رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل التاسع عشر 19 بقلم مريم الشهاوى


 رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل التاسع عشر 

|تقدَّمَ حسن لِخِطبةِ يدي|
صاح فرانكو وهو مربوط بكرسيٍّ خشبيّ، وقد شدَّ الخوفُ أوصاله:

«اتركني يا بيتر.»

ارتدَّ الصوتُ قاسيًا، فردَّ نوح بحدَّة:

- اسمي نوح، وإيّاك أن تتفوَّه بهذا الاسم أمامي مرَّةً أخرى.

تلعثم فرانكو، وابتلع ريقه قبل أن يقول مستسلمًا:

- حسنًا... نوح. أنا لا أعرف شيئًا. كلُّ ما فعلتُه لم يكن سوى تنفيذ أوامر بابا ستيفن، لا أكثر من ذلك، أقسم لك.

اقترب نوح خطوة، وشد على المسدس الذي بين يديه:

- لا أصدِّقك يا فرانك... قل وداعًا لنفسك قبل أن يفجِّر هذا المسدس رأسك.

عندها انفلت الكلام من فرانكو كالسيل، وهتف بصوتٍ مرتجفٍ يقطعه الذعر:

- المجهول... رجلٌ مجهول هو من كان يمدُّ البابا بالمال، ويُملي عليه ما يفعل بك. كان بابا ستيفن يقتات من تلك النقود كلما طال بقاؤك معنا؛ وجودك بيننا لم يكن سوى صفقةٍ تُدفَع شهريًّا. وحين انقطع المال واختفى ذلك الرجل فجأة، أمرك البابا بالهبوط إلى مصر... كان ذلك تهديدًا: إن لم يدفع، فلن تبقى معه يومًا واحدًا.

توقَّف نوح لحظة، ثم سأل بصوتٍ خفيضٍ حادّ:

- من يكون؟

هزَّ فرانكو رأسه بيأس، وقال:

- والله لا أعلم حتى اسمه. البابا وحده كان يروي لي ما يجري. لم أحضر له مكالمةً واحدة بنفسي.

تدخَّل توم، وقد عقد حاجبيه ونظر إلى نوح نظرة فاحصة:

- أهناك لك أعداء؟

صمت نوح قليلًا، يستدعي ذاكرته المزدحمة بالوجوه. نعم... له أعداء، وكُثُر. لكن أيُّهم؟!! 

___________________

-«انزلْ أنتَ إلى مصر، وسأتولّى الأمر هنا.»

تلألأت عينا نوح، ثم رفع بصره إليه وقال وقد تردّد صوته:

«أحقًّا؟»

ثم ما لبث أن تراجع، وكأن فكرةً باغتته فأربكته، فهتف بحزمٍ مشوبٍ بالقلق:

«لا يا توم، هذا سيعرّضك للخطر... سنبقى معًا حتى نعثر عليه.»

ابتسم توم وهزَّ رأسه مستنكرًا:

«يا رجل، ما الذي تتفوه به؟ لقد استعدت اخيرا ذاكرة عائلتك التي غابت عنك أربعة أعوامٍ طوال، ومن المحال أن يكون عقلك الآن في صفاءٍ يسمح له بالتفكير في الانتقام. أنت تشتاق إليهم، وروحك متعبة، وقرارك ليس وليد اتزان. عُدْ، وافرح، واهدأ، وأعد الاستقرار إلى حياتك من جديد، ثم فكّر بهدوء فيما ستفعله لاحقًا... هذا وإن لم أكشف أنا هنا من يكون ذلك المجهول. ثق بي يا صاح، وعُد، ودَع الأمر عليّ.»

شعر نوح بغصّةٍ حارقةٍ تعتصر قلبه؛ كيف له أن يترك توم؟ هذا ليس صديقًا فحسب، بل أخًا. 

اندفع إليه، وعانقه، وشدّ عليه بقوةٍ وهو يقول بامتنان:

«شكرًا لك.»

ربّت توم على كتفه، وقال بهدوءٍ ودفء:

«ليس هناك شكر بين الاصدقاء.»

__________________

هتفت مسرعةً بصوتٍ مقهورٍ، كأنما انخلع من صدرها اقتلاعًا:

"حمزة."

ارتجف حمزة دهشةً، وهمس غير مصدّق:

"أميرة!"

فانفجرت أميرة باكيةً، وانسكبت كلماتها مبللةً بالرجاء:

"حمزة أرجوك تعالى خدني... أنا مش عايزة أرجع المصحة."

في لحظةٍ خاطفة، انتشل سمير الهاتف من بين يديها، وحدّق في وجهها بنظرةٍ مشحونة بالوعيد، ثم رفع الهاتف إلى أذنه وقال بلهجةٍ مصطنعة الهدوء:

"أيوة يا حمزة... معلش سيبت موبايلي في الأوضة معاها."

