رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل العشرون
|ابتسامة على ضفاف الفاجعة|
انقبض جبينُ نوح، وتقلّصت ملامحه كأنّ الكلمات قد صفعت وعيه صفعةً مباغتة، ثم انفجر ضاحكًا ضحكةً عاليةً متقطّعة، وقال غير مصدّق:
"انتِ بتهزري معايا صح؟!! "
دنا منها خطوةً أخرى، غير أنّها دفعته بقوّة، وقد اشتدّ عزمها وصلب صوتها:
"نوح انا مبهزرش.... انا اتطلقت منك فعلا... قسيمة الطلاق."
ومضت من أمامه، ثم عادت وفي يدها الوثيقة الرسميّة، فمدّتها إليه قائلةً:
"أهي."
تناولها نوح، وأخذ يقرأ سطورها حرفًا حرفًا، كأنّه يرجو أن تنقلب الكلماتُ عن معانيها، أو أن يتبدّل الحبرُ رمادًا. تمتم وصوته يتكسّر:
"ايه ده.... ليه... ليه عملتي كده؟؟!"
قهقهت رهف قهقهةً باردةً ساخرة:
"عشان تبقى تعرف تخوني كويس...ولا تحب اوريك الفديو تشوف نفسك كويس وانت مقضيها ديسكوهات وعط وقرف مع الزفتة الملونة دي واكيد في غيرها ياما."
وأخرجت هاتفها، وشغّلت المقطع؛ فظهر نوح وهو يُقبّل جين. عندها أدرك الخديعة كلّها، وشحب وجهه، ثم قال متوسّلًا:
"انا مخونتكيش يا رهف... كل شيء حصل كان في غير وعيي احلفلك بايه؟"
ابتسمت ابتسامةً وادعةً تحمل في طيّاتها لذعًا خفيًّا:
" لا متحلفش ما ده كان بيتر وانا عذراك يا حبيبي."
ثم استدارت تمشي في أرجاء الشقّة، وقالت ببرودٍ مقصود:
"انت مينفعش تبات هنا فروح عند طنط هبة و...__التفتت له كأنها تذكرت قول شيء__ اه... عشان متعرفش من برا... حسن ابن خالتي طلب ايدي وقريب اوي هنتجوز."
اشتعل الدم في عروق نوح، فتقدّم منها، وقبض على ذراعها قبضًا عنيفًا:
"حسن مين وجواز ايه انتِ بتتكلمي جد!! رهف اقسم بالله لو ده مقلب متزعليش من اللي هيحصل..."
هتفت به، تنتزع ذراعها:
"مش مقلب وسيب ايدي لو سمحت... انا هتجوز حسن شئت ام ابيت... انا اتطلقت منك خلاص عارف يعني اي اتطلقت يعني ملكش حكم عليا انت فاهم؟"
صرخ، وقد تهاوى صوته بين الإنكار والوجع:
"لا مش فاهم.... لا مش فاااهم... انتِ بتقولي ايه!... انا بقالي شهر بحاول اجي مصر عشان اترمي في حضنك وده يبقى اللي مستنيني!!... يارتني فضلت هناك... ياريتني ما رجعتلي الذاكرة."
تبدّلت ملامحها حين علمت أنّ ذاكرته قد رجعت، غير أنّ خاطرًا سرعان ما نهض في عقلها: عودة الذاكرة لا تمحو الخيانة.
تنفّس نوح بعمق وحاول أن يبتسم:
"طيب يا حبيبتي... هنحاول نصلح كل اللي اتكسر وحقك عليا متزعليش ... "
قالت بصرامةٍ موجعة:
"اللي اتكسر مش هيتصلح يا نوح..."
اقترب منها برجاء:
"متظلمينيش يا رهف... ومترميش عليا باتهام انا مكنتش قاصد اعمله... انا مطلوب مني ايه دلوقتي عشان تسامحيني؟"
ابتسمت ابتسامةً استفزازيّة:
"عايزاك تبقى تاخد البنت عندك في وقت شهر العسل بتاعي."
عرفها جيّدًا، وعرف ما ترمي إليه، فاشتدّت قبضتاه، وجذبها إليه:
"هو انتِ فاكرة انك بتلعبي يا رهف هتتجوزيه عشان تغيظيني!"
قالت، وهي تستلذّ بغيرته:
"اهو خليتك تحس بنفس اللي حسيت بيه."
زمجر من بين أسنانه:
"محسبتيهاش صح يا ذكية... مخك اللي مبيفكرش ده عاند وهو مش فاهم... مخك مقالكيش ان فيه حد تاني غيري هيلمسك."
قهقهت باستهزاء:
"على الاقل هيلمسني في الحلال مش زنا زيك."
اهتزّ صوته صرخةً مدوّية:
"كونه انه يلمسك ده عادي لانه في الحلال! "
رفعت كتفيها بلا اكتراث:
"طبعا مش جوزي ولا لسمح الله ماشية معاه في الحرام وبروح ديسكوهات وبشرب وبقضيها معاه؟"
دوّى صوته باسمها:
"رهف!"
ابتلعت ريقها، وارتجف جسدها تحت حدّة نظراته؛ كانت عيناه تقدحان شررًا، والدموع محتجزة فيهما، فآلمها منظره، غير أنّ عقلها كان يذكّرها بالكأس التي سُقيت منها.
أغمض عينيه، ووضع يده على رأسه، ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها هادئة:
"يلا يا حبيبتي... يلا نرجّع بيتنا ونكمل حياتنا زي ما كانت دي مشكلة ومرت وهنعديها واحنا سوا... انا لسه باقي عليكِ."
قالت بوجعٍ عميق:
"وانا مش مطلوب مني استحمل اللي حصل واعدي."
أمسك بذراعيها برفقٍ هذه المرّة:
""يلا يا رهف...كل اللي بتعمليه ده شغل عيال فاستهدي بالله كده واتصرفي صح ولو مرة في حياتك وانقذي بيتك بدل ما انتِ اللي هتخربيه بايديكِ."
صرخت، تدفعه بعيدًا:
"بطل تحاسبني على أخطاءك. "
تجمّد، ثم انفجر صوته:
"أخطائي أنا؟!"
ارتجفت كلماتها وهي تخرج ممزوجةً بالقهر:
"أيوة كل اللي وصلناله ده بسببك فمتحاولش تتهمني بأي حاجة... أنت السبب... أنت اللي كسرتني... خليتني أستناك أربع سنين... أنا ضيعت من عمري أربع سنين... وقفت حياتي على فراقك في نفس الوقت اللي كنت أنت مرتاح فيه وبتسرق وبتعمل ما بدالك وناسي دينك وأخلاقك وكل حاجة...دنا حتى إهتمامي بنفسي مبقاش موجود نسيت نفسي نسيت عمري اللي جري نسيت كل حاجة بتخصني... وحسن.... حسن كنت صعبانة عليه وكان هو اللي بيراعي لوجي... وكان بيتطمن عليا...طلب إنه يتجوزني على مدار الاربع سنين لكن أنا رفضت.. رفضت عشان مش متخيلاني مع حد غيرك لإني فعلا مكنتش هتجوز غيرك حتى لو أنت مُت إنما بعد كل التضحية دي ترمي الإتهام عليا !! بعد كل اللي استحملته ده طلعت أنا اللي غدرت بيك!!!!"
