رواية ارض الدوم الفصل التاسع عشر
[ لأجل رايانا ]
كانت نظرات مسلم تدور على ساڤا بعدم فهم وكأنه لا يدرك حتى هذه اللحظة ما يحدث حوله، ولا يفهم حتى ما قالت وكأنها تحدثت لتوها بلغة غريبة، رغم أنه يعتقد أنها تحدثت بالعربية للتو، ليس متأكدًا فما زال عقله مشغولًا بتحليل ما سمع، لا يمتلك متسعًا ليفكر بأي لغة تحدثت هي، ولا يهتم بذلك بقدر اهتمامه بما قالت .
فتح فمه بصدمة ولم يكد يتقدم خطوة منها ليفهم عما تتحدث هي، لكنها كانت قد فعلت ما أرادت وابتسمت بسمة صغيرة لأحمد تتحدث بجدية .
_ المهم اتمنى ليك يوم سعيد يا أحمد.
ختمت كلماتها وهي تلقي له نظرة أخيرة وبسمة بسيطة جعلته يبتسم دون شعور وهو يراقبها ترحل ببساطة وقد كان ما يزال تائهًا في طلتها لدرجة لم يدرك وجود مسلم أو سماعه ما قيل .
لم يدرك شيء سوى حينما نطق مسلم بجملة غير مفهومة ومن ثم تبعها بصدمة شديدة :
_ هي قالت ايه ؟!
استدار له أحمد بعدم فهم :
_ نعم يا حبيبي ؟
ومسلم تحرك صوبه يتحدث بجدية وصوت مهتز بعض الشيء :
_ هي قالت ايه من شوية ؟!
رفع أحمد حاجبه بعدم إدراك ولم يكد يستفسر أكثر عما يقصد مسلم، حتى وجد الاخير يتحرك حركات سريعة وكأنه يحاول اللحاق بساڤا قبل الهرب من بين قبضته دون الاعتراف بما يحدث .
تحرك بسرعة وهو يصرخ بصوت شبه مسموع :
_ استني، استني قصدك ايه بـــ
لكن يد أحمد قيدته قبل التحرك خطوة واحدة إضافية ينظر له بصدمة وعدم فهم لما يسعى له بتصرفاته تلك، مسلم كان أي شيء غير مسؤول حينما يُذكر اسمها بالأمر.
_ ايه أنت رايح فين ؟!
نظر له مسلم بعدم فهم وهو يحاول نزع مرفقه من يد أحمد، لكن لم يحدث، إذ امسكه الاخير بقوة :
_ مسلم فيه ايه اقف كده وقولي فيه ايه ؟؟
_ هي ...هي من شوية .... أنت مسمعتش ...قالتلك ايه ؟!
_ قالت ايه ؟!
كان مصر على ادعاء الحمق أمام مسلم ليعلم ما يريد أن يصل له الأخير، ومسلم ابتلع ريقه بعجز :
_ رايانا ...
ابتسم أحمد بسمة بدت قاسية وهو يدفع مسلم صوب ما يريد أن يسمع منه :
_ مالها رايانا ؟!
نظر له مسلم وكأنه يتعذب في هذه اللحظة :
_ أنت مسمعتش دي ...فيه ...الــ...واحد هيتجوزها .
_ وايه يعني ؟؟ ما هي بنت يا مسلم يا حبيبي واكيد هيجي ليها يوم وتحب وتتجوز .
اتسعت عيون مسلم مما قال أحمد وكأن هذه كانت حقيقة غير واردة في حساباته، ما الذي كان ينتظره ؟؟ هو ذاته لم يكن يعلم ما الذي ينتظره، هل كان ينتظرها أن تظل جالسة جوار والدها طوال الحياة؟؟ هل كان يعتقد أنه يضمنها دون أن تُمس من قبل أحدهم ؟!
من أين أحضر الثقة في هذا ؟!
بلل شفتيه وهو يهمس بصوت خافت وقد كان صوته مختنقًا أكثر منه مهتز :
_ مش ....مش هينفع يا أحمد، مش ...
توقف عن الحديث دون القدرة على نطقها بصوت مرتفع، كان يشعر بضبابية مشاعره تطغي على تفكيره، لا يفهم ما يحدث معه، ولا سبب غضبه وخوفه سوى أنه لا يريد لها أن تكون لذلك الرجل الذي تقدم لها، أي كان من هو، لا يريدها أن تكون له أو لغيره، لا يريدها أن تكون لسواه، لا ينبغي أن تكون إلا له .
وعند هذه الحقيقة رفع رأسه لأحمد وهو يتحدث بنبرة بدت شاردة بعض الشيء رغم التصميم الواضح بها :
_ مينفعش ... أنا...عايز... أحمد أنا عايز اتجوزها و... أنا محتاجها اكتر منه و...
صمت ولم يستطع أن يبلور مشاعره في جملة واحدة، فقط كل ما يعرفه أنه أكثر الأشخاص حاجة لوجودها معه، لا يمكنهم أخذها منه، هم لن ...لن يحسنوا التعامل معها .
كان ينظر لأحمد بعجز وكل ما يبصره أمامه بسمتها وهي تشكره تارة، وتجادله تارة أخرى، تناديه باسمه وتلوح له، كان يراها أمامه تناديه ليكون لها، لتكون لها، ليكونا معًا .
_ أحمد أنا...هروح أطلب أيدها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف الجميع عن الحديث وتوقفت ضربات قلب كارا حينما سمعت جملة ابن عمتها التي صدرت في المكان مبددة الصمت الذي كان سائدًا بين الجميع .
تقدم الكل بعدما سمعوا أن الرجل الذي ينتظره الجميع عداها قد وصل، الرجل الذي يحاول خالها تزويجها إياه بعدما سمع ما حدث لها في زيجتها الأولى، وما كاد يحدث في الثانية ليقرر أن محفوظ لم يكن على قدر المسؤولية مع ابنة أخته، فأحضر أحد أبناء اخوالها ليكون زوجًا لها، وحسنًا والدها ولأول مرة لا يعترض على الأمر، وقد ظن أنه لم يعد مسؤولًا بسبب ما حدث في المرات الأخيرة .
توقف قلبها بخوف وهي تبصر ابن عمتها يعلن وصول العريس، رفع الجميع عيونهم صوب الباب لينبض قلبها بسرعة كبيرة بعد توقفه لثواني حينما ابصرته يقف بكامل هيئته أمامهم بعدم فهم وهو يراقب الصبي الصغير الذي أخذ يردد أن العريس أتى بمجرد أن أبصره، بحنق شديد وعداء واضح.
ولم يكد الصبي يهرول بعيدًا عن الباب ليذيع الخبر بين الجميع رغم أنهم بالفعل علموا، إلا وامسكه يحيى من ثوبه يجذبه صوبه بعنف :
- عريس ايه ده يالا ؟! ابن مين ده يا جدعان ؟!
رفع عيونه للجميع ليبصر نظراتها المصدومة وهم يحدقون به، ليدور يحيى بنظراته بينهم ثواني، ومن ثم عاد بنظراته للصبي يقول بجدية :
- الوش ده أنا عارفه كويس، ابنك ده يا عم رجب ؟؟
نظر رجب صوب ابنه يشير له بعيونه أن يتحرك للداخل :
_ ادخل جوا يا عطية .
سحب عطية نفسه من قبضة يحيى وتحرك ركضًا للداخل تاركًا يحيى يراقبه بتشنج واضح :
_ عطية ؟! الله يسامحك حد يسمي طفل صغير عطية ؟؟
صمت وهو يبصر نظرات الجميع له :
_ ايه في ايه ؟! مالكم بتبصوا كده ليه ؟؟ انا ولا عريس ولا نيلة أنا كنت جاي اشوف عم رجب قافل ليه و...
صمت وهو يبصر شحوب وجه كارا ليضيق ما بين حاجبيه بتفكير :
_ هو الملجأ مش فيه ناس ليه، روحت اشوف سماء والعيال ملقيتش حد وكمان عم رجب كان قافل قولت في حظر تجول ولا حاجة .
لكن لم يتحدث أحدهم بكلمة واستمروا فقط في التحديق به، ليشك يحيى بنفسه ويخرج الهاتف سريعًا يتأكد من أن وجهه وشعره وكل شيء بخير، ومن ثم نظر لهم :
_ ايه مالكم عمركم ما شوفتوا واحد قمور ولا ايه ؟!