جاءه صوت حمزة مثقلًا بالحزن:

"ابقى عدي عليَّ، عاوز أكلمك."

أنهى سمير المكالمة وأغلق الهاتف، ثم التفت إلى أميرة وقال بحدةٍ مكبوتة:

"إنتِ ليه فاكرانا عايزين نإذيكي ها؟!"

ازدادت أميرة بكاءً، وتهاوت كلماتها كاستغاثة غريق:

"أنا بقيت كويسة، خرجوني من هنا... أنا مش عايزة أفضل هنا... مش عايزة أرجع للمصحة تاني بعد ما أخرج من المستشفى يا سمير بالله عليك... أنا كلمت حمزة عشان متأكدة إنه هيقنعك، وحمزة قلبه طيب مش حجر زيك."

فصرخ سمير، وقد انشقت نبرته عن جرحٍ لم يندمل:

"عشان حمزة مش مجروح زي ما أنا مجروح منك!"

ثم استدار وخرج من الغرفة، غير ملتفتٍ إلى صرخات أميرة التي كانت تتشبث بصدى صوته، تتوسل ألا تعود إلى المصحّة مرةً أخرى.

غادر سمير المستشفى، والدمع يترقرق في عينيه رغم عناده. مسح دموعه بظاهر كفه، وكأنما يخجل من انكساره، ثم اتجه بخطواتٍ مثقلة نحو سيارته، ركبها وانطلق قاصدًا حمزة، يحمل في صدره وجعًا لم يجد له اسمًا بعد.
________________________

استعدَّ نوح للصعود إلى الباخرة، مُتهيِّئًا لرحلته غير الشرعية؛ سيعود كما جاء، خلسةً، محمَّلًا بما لم يأتِ به. ودَّع توم بنظرةٍ طويلةٍ صامتة، تختصر من العِشرة أكثر ممّا تقوله الكلمات. وما إن همَّ بالتحرُّك، حتى استوقفه صوت توم من خلفه:

- ثَمَّةَ من يريد الاعتذار منك قبل مغادرتك.

توقَّف نوح، وانكمش جبينه وهو يُقلِّب الاحتمالات في رأسه. خطا توم خطوةً إلى اليسار، فانكشفت من خلفه «جين»، واقفةً بارتباك، تُشبك يديها ببعضهما خجلًا، وترفع نظرها إليه بتردُّد.

اتَّسعت عينا نوح دهشةً سرعان ما انقلبت اشمئزازًا، فصرف بصره عنها وقال ببرودٍ قاطع لتوم:

- الوداع يا توم.

- بيتر، انتظر...

- اسمي نوح.

- حسنًا، نوح... أرجوك، اسمعني.

أمسك توم بذراعه مانعًا إيّاه من الرحيل، وقال بنبرةٍ راجية:

- اسمعها.

ثم تركهما ومضى بعيدًا، وقد ترك قلبه خلفه يشتعل خيبةً وحسرة.

التفت نوح إليها، وقال بحدَّةٍ لا تخلو من مرارة:

- ماذا تريدين أن تقولي؟

اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت بصوتٍ مرتعش:

- أخطأت... أعترف بذلك. لكن حُبِّي لك كان يُعمي تفكيري. لطالما أحببتك وانتظرتك طويلًا. القبلة كانت بإرادتك، أقسم لك، وقد فوجئتُ بتصرُّفك لأنني...

قاطعها نوح بحدَّة:

- حسنًا يا جين، لنقل إن القبلة كانت خطئي، ولم أكن أدرك أنكِ أنتِ. فماذا عن تخديري، ووَضعي على السرير لتكتمل المكيدة التي كنتم تُخطِّطون لها؟ أتعلمين ما معنى هذا؟ إنهم أرادوا تشويه صورتي، أرادوا أن يجعلوا زوجتي تكرهني. أهذه هي مشاعرك؟ أم هذه حقارة؟

همست باختناق:

- أنا آسفة...

ابتسم نوح ابتسامةً موجوعة، وقال ساخرًا:

- ومن أين تُصرَف هذه «الآسف»؟

زفر نوح بعمق، فقالت مسرعةً، وقد غلبها الخوف:

- أقسم لك لن يتكرَّر هذا الخطأ. ستبقي صديقي، وأنا لم أقبل أن أخسرك. أنت أعزُّ أصدقائي في الفريق. إن فقدتك كحبيب، فلا تجعلنا نفقد صداقتنا أيضًا.

تنفَّست قليلًا، ثم تابعت بنبرةٍ صادقة:

- أنت تعشق زوجتك يا نوح. حين قبَّلتني، كنت تتمتم باسمها... كنت تظنُّها أنا. يا لإخلاصك... حتى وأنت فاقد الذاكرة، لم تقترب من امرأةٍ سواها. أنت مثالٌ للحب الخالص، وأتمنَّى أن يُحبَّني أحدٌ يومًا كما تحبُّ أنت زوجتك.