ارتعشت ملامحه، وقال بصوتٍ متهدّج:
"مبقولش غدرتي بيا بقول ظلمتيني....انتِ بتحاسبيني على شيء أنا مكانش ليا ذنب فيه."
صرخت والدموع تتأرجح في عينيها:
":"ولا أنا كان ليا ذنب... أنا ضحيت كتير أوي يا نوح... في سبيل إن حبنا مينفعش ينتهي بالسهولة دي... بغبائي ضيعت نفسي بمشاعري وحبي الغبي ضيعت عمري عشان شخص مستاهلش ده بتلاتة تعريفة... خاين ومقرف وجبان وبجح... بجح لإنك لحد الآن جاي تتهمني... وتقولي يا بيبي أنا افتكرتك يلا بينا نرجع...يا بيبي أنا مش هسمحلك تتجوزي غيري...أنا بحبك.. أنتِ إزاي نسيتي حبنا؟! إزاي عايزة تتجوزي غيري بالسهولة دي؟؟ إزاي متسامحنيش وتبدأي معايا من الأول؟!... طب وقلبي ده هيقدر ينسى إزاي إني شوفتك وأنت مقضيها مع الو**** اللي معاك دي.... والله أعلم في الأربع سنين كنتم بتعملوا ايه دنا شوفت أقل حاجة ممكن تحصل بينكم... لا وأنا اللي كنت هموت نفسي أول ما رجعت روما تاني عشان مش هقدر أتحمل فراقك وأنا عارفة إنك عايش....أنا فوقت يانوح... بس فوقت متأخر..لكن ملحوقة إن شاء الله. "
غلى الدم في عروق نوح، وصاح بصوت يزلزل المكان:
"لا لو كده انتِ فوقتي!! فأنا محتاج أضربك على دماغك لإن دي مش فوقة يا قلبي ده هبل وانسي جواز مش هتتجوزي وإلا أقطعلك رقبتك يا رهف!"
تمايلت بسخرية، ورفعت حاجبيها بتمثيلٍ بارد:
"يامي يامي يامي... خوفت أنا كده... أنت ملكش حق عليا أنت فاهم؟؟... وأنا مظلمتكش... ولا اتخليت عنك وكنت معاك لآخر لحظة بس اللي عملته ميتغفرش ورصيدك عندي خلص وأنت اللي اختارتده بارادتك."
اشتعلت عيناه كالشرر، وانفجر صارخًا وهو يلوّح بيديه بعنف:
" أنااا !!! أنا اللي اختارت !!!... هو أنا من إمتى اختارت يا ست رهف ها؟؟؟ إيه اللي حصلي في الفترة دي اختارته هااا؟؟ اختارت افقد الذاكرة؟؟ اختارت أكمل حياتي بعد ما افوق مع تجار آثار وابقى منهم؟؟ اختارت أبعد عنك أربع سنين؟؟ اختارت أكون جاسوس؟؟؟ اختارت اتعذب في روماا؟؟ اختارت انساكِ؟؟! ما تردي يا رهفف."
ارتجفت من شدّة صوته، ثم تماسكت وقالت بثقة يكسوها الحزن:
"بس اختارت تخوني.."
صاح نوح بصدق يقطّع نياط القلب:
"مخونتكيش قولت... أنا مفكرتش في غيرك طول الأربع سنين عشان أفكر بعد ما شوفتك ! دنا حتى وأنا مش فاكرك كان عقلي متعلق بيكِ ومبطلتش تفكير فيكِ ولو لثانية... قوليلي أنا إمتى خونتك في سنين جوزانا كلها؟؟... يعني هل أنا من طبعي الخيانة؟ولا دي أول مرة تشوفيها؟؟.. عيني كانت زايغة طول سنين جوازي منك ولا عيني كانت مليانة بيكِ وبس عشان أروح وأخونك؟؟"
رمقته بسخرية لاذعة، ولسانها يقطر مرارة:
"بقولك إيه أنت مش هتكدّب عينيا... وبعدين أنت أه مش طبعك الخيانة بس عرقك طغى المرة دي... "
اتسعت عيناه بذهول، وخرج صوته مبحوحًا:
"تقصدي إيه؟!"
أجابته ببرودٍ يقطّع أوصاله:
"أقصد إن مش جديد عليك تخون مهو سبق وأبوك خان مامتك وأنت ابنه يعني ليه مستغربة خيانتك أوي كده ومجروحة منها المفروض ات.... "
وفجأة قطع كلماتها صفعة مدوية، ارتسمت على خدّها كالنار، فترنّحت بعنف، واندفعت عيناها نحو البعيد من شدّة الصدمة...
لأوّل مرّةٍ يصدر منه هذا التصرف!
لأوّل مرّةٍ تمتدّ كفّه بما لم يكن يخطر ببالها أنّه يصدر عنه.
وفي تلك اللحظة كانت رهف قد أيقنت يقينًا صارمًا أنّها لم تكن مخطئةً حين اختارت الانفصال عنه. فهذا الرجل الذي صفعها لم يعد ذاك الزوج الذي أحبّته يومًا، ولم يعد ذاك الذي احتمت بقلبه. لقد تبدّل، تبدّل حتّى لم يبقَ منه في عينيها إلا غريبٌ يشبهه في الملامح ويخالفه في الروح.
أمّا نوح، فوقف مشدوهًا أمام فعلته، يحدّق في كفّه كأنّها يدٌ لا يعرفها. كان الذهول يعلو وجهه، والندم يزحف إلى عينيه ببطءٍ موجع؛ تلك أوّل مرّةٍ يضربها فيها!
تقدّم خطوةً نحوها، غير أنّها رفعت يدها في وجهه، منعًا للدنوّ؛ إشارةً صامتةً حاسمة أنّ المسافة بينهما باتت أوسع من أن تُختصر بخطوة اعتذار.
تجمّد في مكانه لحظةً، ثم استدار خارجًا من البيت. وبقيت هي واقفةً في موضعها، ساكنةً إلا من رجفةٍ خفيّةٍ تسري في أطرافها، تحدّق في الفراغ بعينين تىتجفان.
______________________________
ظلّ يتهاوى في الطرقات تهاويَ رجلٍ فقد بوصلته، تتخاطفه الأفكار من كلّ صوب، ويعبث بعقله اضطرابٌ لا يهدأ. كان يسير ولا يدري كيف تطاوعه قدماه، حتّى وجد نفسه واقفًا أمام شقّة والدته. رفع يده المرتجفة وضغط جرس الباب.