كانت نبرته جادة لا توحي أنه يمزح أو ما شابه، وقبل أن يضيف كلمة أخرى على حديثه وجد فرج يتحرك صوبه بلهفة :
_ يحيى أول مرة اكون سعيد إني شوفتك والله .
نظر يحيى بتعجب لمرفقه الذي امسكه رجب بلهفة شديدة، ومن ثم رفع حاجبه :
_ ده بس عشان مكنتش بتشوف حلو يا عم رجب، انا طول عمري شوفتي تشرح النفس، بس خير يعني ايه اللي خلاك تفتح بعد كل ده ؟!
نظر فرج صوب كارا التي كانت تعلم القادم تتنفس بصوت مرتفع تفكر فيما زوج عمتها على وشك فعله، لكنها لن تقبل أن تلقى بهذا الشكل لهذا الرجل تحديدًا، لن تعرض عليه كالبضاعة البالية التي كانت عليها بالفعل .
ابتلعت ريقها وهي تفتح فمها تتحدث بجدية :
_ عم رجـــ...
لكن رجب لم ينتظر سماع شيء منها وهو يبادر بسرعة في التحدث ليحيى الذي لم يكن يفهم بعد ما يحدث مع الجميع :
_ عايزك في مصلحة يا بني .
نظر له يحيى وهو يضيق عيونه وقد اشتمت أنفه في هذه اللحظة بوادر شيء غريب في الأجواء، وملامح كارا تؤكد على هذا، وقبل الاستفسار عما يريد رجب منه، تحدث الأخير بلهفة :
_ ايه رأيك تعمل نفسك خطيب كارا ؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت لنفسها مرة أخيرة في المرآة وهي تتعجب حالتها، كانت جامدة غير واعية لما يحدث حولها، بعد ليلة قضتها في الصلاة والتضرع إلى الله أن يختار لها المصير الافضل .
رفعت عيونها تنظر لانعكاس ساڤا خلفها تتعجب حالتها المسترخية والمترقبة كذلك، وكأنها تنتظر شيئًا عظيمًا ليحدث.
وقد كان، وقد ألقت ساڤا كل ما تمتلك في الرهان على مسلم، راهنت عليه بكل شيء أنه لن يسمح بهذا أن يكتمل، إن كان كما تعتقد يحب صديقتها فلن يدعها تفلت من بين يديه خاصة بعدما ألقت له الطعم، وإن لم يهتم بها فهو لا يستحقها، ولا أحد يستحقها سوى محمد الذي ورغم كل ضعفه إلا أنه كان من الشجاعة ليتخطى كل شيء ويأتي لرايانا يطالب بها .
_ زي القمر يا رايانا، أول ما يشوفك صدقيني مش هيقاوم ويطلب ايدك على طول .
رفعت رايانا حاجبها بعدم فهم وهي تستدير صوب ساڤا والتي كانت عكس حالتها البارحة، تبدو الآن متحمسة وموافقة بكل ذرة بكيانها .
_ يطلب ايدي ؟؟ هو فعلا طلبها يا ساڤا لو مخدتيش بالك .
ابتسمت لها ساڤا بسمة غريبة وهي تقترب منها تضم وجهها تتأمل ملامحها التي كانت تزينها كحل رقيق وحمرة خفيفة مع ثوب رقيق من اللون الازرق السماوي وخصلات ضمتها في ضفيرة طويلة مع رابطة شعر من لون الفستان .
_ ايوة بس احساسي بيقول إن الفستان ده هيكون وشه حلو عليكِ، وإن باذن الله هتنتهي الليلة وأنتِ سعيدة على الأقل.
رفعت رايانا حاجبها بسخرية مما تسمع، لقد قررت أن تمنح نفسها الفرصة وإن لم ترتح للأمر برمته فسترفض وتنهي كل شيء وهذا رهن قبولها .
تنفست بصوت مرتفع وهو تحاول تجاهل ذلك الشعور الغائر في صدرها، لا تفهم السبب، ربما لأن هذه كانت ...كانت المرة الأولى التي تُعامل فيها كامرأة تستحق أن يأتيها أحدهم خصيصًا .
زواجها الاول من آدم تم بشكل رسمي، لم يتقدم، بل اتفق مع والدها حول كل شيء وهي كانت بالفعل تعلمه منذ طفولتهم، لذا وافقت لتنتهي، ومن ثم زيجتها الثانية لم يتعب عز الدين نفسه بالتقدم لها .
وعلى ذكر عز الدين كانت متعجبة أنه لا يظهر في محيطها هذه الأيام كثيرًا وقد رجحت هذه الفكرة لما حدث آخر مرة في الساحة، وانشغاله بعدها بأمور القرية بعد إصابة عمها ذات ليلة بضربات مجهولة المصدر .
ابتسمت بسعادة، أي كان ما حدث معه، فهي سعيدة عامة شاكرة لكل من ساهم في إصابته بجرح واحد .
فُتح الباب فجأة واندلعت زغاريد شيما وهي تتحرك للداخل مع الجدة التي كانت تستند عليها .
تحركت رايانا بسرعة صوب جدتها تهتف بنبرة معاتبة :
_ ليه تتعبي حالك وتطلعي يا جدة؟ كنت أجيلِك أنا لحد عندك.
_ لو ما تعبت لأجل عيونك يا بنيتي لمين بتعب ؟!
ابتسمت لها رايانا بحب وهي تميل تقبل كفها، والجدة تربت على خصلاتها بحب وحنان تهمس وقد جاءت خصيصًا لأجل ذلك :
_ قوليلي يا رايانا، مرتاحة يا بنيتي للزواج ؟! مش حابة نعيد الماضي يا قلب جدتك .
تنفست رايانا وهي تغمض عيونها تحاول الإجابة على السؤال حتى ولو بينها وبين نفسها، هي ممتنة لحصولها على فرصة تعامل فيها كأي فتاة يسعى لها رجل، لكنها لا تنكر حقيقة أنها كانت تأمل أن يكون الساعي غير محمد .
لكنها ستكمل للنهاية، والقرار لن يكون لسواها .
زفرت وهي تطرد كل تلك الأفكار من رأسها تبتسم لجدتها بجدية :
- الحمدلله يا جدة اطمني يا حبيبتي، لو محسيتش براحة برفض يا عيوني .
ابتسمت لها شيما تقول بلهفة :
_ باذن الله ما تشوفي غير الراحة يا عيوني، وأنا متأكدة أن الدكتور بيحبك وهيشيلك في عيونه وبكرة تقولي شيما قالت .
ابتسمت لها رايانا بسمة صغيرة وهي تشكرها بخجل لا تدري أكان بسبب كلماتها أن أحدهم قد يحبها حقًا، أم لأن هذه كانت تجربتها الأولى .
كانت مشوشة، و غير مرتاحة بالمرة لمثل هذه الزيجة من محمد .
دقائق قليلة مرت أخذ الجميع يهتم برايانا التي بدأت تحاول تجاهل انقباضة صدرها من فكرة أن تُزف لرجل غير مسلم، تختار السير بالطريق وترى الخير به، ستجرب فقط حتى لا تندم .
ورغم عدم اقتناعها بالأمر إلا أنها قررت عدم افتعال أي مشاكل، ليس الآن وقد أعطى والدها كلمة للجميع .
مرت نصف ساعة قبل أن يسمع الجميع صوت طرق الباب لتنتفض رايانا وقد انتفض قلبها بالمثل، تحاول تمالك نفسها، وساڤا فقط تراقب بتحفز ما سيحدث تفكر هل سيخذل مسلم توقعاتها ؟؟
تحركت شيما بسرعة صوب الأسفل تستقبل الجميع، لكنها مرت بسرعة على غرفة زوجها تعلمه بقدوم العريس، لتبصر وجهه منقبض بشكل غريب وكأنه ممزق يفكر في شيء بعيد عن الجميع .
ولم تمتلك وقتًا لمناقشته فيما يؤرقه، تتحرك سريعًا صوب الباب تفتحه بسرعة مبتسمة لتبصر أول وجه قابلها، والدة محمد .
ابتسمت باتساع شديد وهي ترحب بها :
_ اهلا اهلا يا أم محمد اتفضلي يا حبيبتي، نورتي .
نظرت لها السيدة تبتسم لها بسمة صغيرة وهي تتحرك للداخل، وشيما تنظر لعتبة بابهم تبحث بعيونها عن محمد ووالده، لكنها لم تجد أحد، استدارت صوب السيدة ولم تكد تتساءل حتى باشرتها المرأة توضح لها بهدوء وبسمة صغيرة :
_ أنا بس اللي جيت .
