحمل اخويا بالشكل ده .

_ مسلم اخويا برضو يا يحيى مش اخوك أنت بس .

_ عارف والله العظيم عارف، بس غصب عني متربتش معلش حقك عليا .

تنهد أحمد ليبتسم له يحيى بسمة لطيفة، جعلت الأخير يستسلم وهو يرفع يديه يلفها حول كتف يحيى يربت عليه بحنان وقد كان هو رفيقه الوحيد طوال السنوات السابقة، حتى أنه كان الأقرب له من نورهان بحكم بقائهما طويلًا سويًا، واشتراكهما في كل المشاريع الفاشلة التي خاضوها سويًا .

_ خلاص صافي يا لبن ؟؟

ابتسم له أحمد بسمة واسعة جعلت يحيى يشدد من احتضانه هاتفًا بجدية :

- لو شوفتني في يوم فتحت بؤقي وقولت ليك كلمة عبيطة زي اللي قولتها، أقلع اللي في رجعلك وطفحهولي، أنا اللي بقولك .

شدد أحمد احتضانه بحنان :

- ما عاش يا يحيى، لو محدش في الدنيا دي استحملك، استحملك أنا.

ابتسم له يحيى بحب أخوي، يربت عليه بحنان يقدر تحمل أحمد له رغم كل تصرفاته طوال الوقت وقد كان أحمد بوصلته للطريق الصحيح طوال الوقت السابق،  اعتدل وهو يتنفس بصوت مرتفع :

_ ايه اللي حصل بقى ؟؟

نظر له أحمد بعدم فهم ليبتسم له يحيى بسمة أوسع خبيثة:

_ نورهان قالت إن البنت القمر كـ

_ يحيــــى ...

_ يا عم ايه أكيد مش هبص لمرات اخويا .

_ يحيى اتلم مرات ايه ؟؟

رفع يحيى حاجبه بسخرية لكنه لم يعلق على الأمر كثيرّا وهو يحاول الحصول منه على شيء يساعده به :

_ طب قولي أنت ايه اللي حصلك عشان تقفل على نفسك كده ؟؟

رفع أحمد حاجبه بعدم فهم فوضح له يحيى ما قالته نورهان، لكنه لم يهتم وهو يشيح بيده بلا اهتمام :

_ عادي سيبك منها اكيد هي مكبرة الموضوع، الموضوع ابسط من كده .

_ ايوة ما انا محتاج منك تقولي ايه الموضوع البسيط ده اللي مخليك سرحان أوي كده ؟!

نظر احمد أسفل أقدامه وكأنه يفكر فيما يحدث معه، أو هل يشارك ما يفكر به مع يحيى، وبعد ثواني رفض أن يفعل، هو لن يشارك أحدهم شيء حساس لها بهذا الشكل، ولا يدري بعد إن كان يحيى على دراية بوظيفة ساڤا السابقة، فلا يتذكر أن أحدهم اصطدم بهذه الحقيقة سواه ومسلم وحاتم ربما .

وهي بالفعل توقفت عنها، لذا لن يتحدث عنها وكأنها لم تكن يومًا .

لذا هز رأسه ببسمة صغيرة :

_ مفيش هي بس كانت محتاجة مني مساعدة بسيطة في شوية أمور في حياتها .

_ اممم ومين فهمها أنك بتفهم في الحاجات دي ؟؟ 

لم يجادله أحمد وقد كان يمتلك الكثير ليفكر بشأنه، وقد شعر أنه يمكنه مشاركته مع يحيى والذي رغم أنه كان يحيى إلا أنه يثق في بصيرته في الأمور هذه مع خبرة تخطت حاجز المليون رواية، وصفر علاقة جادة في حياته .

_ هي طلبت اساعدها في موضوع و...محتار هل اعمل كده ولا لا خاصة اني ...

صمت ثواني ويحيى يستمع بصبر غير معتاد منه، يحاول الوصول لما يريده، ومن ثم تنفس احمد بصوت مرتفع :

_ خاصة اني اديتها كلمة اساعدها في الحوار ده .

رفع يحيى حاجبه :

- كلمة ازاي معلش ؟؟

_ هي طلبت اساعدها وأنا من غير ما أحس وعدتها اساعدها في الموضوع ده .

ويحيى أدرك من كلمات أحمد المتوارية أنه لن يتحدث أو يفشي بما يضمر عن ذلك الموضوع الذي يدور حوله دون الاقتراب منه .

_ طب وأنت ايه مشكلتك مع مساعدتها ؟! اديتها كلمة خليك قدها .

_ مشكلتي اني مش حابب أقرب منها لفترة طويلة و...

_ ايه خايف تحبها ولا ايه ؟؟

اتسعت عيون أحمد برفض لهذا الإحتمال، هو عاش حياة طويلة لم ينبض ساكنة لامرأة يومًا، مر ربما بعلاقات رسمية مدبرة ولم تكتمل لأسباب عدة، لكنه يومًا لم يُكن لامرأة مشاعر قد يطلق عليها حبًا .

_ أحبها ؟؟

_ ايوة أمال خايف ليه، بعدين مش شايف سبب للموضوع ده أنت طول حياتك جبلة عمرك ما اتحركت عشان ست، جاي دلوقتي وتخاف ؟!

ولم يستطع أحمد أن يشرح له أنه في الأساس منجذب لها، منبهر ربما بشكلها المختلف عن النساء حوله، معجب بشخصيتها الغريبة، لكن كل ذلك لم يشفع أمامه لحقيقة أنها لا تلائمه بأي شكل من الأشكال.

للاسف الجزء العقلاني في جسده لا يتقبل وضعها في نفس الإطار معه، ليس استحقارًا بقدر ما أنه لا يراها ملائمة له .