كان واثقًا أنّها مستيقظة في مثل هذه الساعة؛ فهي منذ كان صغيرًا تواظب على صلاة الفجر، ثم تجلس تقرأ القرآن حتّى الشروق. تلك عادتها التي لم تُخلفها يومًا.
جاءه صوتها من الداخل، تنادي لتعرف الطارق، فأجاب بصوتٍ منهكٍ مبحوح:
-انا نوح يا امي.
انفتح الباب، ووقفت هبة لحظةً كأنّها لا تصدّق ما ترى. أشرقت عيناها بوميضٍ مفاجئ، ثم اندفعت إليه تعانقه، وأطبقت ذراعيها على عنقه بحرارةٍ أموميّةٍ صادقة، ودموعها تنسال بغزارةٍ على وجنتيها، غير مصدّقة أنّ فلذة كبدها بين أحضانها الآن.
بادلها نوح العناق طويلًا، وألقى في حضنها ما أثقل صدره من هموم، كأنّ صدر أمّه كان الملاذ الأخير الذي يأوي إليه.
دخل البيت واستقرّ على الأريكة، وقد أنهكه السفر وطول الطريق. أسرعت هبة إلى المطبخ، وعادت بطعامٍ وشراب، تضعهما أمامه.
-لسه حالا كنت بدعي اشوفك واهو ربنا استجابلي... حمد لله على سلامتك يا ضنايا... ده لوجي هتموت من الفرحة... هي بايتة عندي من امبارح ونايمة جوا....
ابتسم نوح ابتسامةً خافتة، وانحنى يقبّل يد أمّه، ثم قال بصوتٍ خفيض:
"هدخل انام جمبها...."
قالت برفقٍ مشوبٍ بالقلق:
-طب كل لقمة انت جاي تعبان....
غير أنّه نهض مسرعًا، يكاد يهرول نحو غرفة ابنته. لم يكن يريد طعامًا؛ كان جائعًا إلى دفءٍ آخر، إلى حضنٍ بريءٍ لا يسأله ولا يحاسبه.
فتح الباب برفق، فوجدها نائمةً في سكونٍ ملائكيّ، وملامحها الصغيرة مطمئنّة كأنّ الدنيا لم تمسّها بسوء. جلس إلى جوارها، ومسح بيده على رأسها بحنانٍ مرتعش، ثم انحنى يقبّل يدها الصغيرة.
وفجأة، ودون إرادةٍ منه، انفلتت دموعه، وانهالت من عينيه غزيرةً حارّة، كأنّها كانت تنتظر هذه اللحظة لتنساب.
وقفت هبة عند عتبة الغرفة، تراقبه في صمت، ودموعها تسيل هي الأخرى. لقد عاد ولدها بعد غيابٍ طال، غير أنّها رأت في عينيه ألمًا لم تعهده فيه من قبل. لم يسرد عليها شيئًا، ولم تسأله، لكنّ الأمّ تقرأ عيون ابنها وتعرف منهما ما لم يرويه؛ وأيقنت في قرارة نفسها أنّه قصد بيت زوجته قبل أن يأتي إليها، وتخيلت ما حدث هناك وما تفوهت به تلك الرهف لينتج عنه دموعه.
تركته مع صغيرته، وانصرفت بهدوءٍ إلى موضع وضوئها، ثم قامت فصلّت ركعتين شكرًا لله على عودته سالمًا معافًى، ورفعت كفّيها بالدعاء، تسأله أن يخفّف عن ولدها همّه، وأن يمنّ عليه بسكينة القلب وراحة البال، وأن يحفظه لها من كلّ سوءٍ وشرّ.
________________________
في صباح اليوم التالي، كانت غزل تجوب أركان البيت تنظف وتُرتّب، وقد صَدَح المكان بضحكات طفلٍ صغير، كان مالك—ولم يتجاوز السابعة من عمره—يركض مفرًّا من أمّه رحمة، زوجة سالم، وقد علت وجهه ابتسامة طفوليّة بريئة.
ضحكت غزل وهي تراقبه قائلهة بمزاح:
"معذب ماما معاك ليه..."
نظر إليها مالك ضاحكًا، ووضع إصبعه على شفتيه في إشارةٍ صامتة، كأنّه يحذّرها من إفشاء سره ومخبئه.
دخلت رحمة المطبخ وقالت بنبرةٍ جمّة:
"يابني ستة في ستة بكام... متغلبنيش."
أجابت غزل بعفويّة:
"16."
نظرت إليها رحمة بذهول، قبل أن يخرج مالك من مخبئه قائلًا بفخرٍ:
"لا غلط 66."
ضحكت غزل، وقالت وهي تمسح يديها:
"سيبيهولي يا ست هانم هخلص اللي في المطبخ وأقعد معاه نحل الواجب..."
شهقت رحمة، وقالت:
"ينهار اسود! ستة في ستة بستاشر وتقوليلي سيبيه معاكِ!"
وفي تلك اللحظة، دوّى ضحك مهاب الذي كان يفتح الثلاجة ليأخذ موزة يأكلها، قائلاً:
"ليه يا ماما بتقعديها كده... قوليله حاجة سهلة وهو يقولها مالك... بصلي... ستة في واحد بكام."
نظر مالك إلى أصابعه، وبدأ يعدّ حتى هتف مبتسمًا بفخر:
"سابعة."
انفجر مهاب ضاحكًا، وشاركت غزل الضحك، فيما أسرعت رحمة لتقبض على مالك من ياقة قميصه وتجرّه خارج المطبخ قائلة:
"مهو انتو مش هترتاحوا غير لما اتنقط... تعالى..."
ذهبا معًا، وبقيت غزل ومهاب وحدهما في المطبخ. التفت إليها مهاب وقال مستفسرًا:
"عملالنا اكل ايه؟"
أجابت غزل وهي تواصل عملها:
"مكرونة بالبشاميل."
تهلّل وجهه حماسةً، فهي أكلةٌ يعشقها، وقال مبتسمًا:
"أول مرة ادوق اكلك لو عملتيها حلو هخصصك الشيف الخاص بتاعي."
ضحكت غزل بخفّةٍ:
"يسلام، وهو احنا نطول يا مهاب بيه."
هزّ رأسه معترضًا:
"لا ده الموضوع هيكون صعب شوية لاني مبجوعش غير تلاتة بليل، ممكن أقولك اعمليلي محشي ورق عنب الفجر ويبقى نفسي فيه."
تبادلا الضحك، ثم قال مهاب وهو يتوجّه نحو الخارج:
"طلب بسيط، معلش هتعبك، كوباية قهوة وطبق فاكهة حلو كده على أوضتي بسرعة، لحسن دماغي هتطق."
أجابت:
"عيوني يا بيه."
توقف لحظة، وقال مبتسمًا:
"وبلاش بيه، دي اسمي مهاب..."
ابتسمت غزل ابتسامة عريضة:
"مهاب بس حاضر..."
غمز بخفّة وقال:
"اشطا يا فيرو."