صمت نوح لحظة، ثم ابتسم ابتسامةً هادئة وقال:

- هو موجود... لكن عينيكِ لا تُبصرانه.

ساد صمتٌ قصير، قطعه صوت توم وهو يقترب:

- تصالحتم؟

ابتسم نوح لجين، فانفرجت أساريرها وقد غمرها عفوُه، فأسرعت نحوه وعانقته، ثم اندفعت لتعانق توم. ودَّعهما نوح، وصعد إلى الباخرة، وقلبه يسبقه إلى زوجته، رفيقة روحه.

تخيَّل عناقها، كيف سيضمُّها بقوَّةٍ كأنَّه يستردُّ بها ما سُلب منه، كيف اشتاق لعطرها، لدفءِ شعرها، لكلِّ تفصيلةٍ فيها. اشتاق إليها... واشتاق لطفلته أكثر. أراد العودة سريعًا، غير أن بينه وبين ذلك العناق ساعاتٍ أطول ممّا يحتمل.

لكن من انتظر أربع سنوات، لن تُرهقه ساعات.

سيصبر... وسيعود.

ولن يتركهم بعد اليوم أبدًا.

________________________

هتف رحيم بها وقد ضاق صدره: 

«طب أنا عرفت ليه كنتِ بتتعاملي معايا كده، وادينا فهمناكي الوضع... أمّا لحد دلوقتي، ليه مش طايقاني وبتتعاملي معايا بالجفاء ده ليه؟!»

نظرت إليه تمارا بهدوءٍ بارد، لا اضطراب فيه ولا انفعال، وقالت بنبرةٍ خالية من أي شحنة:

«بتعامل معاك عادي يا رحيم... معرفش المفروض أتعامل إزاي أكتر من كده!»

ارتسمت على شفتي رحيم ابتسامةٌ متحمِّسة،وقال بخفَّةٍ مقصودة:

«اتخانقي معايا.»

قابلته بنظرةٍ أشدَّ برودًا، وقالت وكأنها تُنهي حديثًا لا يعنيها:

«يلا يا رحيم، اجهز.»

وقبل أن يجد ردًّا، انفتح الباب فجأة، ودخلت غزل وهي تهتف بحماسٍ يملأ المكان:

«يا جماعة، هنتحرَّك بعد عشر دقايق، يلا!»

تحرَّكت تمارا خلفها دون أن تلتفت إليه مجددًا.

أما رحيم، فبقي واقفًا في مكانه، يتبع خطواتها بعينيه وهي تبتعد. 

_________________________

أدخله حمزة إلى المنزل، فجلس سمير مثقل الرأس، تعتجّ الأفكار في عقله اعتجاج الموج في صدر بحرٍ هائج. وضع حمزة كوبَي القهوة على الطاولة، ثم جلس قبالته وقال بهدوءٍ مشوب بالقلق:

"يا سمير اهدى عليها شوية."

انفجر سمير صارخًا، وقد فاض ما في صدره:

"منا هادي يا حمزة... هو أنا لو مش هادي كنت سكت على هروبها من المستشفى من كام يوم؟ وهو أنا لو مش هادي كنت سكت برضه على انتحارها في المصحة؟... حمزة أنا أميرة ضاعت مني من زمان... بس قدرها لسه مجاش..."

قاطعه حمزة بحزمٍ، كمن ينتزع صديقه من هاويةٍ مظلمة:

"لا... لا يا سمير أوعى... الموت مش أهون من اللي إنت فيه ولا حاجة... اديني أهو قدامك مستنيها ترجع، ومش عارف أتقبل عدم وجودها في حياتي..."

رفع سمير يده إلى وجهه، يخفي ملامحه المنهكة، ولم تلبث أن خرجت من صدره شهقاتٌ متقطعة، كشروخٍ تتسع في جدارٍ متصدّع. اقترب منه حمزة، وأمسك بوجهه رافعًا إياه برفقٍ أخوي، وقال بصوتٍ يحاول أن يكون سندًا:

"هتتعالج وهترجع أحسن من الأول كمان..."

نظر إليه سمير بعينين احمرّتا من فرط البكاء، وقال بصوتٍ مبحوح:

"حتى لو رجعت... ابني مش هيرجع يا حمزة..."

عانقه حمزة بقوة، وقد تجمّعت الدموع في عينيه، وانكسر سمير بين ذراعيه، ينهار باكيًا كالطفل. 

____________________________

جلسوا جميعًا على السطح، يتسامرون وتتعالى ضحكاتهم في ليلٍ ساكن، حتى هتفت غزل فجأةً، كمن يلقي قنبلة:

"مش أنا مطلعتش يتيمة."

التفتت إليها الأنظار دفعةً واحدة، فابتسمت ابتسامةً موجوعة وقالت:

"آه والله... وانا في طوكيو قابلت واحدة من صحباتي في الملجأ..."