ربت يحيى على كتفه وهو يتحدث بجدية :

_ لو شايف الموضوع صعب عليك، اعتذر، مش مشكلة ترجع عن كلمتك احسن ما تندم بعدين .

هز رأسه وهو يتنفس بحدة ولا يستطيع التفسير أنه فكر في هذا الاختيار كثيرًا، لكن نظرتها وهي تطلب مساعدته لا تنفك تمر أمام عيونه، تنهد وقد نظر للسماء واستقر على شيء سينفذه .

سيساعدها ويدفع بنورهان لها حتى تصل لبر الأمان ومن ثم يحررها لتبني حياتها كما تمنت .

أو كما يتمنى هو في الواقع .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقتحمت المنزل بقوة دون أن تعبأ بالوقت المتأخر أو غيره، فقط دخلت دون اهتمام، لتبصر أول شخص في طريقها والتي كانت شيما التي هرولت لها بسرعة تهتف بجدية :

_  كويس أنك جيتي يا ساڤا، انا معرفش ايه اللي حصل ليها، مرة واحدة حبست نفسها في الاوضة ورفضت أنها تخرج تقابل العريس، هو هيجي تاني بكرة عشان يقعد معاها، حاولي تفهمي هي مالها وتقنعيها بالصح.

ابتسمت لها ساڤا تومأ رأسها بالايجاب وقد اختارت شيما آخر شخص قد يشجع رايانا على هذه الزيجة التي لا تهضمها بأي شكل من الأشكال .

_ اكيد يا شما، اطمني أنتِ يا حبيبتي اكيد هقنعها بمصلحتها، روحي استريحي أنتِ بس .

ابتسمت لها شيما بأمل وقد كانت كل ما تطمح له أن تطمئن على رايانا، وقد أبصرت بمحمد منقذ لها من كلمات القوم وشبح الوحدة الذي يحوم حولها منذ مولدها .

رحلت تطمئن على البارو تاركة ساڤا تجمع الحطب لتشعل التمرد في صدر الفتاة، وصلت لغرفتها واقتحمتها دون مقدمات وهي تهتف بصدمة كبيرة :

_ اتقدملك ازاي يعني ؟؟ هو محمد اتجنن ؟؟

انتفض جسد رايانا بعيدًا عن شرفتها وهي تنظر لساڤا بصدمة كبيرة، بينما الأخيرة أغلقت الباب وهي تتحرك صوبها تهتف بعدم فهم :

_ ازاي ؟؟ محمد اتقدملك عادي ؟؟

هزت رايانا رأسها بنعم لتبتسم ساڤا بدون فهم :

- ولما الموضوع بسيط كده أتأخر ليه ؟؟ ليه مكانش الاول بدل المرحوم، ومكانش الثابت بدل الحيوان عز اللي اتقدم مرتين ؟؟

رمشت رايانا بعدم فهم لتهتف ساڤا ومازالت لا تفهم ما يحدث .

_ طب أنتِ ...ايه رأيك ؟؟ 

تنفست رايانا بحدة وهي تجمع خصلاتها في ربطة بعصبية شديدة، تضع يديها على خصرها تحاول معرفة الخطوة القادمة وقد جاء محمد وخرب لها حالة السكون التي كانت تحيا بها .

هي قبله كانت سعيدة لأنها تدرك أن الوحدة كُتبت عليها، فلا ضير من انتظار بطلها الغامض هي في الأساس لا تمتلك من ينتشلها من هذه الوحدة سوى اوهامها، لكن الآن وقد قفز الأمير لقصتها أصبحت في حيرة كبيرة، أن تتبعه وتبني معه قصتها على أسس عقلانية بحتة، أو ترفضه وتضيع فرصتها الوحيدة ربما في انتظار شخص لا تدري إن كان يفكر بها حتى.

تضيع الأمير في انتظار الشرير .

_ معرفش مش عارفة افكر بشكل صحيح...ساڤا أنا خايفة.

صمتت وهي تفكر في طريقة تصيغ بها أفكارها بشكل واضح لساڤا التي أبصرت مشاعر متباينة على وجهها تتنفس بصوت مسموح :

_ طب أنتِ قوليلي، ممكن تتخيلي حياتك في المستقبل مع محمد، لو متقبلاه انسي كل الهبل اللي قولته عنه ووافقي، هو في النهاية مش وحش وكمان الظاهر اخد جرعة شجاعة .

ابتسمت رايانا بسمة حزينة وكأنها تُعذب تهمس بصوت ضائع :

_ محمد مش وحش، بالعكس ده ... أكبر مما كان ممكن اتمنى في يوم من الايام بس ...لو...لو محمد كان اتقدم ليا من كام شهر بس أنا كنت هنسى كل حاجة واوافق من غير تفكير، بس دلوقتي مش قادرة .

ابتلعت ريقها تحاول التنفس وشرح ما تفكر به لساڤا دون أن تغفل عن شيء داخلها، وساڤا اقتربت منها تحاول فهم ما تطمح له :

_ طب ايه اللي اتغير من كام شهر لدلوقتي يخليكِ تفكري وتحتاري بالشكل ده ؟؟ خاصة أنه محمد واضح جدا أنه غرقان في شوشته ليكِ، ايه اللي ممكن يمنعك تديله فرصة ؟؟

رفعت رايانا عيونها لها تفكر ثواني في كلماتها قبل أن تهمس بصوت معذب وقد سقطت دمعة قهر على خدها، وصوتها خرج مرتجف وكأنها تهتف باحلك أسرارها .

_ أنا...بحب مسلم يا ساڤا .........

اتسعت عيون ساڤا بصدمة من كلمات رايانا، نعم كان واضحًا أن الأخيرة تميل لمسلم، وربما معجبة به خاصة أنه أول رجل حقيقي تعلمه في حياتها تقريبًا، لكن أن تحبه ؟!