ابتسمت وهي تراه يبتعد، وتمتمت:
"فيرو وماله..."
________________________
استيقظت لوجي من رقادها تتململ فوق سريرها، تتقلّب بين أغطيتها تقلّب القلقِ في صدرٍ صغير، حتى إذا انفرج جفنَاها قليلًا، ووقع بصرُها على أبيها مضطجعًا إلى جوارها، أطلقت صرخةً اختلط فيها العجبُ بالفزع، وانبثقت من أعماقها دفعةً واحدة:
-باباااااا....
واندفعت نحوه تعانقه بحرارةٍ عارمة؛ فانتفض نوح من نومه على أثر صياحها، وما إن أبصرها منطرحةً في صدره حتى أحاطها بذراعيه، وقال بصوتٍ ما يزال يغالبه أثر النوم:
"يا عيون باباا"
فازدادت لوجي فرحًا حين سمعت عبارته المألوفة، تلك الكلمة التي طالما كان يخصّها بها؛ فكانت عندها علامةَ القرب وبرهانَ المحبة. عندئذٍ أيقنت أن أباها قد تذكّرها، وأنه قد شفي من مرضه كما زعمت أمها من قبل، إذ أخبرتها أن مرضًا ألمّ به في غربته فأنساه أشياء من ماضيه، كما فهمت رهف آنذاك. ولأجل ذلك كانت لوجي تجتهد بكل سبيلٍ لتوقظ ذاكرته، وتضرع إلى الله أن يشفيه ويعافيه مما أصابه.
ابتعدت عنه قليلًا، وحدّقت في وجهه بعينين تلمعان سرورًا، وقالت:
"انت خفيت؟؟"
فأومأ نوح برأسه، فتهلّل وجهها، وعانقته من جديد، ثم قالت متحمّسة:
"طب انا بحب لون ايه."
-بتحبي لون الازرق
فكّرت لوجي هنيهة، ثم أردفت:
"انهي مادة بحبها في المدرسة."
ابتسم نوح وأجابها:
"English"
-عيد ميلادي يوم ايه؟؟
فأبعدها نوح قليلًا، وأمسك بخدّيها برفقٍ، وقال:
"خلاص يا لوجي يا حبيبتي افتكرت كل حاجة والله."
فضحكت قائلةً:
"طب جاوبني علسؤال ده وهسيبك خلاص"
-6/8/2017
فعانقته بقوة، وهي تقول بفيضٍ من الشوق:
"انا بحبك اوي يا بابا مش مصدقة انك رجعت."
-وانا يا عيون بابا من حوا....
وفي تلك اللحظة دخلت هبة تحمل الفطور، فصاحت لوجي بلهفةٍ غامرة:
"تيتة بابا رجع..."
-اه يا روحي..... الفطار اهو... فطار علسرير ودلع علآخر بس متتعودوش على كده كتير...
ثم التفتت لوجي إلى أبيها تسأله:
"بابا انت جيت امتى..."
فأمسك نوح بالشطيرة ووجّهها إلى فم ابنته ليُطعمها بيده، وقال:
"امبارح بليل اوي وانتِ كنتي نايمة..."
مضغت لوجي لقمتها، ثم قالت بعد أن ابتلعتها بحماسٍ طفولي:
"يعني ماما لسه معرفتش... تعالى نعملها مفاجأة."
-هي عرفت يا قلبي...
-طب حلو كده هينفع ترجعوا لبعض... انا مكنتش عايزة ان عمو حسن يبقى مكانك... بس ماما قالتلي ان عمو حسن هيكون مكانك وانت مش موجود فلما قولتلها انك لما ترجع هترجع مكانك ونرجع لحياتنا الطبيعية قالتلي اه...
وما إن أتمّت كلماتها حتى تبدّلت ملامح نوح، واحمرّ وجهه من وطأة الغضب، ونظر إلى أمه نظرةً حادّة؛ فضمّت شفتيها في عجزٍ ظاهر. عندها هتف نوح بصوتٍ حاول أن يكتم فيه ثورته:
"مفيش حد هيكون مكان بابا يا حبيبتي.... انا موجود وهفضل موجود..."
فألقت لوجي بنفسها في حضنه قائلةً بحبٍّ صادق:
"ايوة انا قولتلها كده برضو... بحبك يا بابا."
-وانا كمان يا عيون بابا...
ثم التفت إلى والدته، وأشار إلى نفسه في ذهولٍ لا يكاد يصدّقه عقل، كأنما يتساءل عمّا تصنعه رهف، وقد خامر قلبه يقينٌ مضطرب بأن أمرًا ما قد أصاب عقلها، وغيّر مسار تفكيرها على نحوٍ لم يكن في الحسبان.
_________________________
كانت تُنظِّف مكتب سالم في تؤدةٍ وحذر، تقلب أوراقه وتقف عند كل درجٍ وقفة المتفحّص المتربِّص، غير أنها لم تعثر على شيء. فتّشت في أغراضه كلِّها، ونبشت بين ملفاته ومستنداته، فلم تجد تلك الأوراق التي جاءت تبحث عنها. وبدا لها أن سالم لم يكن ليحتفظ بذلك المستند الخطير داخل المنزل. ومع ذلك لم يدبّ اليأس إلى قلبها؛ فقد عزمت أن تُتِمَّ بحثها في غرفته، فلعلّ له فيها موضعًا خفيًّا لا يطّلع عليه أحد.
خرجت من المكتب، فاستقبلها مهاب، وألقى عليها السلام بنبرةٍ يكتنفها الحزن. فتطلّعت إليه مليًّا، وقالت:
"مالك؟؟"
قال مهاب:
"لا مفيش.."
فعقّبت وهي تشيح بيدها كأنها تزجره عن المراوغة:
"دي بتاعتنا احنا... لكن انت اقولك مالك تقولي مالك علطول."
قهقه مهاب قهقهةً خفيفةً بددت شيئًا من كآبته، ثم قال:
"تعالي نتكلم في الجنينة طيب عشان محدش يسمعنا وخصوصا الفتّان الصغير."
-طب يلا نعملك كوباية القهوة اللي بتحبها وانت بتتكلم...
دخلا المطبخ معًا، وتعالت ضحكاتهما من طرائف غزل وخفّة روحها. وكان بينهما انسجامٌ ظاهر، كأن خيطًا خفيًّا يشدّ أحدهما إلى الآخر. يتبادلان الحديث بعفويةٍ صافية، حتى ليخيّل إليهما أنهما صديقان منذ أعوامٍ طوال، لا منذ أيامٍ معدودات.
قالت غزل مستعيدةً ذكرى قديمة:
-وميس زينب تضربني عشر ضربات على ايدي فاقولها موجعتنيش فتقوم ضارباني تاني برضو اقولها محسيتش.