وأخذت تقصّ عليهم ما سمعته من صديقتها، وحين توغلت في حديثها خانتها دمعةٌ فانحدرت من عينيها، فمسحتها سريعًا قبل أن يراها أحد، كأنها تنتزع ضعفها بيدها، وتستجمع ما تبقى من رباطة جأشها.

أمسك رحيم يدها وقال بنبرةٍ هادئة تحمل وجعًا خفيًا:

"طب مانا قصادك أهو، أنا اللي سايبهم بإرادتي... مش دي السعادة يا غزل، صدقيني مش كل اللي عايش مع أهله مبسوط... يمكن حياتك مع أهلك الحقيقيين كانت هتبقى أسوأ من اللي إنتِ عايشاه."

قاطعته تمارا بصوتٍ حادٍّ، يحمل صدقًا لا يعرف المداراة:

"ويمكن كانت تبقى أحسن... وتتوبي وتبطلي اللي بتعمليه... لو عندك فرصة إنك تكوني أحسن ولو واحد في المية، امسكي فيها بإيديك وسنانك... إحنا كلنا هنا عاوزين نبطل اللي بنعمله، بس اللي ماسكنا الظروف، أو إحنا موهمين نفسنا إن ظروفنا هي اللي قادتنا نعمل كده.... ولا اللي بقوله ده غلط! "

ساد صمتٌ قصير، وتعلقت الأنظار بتمارا،ومضوا يتسامرون فيما بينهم، وكأنّهم يقرّون في أعماقهم بأنّهم حقًّا لا يريدون الاستمرار في ذلك الطريق...

قالت غزل وهي تبتسم ابتسامةً واهنة:

"حاضر... لو عندي فرصة إني أتغير مش هضيعها... بس نوعد بعض كلنا، بما فيهم إنتِ كمان."

ابتسمت تمارا، فوضعوا جميعًا أيديهم فوق بعضها ورفعوها إلى الأعلى، يهتفون بصوتٍ واحد:

"اتفقنا."

قال شاكر:

"هنبدأ من عند مين؟"

هتفت غزل بحماسة:

"أنااا."

فقال زياد:

"إيه اللي هيخليكي تتوبي وتبطلي الشغلانة دي؟"

فأجابت دون تردد:

"إني ألاقي أهلي ويتقبلوني وسطهم، ساعتها هنضف عشان ألبق أكون معاهم."

أمسك فارس ورقةً وقلمًا وقال:

"هنكتب في ورقة عشان مننساش..."

وبالفعل شرع في التدوين، فكتب أسماء الفريق واحدًا تلو الآخر، ووضع غزل أولًا، ودوّن السبب الذي سيجعلها تقتلع نفسها من هذا الطريق إلى الأبد.

رفع رأسه بعدما انتهى وقال:

"ها، مين التاني؟"

وتتابعت الاعترافات، يتسابقون أيهم يعلن توبته قبل الآخر، وكانت ليلةً عامرة بالبوح؛ سمعت تمارا قصصهم جميعًا، ثم قصّت عليهم قصتها هي الأخرى، وحددت لحظة توبتها. امتد السهر أربع ساعات كاملة، حتى أشرقت الشمس، وانتهوا من أسماء الفريق كلهم.

تبادلوا نظرات الرضا وهم يتأملون الورقة، ثم انصرف كلٌّ إلى غرفته منهكًا لينام. وقبل أن تغادر تمارا، أمسك رحيم يدها ليوقفها وقال:

"شكرًا."

التفتت إليه باستغراب:

"على إيه؟"

قال مبتسمًا:

"إنتِ اللي بدأتي بالفكرة... وهتاخدي ثواب كل واحد فينا لما يتوب."

ابتسمت تمارا وقالت بمزاحٍ خفيف:

"طب كويس إني لحقتها قبل ما كنت إنت أحبطتها."

أجابها بصدقٍ لا يخلو من مرارة:

"مكنتش عاوز أحبطها، بس بفتح عينها على واقع مؤلم أنا عيشته... وأتوقع إنك إنتِ كمان عيشتيه، فإيه اللي خلى عندك التفاؤل ده إنها تلاقي عيلتها ويحبوها؟"

قالت بثباتٍ هادئ:

"عشان صوابعك مش زي بعضها يا رحيم... زي ما فيه أهالي بتظلم عيالها، فيه أهالي كويسين، وغزل بين إن أهلها يكونوا كويسين أو لا.... النسبة خمسين خمسين، يا تصيب يا تخيب.... ومش هتخسر حاجة لو جربت تعرفهم"

كان رحيم مستغرب من تصرفها فهو يعلم ان تمارا تحبه فقد شعر بهذا ودنيا اكدت له هذا فكيف لتلك التمارا ان تتصرف مع غزل بكل هذا اللطف! 