_ بتحبيه ؟؟

هزت رايانا رأسها بنعم وهي تهتف بدموع وقد ألقت نفسها بين أحضان ساڤا تبكي دون فهم لسبب البكاء تحديدًا :

- بحبه أوي يا ساڤا ومش قادرة افكر في اللي جاي، ومش قادرة أتخيل محمد جوزي و...خايفة أكون بضيع فرصة من ايدي عشان وهم، أنا مش عارفة اعمل ايه يا ساڤا ؟؟

تنفست ساڤا وهي تضم لها رايانا بحب، تعلم ما يدور بعقلها، تدرك الخوف الساكن في صدرها في هذه اللحظة، هي كانت تشجع رايانا على مسلم باعتباره الحل الأسلم لها، لكن مع ذلك العذاب الذي تحيا به، تخاف أن تدفع بها صوب عذاب أكبر، فما اقسى من حب شخص لا يبصرك ؟!

_ اهدي يا قلبي، صلي استخارة وادي لنفسك فرصة، فكري في الموضوع و...

صمتت تفكر ثواني قبل أن تردد بجدية :

- اقعدي مع محمد بكرة، ولو فيه الخير ربنا هييسر ليكِ الطريق، ولو مسلم نصيبك مفيش شيء هيقف بينكم .

انهارت رايانا بين أحضان ساڤا وقد ارتجفت يدها وهي تضمها لا تعلم كيف تخبرها أن حتى هذا الخيار لم يعد متاحًا، هي لم تعد تتقبل التفكير في رجل عداه .

لكنها فقط أغمضت عيونها وقد قررت أن تفعل كما قالت ساڤا، محاولة عل القلب يجن ويستكين مع من لا ينتمي له .

ربما كان الخير مع محمد ومن يعلم ؟؟؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصلا واخيرًا فجر اليوم الجديد لأرض الدوم بعد رحلة طويلة دامت ساعات، رحلة زار بها مسلم أسرته واشترى ما يريده وانهى القليل مما ذهب لأجله وخاصة جوليان الذي ترك له رسالة واضحة تخبره ما سيحدث إن اقترب ممن يخصه .

تحرك مع حاتم داخل المنزل وهو يشعر بجسده بالكامل يأن من الوجع، لكن اللهفة في صدره ليعطي لها هديتها كانت كافية ليتغلب على أي اوجاع في جسده، لكن كيف يفعل ؟؟ هل يذهب لها أم يتصل بها ؟؟

شعر نفسه طفلًا لا يصبر حتى الصباح كي يعرض رسمته على والدته .

نظر للهدية ثواني قبل أن يتحرك للداخل خلف حاتم الذي بمجرد أن لمست قدمه أرضية غرفته حتى ألقى جسده على الفراش وغاص في نومة لا يعلم كيف سقط بها حتى .

أما عن مسلم فنظر له بحنق شديد وقد حسده على راحته التي جعلته ينام بهذا الشكل وهذه السرعة، ألقى الهدية جانبًا ومن ثم تحرك صوب المرحاض يغتسل وينتهي من التجهز لنومه، ومن ثم حمل الحاسوب به يدخل على كاميرات المراقبة يتفقدها بشكل روتيني وقد غفل عن متابعة ما يحدث طوال اليوم .

أخذ يتحرك بين الكاميرات في زوايا مختلفة في المنزل حتى وصل لتلك التي تطل على المطبخ ليتوقف بتعجب وهو يحاول تقريب الصورة يبصر جسد مكتوم جوار طاولة المطبخ .

ضيق عيونه وهو يحاول معرفة ما يحدث يهمس بصدمة :

_ فروشكا ؟؟

هل تبكي هناك ؟! ما الذي حدث في غيابه ؟!

ابتلع ريقه وهو يحاول التفكير فيما يحدث هناك، ومن سوء حظه فاقرب مسجل صوت كان بعيدًا عنها في البهو، تنفس وهو يمسك الهاتف الخاص بحاتم والذي أصبح خاصًا به تقريبًا منذ احتوى رقمها .

احضر رقمها، ومن ثم اتصل بها دون تفكير فيما يفعل وقد كان قلقًا أن يكون سوءًا قد مسها في غيابه، انتظر ثواني ليبصرها ترفع عيونها عن حضنها تنظر حولها وكأنها تبحث عن مصدر الرنين .

حتى نهضت من مكانها تمسك الهاتف عن طاولة المطبخ تنظر به ثواني وقد أبصر ارتجافة غير واضحة بشكل كامل .

مال وهو يحاول تقريب العدسة منها وقد أشتدت كامل أعصابه بعدم فهم لسبب بكائها .

وبعد دقائق من الرنين وقد احترقت أعصابه بالفعل سمع صوت وهي تجيب بصوت أبح من البكاء غالبًا :

_ الو..

_ فروشكا .

أغمضت رايانا عيونها بقوة وهي تنهار ارضًا مجددًا، تصمت ولم تجد كلمات تتحدث بها له، ليس وهي ما تزال في طور التعرف على مشاعرها والتآلف معها وقد اعتبرها جسدها دخيلة على كل ما يدور داخلها .

_ أنتِ كويسة ؟!

فتحت رايانا عيونها بعدم فهم وهي تنظر حولها بتعجب وكأنه يبصرها، بينما هو ضرب جبهته بضيق وهو يغلق الحاسوب بقوة كي لا يشرد ويتحدث بشيء يكشف ما يفعل .

أبتعد عن الغرفة بالكامل يخرج صوب الشرفة يتحدث بصوت منخفض :

_ صوتك باين عليه تعبان .

هبطت دموع رايانا بعدم فهم لسببها :

_ لا عادي إرهاق .

صمتت ولم تدري ما تقول لتسمع صوته بعد ثواني صمت :

_ أنا...جيبتلك الهدية بتاعتك .