-يا حلوفة
ضحكت غزل وقالت:
"ما ده كان اسمي بقى في الملجأ واتشهرت بيه لما بغلط مش بيعرفوا يعاقبوني ولو عاقبوني مبيفرقش معايا... اكتر واحدة تقول لا واكتر واحدة تعاند في اي قرار يتخذوه عشان كده مشوني بدري بدري."
فضحك مهاب، وتناول فنجان القهوة، ثم خرجا معًا يتجاذبان أطراف الحديث.
ومن بعيدٍ كانت رحمة تراهما، وهي تمسك هاتفها وتتحدّث إلى أختها. فارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ عفوية؛ ففيروز حيويةٌ بطبعها، سريعة الألفة، تعرّفت إلى الجميع في يومين فحسب، عفويةٌ جميلة الحضور.
قالت رحمة عبر الهاتف:
-جميلة فيروز... خدت علاولاد بسرعة وخدت عليا وعلى سالم سالم امبارح كان واقف بيضحك معاها في المطبخ تخيلي جوزي بيضحك وبالسهولة دي بتحرك الحجر من مكانه وتخلي المكتئب يتعالج دمها خفيف موت والله.
فضحكت هبة من الجهة الأخرى وقالت:
"طب يارب تفضل بقى ولو اني خايفة من امر الخدامة ده."
فأجابت رحمة بنبرةٍ يغلب عليها الاطمئنان:
-الفترة الاخيرة انت شوفتي انا تعبت قد ايه في البيت والاكل سالم اخد قرار خلاص... وادي اول تجربة للخدامة لطيفة اهي انتي قعدتي تقوليلي بلاش بلاش ومتدخليش حد متعرفوش بيتك لكن انا حرفيا مش ندمانة ابدا علقرار ده...
-هي عندها كام سنة؟
-سالم قالي بس مش فاكرة بس هي في عمر مهاب ابني ...
-علاقتها بمهاب عاملة ايه؟
-صحاب ياختي مهاب اللي مبيصاحبش بنت معاه في الكلية تشوفيه معاها ولا بنت خالته كركركركر ولا مالك الصغير مبيحبش يعمل واجباته غير وهي معاه عشان بتقعد تدلعه وتعمله الاكل اللي بيحبه.
__________________________
تنفّس مهاب بضيقٍ ظاهر، وقد انعقدت في صوته مرارةُ شابٍّ يضيق بقيدٍ يراه يُكبِّل اندفاعه، ثم قال متبرّمًا:
-انا زهقت يا فيروز انا مبقيتش عيل.
رفعت غزل عينيها إليه في رفقٍ مشوبٍ بالحزم، وأجابته بهدوء العارف بعواقب الأمور:
-ايوة يا مهاب بس انك تسيب تعليمك وتتفرغ لموهبة الموسيقى فانت كده بتدمر مستقبلك بايدك.
هزّ رأسه في اعتراضٍ ملتهب، وأسرع يقول:
-يابنتي انا هسافر برا قالولي اني ممكن اعمل فرقة ولو اشتغلت عليها هبقى فرقة كبيرة برا البلد متخيلة يا فيروز... وبابا يقولي مفيش موسيقى ومفيش غنا ومفيش تمرين تاني لا بيانو ولا اي آلة هتمسكها لحد ما ترجع لرشدك... انا مش عيل انا كبرت وبقيت بعرف اخد قراري بنفسي...
كان صوته يعلو وينخفض كأمواج بحرٍ مضطرب؛ بين طموحٍ جامحٍ وغضبٍ مكبوت. أما فيروز فبقيت على سكينتها، ثم قالت بنبرةٍ متزنة:
-ماشي انت مش عيل وانت كبرت بس لازم تعرف ان تعليمك حاجة وموهبتك حاجة تانية افصل الاتنين عن بعض يا مهاب... اللي بيدور على انه يشتغل بحاجة تنفع تكون موهبة ده بني ادم بيحب شغفه اوي خلاص بنى نفسه في تعليمه لحد ما زهق قعد سنين في شغل تعليمه لحد ما زهق جدا وقرر انه يعمل شيفت كارير ويشتغل الحاجة اللي بيحبها انت بتقول انك بتحب الهندسة ومبسوط فيها وخلاص كلها سنة وتتخرج منها هل دلوقتي عايز تسيب حبك للهندسة عشان حبك للمازيكا.. اعقلها كده.
انعقد حاجباه قليلًا، وقال:
-هو عايزني ابقى مهندس زيه.
فأسرعت تردّ عليه:
-لا... لا مسمحلكش انت بذات نفسك لسه قايل انه قالك مجالي صعب قولتله انا بحب شغلك يا بابا وانت قدوتي يا بابا وعاوز ابقى زيك وانا بحب الهندسة يعني انت دخلتها بارادتك محدش ضربك على ايديك متتصعبنش بقى وتعمل زي العيال اللي اهلها جبروها على تعليمها عشان يحققوا حلمهم فيهم لا انت ابوك سوي نفسيا وبتقولي كان عاوزك تدخل فنون عشان تنبسط فيها ده معناه انه عادي بالنسباله تدخل الحاجة اللي انت بتحبها صح؟
أطرق مهاب هنيهةً، ثم أومأ برأسه إقرارًا، فتابعت هي حديثها وقد رقّ صوتها:
"يبقى متضايقش نفسك وحاول تتبسط باللي وصلتله... انت تعرف فيه كام واحد بيتمنى يلاقي شغفه فين وبيحاول يطابق بين شغفه وشغله لانه بيشتغل شغلانة هو مش بيحبها انت بقى بتحب شغلك وبتحب مجال تعليمك وشغفك في الهندسة وكمان عندك تنمية شغف تانية لمهارتك وموهبتك وهي العزف على كذا آلة."
نظر إليها نظرة من بدأ يستبين وجه الصواب، ثم قال متفكّرًا:
-يعني انتِ من رأيك اخلص تعليمي واكون فرقتي وانا بشتغل واوظف بين الاتنين.
ابتسمت ابتسامة رضا، وقالت:
-ايوة كده فهمتني بس حوار سفرك ده اللي خلت ابوك يتعصب انت بتقوله هسيب كليتي ومستقبلي وكل حاجة وهجري ورا حاجة لسه هبدأ فيها من الصفر انت حرفيا لسه بتشوف هتكون كام واحد من الفرقة بتاعتك وهتلاقيهم ازاي متخيل احنا فين اصلا؟!!
انفلتت منه ضحكة خفيفة، وقد زال عنه بعض ما كان يجثم على صدره:
-عندك حق....
فقالت وهي تشير إليه:
-يلا صالحه عشان يوافق انك تعزف تاني وفهمه زي ما قولتلك وابقى سمعني عزفك انا بحب الموسيقى اوي وبعرف اعزف انا كمان.
اتسعت عينا مهاب دهشةً، وحدّق فيها غير مصدّق:
-بتهزري!
فأجابت ضاحكةً:
-اه والله ليا في البيانو والجيتار على خفيف يعني الواد رحيم معلمنيش كتير.