اقترب منها رحيم وقال بنبرةٍ دافئة:

"أنتِ ازاي قادرة تتعاملي معاها بطيبة وحب بعد اللي عرفتيه توقعت تعامليها وحش!" 

نظرت تمارا اليه بثبات: "اعاملها وحش ليه مش فاهمة...البنت كويسة ومأذيتنيش في حاجة_ثم أضافت بوجع وهي تعصر قلبها _حقك انك تحبها وهي تتحب." 

تركته تمارا ومضت إلى شقتها، تضع يدها على قلبها، وقد أيقنت أنها تحبه حقًا… حبًّا من طرفٍ واحد، وما أوجعه من حب. يا ليتها لم تحبه، ولم تلتقِ به يومًا. 
________________________

مرَّ شهرٌ كامل، ونوح ما يزال يتقلّب بين الرحلات، كمن يلاحقه قدرٌ لا يريد له الوصول. لم تكن عودته إلى مصر يسيرة؛ فالمراكب غير الشرعية تعيش اضطرابًا هذه الأيام، وكلما صعد إحداها اضطر إلى الهبوط منها قبل الإبحار، لعائقٍ طارئ أو خوفٍ مباغت، حتى بدا الطريق إليه مسدودًا مهما طال الانتظار.

وفي ذلك الشهر، استطاع حسن أن يتسلل إلى حياة رهف.. أحاطها بعناية واستغل جرحها من نوح استغلالا فائقًا. 

كان يلقاها كل يوم، يسألها عمّا تحتاجه، ويراقب تفاصيلها الصغيرة، وكان قلبه وعقله يضيقان عن حمل فرحته؛ فحبيبة قلبه، التي انتظرها طويلًا، صارت قريبة منه أخيرًا، وإن لم تكن له رسميًا بعد، إلا أنه كان يوقن أنها ستكون كذلك قريبًا جدًا.

وكان كلما لمّح في حديثه معها إعجابه بها، تهرب رهف وتنهي الحوار سريعًا. تكرر ذلك غير مرة، حتى أوقفها حسن ذات مرة في منتصف الحديث، وحسم الأمر مواجهةً صريحة.

- رهف أنا بحبك!

نظرت إليه رهف، ثم التفتت خلفها لتطمئن؛ رأت ابنتها في غرفتها، منغمسة في اللعب بالهاتف، وصوت اللعبة مرتفع، فعادت بنظرها إليه وقالت بخفوتٍ قَلِق:

"إيه يا حسن اللي بتقوله ده… البت جوه."

قال بثباتٍ لا يعرف التراجع:

- أنا مبقولش حاجة غلط يا رهف. مفتحتش بوقي وانتِ على ذمة راجل غير لما عرفت إنك نهيتيه من حياتك واتطلقتي منه. لكن أنا بحبك، ودي حاجة مقدرش أخبيها أكتر من كده. بحبك وعايزك في الحلال.

عقدت حاجبيها وقالت بنبرةٍ تجمع العتاب والدهشة:

- يعني اهتمامك بيا الفترة اللي فاتت كان عشان أوافق لما تقولي حاجة زي كده ضح؟ 

هزّ رأسه نافيًا، وقال وقد فاض قلبه بما ادخره سنينًا:

- أنا طول عمري مهتم بيكِ، بس انتِ اللي مش حاسة. رهف أنا عارف كل خطواتك، عيني مبترمش غير عليكِ. إنتِ محتوية كل حاجة فيا… مش عارف أشوف بني آدمة غيرك. أنا هتم الأربعين ولسه متجوزتش، فاهمة يعني إيه؟ أنا بحبك من وإنتِ في تالتة ثانوي يا رهف، وجيت واتقدمتلك بس أبوكي رفضني. كان رافض إن بنته تتجوز حد ضابط، وقالي: أنا شارط على بنتي متجيبليش عريس لا ضابط ولا محامي، مهنتين أنا مش هقبل بيهم يبقوا جوازات بنتي. ومن ساعتها وأنا هتجنن عليكِ. ولما عرفت إنك اتخطبتي لنوح، مكنتش عارف أتمالك أعصابي، وحسيت إني بتقطع من جوه وأنا شايفك بتروحي مني. رهف، أنا مستنيكي بقالي واحد وعشرين سنة… مستني منك نظرة واحدة. أنا تعديت حدود الحب من بدري، مش شايف غيرك ومش عايز غيرك. إنتِ وجودك هو اللي مخلي عندي أمل إني أفرح يوم في حياتي. أنا مستعد أعمل أي حاجة في سبيل إنك تبقي معايا.