_ هدية ؟!

_ الكورة التلج الكبيرة اللي وعدتك بيها من يومين، فاكرة ؟!

كان يتحدث ببساطة لتبتسم دون شعور وهي تغمض عيونها تنظر من النافذة صوب السماء تهز رأسها وكأنه يبصرها باكية أكثر:

_ اممم، ايوة صح وعدك ليا .

صمتت ثواني وكأنها تفكر في شيء ومن شدة يأسها في هذه اللحظة تحدثت بصوت خافت مكسور :

_ وباقي الوعود ؟؟

ولم تدرك أنها نطقت بذلك إلا حينما خرج من فيها وسمعه هو ليعقد حاجبيه يحاول معرفة ما فعل وقال يومها، هل وعدها بشيء آخر ؟!

نظر صوب حقيبة الهدايا على الفراش بضيق شديد وقد شعر بالغضب لأنه لا يتذكر ما وعدها به ايضًا، يفكر أنه ربما يضطر لزيارة سريعة لأي مدينة قريبة لشراء ما وعدها به أيضًا .

_ ايوة أنا... أصل...

شعر بالعجز عن تذكر ما فعل يومها وقد كان ذلك يغضبه ما الذي وعدها به أيضًا ؟!

قاطعته وهي تشعر بالضيق من حالتها المثيرة للشفقة، هل تطالبه الآن بأخذها له كما وعدها ؟؟ 

_ متخادش في بالك كنت بهزر معاك.

وهو لم يستطع التحدث أو الإصرار لانه لا يتذكر حتى ما وعدها به أيضًا، صمت وشعر بالعجز الشديد، هل يصر عليها لقول ما وعد به، أم سيظهر مجنون لها ؟؟

تنفس وقد شعر أن الأمر غريب، ربما ظنته وقتها مخمورًا أو مجنونًا، ابتلع ريقه ومن ثم قال ببسمة صغيرة :

_ انا...اقابلك فين تاخديهم ؟! ممكن بكرة تـ

_ لا مش هقدر .

قاطعته بوقاحة وهي تحاول أن تتمالك نفسها، لكنه تعجب من نبرتها، وقبل التساؤل عما تقصد قالت ببسمة صغيرة وكأنه يبصرها وقد خرج صوتها ميت تقريبًا :

- بكرة بس فيه ...فيه ضيوف...ضيوف جايين لينا وهيكون صعب أخرج.

وبالطبع لم تذكر له هوية الضيوف، فما الذي ستجنيه إن فعلت، مجرد حالة من الخزي وإثارة الشفقة، لكنها لا تطمح لذلك بالمرة .

صمتت وصمت هو وقد شعر بالعجز مواصلة الحديث، والعجز عن إغلاق المكالمة، كان يستمتع بشعوره بانفاسها، وخاطرة طرأت بعقله في هذه اللحظة

 " كم سيكون سعيدًا لو أصبحت معه للأبد ؟؟"

ابتسم للفكرة، وهي فقط صامتة متعجبة صمته الذي طال، حتى تنحنحت وهي تقول بصوت منخفض وقد عز عليها اغلاق المكالمة والله وحده يعلم إن كانت تلك آخر مرة اسمع صوته ربما  :

_ صحيح أنت جبت منين كرة التلج الجديدة ؟؟

ابتسم وهو يحدق بالكرة التي تعلو الفراش وقد تذكر بحثه عنها في كل مكان حتى حصل على واحدة، ربما لم تكن ضخمة لكنها أكبر من غيرها :

_ كنت في القاهرة انهاردة واشتريتها ليكِ .

هزت رأسها بشكر وصمتت ثواني قبل أن تهمس بصوت وصل له واضحًا رغم نبرتها الخافتة :

_ شكرًا ليك مكنتش مضطر تعمل كده وتتعب نفسك .

_ بس أنا.... انا وعدتك.

- مش كل الوعود بتتنفذ صدقني .

ختمت حديثها وقد شعرت أن ثانية إضافية من الحديث معها سيجعلها تنفجر في بكاء رثاء لنفسها، ولحالتها وحظها السييء، اليوم الذي اكتشفت به أنها تحب أحدهم، أن قلبها اختار أحدهم، كان اليوم الذي أدركت به أنها لن تكون يومًا معه .

_ عامة مش عارفة اشكرك ازاي على مساعدتك ليا كل الوقت اللي فات، صدقني مش هنسى مساعدتك ليا لو مهما حصل، ولآخر عمري هفضل فاكرة أنك انقذتني أكثر من مرة .

ابتسم بسمة باهتة ونبرته خرجت مترددة وكأنه يمازحها :

_ ليه حاسس أنك بتودعيني؟! مسافرة ولا ايه !؟

_ محدش عارف امتى ممكن يكون الوداع، وممكن ميكونش فيه وقتها فرصة اقولك شكرًا.

ختمت حديثها تتنهد بصوت مرتفع وهو شعر فجأة أن قلبه سقط في قدمه من الفكرة التي خطرت على رأسه، هل يمكن أن يستيقظ يومًا ولا يجدها !! أن يكون الوداع و...

صمت وهو يفكر أوليس هذا هو غرضه الأول ؟! الانتهاء من كل هذا ويرحل ؟!

وبسبب صمته الطويل تحدثت هي بصوت منخفض :

_ عامة قولت اشكرك، مش هعطلك أكتر من كده تصبح على خير و....

صمتت ثواني تهمس واخيرًا بنبرة مرتجفة :

_ شكرًا على كل حاجة يا مسلم.   