وما إن نطقت باسم الشاب حتى انتبه مهاب، وارتسم في صوته شيءٌ من الفضول:
-رحيم مين؟
فقالت ببساطةٍ لا تشي بشيءٍ وراءها:
-رحيم ده زي اخويا بالملي اتعرفت عليه بعد ما خرجت من الملجأ وكان بيساعدني اني الاقي شغل وهو اللي جايبلي شغل الخدم هنا خلي بالك.
فضحك مهاب وقال في ارتياحٍ صادق:
-احسن حاجة عملها
________________________
-اهلا يابني حمد لله على سلامتك...
استقبله معتز بترحابٍ ظاهر، وأقبل عليه يعانقه بحرارةٍ ممزوجةٍ بشيءٍ من الحرج المكتوم.
جلس نوح في صالة البيت، وأخذ يهزّ ساقيه في حركةٍ لا إرادية، وقد اكتظّ صدره بالغضب، وتفرّقت أفكاره شتاتًا، يحاول أن يجمعها ليحسن القول فيما جاء لأجله.
خرجت والدة رهف بوجهٍ متوتّر، فرحّبت به في تحفظٍ واضح، بينما أقبل كريم عليه بسعادةٍ مفرطة.
قال كريم ضاحكًا:
"شوفت اللي حصل... رهف اتجننت وعايزين نوديها العباسية."
قطّب معتز جبينه، وقال بنبرةٍ حازمة:
"كريم... مفيش هزار في الكلام ده.... فين الضحك في كده."
فأطلق نوح زفرةً قصيرة، وقال بمرارةٍ لافحة:
"والله مفيش حاجة مضحكة اكتر من كده يا عمي صدقني."
وضعت الأم أكواب الشاي على الطاولة في صمتٍ ثقيل، ثم انصرفت إلى الداخل.
تنحنح معتز، وأخذ مجلسه قبالة نوح، ثم قال بجدٍّ صريح:
"قول يابني اللي جاي عشان تقوله."
رفع نوح رأسه، وفي عينيه بقايا نارٍ لم تخمد، وقال:
-رهف مبقيتش تخصني يا عمي... بس عاوز بنتي تفضل عندكم متترباش مع راجل غريب...
تدخّل كريم على الفور، وقد خفّف نبرة صوته:
"استهدى بالله يا نوح رهف بتحبك وانت عارف ده كويس."
ردّ نوح وقد اشتدّ صوته قليلًا:
-رهف غلطت فيا يا عمي... انا روحتلها امبارح....
ثم أخذ يسرد الحديث كلّه، كلمةً كلمة، يردّد ما تفوّهت به رهف في نهاية اللقاء، غير محذوفٍ منه شيء. وكلما مضى في السرد ازداد وجه معتز انكسارًا، حتى طأطأ رأسه في عجزٍ ظاهر؛ فقد بات يشعر أن ابنته، باندفاعها وطيشها، تهدم ما يُبنى بصبر السنين.
قال نوح بصوتٍ أخفض، وفيه شيءٌ من الاعتراف الثقيل:
-غصب عني يا عمي لقيت نفسي بضربها بالقلم.
فانتفض معتز في مجلسه، واتسعت عيناه دهشةً وغضبًا:
"ضربتها بالقلم!... ليه يابني انت هتربيها؟"
أجاب نوح مدافعا عن نفسه:
-ياعمي مقدرتش اتمالك نفسي شوفت حضرتك قالت ايه...
قاطعه معتز بصرامةٍ لم تخلُ من ألم الأب:
-قالت اللي تقوله تيجيلي هنا وانا اشوف حسابي معاها مش انت اللي هتربي بنتنا لو غلطت فيك تيجيلي وتقولي وانا هاخدلك حقك لكن تصرف زي اللي عملته ده غير مقبول عندي بالمرة!
انخفض رأس نوح قليلًا، وخفتت حدّة صوته:
-طب حقك عليا انا اسف... انا غلطان عارف...
سكن المجلس لحظةً، ثم رفع معتز عينيه إليه، وقال ببطءٍ مقصود:
-دلوقتي انت عاوز رهف ولا لا؟؟
تبدّلت ملامح نوح، وارتسم على وجهه استفهامٌ مشوبٌ بالحذر:
"مش فاهم مغزى سؤالك ايه؟؟"
قال معتز بصوتٍ هادئٍ، لكنه نافذٌ إلى أعماق القلب:
-عايز اعرف انت باقي عليها نعمل صلح بينكم لسه ولا خلاص وصلت لاخرك معاها ومش طايق تعيش معاها وده اللي وصلك انك تعمل تصرف عمرك ما عملته في سنين جوازكم واول مرة يصدر منك.
قال نوح بصوتٍ متقطّعٍ كأنما يقتلع كلماته اقتلاعًا من صدرٍ مثقلٍ بالوجع:
-عمي... رهف دي النفس اللي بتنفسه... وانا عارف تصرفاتها وغبائها... وباقي عليها لاخر يوم عشان انا متخيلش حياتي منغيرها... لكن هي اللي تخلت عني بسهولة منغير حتى ما تسمع مني... فديو شافته اتبعتلها من شخص حابب يخرب بينا.... انا مش عارف افكر او مش عارف اخد قرار بس هي اتصرفت وقررت خلاص واتطلقت مني ولو هي مش عايزاني انا مش هجبرها عليا كل اللي طالبه منك وجاي اكلمك فيه يا عمي هو ان لوجي تفضل هنا معاكم.
خرجت الأم من الداخل، وقد بلغ سمعها حديثهم، فدنَت بخطًى متثاقلة، وقالت بحزنٍ صادق:
"غبية... والله غبية وانت عارف كده كويس... رهف طول عمرها غبية وانت بتستحملها يابني.... هي بس الفترة دي غيرانة... وغيرانة يعني بتحبك... هي بتعمل كل ده عشان مستحملتش تشوفك مع حد تاني غيرها... يابني استهدى بالله وفكر تاني متهدش بيتك..."
-ادخلي جوا يا سعاد.
-يا معتز اتكلم معاه....يا نوح بالله عليك ما تسيبها لدماغها دي هتودي نفسها في داهية..
أطرق نوح، ووضع رأسه بين كفّيه، كأنما يعصر فكره عصرًا فلا يخرج منه قرارٌ يشفي.
وفجأةً رنّ جرس الباب، ولم تمضِ لحظات حتى اندفعت رهف إلى الداخل، وعيناها تتقدان غضبًا، وصاحت به:
"بتقومهم عليا ولا ايه سيادتك؟"
لم يجبها نوح، بل ظلّ صامتًا، فنهض معتز وتوجّه إليها:
"ايه اللي قولتيه لجوزك ده؟"
فردّت ببرودٍ متعمّد:
-اولا مش جوزي ثانيا كل اللي قولته جارحه عشان حقيقي.... ثالثا بقى__ناظرت نوح__ قولتلهم على القلم اللي اديتهوني يا بيه ولا حكيت غلطتي بس؟
اشتدّ صوت معتز، وقد غلب عليه غضب الأب الموجوع:
-لو مكانش اداهولك كنت انا هديهولك لان لو عندك نقص رباية في كلامك فانا مستعد اربيكي من اول وجديد عادي... من امتى واحنا بنجيب في سيرة اهل جوازاتنا واحنابنتكلم ها؟؟ لا وبنغلط في سيرة واحد ميت باهانة؟!!