سكتت رهف برهةً، وقد أربكها هذا السيل الجارف من الاعتراف. لم تصدق أن هناك من يحبها بهذا القدر، في الوقت الذي تخلى عنها من أحبته، وابتعد، وانقطعت أخباره حتى صارت تجهل مصيره. لم تجد ما تقوله سوى أن ابتسمت ابتسامةً حائرة وقالت:

"اديني مهلة أفكر طيب يا حسن، وهرد عليك… بس عايزة اسألك: إنت ليه جاي دلوقتي تتقدملي تاني؟ افرض بابا رفضك زي ما رفضك زمان؟ ما إنت لسه بتشتغل شغلانة هو مبيحبهاش؟"

أجابها بثقةٍ هادئة:

- لا، دلوقتي الوضع مختلف. دلوقتي إنتِ بتفكري فيا، وهتقنعيه إن شاء الله بيا، ده لو إنتِ وافقتي في الأول طبعًا… مستني ردك يا رهف في أسرع وقت.

ثم غادر حسن، وقد غمرته فرحةٌ عارمة، كأن حمل السنين انزاح عن صدره دفعةً واحدة. وبقيت رهف مكانها، صامتة، غارقة في التفكير، تتأمل وضعًا يعجبها على نحوٍ غامض. راحت تتخيل نوح إن عاد يومًا، فرآها وقد تطلقت منه وتزوجت غيره؛ أيُّ انتقامٍ قاسٍ ذاك، وأيُّ لذّةٍ مشتعلة يمكن أن توقظها هذه الفكرة في أعماقها.

____________________________

فتحت تمارا باب شقّتها، فتفاجأت بالفريق بأكمله مصطفًّا أمامها. صدح ضحك سليم حين أبصرهم، وهم يمسكون بالبالونات والألعاب، ويتقدّمهم رحيم حاملًا قالب كعك تتخلّله الشموع، يتوسّطها الرقم خمسة.

أدركت أنهم يحتفلون بعيد ميلاد سليم؛ فقد كانت قد ذكرت، في جلسة سابقة معهم، موعد ميلاده وأنه سيُتمّ عامه الخامس، فإذا بهم، في شهر ميلاده، يجيئون ليُدهشوها باحتفالٍ لم تتوقّعه.

ابتسمت تمارا لرحيم، واغرورقت عيناها بالدموع، وهم يهتفون لسليم. حملته غزل وأخذت ترقص به:

"سنة حلوة يا جميل... سنة حلوة يا جميل."

أمسكت غزل بيديه ورفعتهما وهي ترقص، وتكاتف الفريق كلّه يلاعبه، بمن فيهم رحيم الذي ظلّ ممسكًا بالكعك. دخلوا الشقّة جميعًا وهم يهتفون ويغنّون. وضع رحيم الكعك على طاولة قريبة، والتفّوا حولها، وسليم في وسطهم يضحك بملء صوته؛ ضحكٌ طفوليّ بريء، صافٍ كالنور.

وقفت تمارا عند عتبة الباب تبكي وهي مبتسمة، إذ شعرت أنّها رُزقت بعائلة، لا مجرّد فريق. اقترب منها رحيم خفيةً وهم منشغلون، ولمّا رأى دموعها مسحها بإصبعه وابتسم لها، فابتسمت هي الأخرى. أمسك بيدها وضمهما إلى الحلقة، فوقفت بجوار سليم تغنّي له هي أيضًا. كانت أجواءً جميلة، طيّبة، نقيّة، تهدهد الروح.

نفخ سليم الشموع، فصاح الجميع فرحًا، ثم أخذوا يقدّمون هداياهم للصغير؛ هدايا جميلة تلائم عمره. غمرت الفرحة قلب تمارا لفرح طفلها، وأدركت أنّ للحياة بهجةً لم تذقها من قبل.

____________________

— حسنُ طلب ايدي.

صاحت أمّها، وقد سبقها اليقين:

"والله كنت عارفة."

زفر والدها معتز زفرة عجزٍ ثقيلة، وقال:

"كلّنا كنا عارفين، بس عاملين عبط."

نظرت إليها أمّها باستخفاف، ثم قالت:

"هو مش حسن ده اللي راهب عن الجواز عشانك؟"

ابتسمت رهف؛ إذ إنّ الفكرة وحدها كانت كفيلة بأن تُغرق قلبها بشعورٍ من الزهو، أن يكون أحدهم مولعًا بها إلى هذا الحد:

"ايوة، وبيموت فيا، وبيحبني، وطالبني في الحلال... ومش حد غريب، ده ابن خالتي، وأنا برتاح معاه."

قال والدها، وقد بدا عليه التردّد:

"من ساعت ما جه طلبك مني ورفضته وهو..."

قاطعته رهف مسرعة:

"مهو ده يا بابا اللي مخوّفه، إنه ييجي يتقدم وترفضه تاني."

خرج كريم من الحمّام مرتديًا سروالًا فقط، ولم يقدر الانتظار حتى يرتدي وصاح:

"والله كنت عارف... مش قولتلك؟ قولتلك ده ما هيصدق، وهيستنى تتطلقي منه عشان يتجوزك هو..."

هتفت سعاد بخوف أمومي: "ادخل يا واد البس هدومك، تاخد برد."