ومن ثم أغلقت الهاتف بسرعة ومسلم فقط ظل واقفًا متجمدًا مكانه يحاول فهم ما يحدث حوله، لكن لا شيء، تحرك لفراشه وأمسك الحاسوب لرؤية ما يحدث وأول ما ابصره هو صورتها باكية منهارة بأرضية المطبخ، سحب الحاسوب له وهو يضع رأسه على ذراعه، ويمد اليد الثانية يتحسس الحاسوب وكأنه يربت عليها، واستمر على هذا النحو لدقائق طويلة حتى شعر بسحابة تسحبه بعيدًا عن هذا العالم، لعالم آخر تتحقق فيه كل أحلامه، عالم تكون هي معه وملكه .

عالم ينفذ به وعودًا لا يدركها ولا يتذكرها ......
ــــــــــــــــــــــــــــــ

كان صباح مميز على منزل البارو بعدما شعر عزيز أنه بشكل أو بآخر قد يعوض ابنته عن كل ما حدث لها بزيجة تتمناها جميع الفتيات بالقرية، يتجهز نفسيا لمقابلة محمد وعائلته اليوم، يتنفس براحة واخيرًا بعد أسابيع من الثقل .

وبينما كان في أكثر حالاته سعادة سمع صوتًا من الخارج جعل جميع اجزاء جسده تتيبس، ابتلع ريقه يحاول أن يتجاهل ما سمع وكل أفكاره أنها مجرد زيارة لوالدته ويرحلون، لكن لم يحدث ذلك، إذ أبصر باب غرفته يُفتح وعز الدين يدفع بجسده ويسند والده الذي كان يبدو وكأن سيارة قد عبرت فوق جسده، وعز الدين لم يكن افضل منه في الواقع .

ولم يعلم أن الجاني كان واحدًا .

رفع عزيز حاجبه بجهل لما حدث لهم، لكنه لم يتحدث كلمة وهو يبصر عز الدين يغلق الباب ومن ثم تحرك معتز يجلس على أول مقعد يقابله بكل كبرياء، وعز الدين يبتسم وهو يجاور والده .

_ اخبارك يا عمي انهاردة ؟! يا رب تكون بخير ؟؟

لكن عزيز لم يتحدث بكلمة واحدة، واستمر في النظر لهم ببرود شديد يخفي خلفه تذبذب وقلق لما جاءوا لأجله .

_ شكل عمك مش حابب زيارتنا يا عز .

ابتسم عزيز بسمة جانبية ساخرة، بينما عز الدين جارى والده في الحوار وهو يتحدث بصوت خافت ساخر :

- معلش اعذره أنت عارف عمي، طول عمره يخاف يكلمنا يطلع من الحوار بخسارة جديدة، ولا ايه يا عم عزيز ؟!

اشتد ضغط عزيز على قبضته وهو يتحرك بعيونه صوب الباب وكأنه يسأله العون، يتمنى لو يقتحم أحدهم الغرفة ويخرج الملاعين من هنا ويختفون للأبد .

لكن ليست كل الأماني ممكنة .

_ اسمع يا عزيز احنا مش جايين نتكلم كتير، هما كلمتين ورد غطاهم عشان نكون واضحين، اللي بيحصل فينا بسبب بنتك وحفيد المريدي آخرته مش هتكون حلوة لحد .

نظر له عزيز بعدم فهم ليبتسم عز الدين بسمة جانبية ساخرة :

- معلش يا حاج شكل عمي كتر رقدته على السرير خليته مش عارف اللي بيدور من ورا ضهره في بيته، وميعرفش إن سيرة بنته وحفيد المريدي بقت على كل لسان .

انتفض جسد عزيز انتفاضات شبه محسوسة وهو يحاول أن يصل لرقبة عز الدين، لكنه كان مقيدًا بالعجز داخل فراشه، لذا تنفس بصعوبة يحاول الحديث، لكن لا شيء خرج من فمه، وعز الدين لم يتوقف عن الحديث .

_ حفيد المريدي اللي مكتفاش أنه يضرب ابويا عشان بيربيها لا وكان جاي يضربني ويخلص عليا قدام الكل .

صمت ثم نظر لوالده الذي تحدث بصوت محذر :

- خليك عاقل يا عزيز وحذر بنتك إن لو وصلني أي حاجة تخصها هي وحفيد المريدي أنا مش هتردد إني اخليها تحصل المرحوم، فاكره ولا نسيت ؟؟

وعرق بارد أخذ يسير على جبين عزيز، ليبتسم له عز الدين وقد أبصر أن رسالته وصلت واضحه لعمه لذا مال وهمس له بتحذير :

_ أنا قولتها كلمة ولسه عند كلمتي، على جثتي بنتك تكون لغيري، زي ما حرّمت نفسها عليا، هحرمها على أي راجل، وافتكر إن رقبتك تحت رجلينا يا عمي، وإن الاسياد زعلهم وحش .

ختم حديثه وهو ينهض يساعد والده في التحرك معه خارج الغرفة بعدما قال ما يريد اوصل الرسالة واضحة لعمه، تاركًا عزيز يجاهد خلفه كي لا ينهار في هيسترية بسبب ما يحدث حوله، يفكر في محمد الذي سيزورهم اليوم مع عائلته من المفترض، ما الذي سيفعله ؟! وكيف سيتصرف في هذه الورطة ؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

_ يعني ايه مش فاهم ؟؟ كده خلاص قفلوها في وشنا ؟!

كانت كلمات معترضة من أحمد على ما أخبرهم به مسلم بخصوص عائلة جده التي رفضت حتى السماح لهم بمحاولة البحث بين أوراقه .

_ اقطع دراعي من فوق عند القرقوشة كده أما كانش خالك أمير ده متآمر مع المحامي اللي عامل كل الهيصة، اكيد شرب شاي بالياسمين .

وهذه كانت مداخلة من طرف يحيى الذي اغتاظ مما حدث وتمنى لو كان هناك فاسمع خاله من الألفاظ اعذبها، يكمل يغيظ شديد :

_ مش بعيد يكون هو اللي قتل أبوه عشان ينيم الموضوع، اصل السلبية والنتنانة دي أنا عارفها كويس .