قالت رهف بجمودٍ متصلّب:
"هو اللي استفزني وخلاني ا..."
فقاطعها بصرامة:
-متبرريش غلطك انتِ عارفة انك غلطانة يبقى تعتذري عن اللي عملتيه.
هزّت رأسها بعناد:
-لا يا بابا مش هعتذر عشان هو اللي المفروض يعتذر انه مد ايده عليا.... يا بابا مد ايده عليا.
قال معتز بلهجةٍ لا تقبل جدالًا:
-اعتذري منه يا رهف انتِ غلطتي في ابوه كنتي منتظرة منه يسقفلك بعد جملتك دي ولا يعمل ايه؟ ده لو صاحبه قالهوله كان شلفط وشه تقومي انتي اللي المفروض تحترميه لانه ابو بنتك يا ستي مش هقول جوزك تقوليله حاجة زي دي وتغلطي في ابوه الميت؟!!
نظرت إليه بضجرٍ واضح، ثم تمتمت ببرود:
"انا اسفة."
التفت معتز إلى نوح وقال:
-مرضي يابني؟
رفع نوح عينيه إليه، ثم نظر إلى رهف، وقد احتشد الغيظ في ملامحها، وقال في هدوءٍ بارد:
"كتر خيرك يا عمي بس زي ما قولت لحضرتك لوجي بنتي تتربى هنا مش مع راجل غريب."
شهقت رهف وقد اشتعلت:
"بنتي هتتربى معايا!"
فابتسم نوح ابتسامةً خفيفةً مستفزّة، وقال وهو يحدّق فيها:
"يبقى تربيها لوحدك تترهبني وتربي بنتك."
رفعت حاجبها في سخرية:
"اترهبن ليه يا خويا!"
قال بثباتٍ متحدٍّ:
-هو ده اللي عندي عايزة تربي بنتك مفيش جواز هتتجوزي تسيبي بنتك مع امك وابوكي مش هخلي بنتي تتربى مع جوز ام.
فردّت بعناد:
-طب ايه رأيك بقى اني هربي بنتي وهتجوز وهتتربى مع جوز ام.
اتسعت ابتسامته، وفي عينيه بريق تحدي وقال:
"وماله ابقي وريني بقى هتتجوزيه ازاي."
ورمقها بنظرةِ تحدٍّ طويلةٍ ثابتة، لم تكن مجرّد نظرة عابرة، بل كانت سهمًا أصاب موضعًا خفيًّا في صدرها؛ فأشعل فيه رجفةً لم تعهدها، ولذّةً مربكةً لم تُحسن لها اسمًا. شعرت، في تلك اللحظة، أنّ غيرته عليها ليست غضبًا، بل اعترافًا صامتًا بأنها ما تزال له، وأن قلبه — رغم كل ما جرى — لم يبرح مكانه منها. وكانت تلك الحقيقة، على قسوتها، أحبَّ إلى نفسها من ألف كلمةِ عتاب.
ثم استدار عنها، وتركها قائمةً في مكانها، كأن الأرض قد أمسكت بخطواتها، ومضى قاصدًا باب الخروج بعد أن ودّعهم في إيجازٍ يخبّئ وراءه عاصفةً لم تهدأ. نزل الدرج بخطًى واثقة، غير أن كل خطوةٍ كانت تبتعد به عنها، كانت تقترب بها من إحساسٍ موجعٍ بأنها لا تزال تتعلّق به أكثر مما تعترف.
ظلّت تحدّق في الفراغ الذي خلّفه رحيله، حتى إذا توارى عن بصرها، ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ مرتجفة، كأنها وُلِدت من تنازع الشعورين في صدرها.
أهي ابتسامةُ ظفرٍ في معركة كبرياء؟
أم هي ابتسامةُ امرأةٍ أدركت، رغم كل شيء، أن الرجل الذي غادر لتوّه لا يزال يحبها… وأن غيرته عليها لم تمت، بل تنفّست لتوّها من جديد؟
نظر إليها كريم متعجّبًا وقال:
"بتضحكي!!... هو انتِ مبسوطة!! عليا النعمة انتِ مجنونة. "
___________________
-مرحبًا يا توم...
-نوح، اشتقت إليك… لم أكن أعلم أنّك ستخاطبني هذه الليلة، وبسرعة كهذه. ظننت أنّك ستنساني بين أحبائك…
ضحك نوح بمرارة، واغرورقت عيناه بالدموع، لكنه تحايل على شعوره، وتحدث بجدية مع توم:
اسمعني يا توم… أريدك أن تجمع كل أغراضك، وترحل… ارحل بعيدًا عن روما، اهرب من الفريق بأسره.
اعتدل توم في جلسته، وتغيّرت ملامحه:
لماذا؟
-لأن هذا الطريق مسلك خاطئ، وأنت تعرف ذلك جيدًا… نظّف روحك، وافر بعيدًا… اليوم أو غدًا ستنكشف أمر لعبتك، وسيقبض عليك. قلبي لن يسامحني أبدًا إن وقعت بين أيدي الشرطة. هم يستحقون، أما أنت فلا… أنت طاهر يا توم… أرجوك، اهرب من روما، وابنِ حياتك في بلد آخر، بهوية جديدة، كشخص آخر، ابحث عن عمل لا يخالف القانون… إلى متى ستظل محاصرًا في دوامة الخوف من الانكشاف والقبض؟ إنها فرصتك… بابا ستيفن مشغول الآن في أمري، فلا تتردد، اهرب قبل أن يفوت الأوان…أفهمت؟
-كلماتك غير مريحة على الإطلاق… وليس أنت… بيتر لم ولن يتحدث هكذا…!
-ليس بيتر يا توم… هذا نوح الذي أفاق من غيبوبته، ورأى دنياه، وما آل إليه حالها، ويريد أن ينظفها من الدنس… وأريد أن أسحبك معي، لأنك لا تستحق أن تُلوث…
-حسنًا يا صديقي… ما رأيك إن أتيت إلى مصر؟ لا أريد خسارتك… ما رأيك أن نعمل سويًا هناك؟
ابتسم نوح بمرارة:
"فكرة جميلة… ولكن ليست الآن… فلن أبقى حرًا طليقًا بعد اليوم…"
اتسعت عينا توم وقال مسرعًا:
"ماذا تعني؟! نوح… لا تقل إنك…"
قاطعه نوح بصرامة:
"المهم الآن أن تعدني بأن تهرب اليوم قبل غد… أفهمت؟"
-نوح…
قاطعه نوح مرة أخرى بلهجة صارمة:
-عدني يا توم، رجاءً…
-أعدك…
______________________________
كان سمير جالسًا في غرفته، قابضًا بين كفّيه صورةَ طفلٍ صغيرٍ، كأنما يخشى أن تفلت من بين أنامله كما أفلت صاحبها من بين يديه.