حاولت شيما الابتسام وهي تتحدث بعدم فهم :
_ تنوري طبعا يا حبيبتي، هما يعني هيجوا كمان شوية ولا ايه ...عشان بس اقول للبارو .
ابتسمت لها المرأة بحرج وقد كان هذا أثقل شيء على نفسها، أن تكون هي من تأتي لتخبرهم بما تريد هي وزوجها :
_ لا يا شيما محدش جاي، تعالي بس معلش عشان محتاجة اكلمك .
في هذه اللحظة تحركت رايانا مع ساڤا خارج الغرفة تاركة جدتها في الداخل ترتاح وقد اصرت عليها ساڤا الخروج لمراقبة العريس وعائلته، ولسبب آخر في نفسها، تود متابعة كل شيء منذ البداية .
تعجبت من رؤيتها لوالدة محمد وحدها وهي تقف في منتصف المنزل ترفض حتى الجلوس حينما دعتها شيما لذلك تتحدث ببسمة صغيرة محرجة من كل الأمر.
_ شيما يا حبيبتي أنتِ عارفاني محبش ازعل حد مني و...يعز عليا اكون هنا دلوقتي واقولك كده بس ...
صمتت السيدة ثواني وهي تنظر ارضًا بخجل شديد من الموقف الذي وضعهم ولدها به :
_ محمد جه بدون علمي أو علم أبوه امبارح وطلب أيد رايانا، بس .... أنتِ عارفة محمد لسه مستقبله قدامه ولسه بدري على حوار الجواز ده، لسه قدامه عيادة ودراسة عُليا وحتى أبوه كان بيفكر يسفره برة عشان يكمل رسالته، وموضوع زي الجواز ده هيكون بس عطلة، فـ
صمتت وقد شرح صمتها كل شيء دون الحديث، كل ذلك ورايانا تقف مستند على سور الدرج وهي تراقب ما يحدث في الاسفل ببسمة مكسورة.
وهي من ظنت أنها تحيا هذه التجربة لأول مرة ؟!
والله أنها عاشت هذا الانكسار أكثر من عدد أنفاسها .
سقطت دموعها مبتسمة بسخرية من نفسها، هي ليست حزينة على محمد بل تشكره لأنه رفع عنها حرج الاختيار والحيرة وأبعد عنها اختيار كان سيرهق قلبها ولم تكن ستتقبله مع الوقت، هي فقط حزينة لأنها لا ترتقي من وجهة نظر الجميع لتُعامل كما الفتيات.
ليسعى لها أحدهم دون أن يتوقف عن حدود كونها أرملة بكر، عند حدود كونها وُصمت بالشؤم، يحبها أحدهم ويختارها بملء إرادته لأنها رايانا، لأنها تستحق أن يحارب لأجلها .
مسحت دمعتها وهي تحاول تجاهل وجعها، وصوت السيدة قد أصبح مشوش في أذنها، لا تبصر ولا تشعر بشيء حولها سوى مجرد كلمات غير واضحة وصور ضبابية، رسمت بسمة بصعوبة على فمها حينما استدارت المرأة قبل رحيلها لتبصرها .
شحب وجه والدة محمد بقوة حينما أدركت أن رايانا سمعت حديثها، لكن رايانا فقط ابتسمت وهي تهز رأسها بهدوء ولم تتحدث بكلمة واحدة رغم أن صدرها كان يخفي الكثير .
رمتها المرأة باعتذار، ورغم كرهها للموقف برمته، إلا أن حياة ولدها ومستقبله يستحق .
رحلت السيدة بسرعة قبل أن تتعرض للمزيد من المواقف المحرجة وقد بررت رفضهم الزيجة بأن ولدها ما يزال لديه مستقبل ليختار زوجة تليق به، فتاة يكون هو أولها وآخرها، كان حقها كأم .
رفعت شيما عيونها صوب رايانا لتبتسم لها بسمة حزينة تحاول أن تواسيها بها، لكن دموعها خانتها، نظرت خلفها صوب باب المنزل الذي خرجت منه السيدة للتو .
وكادت تتحرك لتغلقه والقهر يكاد يخنقها، لكن فجأة توقفت على صوت رجولي صدح بهدوء في المكان أوقف رايانا عن التحرك والتقهقر صوب غرفتها مجددًا .
_ مساء الخير، البارو موجود؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك صوب المطبخ يحمل معه بعض قوارير المياه لحفظها في غرفته التي جهزها في الملحق خارج المنزل لينعزل عن الجميع حتى ينتهي كل هذا .
يتحرك في المكان بشرود واضح جعل نورهان تبتسم بعدم فهم وهي تردد بهدوء :
_ فيه حاجة يا حاتم تحب اساعدك فيها ؟!
استدار حاتم بتفاجؤ من وجودها في المكان ينظر لها بعيون شبه ضبابية وكأنه في عالم آخر :
_ شو ؟!
- شكلك تايه كده، ايه بتدور على حاجة معينة ؟!
ابتسم بسمة صغيرة وهو يبعد عيونه عنها يحاول تمالك نظراته لها وقد تمادى في الأيام السابقة ،لذا تنفس وهو يفتح الثلاجة يحمل زجاجات المياه كلها دون شعور لشدة توتره ونورهان تراقب بعيون متعجبة .
قبل أن تبتسم بعدم فهم وهي تراه يحتضن الزجاجات بقوة وكأنه يخشى أن تطير من بين ذراعيه :
_ ايه ؟! فيه جفاف داخل علينا ولا ايه ؟!
نظر لها بعدم فهم لثواني قبل أن تشير هي على كل الزجاجات التي يحملها، ليستوعب فجأة ما فعل وقد اشتد توترته يبتسم بسمة صغيرة :
_ آه هاد ...هاد بس ....شوي يعني كنت عطشان .
_ شوي ؟!
ابتسم لطريقة نطقها الكلمة :
_ شوي .
أمسكت زجاجة كانت تضعها جوارها، تمدها له ببسمة صغيرة، لينظر هو لها يحرج شديد يبتسم بخجل من الموقف برمته :
_ بشكرك هاد بكفي وزيادة .
كبتت ضحكتها على ملامحها، وهو زاد من ضمه للزجاجات يفكر كيف يعيدهم دون أن يظهر كالأحمق أمامها، لكنه وأثناء تفكيره سمع صوت رنين الهاتف الخاص بها، لتحرك هي عيونها بسرعة صوبه وقد اتضح توتر على ملامحها قبل أن يتلاشى وهي ترفض استقبال المكالمة .
_ خير ؟؟
كانت كلمة خرجت منه دون إرادته، لترفع عيونها له ثواني تجيب ببساطة محركة كتفها بلا اهتمام حقيقي بالأمر:
_ مكالمة من شركة الاتصال عادي .
ابتسم لها بسمة غير مفهومة قبل أن يضع الزجاجات على الطاولة متحدثًا بتلميح :
_ إن شاء الله بلغتي اخواتك باللي صار مع طليقك ؟!
_ مين !!
_ طليقك.
وكأنها أدركت فجأة في خضم كل ما حدث أن هناك كارثة قد حدثت معها، اتسعت عيونها بصدمة لا تدري كيف غفلت عن الأمر بهذا الشكل، وهذا الشحوب جعل حاتم يدرك ما يحدث :
_ ما بلغتي حدا مو هيك ؟!
_ نسيت والله أنا آسفة.
هذه المرأة على ماذا تعتذر الآن؟! هي الواقعة في مشكلة وليس هو، تنهد بتعب منها ومن تصرفاتها التي توقعها في مصائب لا تعيها .
مسح وجهه بتعب وهو يردد بقلة حيلة :
_ نورهان ...
_ أنا هقول لأحمد ومسلم والله بس نسيت في وسط كل اللي حصل اقولهم على اللي عمله عادل .
اغتاظ لذكرها اسمه، وكأنه كان يأمل أن تنساه لقلة ذكره :
_ وشو اللي سواه بسلامته ؟؟
يتحدث بنبرة مغتاظة واضحة، جعلتها ترفع حاجبها متسائلة عما يقصد ليتحدث من بين أسنانه التي يطبقها بغضب مكبوت :
_ شو اللي سواه عديم الرجولة نورهان ؟!
ابتلعت ريقها وهي تتحدث بتوتر تأبى ذكر ما فعل لها طليقها، كيف تخبره أنه يهددها بصور لها بثياب المنزل وغيرها من الصور الغير لائقة للنشر، ستموت قبل أن تعترف :
_ أنا قولتلك أنه....
_ فيه شي مخبياه مو هيك ؟!