تنهد مسلم بصوت مرتفع وهو يفرك وجهه :

- اللي حصل، دلوقتي موضوع ورق جدكم ضاع حسب ما قالوا في حريقة .

_ حريقة ايه معلش ؟؟ مفتكرش إن حصل حريقة عند جدك فرج في آخر كام سنة .

كانت تلك جملة نورهان التي تدخلت في الحوار وقد كانت ربما أشدهم قريبًا لعائلة فرج بحكم صداقتها مع بعض أفراد العائلة .

نظر لها الجميع بعدم فهم لتوضح بجدية :

- مفيش حريقة حصلت لأي ممتلكات تخص جدي فرج لا في حياته ولا في مماته .

رفع أحمد حاجبه من ثقة أخته:

_ وأنتِ واثقة كده ليه ؟! 

_ عشان أنا لسه على تواصل مع أميرة وكمان مع تامر ابن بنت جدو فرج، أنت عارف كان زميلي في الكلية برضو .

ضاقت عيون حاتم بشدة على وجه نورهان التي كانت تتحدث بكل بساطة، لكنها فجأة شعرت بنظرات تحرقها تقريبًا، تحرك عيونها صوب حاتم الذي ابتسم لها بسمة جانبية جعلتها تنظر له بعدم فهم، بينما هو أبعد عيونه عنها لا يريدها أن تبصر نظراته الغاضبة فتفسرها بشكل صحيح .

بينما اعتدل مسلم في جلسته وهو يمسك كف حاتم يضغط عليه بهدوء وكأنه يجهزه للقادم يبتسم بسمة صغيرة :

_ طيب يا نورهان لسه فيه تواصل بينك وبين أميرة أو رامي لغاية دلوقتي؟؟ قصدي يعني فيه رقم تليفون معاكِ ليهم ؟!

نظر حاتم بشر لمسلم الذي ابتسم له وكأنه يهدئه، يميل عليه هامسًا بصوت خافت :

- معلش يا حتوم، الغاية تبرر الوسيلة .

_ أبوك لابو الوسيلة .

كانت جملة نطق بها حاتم وقبل إضافة كلمة أخرى، ابتسم مسلم بسمة واسعة :

_ محتاج رقم حد فيهم يمكن يساعدنا في الحوار ده .

هزت نورهان رأسها ببطء وهي تقول بتردد :

- ايوة لسه معايا، بس مفيش تواصل أوي مؤخرًا مع رامي، كان كل كلامي مع أميرة أكثر وهو كان بيبعت ومش برد كتير .

رفع أحمد حاجبه بشكل مخيف، وتحدث يحيى ببسمة مستفزة :

_ قبل ما يتقدملك ولا بعد ؟؟

رفعت نورهان عيونها له بغيظ شديد وغضب ليتحدث أحمد بضيق :

- يحيى خلصنا، فين الرقم يا نورهان اديه لمسلم خلينا نشوف آخرة اللي بيحصل ايه .

صمت وهو يفكر في شيء قبل أن يضيف :

_ أنا طلبت من استاذ علاء يبعتلي أوراق القضية عشان استلمها منه، وفعلا بعتها ليا، هبدأ اراجعها عشان هسافر افتحها تاني في المحكمة .

كانت كلمات استمع لها الجميع وقد بدا أنهم ربما يحرزون تقدمًا في الأمر، ربما يصلون لشيء بعد كل هذا .

نهضت نورهان وهي تستأذن الجميع لتنتهي من شيء هام، وعيون حاتم تتابعها والغضب يملئه لا يصدق أنه انتهى من طليقها ليخرج له ذلك الــ...

قطع مسلم أفكاره وهو يميل عليه هامسّا :

_ هخزقهالك .

نظر له حاتم بسرعة بعدم فهم ليبتسم له مسلم بسمة محذرة :

- عينك يا حبيبي .

قلب حاتم عيونه بضيق وهو يبعد وجهه عن مسلم ليصطدم بوجه حاتم الذي كان ينظر له بشك قبل أن يرفع يده يشير لرقبته بحركة سكين جعلت حاتم يدفن وجهه بين كفيه وقد شعر أن فرق العمر وماضيهما أهون ما قد يقابله في هذه العلاقة، بعد إخوتها .

نهض مسلم من مكانه وقد استأذن ليطمئن على عيسى، وقد علم هذا الصباح ما حدث له ليظل ملتصقًا به إلا من ساعات قليلة ليناقش معهم ما وصل له، بينما يحيى نظر للجميع يتحدث بجدية :

_ طيب وجودي هنا ضروري !! عشان عندي مشوار سريع كده .

ضيق أحمد ما بين حاجبيه بعدم فهم :

_ مشوار ايه ده معلش ؟! 

_ مشوار يا أخي، مشوار مهم هخلصه وارجع على الغدا .

ومن ثم هرول خارجًا دون أن يهتم بالنظر صوب أحمد الذي عقد حاجبيه بضيق مما يحدث حوله، وقد بدا أن الجميع وجدوا لهم إلهاء خاص في هذا المكان .

تحرك حاتم من جواره ببطء دون أن يشعر أحمد ليظل وحده في المكان، والأخير يزفر بضيق وهو يرفع هاتفه يفحص الملفات التي استلمها من المحامي الخاص بجده، يفكر أن الأمر وإن كان سيأخذ منهم شهورًا فبهذا المعدل سيأخذ سنوات طويلة، سنوات كافية ليغادروا المكان بأطفال لمسلم ربما ..

_ صباح الخير يا أحمد.

اغمض عيونه بقوة يدعو الله أن يكون ذلك مجرد صوت من داخله فقط ليس إلا، وأنها لم تأتي اليوم له، ليس وهو بهذا التشوش بخصوص ما يحدث حوله .