نظر كريم إلى أمّه، ثم قال:

"استني يما... بابا، انت مش هتوافق على حسن؟"

ساد الصمت، فسأله كريم يتوجزه الخوق والقلق من سكوته:

"بابا..."

نظر معتز إلى رهف، من غير أن يلتفت إلى ابنه، وقال بحزمٍ هادئ:

"قوليله ييجي بكرة بليل، أنا اجازتي بكرة."

ضرب كريم الأرض بقدمه، فيما وقفت رهف مذهولة من تلك الموافقة السهلة. رمقته بدهشة، فقال هو ساخرًا:

"إيه؟ عايزاني أعترض عشان تكسري كلمتي تاني، واللي في دماغك تعمليه، وتقولي: أنا المسؤولة عن قراراتي، ومحدّش له دعوة؟"

— "يا بابا، أنا مكنتش قصدي تفهمها كده."

— "هي اتفهمت كده يا رهف... أنا عايز أشوف آخِر اللي هتعمليه ده إيه هيبقى، ومستني نوح يرجع قبلك كمان عشان يفوّقك من اللي انتِ فيه. لو أنا وأمّك مش قادرين عليكِ، هو كان بيقدر عليكِ."

نهض متّجهًا إلى غرفته، ولحقت به زوجته. ورفعت يدها إلى أعلى وهي تقول:

"منك لله يا بعيدة... الله ينتقم منك، هتجيبي أجله، أنا عارفة... يا حج، استنّى."

نظرت رهف إلى أخيها، الذي ظلّ واقفًا يحدّق فيها صامتًا، ثم قال فجأة:

"انتِ بتتعاطي حاجة يا رهف؟"

ابتسمت له بسماجة فقال مؤكدًا:

"مهو أنا ابتديت أشك إن فيه ربع عندك مهوي.. اللي يوافق على حسن وهو عارف إنه نجس، وفلوسه حرام، ومش ولا بد في شغلانته، وبياخد رشاوي كتير، تبقى اتجننت."

— "وانت مين اللي قالك بقى الكلام ده؟"

— "انتِ وماما."

— "وأنا بقولك إننا افترينا عليه، والراجل مفيهوش العيبة."

أخذ كريم ثيابه من الحمام وارتداها امامها ثم توجه للباب: 

"أنا نازل عشان مولّعش فيكِ... أبوكِ قال كلمته ومفيش كلمة بعده بس أقسم بالله لتندمي يا رهف...نوح وحسن بتقارنيهم ببعض!... نوح ده يتقارن بحد اصلا! "

____________________________

جلست رهف على طرف السرير، وقد هيّأت نفسها لتفاتح ابنتها بما كانت تخشاه وتؤجّل البوح به، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله هادئًا:

"عايزة اتكلم معاكي ممكن؟"

أومأت لوجي، فتابعت رهف وهي تستجمع شجاعتها:

"عارفة عمو حسن اللي بيجيبلك هدايا وألعاب وحاجة حلوة، ابن طنط ميرفت؟"

ابتسمت لوجي ابتسامةً صافية وقالت:

"ايوة، انا بحبه أوي."

عندها قالت رهف، وقد تردّد صوتها قليلًا:

"ايه رأيك يكون مكان بابا..."

فانقبض وجه لوجي فجأة، وتبدّلت ملامحها، وقالت بحدّةٍ طفولية:

"مفيش حد هيبقى زي بابا!"

تنفّست رهف بعمق، ثم مالت نحوها محاولةً الإقناع:

"بصي يا لوجي، انتِ كبرتي دلوقتي، إنك تفهمي. أنا وبابا انفصلنا عن بعض، مبقناش متجوزين خلاص... وعمو حسن ده عاوز يتجوزني، فـ أنا ينفع أتجوزه، وانتِ هتعيشي معانا، وهو هيبقى زي بابا. هيوديكي التمرين، وياخدك الملاهي، ويلعب معاكِ. مش هيكون زي بابا، بس هيبقى مكانه في عدم وجوده."

رفعت لوجي عينيها إليها، وسألت ببراءةٍ مشوبة بالقلق:

"يعني لما بابا يرجع، عمو حسن هينفصل عنك، وهيرجع بابا لمكانه؟"

زفرت رهف زفرةً ضيّقة، وقد أربكها هذا الفهم البسيط المباشر، وقالت:

"يعني حاجة زي كده... مكان بابا فاضي، فييجي عمو حسن يملاه بحنية وطيبة وألعاب. هيكون زي بابا بالظبط."

________________________

مرّت ثلاث ليالٍ، كانت غزل في مهمةٍ لرجل أعمال يُدعى سالم الباجوري، صاحب مناجم فحمٍ عديدة. وقد كُلّفت بأخذ مستنداتٍ مهمّة من مكتبه. وقد تكمن الحيلة في دخول غزل إلى منزله بحجة أنّها عاملة نظافة جديدة. لسالم زوجةٌ تُدعى نادين، وولدان: مُهاب ومالك.