_ أنا بس ...
نظر لها يترقب ردها يبصر نيتها في اختلاق شيء ليردد سريعًا دون تفكير :
_ لا تحاولي تكذبي، لأنو بعرف لما بتحاولي .
نظرت في عيونه بصدمة من كلماته :
_ مش ملاحظ أنك بجد .... أصل أنا حاسة أنه أنت...حاتم أنت متعرفنيش غير من كام اسبوع بجد، فأنت متعرفنيش ولا تعرف مريت بايه في حياتي عشان تتعامل معايا كده .
رفع حاجبه لا يفهم ما تلمح له، لكنه كان يعرف أكثر مما تظن، ويدرك أكثر مما يحتاج عنها، يعلم الكثير الذي يجعله يحيطها خوفًا أن تغير الحياة بها شيئّا لا يسمح هو به، أحبها ببسمتها ولن يسمح بمحوها، انجذب لهالة برائتها ولن يتركها تتلاشى وتفنى .
هذه المرأة كانت تمثل له مستقبلًا ليس على استعداد لتركه يبتعد عنه ورغم كل الأفكار السوداوية التي تدور في عقله حول تركها لمن يستحق تدليلها أكثر، من لا يمتلك ماضيًا اسودًا، إلا أنه لن يسمح أن يحدث، فلا أحد سيتمكن من تدليلها مثله ولن يسمح لهذا أن يحدث .
كمان أنه سيمنع عنها كل سواده ولن يريها سوى جانبه المنير فقط .
_ أكثر مما بتتخيلي إني بعرف، وهلا بلغيني شو اللي صار ؟!
نظرت له ثواني من جملته التي خرجت غريبة مما جعلها تتساءل جديًا حول ما يعلم بالفعل عنها، لا يمكن أن مسلم قد قص له عنها شيئًا، مسلم ليس من هذا النوع الذي يحكي لشخص مهما كانت مكانته حول نساء بيته .
_ هو بس ...اللي حصل أنه يعني ....
صمتت ومن ثم رفعت عيونها بقوة له وقد أدركت مخرجًا لها من كل هذا :
_ أنت مالك اساسا، أنت ليه بتسألني وتحقق معايا وتوترني بالشكل ده؟! أنا مش ناقصة كفاية اخواتي، أنت ليه محسسني أنك مسؤول عني وكأني من باقية اهلك؟!
" بل أنتِ الأهل كلهم " وهذا ما لم يصرح به واكتفى بترديده بنفسه .
ابتسم لها حاتم ببساطة يجيب سؤالها السابق حول مسؤوليتها :
_ لانو هاد اللي بدو يصير فعلا .
نظرت له بصدمة شديدة جعلتها تراقبه بأعين متسعة وهو يقترب من الطاولة يحمل زجاجة واحدة من المياه مبتسمّا لها بسمة صغيرة :
_ الباقي خليه إلك، بلّعي بيه الحكي ..
ختم حديثه بكل بساطة وهو يبتسم لها بسمة واسعة متوعدة يخفي خلفها وعودًا كثيرة، قبل أن يتلاشى وجوده من أمامها، تاركًا إياها مسلوبة الأنفاس وقد شعرت للمرة الأولى في حياتها بالـ....لا تدري كيف تصنف هذا الشعور فهذه أول مرة تشعر به، لكنها كانت خجلة و...سعيدة ربما .
ــــــــــــــــــــــــــــ
_ أمير أنت واعي بتقول ايه ؟؟ أنت اتجننت ؟!
انتفض أمير عن مكانه وهو يواجه زوجته والحيرة تبدو واضحة بشكل كامل على ملامحه، لا يعلم القادم، ولا يستطيع أن يحدد الخطوة التالية وقد كانت زوجته هي من تتولى كل ذلك منذ سنوات، تحديدًا منذ قررت أنها اكتفت من الحاجة لمساعدة والده في أمور حياتهم، اكتفت من شعورها الخانق بين الطبقة الفقيرة والغنية .
الطبقة المتوسطة ولعنتها .
انتفضت المرأة عن الفراش تراقب أمير زوجها بسخرية :
_ ايه مرة واحدة كده حسيت بالذنب على عمي فرج ؟؟ وبعدين مساعدة ايه اللي عايز تديها لاحفاد حليم ؟! أنت اتجننت ؟! أنت حرفيا بتسلم نفسك للديابة.
نظر لها بتردد لكنها قطعت كل نظراته تلك تمسكه من كتفه وهي تهمس بصوت مُصر :
_ أمير افهم شوية عشان اللي بتفكر فيه ده مستحيل، مش بعد كل السنين دي هتفتح في القديم، وصدقني ده لو اتفتح مش هيعجب حد وأولهم أنت.
شعر أمير بالضيق يستحكم حلقه وكأن أحدهم يخنقه بقوة، ابتلع ريقه بصعوبة يحاول أن يجد مبرر لما يريده :
_ بس ابويا ...
_ مات، ابوك مات يا أمير، ابوك مات وشبع موت خلاص والأرض دي خلاص مش هترجع، إياكش تكون مفكر شوية العيال دول هيقدروا يقفوا قدامهم ؟! دول غجر آه بس نابهم ازرق.
ارتاب وشعر بالخوف من وصف زوجته، وقد كان يعلم بالفعل كل ذلك، لكن سماعه بهذه النبرة من زوجته اصابه بقشعريرة .
ابتسمت جميلة بسمة واسعة وقد بدت راضية عن نتيجة الخوف التي ارتسمت على زوجها، لذا اقتربت تكمل حديثها من باب طرق الحديد ساخنًا :
_ احنا ملناش دعوة يا أمير ابوك والله يرحمه مات، واحنا وعايشين عيشة محدش فينا كان يحلم بيها، يبقى ايه ؟!
صمتت تنظر لملامح زوجها الذي بدى مترددًا بعض الشيء، لكنها أكملت تمنع أي تردد من رأسه :
_ يبقى نبعد عن الشر ونغنيله يا حبيبي ماشي ؟!
أومأ بعدم اقتناع تقريبًا لكن هذا كان اقصى ما يمتلكه بالفعل في هذه اللحظة، لذا تنهدت زوجته براحة شديدة :
_ تمام كده، اتبقى بس حاجة اخيرة عشان محدش يوجع دماغنا بعدين .
نظر لها بعدم فهم لتبخ المزيد من سمها في رأسه:
_ اتصل بالباشا وقوله على اللي احفاد حليم بيعملوه، عشان ميجيش بعدين يقولك ازاي مقولتش ومحدش يمسك عليك حاجة.
اتسعت عيونه بصدمة من كلماتها تريده أن يسلم أحفاد عمه لذلك الحقير على طبق من ذهب :
_ أنتِ اتجننتي يا جميلة ؟؟ اتصل بيه أقوله ايه ؟! الحق احفاد عمي بينخربوا ورا حوار الأرض ؟! ده كان يقتلهم فيها .
صمتت زوجته وقد اسود وجهها بضيق واضح :
- لا خليك ساكت لغاية ما يعرف هو من برة ويجي يخلص علينا احنا .
ارتجف جسد أمير وهي أكملت لتقنعه بسرعة :
- بعدين ما تقلقش مش هتوصل لقتل هو بس ممكن يقرصهم عشان يبطلوا ينخربوا وراهم، ولو كان هيقتل كان قتل عمك وابوك من زمان لكن هما بس بيهددوا صح ؟!
صمت أمير وقد شعر أن كل شيء حوله يدور لا يعلم القادم، لكن كل ما يعلمه أنه غاص في هذه القذارة وعليه إكمالها حتى النهاية فقط ليتجنب أن تتأذى عائلته ...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اتسعت عيون يحيى بعدم فهم لكلمات رجب التي خرجت منه دون مقدمات وكأنه يعرض عليه أن يكون ضيف شرف في افتتاح محل كشري على سبيل المثال وليس أن يكون خطيب لابنة أخ زوجته .
تشنجت ملامحه بصدمة وهو يدور بين وجوه الجميع ينتظر ضحكة مرتفعة من أحدهم تثبت أن ما يحدث الآن مزحة.
هذا العرض ابصره في مئات الروايات، لكن بتطور أكبر حيث يجد البطل نفسه أمام المأذون في ثواني ودون أخذ رأيه، ليصبح في الفصل التالي متزوج من البطلة التي ستراه سبب سجنها ومصائبها، بينما هي وعائلتها سبب نكبته .
لكن الآن لم يحضر مأذونًا ولم يطلب منه زواجًا، بل مجرد خطبة، مهلًا ألا يرتقي لمكانة البطل الذي يُجبر على الزواج لأجل النخوة ؟!