رفع عيونه ببطء ليتفاجئ بها تقف هناك في هيئة جعلته يفتح عيونه وفمه بصدمة كبيرة يهتف بعدم فهم :

_ ساڤا ؟؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصل للملجأ حيث يتوقع أن يجدها في المكان، ولا حاجة لتوضيح من أين حصل على هذه المعلومات، فزياراته للعم رجب لم تكن بلا فائدة في النهاية .

وصل مبتسمًا، يبحث عنها بعيونه ولا يدري متى نمى ذلك الشوق لها داخل صدره، كل ما يعلمه أنه يحب التحدث معها والنظر لها، كانت مريحة له من جميع الجوانب .

توقف في منتصف الحديقة ليبصرها فارغة، لا يفهم السبب، أوليس من المفترض أن يكون الصغار في الخارج في هذه اللحظة ؟!

لكن لا أثر لهم وكأن المكان غير مأهول بالسكان حتى .

التوى ثغره وهو ينظر صوب الملجأ بتردد يفكر يطرق الباب والاستفسار عما يحدث، لكنه شعر بأن ذلك ليس مناسبًا فبأي وجه حق سيطرق ويزعجهم وهم لا يعلمونه جيدًا حتى، لذا تراجع وقد قرر الذهاب إلى من يعلمه وسيساعده .

العم رجب .

وبالفعل دقائق قضاها في السير صوب محل العم رجب ينظم أفكاره على هيئة أسئلة عادية تفضي به للأجوبة التي يرغبها ( أين هي كارا ؟!) 

وصل بالفعل للمحل وبمجرد وصوله توقفت أقدامه بتعجب شديد فالمحل كذلك كان مغلق وهذا أشد غرابة من رؤية تمساح يغرد على الشجر مثلًا، فرجب كان متزوجًا عن حب بمحله لا ينفصل عنه لحظة وهذا ما علمه على مدار الأيام السابقة .

نظر حوله يبحث عن أحدهم يسأله عما يحدث لكنه لم يجد سوى طفيلي صغير يقف جواره يحدق بالمحل كما يفعل هو، ومن ثم رفع عيونه صوب يحيى ينظر له بفضول وكأنه ينتظر أن يخرج يحيى عصاه السحرية لفتح الباب .

التوى ثغر يحيى بضيق وقد كان أكثر ما يكرهه بالأطفال، هم الذكور الصغار، يحب البنات ويحب تدليلهم، لكنه وبعد تجربته في تربية عيسى التربية الصالحة فقد كل مشاعره تجاه الصغار الذكور .

لكنه الآن مضطر للاسف .

_ تعرف فين بيت عم رجب يا عسول ؟؟

نظر له الطفل ثواني وكأنه يتعرف على كائن جديد عثر عليه للتو في بيضة مجهولة المصدر .

ويحيى لم يكن يمتلك من الصبر ما يجعله ينتظر طويلًا :

_ ولااا بقولك تعرف فين بيت عم رجب ياض؟؟

هز الطفل رأسه وهو يشير لشارع مقابل للمحل دون كلمة :

_ في الشارع ده ؟!

هز الطفل رأسه مجددًا ليشك يحيى في شيء ويتحدث بشفقة :

_ أنت اخرس يالا ؟؟

وكأنه إن كان، سيجيبه الآن، لكنه لم يفعل شيء امتص يحيى شفتيه بشفقة وهو يداعب خصلات الطفل بحنان :

- شكرا يا حبيبي .

دفع الصبي يد يحيى بسرعة وهو يصرخ به بسبة مرتفعة، ومن ثم هرول من أمامه تاركًا عيون يحيى متسعة بصدمة مما حدث، ينظر حوله يتأكد إن كان أحدهم سمع السبة التي وجهت له يتحرك بسرعة صوب منزل رجب :

- ماشي يا ابن الـ

كبت سبته وهو يتحرك في الشارع يسأل كل من يواجهه عن منزل رجب بملامح مقتضبة، وعندما وصل له تنهد بصوت مرتفع يطرق الباب بقوة وغيظ وكأن رجب هو من سبه .

دقائق مرت حتى وجد طفل صغير يفتح الباب، ومن ثم استمر في النظر له ثواني جعلت يحيى يتحفز لسبة أخرى، لكن الطفل ابتسم مرحبًا به بحماس ولهفة وهو يجذبه للداخل، ولم يكد يحيى يتحدث بكلمة ليفهم ما يحدث حتى وجد نفسه في منتصف بهو المنزل أمام الجميع والطفل يصرخ بحماس :

_ عريس أبلة كـــــارا جـــــه .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ظل واقفًا أمامها دقائق دون القدرة على النطق بكلمة إضافية بعد نطق اسمها، يراقبها ويراقب ثوبها المختلف بالمرة عن ثوبها القديم والذي كان عبارة عن فستان لا ينتمي لفساتين الغجر ذات الألوان المعروفة، بل آخر اسود يغطي كامل جسدها، وهي تقف أمامه مبتسمة بسمة صغيرة تحمل بين يديها بعض الاغراض التي لم ينتبه لها بسبب نظراته عليها .

_ جيت في وقت غير مناسب ؟؟

نظر لها بعدم فهم، وهي ابتسمت تتقدم منه بهدوء تضع ما تمسك على الطاولة أمامه، ومن ثم استقامت تردد بجدية :

- شكرًا على الجاكت غسلته ليك، وكمان دي شمسية اخوك عشان ميزعلش .