قالت غزل، مدخلّةً نفسها على البيت:

— "يابيه، أنا الشغالة الجديدة."

ابتسم سالم لها، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الرضا:

— "أهم حاجة عندك يا فيروز، الأمانة."

ردّت غزل مطمئنة، حريصة على إخفاء نواياها:

— "إن شاء الله يا بيه، متشوفش مني غير كل خير."

_____________________

جلس حمزة على كرسيه المفضل للكتابة، وأمسك بالورقة والقلم، وشرع في كتابة روايته الجديدة بعنوان:

محتالة قلبي

الرواية التي سيحقق بها ما تمناه حقًّا… ولكن لو كانا هما الاثنين في ظروف غير تلك، لو كانا قد التقيا في زمن آخر…

ربما هذا الزمان موجود في الروايات فقط.

موعدهم كان في روايته، حيث ابتدأ ينسج بها قصتهم منذ البداية…

_____________________

بالساعة الثالثة بعد منتصف الليل وطئت قدما نوح أرض مصر. وقف أسفل العمارة، قابضًا على حقيبته خلف ظهره، محدّقًا في البناء الذي يعرفه قلبه قبل عينيه؛ عمارة بيت رهف.

-عم مصلحي...افتح الباب.

استيقظ البواب من سباته على مناداة نوح فنهض ليقف خلف الباب قائلا:"مين؟"

-انا نوح يا عم مصلحي افتح.

فتح مصلحي الباب بسرعة بوجه مبتسم:"يا اهلا اهلا بالقبطان....غيبتك ليها وحشة اينهم مطولتش المرة دي بس الحمد لله رجعتلنا بسرعة بالسلامة."

عانقه نوح ثم ذهب نحو المصعد ليهتف مصلحي:"الاسانسير مش شغال يا ابني لسه هنجيب حد يصلحه النهاردة معلش حقك عليا هتطلع على رجلك وانت تعبان...هات الشنطة اشيلها عنك."

-لا لا...استريح انا زي الفل...هطلع علسلم.

اندفع صاعدًا الدرج مهرولًا. نعم، كان مُنهكًا من عناء سفرٍ شاقٍّ طال أمده، وتعثّرت فيه الخطى حتى وصل أخيرًا للدور العاشر ها هو وقف أمام باب شقته، ما بينه وبين زوجته، حبيبة روحه، لم يعد مسافةً تُقطع، بل جدارًا قائمًا.

ضغط جرس الباب مرارًا. لم يأته ردّ. كانت الساعة الثالثة فجرًا، غير أنّه لم يكن قادرًا على الانتظار حتى الصباح؛ فقد كان يعدّ الساعات منذ أن استعاد ذاكرته، وتيقّن أنّها ليست زوجته فحسب، بل قطعةٌ من روحه لا تكتمل الحياة دونها.

— "ايوة حاضر... مين!"

لم يجبها، واستمرّ في الضغط على الجرس.

نظرت رهف من العين السحرية، ولكن لم تستطيع ان تراه فإذا بنوح واضعًا يده عليها ليمنعها من كشف رؤيته بتلك الطريقة فانما يريدها ان تراه بعينيها وهو ناظرا لها... 

وضعت يدها على صدرها خوفًا. كانت وحدها في الشقّة، هي وابنتها، والذي يقف بالخارج رجل لا تعرفه. كيف تنجو بنفسها إن كان سيّئ النيّة في هذا الليل؟

— "افتحي يا فوفا."

تجمّد الدم في عروقها. إنّه… إنّه صوت نوح. اندفعت تفتح الباب على عجل، غير مصدّقة. وحين وقعت عيناها عليه، ووقعت عيناه عليها، لم يستطع السيطرة على كيانه؛ فضمّها إليه بقوّة، كأنّه ينتشلها من فراغٍ طويل، دافنًا وجهه في عنقها.

وقفت رهف مذهولة، لا تدري كيف تتصرّف، غير أنّها وجدت نفسها تدفن وجهها في ثيابه، تستنشق رائحته، غير مصدّقة أنّه قد عاد حقًّا.

أغلق نوح الباب خلفهما، ثم ابتعد قليلًا، وأمسك وجهها بين كفّيه، يتأمّل ملامحها بشوقٍ موجع:

"وحشتيني يا روح قلبي...."

ابتسمت رهف لا إراديًّا، واقترب منها نوح ليقبّلها، غير أنّها ابتعدت فجأة، وقالت بارتباك:

"انت بتعمل ايه... حرام."

انكمش حاجبا نوح، وقد بدا الذهول في عينيه:
"حرام!"

استعادت رهف ثباتها، وضمّت ذراعيها إلى صدرها، وقالت بحزمٍ امتزج بالألم:

"ايوة حرام... لأني اتطلقت منك خلاص."

تعليقات