وبغض النظر عن عبيثة أفكاره في هذه اللحظة والتي كان يحاول بها تهوين ما يحدث أمامها بها .
حول أنظاره صوبها ليراها تنظر له بأعين متسعة وكأن رجب عرض عليها الزواج بغول في هذه اللحظة، وهذا جعله ينسى الجميع ويوجه كلماته لها بتشنج واضح :
_ ايه يا عسل بتبصي كده ليه ؟! مطولش ولا ايه ؟!
اشتد احمرار وجه كارا وهي تنظر حولها بصدمة من كلماته، لا تصدق الموقف الذي وُضعت به، لتركض بعيدًا عن أعين الجميع وقد هبطت دموعها من هول الموقف ولحقت بها عمتها بعدما ألقت بنظرة لوم لرجب .
ويحيى فقط راقبها ببسمة مغتاظة وهو يتحدث بصوت مرتفع خلفها والضيق واضحًا على وجهه :
_ أنتِ تطولي يا ختي ؟؟ ده غيرك بيحفى بس عشان يشوفوا طرف خصلاتي الكيرلي يا مزيّتة .
جذب رجب مرفق يحيى بغضب وهو يهمس له بتحذير :
- يابني اتربى ابوها جنبك .
نظر يحيى جواره ليبصر رجل يبدو كمن جار الزمن عليه ليهتف ببسمة صغيرة :
_ لا مؤاخذة يا حاج، بس بنتك مش بتقدر النعمة، هتزول من وشها والله .
- يحيى .
كانت كلمة تحذيرية من فم رجب الذي نظر له برجاء رغم نظرات الضيق في وجهه، ويحيى ابتسم له بسمة صغيرة ليتنهد رجب بصوت منخفض يتحدث بصوت متردد :
_ يحيى الله يكرمك عشان أنا مش قادر لسه واخد دوا السكر وبدأ يعلى تاني .
_ الف سلامة، ده اكيد عشان أنا هنا بس .
وأدرك رجب ما يقصد يحيى بجملته ليهز رأسه بيأس يسحبه من يده صوب الأريكة، بينما يحيى يحاول تخفيف حدة الأجواء :
_ ايدك بس يا عم رجب بلاش تتعاص سكر أنت راجل مريض .
القاه رجب بعنف على الأريكة، بينما محفوظ يراقب ما يحدث بغير رضى، أخلت الدنيا من الرجال ليختار رجب هذا الرجل حتى يدعي أنه خطيب ابنته ؟!
_ يابني بطل هزار بقى وخليني اتكلم .
_ يا عم اتكلم بس كلام طبيعي عشان اتكلم جد معاك .
زفر رجب وهو يشير لمحفوظ بالجلوس، ومن ثم شرع يتحدث ببساطة ليحيى :
- بص يا يحيى لولا إني عارف أنك ابن حلال ومتربي رغم كل تصرفاتك اللي بتعملها، أنا والله ما كنت قعدتك كده عشان أأمنك على بنتي .
شهق يحيى بعدم فهم :
_ كارا بنتك ؟؟ ازاي ؟!
- في مثابة بنتي واتنيل اهدى عشان اكمل، المهم يعني عيلة أهل امها من اسوان و..
_ ايوة عارف .
كانت كلمة خرجت دون شعور منه يتذكر يوم أخبرتهم هذه الحقيقة يوم طلبها مساعدتهم، ليعتدل محفوظ في جلسته وهو يضيق عيونه بعدم فهم :
_ عرفت ازاي بقى إذا كان أهل القرية نفسهم محدش فيهم يعرف تقريبا؟!
رفع له يحيى عيونه وقد أدرك أنه تحدث بلا تفكير أمام عائلتها :
_ ها ...حسيت ...حسيت واضح اوي من ملامحها أنها شبه المرحومة امها وشبه الاسوانيين و...هي قالت لأختي كده أصلها اتصاحبت على نورهان اختي وأنا عرفت من اختي بالصدفة و...بعدين احنا في ايه ولا ايه يا حاج ما تخلينا نشوف المصيبة اللي احنا فيها دي .
ختم حديثه بنبرة حادة موبخة وهو يشير لرجب أن يتحدث قبل أن يباغته ذلك الرجل بأسئلة أخرى لا يستطيع الإجابة عنها :
- كمل يا عم رجب أما نشوف آخرة الحوار ايه ؟!
تنهد رجب وهو ما يزال يحمل مسبحته يستغفر ربه، حتى قطع استغفاره ينظر ليحيى بجدية :
_ أهل امها من الاول مكانوش موافقين على جوازها من محفوظ وأنها تعيش بين الغجر هنا .
_ عين العقل والله .
_ بس ام كارا كانت بتحب محفوظ ومتعلقة بيه ووقفت قدامهم واتجوزته .
_ طالعة لبنتها عبيطة الله يرحمها .
_ المهم بعد ولادة كارا كان أهل امها رافضين حفيدتهم تعيش في المجتمع ده وحاولوا كتير ياخدوها، لكن محفوظ والبارو والكل اتوسطوا عشان تتربى هنا وسط أهلها .
_ ده على أساس إن اللي هنا متربيين، كمل يا عم رجب العبث ده .
تجاهل رجب تعليقاته وهو يكمل :
_ المهم بعد اللي حصل لكارا وأنها اتطلقت من عز الدين وكانت هتتجوز ووقفت الجوازة جايين وراسهم ألف سيف ياخدوها أما كانش بالذوق هيبقى بالعافية ومحفوظ ملوش غيرها، ففكرت أنك بس قدامهم تعمل نفسك خطيبها وأنك جاي تشوف أرض جدك وهتاخدها وتتجوزوا في القاهرة بعيد عن هنا يمكن ده يطمنهم .
كان يحيى يسمع حديث الرجل وهو يفكر بكارا، لا ينكر أن الفتاة تعجبه، لكن أن تصبح زوجته كان هذا تفكير ...ربما يفكر به في الواقع، لكنها لن تصير زوجته في الحقيقة مجرد تمثيل صحيح ؟!
لماذا لا يشعر بالنفور حتى إن كان حقيقة ؟؟
رفع عيونه للجميع وقد كان رجب يتوسله بعيونه، ومن ثم هتف برجاء :
_ احنا بس مش عايزين غير إن بنتنا تكون بينا .
صمت يحيى وقد بدأ يأخذ كلمات رجب بجدية ويفكر في كارا نفسها بعيدًا عن الجميع، الفتاة بدا واضحًا أنها لا تحب البقاء هنا بينهم .
_ طب وهي يا عم رجب عايزة ايه ؟!
نظر له رجب بعدم فهم ليتنهد يحيى يتحدث بجدية شديدة لأول مرة يبصرها رجب به :
_ أنتم مش عايزين غير إن بنتكم تكون بينكم، طب وبنتكم حد فكر فيكم هي حابة ايه ؟! مش يمكن تكون هي حابة عيلة امها .
اعترض محفوظ بضعف ونبرة مرتجفة وقد مالت الحياة عليه بكل همومها :
_ لا لا، كارا بنتي متعرفش حد فيهم اساسا وهي مش هتسيبني .
نظر له يحيى بشفقة، لكنه لم يكن ليقبل أن يكون أداة لإجبار كارا على حياة تسعى للهرب منها، لذا رفع عيونه لرجب يتحدث بهدوء :
_ ممكن اتكلم مع كارا شوية يا عم رجب ؟!
كاد محفوظ يعترض على كلماته، لكن رجب أشار له بحنق أن يتبعه، ومن ثم نظر ليحيى يهتف بصوت حنون :
_ يحيى أنا بثق فيك زي ابني يا بني .
_ أنت بتكدب يا عم رجب.
_ عندك حق، خف وخلص بسرعة خلينا نشوف هنعمل ايه ؟!
ابتسم له يحيى ليبادله رجب البسمة بأخرى واثقة رغم الكلمات بينهم، وتحرك للداخل وهو يجذب محفوظ ليكونوا في الجوار، أما عن يحيى فشرد يفكر هل يوافق ؟! هل يتحدث لمسلم أو أحمد يأخذ مشورتهم ؟!
كان يبدو شاردًا حينما خرجت كارا بخطوات مترددة، تتقدم خطوة وتتراجع عشرة، رفع عيونه لها مبتسمًا يحاول كسر خجلها :
_ امك دي أكيد كانت ست بركة يا كارا .