كانت تتحدث بهدوء شديد ومن ثم صمتت ثواني قبل أن تقول بجدية تشير لفستانها الذي كان كلاسيكيّا بشكل خاطف للأنفاس :

_ ايه ؟؟ مش حلو ؟؟

رفع أحمد عيونه لها وقد أبصر وجهها لأول مرة يخلو تمامًا من أي نوع من الزينة، حتى الكحل الذي كان يزينها في العادة، ويبدو أن المرأة قد بذلت الكثير في سبيل إعادة هيكلة شكلها .

ابتلع ريقه يحاول الحديث بجدية بعيدًا عن رجفته التي تمكنت منه في هذه اللحظة :

_ جميـ.... 

صمت وشعر بالعجز للتعبير عن مشاعره لها، يبتسم لها بسمة صغيرة :

_ لايق عليك، احسن من الفساتين القديمة .

ابتسمت له بسعادة وهي تمسك طرف فستانها تتحدث بنبرة هادئة :

_ ده فستان رايانا عامة استلفته منها لغاية ما اسافر اشتري ليا شوية لبس من أي مدينة قريبة، بس الفستان نفسه لطيف يعني ؟؟ اعتمده ؟!

ابتسم دون شعور يردد :

_ جميل اوي عليكِ، الاسود لايق عليك جدًا .

ولا يعرف كيف تحدث بالجملة الأخيرة، لتنظر ساڤا لنفسها ثواني قبل أن تقول بصوت خافت :

_ أول مرة في حياتي البس اسود، بس حاسة إني حبيته فعلًا .

صمتت وهي ترفع عيونها له مرة أخرى وقد تحدثت بعد تفكير لثواني تنظر لعيونه نظرات جعلته يبتسم دون شعور :

_ لو طلبت منك طلب تساعدني فيه ؟؟ 

نظر لها بعدم فهم يشجعها بعيونه أن تقول ما تريد، وهي باشرت في طلبها دون تفكير :

- نفسي اتعلم اقرأ واكتب عادي زي الباقي، حابة اني ... اقرأ ومحسش اني ...

صمتت ولم تحبذ أن تطلق ذلك اللقب على نفسها ولو كانت تستحقه بالفعل، لكنها ابتلعت ريقها، تنظر له برجاء جعله يشعر أنه يغوص في الأمر كل ثانية أكثر مما سبقتها، يمسح وجهه بحيرة :

- هو بس أنا الفترة دي هكون مشغول في شوية شغل فمش هعرف انتظم بس ...ممكن اساعدك على قد ما اقدر وكمان نورهان ممكن تساعدك لو تحبي .

اتسعت بسمتها بشدة ولم تكن تهتم من يساعدها بقدر ما تهتم بمساعدتها نفسها، تهز رأسها بحماس شديد وهي تقول بلهفة :

- اكيد يعني مش هعترض، أنا آسفة لو بتقل عليكم بس مش ...حابة ...مفيش حد يقدر ساعدني غيرك هنا يا أحمد.

فقط توقفي عن نطق اسمي وسيكون كل شيء بخير .

كبت الجملة وهو ينظر ارضًا بعيدًا عنها، يفكر في الحديث مع نورهان وشرح لها ما ستفعله معها، وهي تراقبه تدرك الحيرة التي تضعها بها، لكنها لا تمتلك غيره في هذا المكان ليخرجها من ظلمتها .

_ زي ما قولتلك هحاول اساعد وقت ما يكون متاح لأني الفترة دي ممكن معظم الوقت مكونش هنا وهسافر القاهرة وارجع و....

_ ينفع اسافر معاك ؟!

اتسعت عيونه بعدم فهم وريبة، لتبرر بسرعة بخجل بعدما أدركت ما قالت وقد بدت طفيلية بحق :

_ أنا يعني كنت حابة اسافر واشتري لبس ليا، ومش حابة اكون لوحدي لأني عمر ما خرجت من هنا ومفيش حد هنا بيبيع فساتين زي دي، حتى رايانا ابوها اللي اشترى ليها الفساتين دي لما كان بيخرج من القرية .

نظر لها بتردد والرفض واضحًا على وجهه، هو لن يتحمل رحلة طويلة معها وحدهما بالطبع .

وهي ربما أدركت ما يدور داخله لذا تنفست وكادت تتحدث لتغادر المكان، لولا أنها أبصرت بطرف عيونها مسلم الذي خرج من غرفة جانبية لتبتسم بسمة واسعة خبيثة وقد قررت تنفيذ ما جاءت خصيصًا لأجله، لذا تحدثت بصوت واضح لأحمد :

_عامة كان نفسي اكمل الحوار معاك انهاردة، بس للاسف هيكون صعب شوية لأني مش فاضية خالص ممكن مرة تانية .

رفع مسلم عيونه صوب الصوت ليبصر ساڤا أبعد عيونه عنها بهدوء ودون اهتمام، ابتسمت هي له بسمة صغيرة وهي تجهز الطُعم تراقبه يتحرك في المنزل بهدوء شديد وهو يحمل بين يديه حقيبة صغيرة .

لكنها لم تفكر وهي ترفع السنارة تجهزها ومن ثم رمتها بسرعة قبل أن يختفي صيدها من مجال الرؤية.

 رمت كلمات لقت صداها في ثواني عند مسلم الذي تجمد جسده فجأة وكأن أحدهم ألقى رصاصة عليه ولا ينقصه سوى الانهيار ارضًا الآن بعدما تلقاها .

وكل ما سمع في هذه اللحظة هو صوت ساڤا وهي تردد بجدية شديدة ولهفة واضحة على نبرتها:

_ أصل انهاردة دكتور محمد جاي يتقدم لرايانا .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"‏أغربُ ما في الحُبِّ؛
أنك تجِدُ نفسكَ في شخصٍ وتفقدُ نفسكَ فيه، تصبحُ قويًا به وضعيفًا أمامه، ونفس الشخص الذي تشكَّلتْ فيه تناقضاتك له القدرة على تعميرك، وتدميرك!"

تعليقات