نظرت له بعدم فهم ليكمل حديثه وهو يعود بظهره على الأريكة :
_ اكيد دعتلك دعوة فجرية بأن ربنا يوقعك في شاب زيي .
ابتسمت دون شعور ليعتدل وهو يشير لها لتجلس، وهي تحركت تجلس على أبعد نقطة عنه، تأبى الحديث بكلمة وقد كانت حواف عيونها حمراء كمن قضى ليلته يبكي، وهذا اوجعه، هذه الفتاة في الواقع رأت الكثير .
وكأن الفتيات هنا يهبطن من أرحام أمهاتهن جنبًا إلى جنب مع التعاسة.
_ أنتِ كويسة ؟!
وبمجرد أن نطق السؤال حتى انفجرت كارا في بكاء حار وهي تنفي برأسها، خرجت شهقاتها بصوت مرتفع وهي تردد أمام عيونه :
_ أنا معرفش، انا مش ...مش عارفة اعمل ايه ؟! اعيش ازاي واختار ايه ؟؟ حياتي ماشية من غير اعرف اللي بيحصل فيها، مش عارفة أنا...
صمتت بعجز تكمل بكاء وقد شعرت فجأة أنها ربما تحيا حياة سعيدة، بعدما تخلصت من زيجة غير مرغوبة وتقربت من يحيى، الشاب الذي جذبها له باختلافه عن الجميع، ظنت أنها معجبة به، واعتقدت أنه ربما يراها مختلفة كما تفعل معه، لكن كيف وكل شيء ضدها ؟؟
نظر لها بشفقة يميل مستندًا بمرفقيه على ركبتيه يحاول الابتسام ليهون الأمر عليها :
_ سيبك من حياتك واللي حواليكِ.
نظر لعيونها يهمس بحنان وكأنه يحاول مساعدتها في اتخاذ القرار :
_ كارا أنتِ عايزة ايه ؟؟
ارتجف جسد كارا بخفة وهي ترفع عيونها الباكية له، قبل أن تصمت طويلًا وتقرر التحدث في النهاية بصوت خافت من العجز :
_ بابا مش هيعرف يعيش لوحده و....
_ أنتِ عايزة ايه يا كارا ؟!
لا تدري في الواقع إجابة، لكنها لا تعلم حياة غير حياتها، ولا تعرف إن كان الجميع هناك سيعاملها بلطف ؟! هل تلقي بنفسها للمجهول وتضحي بحياة هادئة حاليًا مع والدها ؟! تضحي بإمكانية رؤيته يوميًا ؟!
سقطت دموعها بقوة وهي تهتف بصوت مرتجف :
_ عايزة كل ده ينتهي وحياتي ترجع زي الاول، قبل حتى جوازي الاول، عايزة احس إني مرتاحة ومش شايلة هم كل حاجة .
_ لو عملت نفسي خطيبك ومشينا عيلة أمك من هنا هتحسي كده ؟!
نظرت له كارا ثواني وهي تفكر في الأمر قبل أن تهز رأسها بنعم، ليبتسم هو ببساطة :
- يبقى خلاص اعتبريه حصل، وعدي الجمايل.
رفعت عيونها له بصدمة لتجد بسمته مرتسمة على فمه فابتسمت بالمثل وصوتها خرج ضعيفًا :
_ هتساعدني ؟؟
وكلمة واحدة أجاب بها بكل بساطة وكأن ما سيفعله شيء عادي :
_ تأمري ....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس أمام شقيقته بعيون متسعة، يسمع ما حدث معها وهي فقط تنظر ارضًا بخجل من أحمد لا تعلم كيف جاءتها الجرأة لتخبره بما حدث معها، وجوارها يجلس عيسى الذي خرج لتوه من غرفته بعدما مل الجلوس وحده .
فقط يضمها بحنان شديد وهو يربت عليها بحب والغضب يلتمع بعيون، وقد كان في هذه اللحظة على استعداد تام ليضيع مستقبله_ غير الموجود
بالمناسبة _ فقط ليقتل ويتخلص من ذلك الخنزير الذي يدعي الآدمية ويسمى زوجها السابق .
كان فقط يربت على كتفها وهو يهمس لها كلمات بحنان :
_ متقلقيش يا حبيبتي مش هيقدر يعمل حاجة صدقيني مش هيقدر يأذيكِ خالص .
كل ذلك وأحمد يستند بمرفقيه على ركبتيه شاردًا بعيدًا كل البعد عنهما، يشعر بالغضب داخل صدره، أن يستحل ذلك الحقير حرمة أخته كانت الناهية له، هو بحاجة ليمنحه زيارة ثانية وهذه المرة لن تكون كسابقتها.
في تلك اللحظة دخل حاتم بعدما خرج لشراء بعض الأغراض من المحل البعيد حينما وجد الذي يقع في منتصف القرية مغلقًا، ليبصر الجميع صامتًا بشكل غريب .
ولم يكد يتحدث مستفسرًا عما يحدث حتى أدرك حقيقة أن نورهان كانت تبكي .
رفع حاجبه وقد استنفرت جميع حواسه يتحرك صوبهم يلقي ما أحضر على الطاولة متحدثًا بلهفة .
_ نورهان شو مالِك؟! شو اللي صار لتبكي هيك؟
رفع أحمد نظراته ببطء صوب حاتم يحدق به بعدم فهم ليستشعر ذبذبات قلق حقيقي ولهفة تندفع منه، مما جعله يستقيم في جلسته ببطء يركز كامل حواسه على حاتم ويضيق عيونه .
بينما نورهان دفنت وجهها أكثر في صدر عيسى الذي لم يفهم ما يحدث، فقط يضمها أكثر بحنان وهو يتحدث بصوت منخفض :
_ طليقها بيهددها ولسه عارفين .
ضغط حاتم على فكه بقوة وقد أدرك أنها صرحت بالأمر لشقيقها أخيرًا، ليهمس دون شعور :
_ غراب البين .
رفع أحمد حاجبه وقد شعر أن هناك ما كان يفوته في المكان، لكنه فقط ابتسم بسمة جامدة بعض الشيء وقد علم مع من سيتحدث في كل الضوضاء الحادثة حوله .
تنفس بصوت مرتفع :
_ أنا هرجع القاهرة بكرة محتاج اخلص شوية حاجات هناك.
انتفضت نورهان برعب من فكرة أن يتسبب أحمد في شيء لنفسه انقيادًا لغضبه :
_ أحمد.
نظر لها أحمد نظرة حادة يعلن بها نهاية الحوار بينهما :
_ خلاص يا نورهان خلصنا نقاش في الموضوع ده، انسي كل اللي حصل، اوعدك هتكون اخر مرة تلمحي حاجة تخص الحيوان ده .
ارتجفت من نبرة شقيقها والتي اعلمتها أن الجحيم يتقد في رأسه في هذه اللحظة، نظرت ارضًا باكية وحاتم يشعر بالعجز يأكله في هذه اللحظة .
أما عن أحمد فضغط على هاتف شقيقته بقوة يتحدث بجدية :
_ فين مسلم يا حاتم ؟!
وحاتم كان في موجة غضب تمنعه حتى من الإنتباه لما يحدث حوله، ليزداد صوت أحمد حدة :
_ حاتم فين مسلم ؟؟
استدار له حاتم ثواني قبل أن يهمس بعجز :
- ما بعرف وينه، هلق بيرجع..
وأحمد الذي تذكر حوارهم الأخير ابتسم بسمة جانبية يمسح وجهه وقد شعر أن كل شيء تكالب فجأة عليهم :
_ معتقدش هيرجع كده من غير مصيبة جديدة ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما عن مسلم فقد كان يطهو مصيبته الجديدة بالفعل على نيران هادئة، يقف على عتبة المنزل بهدوء يرتدي ثوب من الأسود بالكامل بداية بحذائه وحتى سترته .
يقف أمام شيما التي كانت تنظر له بعدم فهم، شعرت بالريبة من نظرات الرجل والذي كان يبدو في هذه اللحظة وكأنه غير واعيًا لما يفعل .
ومسلم ورغم كل ما يفعله كان واعيًا لكل خطوة، لم يتحجج بحالته ولم ينسب تهوره هذا لنفسيته الغير متزنة مؤخرًا بسببها .
بل والله يقسم أن كل خطوة يخطوها لها في هذه اللحظة كانت بملء إرادته وبكل وعية الحي، حتى أنه وقبل الاقدام على هذا، اتصل بوالده في الطريق وصارحه برغبته .
_ الو يا بابا .
_ مسلم حبيبي عامل ايه طمني عنك يا بني، مسمعتش صوت من اسبوع .
ابتسم مسلم يشعر بالتقصير في حق عائلته، وهذا يقتله بعد كل هذه السنوات ظن أنه لن يغادر احضانهم، لكن لم يكن يعلم ما يخفي القدر له .
_ انا بخير يا حبيبي طول ما انتم بخير، طمني ماما عاملة ايه يا غالي .
_ كلنا بخير يا حبيبي، وبتسلم عليكم .
- يارب دايما، ناقصكم حاجة طيب ؟!
_ لا يا بني الفلوس اللي سيبتها لينا بتكفي وتزيد جنب شغلي، وعايشين احسن من أي وقت الحمدلله، طمني على اخواتك .
_ كلنا بخير يا قلبي وخلاص هانت .
صمت ثواني وقد على التوتر بينهما ليشعر والده بما يحدث :
- مالك يا مسلم ؟! فيك حاجة يا ابني ؟!
اقتربت والدة مسلم بسرعة من زوجها بعدما فرغت من صلاتها تتحدث بلهفة وخوف :
- ماله مسلم ؟؟ مسلم ماله ؟! ابني ماله ؟!
تنهد مسلم بصوت مرتفع :
_ افتح الاسبيكر يا يابا الله يكرمك لأني محتاج ماما كمان تسمع كلامي .
وبالفعل حدث ما طلبه مسلم وعم صمت لدقائق، ارتفع به التوتر وقد شعر الجميع بالريبة حتى لم تتحمل والدته ما يحدث :
- مسلم مالك متقلقنيش يا حبيبي عليك .
_ لا ياقلبي مفيش قلق ولا حاجة، هو بس الموضوع ده يخصني أنا و...
صمت لا يعلم كيف يلقي شيء كهذا في وجوههم من خلف سماعة الهاتف، لكنه فقط توقف في سيره يتنفس بصوت مرتفع قبل أن يهتف بكل ذرة في كيانه :
- اسمعوني عشان أنا... أنا يا بابا عايز ....
صمت وقد شعر أنه يتعجل، لكنه لن يقبل أن تذهب من بين يديه، ولن يخطو خطوة مصيرية كهذه دون موافقة وعلم أهله .
_ بابا أنا عايز اتجوز .
وقبل إكمال كلماته أطلقت والدته زغاريد بسعادة كبيرة وقد انفكت العقدة التي كانت مربوطة على صدرها بخوف :
_ ده يوم الهنا يا حبيبي، أنت بس ارجع وانا اشوفلك بنت الحـ....
_ لا يا ماما .
كانت كلماته ملهوفة وهو يردد بجدية :
_ أنا خلاص لقيتها ومش عايز غيرها، أنا فيه بنت هنا عايز اتجوزها وقولت بس اعرفكم .
ضيق والده ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يجذب الهاتف من يد زوجته يتحدث بريبة وقد ملئ الشك صدره :
_ هنا ؟! قصدك بهنا ....
_ أرض الدوم، البنت اللي عايز اتجوزها هي بنت البارو بتاعهم .
اتسعت عيون والدته بصدمة كبيرة وقد شعرت أن الأرض تدور تحتها، من بين كل نساء الارض اختار امرأة من الغجر، ومن بين كل نساء الغجر اختار ابنة البارو الخاص بهم .
ومسلم بدا أنه لن يتراجع خطوة وقد قرر أن يلقي بكل الصدمات لهم في ضربة واحدة، عملا بالمثل المصري المعروف .
( ضربة مرزبة ولا ١٠٠ شكوش )
_ وكمان عشان بس تكونوا عارفين هي ... أرملة بكر، كان مكتوب كتابها على حد ومات قبل الفرح.
ارتفع صوت والدته بصدمة من كلماته وقد اغمض والده عيونه بضيق من تهور ولده الغير محسوب :
_ يابني مش بتتقال كده أنت اتهبلت يا مسلم ؟!
تنفس مسلم وقد شعر أنه لن يخطو خطوة دون أن يفعل ذلك، سيخبرهم بكل شيء ليتقدم بكل قوته له دون أن يحمل همومًا.
_ بابا أنا.... أنا...عمري ما اتمنيت حاجة في حياتي كلها، عمري ما طلبت حاجة لنفسي وفكرت إني بعد كل السنين دي بس الغربة هزهد الحياة ومش هيكون عندي هدف غير اني اشبع منكم واعوضكم غيابي بس ...
خرج صوته مختنقًا وهو يتحدث بصوت يجتذب به شفقة والديه يعلم أنهما سيشعران بما يدور داخل صدره خاصة أنهما عاشا شيء يشبه ما عاشه هو، والداه ورغم انهما كانا أبناء عمومة من نفس العائلة ولكن من جذور بعيدة، إلا أن العلاقة بين عائلتيهما لم تكن مستقرة بشكل كامل .
ابتلع ريقه يخرج صوته معذبًا :
_ دي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها في حياتي، وصدقني والله العظيم ما هطلب غيرها بس ...مش حابب ...مش حابب اعمل كده ولا اخد خطوة من غير ما تعرفوا مش حابب احس بالهم إني بعمل حاجة من غير رضاكم .
تنفس بصوت مرتفع وقد توقفت أقدامه أمام منزلها يراقبه وكله خوف أن يكون تأخر:
_ ماما ..بابا، أنا خايف تضيع مني واقضي عمري لوحدي، صدقوني والله رايانا أكثر انسانة طيبة ورقيقة في الدنيا دي كلها .
ابتسم بسمة صغيرة وهو يتذكر كلماتها حول حرق أرض عمها، وضربها المرأة بالصخرة يومًا، وقوفها أمام عز الدين يوم عقد قرانهما .
يكمل بصوت حاني:
- طيبة وهادية ورقيقة وهتحبوها والله، والله هتحبوها اكتر مني أنا حتى .
ابتلع ريقه بعجز والخوف من ضياعها يقتله :
_ بس عايز رضاكم اضمن أنها مش لغيري والباقي مش هيتم غير بمعرفتكم والله .
سحبت والدته الهاتف من بين أنامل زوجها وهي تتحدث بدموع وحنان :
- أنا واثقة فيك يا نور عيني، اتجوز اللي تحبها بس تكون مرتاح يا مسلم، مش هي دي اللي هتريح قلبك، انا موافقة يا حبيبي تحب اجيلك مع ابوك اطلب أيدها ليك ؟؟
نظر لها زوجها بصدمة لتقبض هي على يده وقد اكتفت من معاناة ولدها لعشر سنوات بعيدًا، تغرب لأجل مساعدتهم، شقى عمرًا كاملًا لأجلهم ولم يفعل لنفسه شيئًا واحدًا، والان والله لن ترفض له طلبًا توسل لأجله، رغم غصتها من حقيقة الفتاة، حزنها من أن أولى خطواته لتكوين عائلته ليس بحضورهم، لكنها ستدعو الله أن تكون هي من تريح قلب ولدها .
تنفس مسلم براحة من الجانب الآخر واتسعت بسمته وقد شعر أنه تحرر من ثقل كبير، ينظر للمنزل بإصرار ازداد أكثر وقد ضمن والداه في جانبه :
- بابا ؟!
تنهد والده بصوت منخفض وهو يحرك سبحته بين أصابعه يبتسم بحنان وقد فهم زوجته :
- توكل على ربك يا بني، والإختيار ليك، سواء كان عندك أو عندنا، مراتك محدش هيعيش معاها غيرك، وعشان كده محدش ليه حق يختارها غيرك، عمرنا ما هنجبرك على حد، ولو دي اللي هتسعدك، اعقلها وتوكل .
ازدادت بسمة مسلم اتساعًا وهو يهرول بخطوات متلهفة صوب المنزل يدعو ألا يكون قد تأخر، وحتى ولو يقسم بالله لن يدعها تكون لغيره ما دامت أرادت هي .
توقف أمام المنزل :
_ تسلم يا حاج اقفل بقى عشان أنا قدام بيتها اهو .
اتسعت عيون والده بعدم فهم :
- بيت مين يا بني ؟؟ أنت بتكلمني قدام بيتها ؟!
_ خير البر عاجله يا حبيبي، يلا مع السلامة هخلص واكلمك تاني، بوسلي ماما.
ومن ثم اغلق الهاتف يتنفس الصعداء قبل أن يطرق الباب .
وها هو أمام شيما ينتظر منها أن تسمح له بالدخول .
رمشت شيما وقد خجلت من رده، وهي تعلم تمام العلم أن هذا الشاب هو من ساعد رايانا مرات ومرات، لذا تحركت من أمام الباب تسمح له بالدخول وقد كان وجهها ما يزال شاحبًا مما حدث .
تشير له أن يجلس على الأريكة :
_ أ...اتفضل هنادي البارو يقابلك .
ومن ثم تحركت بتردد للداخل تاركة إياه يقف في منتصف المنزل الذي جاءه سابقًا مرات ومرات لأغراض مختلفة.
تذكر وقوفه هنا اول مرة حينما جاء بكل مجده يطالب بأرض جده، والآن جاء للبارو يطالبه بشيء آخر..
شيء اغلى بكثير من أرض جده .
يطالبه بروحه التي تسكن خارج جسده .
رفع عيونه حينما شعر أن هناك من يراقبه، ليبصرها تقف دامعة العيون مستند على سور الدرج، تراقبه بأعين ملتمعة جعلته يعتدل في وقفته متحفزًا، يشير لها برأسه، وكأنه يسألها خطبها، لكن كل ما فعلته أنها ابتسمت من بين دموعها وهي تراقبه يقف بين طرقات منزلها تعلم أنه جاء ربما لشيء يخص أرضهم.
مدت كفها تمسح دموعها بقوة في اللحظة التي خرج بها والدها متكئًا على شيما يناظره بعدم فهم، تحرك مسلم بتلقائية يساعد في مساندته متحدثًا بهدوء لشيما :
- عنك، سيبيه .
ابتسمت له شيما بشكر وهي تتركه يساعد زوجها للجلوس ومن ثم تحركت تتحدث بهدوء وتوتر :
_ تشرب ايه يا بني !؟
_ شكرًا، أنا بس جاي في حوار مهم مع البارو ومش محتاج حاجة تاني.
توترت ورفعت عيونها صوب رايانا التي كانت تراقبه دون القدرة على رفع عيونها عنه، رؤيته كانت اصعب خاصة بعدما أدركت ما تكنه له، بدت وكأنها تناجيه بنظراتها، ترتجف يدها الممسكة بالسور وتراقبه بكل ذرة بجسدها .
وساڤا تتابع ما يحدث مبتسمة بسمة واسعة ولم يخيب مسلم ظنها، الرجل كان يعشق رايانا ......
_ أنا آسف اني جيت في وقت غير مناسب بس أنا كنت هنا في طلب عارف أنه ممكن يكون غريب خاصة إن مفيش لقاء انتهى بينا بشكل طبيعي .
صمت يبتلع ريقه ومن ثم باشر في حديثه لا يدرك كيف يقنع الرجل بأنه يريد الزواج بابنته بعد كل ما حدث بينهما .
لكن لأجل الورد يُسقى العُليق .
وهو لأجل وردته كان سيأكل العُليق إن اضطر .
_ انا عارف اني ممكن في اللقاءات اللي فاتت كنت حاد شوية و...ممكن اكون كنت وقح شوية لكني ...اسمعني أنا مش كده ابدا بس ده حقنا و...على كلٍ أنا مش هنا عشان الموضوع ده .
كانت كلماته غير مرتبة، يتنفس بصوت مرتفع قبل أن ينظر لعزيز بجدية :
_ أنا جايلك في طلب لو وافقت عليه حاجات كتير اوي ممكن تتغير، وممكن نبدأ بداية افضل .
منحه البارو كامل انتباهه لا يفهم سبب قدومه، أما عن مسلم رفع عيونه صوب رايانا يراقبها ببسمة وحنان وكأنه يعدها بكل ما حُرمت منه يومًا :
_ أنا جاي طالب أيد رايانا منك، وصدقني لو وافقت اوعدك بروحي ما هتزعل يوم ولا حد يمس منها شعره ولا يلمح طرفها أو يبصلها بصة واحدة متعجبنيش .
تجمدت رايانا وتجمدت الدماء بعروقها في هذه اللحظة حتى أنها شهقت تتراجع بسرعة للخلف لتتلقفها ساڤا التي اتسعت بسمتها بقوة وسعادة كبيرة وقد كانت كما لو أنها هي من تقدم لها حب عمرها .
ولولا حدة الموقف لكانت الآن أطلقت زغاريد لا يتوقف صداها في المكان ليومين .
أما عن رايانا فكانت تنظر لمسلم وكامل جسدها يرتجف، هل ...تحققت احلامها؟! استجاب الله دعوتها ؟؟
وضعت يدها على شفتيها وهي لا تصدق ما سمعته، مسلم ..مسلم جاء ليتقدم لها، يطالب بها زوجة ؟!
ابتسمت بغير تصديق وكأن ما يحدث مجرد حلم بعيد، حلم تحقق.
لكن يبدو أن سعادتها غير مقدر لها أن تكتمل فبمجرد أن طرح مسلم طلبه وقبل أن يستوعب والدها ما قيل، انتفضت الأجساد على دخول عز الدين وخلفه والده، وسُكينة التي كان لها الشرف في حضورهم بعدما أبصرت دخول مسلم لمنزل عزيز وهرولت لتخبرهم .
_ ومين بقى اللي ضحك عليك وقالك إننا بنجوز بناتنا برانا ؟!
ومسلم لم يتحرك، بل ظل جالسًا بهدوء ولم يتغير به شيء سوى أنه منح كامل انتباهه للبارو الذي تشنجت كامل أعصابه بشكل واضح .
_ قولت ايه يا بارو ؟؟ صدقني لو وافقت مفيش حد أي كان هو مين هيقدر أنه يمسها أو يمسك .
تحرك عز الدين بغضب مرعب وهو يصرخ بصوت هز جدران المنزل :
_ أنت عبيــــط قولتلك بناتنا مش بيتجوزا من غير الغجـــــر ايه في كلامي مش واضح ؟!
_ معتقدش إني وجهت ليك أي كلام، فاسكت وبطل صداع عشان مش فايقلك حقيقي .
اتسعت عيون عز الدين بقوة ولم يكد يهجم على مسلم لولا يد والده الذي قيده بسرعة يأمره بعيونه أن يهدأ، ووجه كامل نظراته صوب مسلم يحاول إيجاد حل يخرج منه بأقل الأضرار .
- اسمع يابني عشان مش عايزين مشاكل، زي ما قالك ابني، بناتنا مش بيتجوزا برة الغجر، إلا لو ..
صمت وهو يترك الحديث معلقًا تحت نظرات عز الدين المصدومة والذي أبصر في عيون والده رغبه في المقايضة واضحة .
ولم يكد يعترض على رغبة والده حتى قاطعه مسلم وقد منحه نصف اهتمام والنص الثاني مع رايانا التي كانت تتابع ما يحدث بشحوب .
_ إلا لو ايه ؟؟ قول من غير مقدمات .
_ إلا لو قدمت ليها مهر محدش غيرك يقدر يقدمه، حاجة محدش في رجالتنا يقدر يقدمه ليها، شيء يميزك عنا، في الحالة دي بس بنقدر نسلم بنتنا للي عمل حاجة ليها محدش من رجالة الغجر قدر يقدمها .
رفع مسلم حاجبه ورايانا اشتدت نظراتها بقوة وهي تراقب عمها بكل كره العالم وقد علمت أنه التجأ لهذا التقليد القديم فقط ليصيب مسلم بالعجز .
يتعامل معها كالبضاعة، يمنحها للأعلى سعرًا .
حولت عيونها صوب مسلم الذي كانت ملامحه باردة وبكل بساطة تحدث :
- تمام ...
رفع نظراته صوب رايانا ينظر لها نظرات صغيرة جعلت قلبها يرتجف بحيرة من مغزى نظراته، ومن ثم عاد بعيونه صوب عمها يتنفس بصوت مرتفع وقد قام بحساب ما هو مقدم عليه في رأسه سريعًا.
اقسم أنه لن يمس الأموال التي عاد بها، لكنه سيفعل إن كانت هي ما ستوصلها لها، سيفديها بكل سنوات عذابه وما خرج به .
لذا ابتسم ببساطة يقول بكل هدوء :
- ورايانا متستحقش غير إن يتعمل ليها اللي متعملش لغيرها وعشان كده ...
صمت يفكر مرة أخيرة فيما سيقول قبل أن ينطق بها صراحة :
_ لو عايز الارض، اعتبر الأرض كلها ماعدا أملاك جدي الخاصة هدية مني لرايانا، وهتتكتب باسمها هي .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إنّ المُحِبّ إذا أحبّ حبيبُه
تراهُ يبذُل فيهِ ما لا يُبذَلُ!"