إنه يحيى… فلذةُ كبده، وريحانةُ عمره، الذي مات.
بدأت الحكاية منذ ثلاث أعوام، يوم تزوّج سمير أميرة. كانت تؤجّل أمر الإنجاب كلّما فاتحها فيه، تتحجّج حينًا، وتصمت حينًا آخر صمتًا يشي بما هو أعمق من العذر. كانت يتيمةَ الأبوين، تعيش في كنف جدّتها، وقد صادفها سمير في شركته، فاستطاعت أن تُحرّك في قلبه شيئًا لم يعرفه من قبل.
صارحها بمشاعره ذات يوم، فكان من حسن حظّه أنّها تبادله الشعور نفسه. غير أنّ أميرة كانت غريبةَ الأطوار؛ قلِقةَ السكون، مضطربةَ النظرات، كأنّ في داخلها عاصفةً لا تهدأ. لاحظ سمير ذلك منذ البدء، وعرض عليها أن تراجع طبيبًا نفسيًّا، فكانت ترفض بإصرارٍ حادّ، يختلط فيه الخوف بالغضب.
ومع ضغطه المتواصل، أخبرته بالحقيقة:
لم يمت والداها موتًا طبيعيًّا، بل قُتِلا في ثأرٍ قديمٍ من أهل الصعيد، أخذوا بثأرهم من أسرتها، وخلّفوها يتيمةً مكلومة. ومنذ تلك الفاجعة، اختلّ اتزانها؛ تصيبها نوبات هلعٍ مفاجئة، وتغشاها أوهامٌ تُغرقها في عوالم لا يراها سواها. كانت بحاجةٍ إلى مصحّةٍ تعالج عقلها الجريح، غير أنّ سمير كان يُنكر ذلك بينه وبين نفسه؛ لا يجرؤ أن يصف زوجته بالمريضة، فضلًا عن أن يعترف بأنها تعاني اضطرابًا عقليًّا.
وبعد عامٍ من زواجهما، تزوّج صديقه حمزة بفتاةٍ تُدعى أميرة أيضًا، فضحكوا من تلك المصادفة العجيبة. ومضت الأعوام، حتى حملت أميرة زوجة سمير، وأنجبت طفلًا سمّاه يحيى.
كان يعلم في قرارة نفسه أنّها ليست مؤهّلةً لتربية طفل، غير أنّه كان يدفن هذا العلم تحت ركام الحبّ، ويقول: «إنها بخير… ستتحسّن…».
قبل عام…
دخل سمير المنزل، فاستقبله صراخُ طفله، حادًّا متواصلًا، كأنّه استغاثةٌ لا تنقطع. فنادى:
— «يا أميرة! يحيى مفطور من العياط كده ليه؟ شوفيه!»
مرّت عشر دقائق، والبكاء يشتدّ ويتمدّد في أرجاء البيت. اضطرب قلبه، وخرج يبحث عنها في الحديقة. وقبل أن يبلغها، عمّ المكان صمتٌ مفاجئ، وسكت يحيى دفعةً واحدة. ابتسم سمير ابتسامةَ ارتياحٍ عابرة، وقال وهو يقترب:
— «أخيرًا سكت… تلاقيه كان جعان أو…»
توقّف صوته حين رآها جالسةً في المسبح، والماء يحيط بها في هذا البرد.
— «إيه اللي مقعدك في البسين في الجو ده! يا أميرة، هتاخدي برد.»
قالت بابتسامةٍ واسعة، وعيناها تلمعان بوميضٍ غريب:
— «مش بردانة… أنا مبسوطة جدًا.»
دار ببصره حوله، يبحث عن صغيره:
— «وفين… فين يحيى؟!»
ابتسمت قائلة:
— «يحيى نايم.»
— «أيوه يا حبيبتي نايم، بس فين؟»
— «نايم بقولك.»
— «نايم فين يا أميرة؟ مش شايفه!»
نظرت إليه نظرةً هادئةً باردة، وقالت:
— «تحت الماية.»
تجمّدت ملامحه، وجفّ حلقه. كانت ذراعاها مغمورتين تحت الماء منذ رآها. حاول أن يتكلّم، فتعثّر صوته:
— «ي… يعني إيه؟ فين يحيى يا أميرة؟!»
— «تحت الماية نايم… أهو.»
ورفعت بين يديها جسدًا صغيرًا، خرج إلى السطح ساكنًا… ووجهه أزرق كزهرةٍ ذاب لونها في الغرق.
صرخ سمير صرخةً مزّقت الهواء:
— «يحيى!… يحيى!… لاااا!»
انتزعه من بين يديها، وراح يضغط على صدره الصغير، يرجوه أن يعود، أن يتنفّس، أن يبكي… لكن الجسد كان خامدًا، ساكنًا كسكون الموت. تحسّس نبضه فلم يجد سوى الفراغ.
— «لااا… يحيى… يا حبيبي… يا روح أبوك…»
كانت الدموع تنهمر على خديه، ممزوجةً بدهشةٍ وغضبٍ وقهرٍ لا يحتمله قلب أبٍ في أول أبنائه. التفت إليها، فإذا بها تعبث بالماء، تضحك، كأنّ شيئًا لم يحدث. ترك طفله على الأرض، واقترب منها، جذبها من ذراعها صارخًا:
— «إنتي عملتي فيه إيه؟!… إنتي غرّقتيه؟!… لما سكت مرة واحدة كان غرق؟!… كنتِ بتسكّتيه بالغرق؟!»
قالت بصوتٍ رقيقٍ غريب، وابتسامةٍ لا تشبه المقام:
— «ماما جات وقالتلي إنها عايزة تشوفه… فوديتهولها. ده أول حفيد ليها، وكان نفسها تشوفه.»
شهق سمير، ووضع يده على صدره، كأنّ قلبه يتمزّق بين ضلوعه. احتضن طفله، يعانقه بقوّةٍ، وكأنّه يريد أن يعيده إلى دفء الحياة من شدّة ضمّته.
العودة إلى الواقع…
منذ ذلك اليوم، اتّخذ سمير قرارًا بإيداعها مصحّةً للعلاج. كان يعشقها عشقًا لم يخمد رغم الفاجعة؛ يزورها كلّ يوم، يجلس معها، يطعمها بيده، ويتحدّث إليها كأنّ شيئًا من الماضي لم يُدفن تحت التراب.
لم يتخيّل يومًا حياته من دونها.
كان يحبّها… وما زال يحبّها.
يتمنّى أن تُشفى، وأن يرزقه الله منها أطفالًا آخرين، بعد أن يعافيها من بلائها. لا يلومها؛ بل يعدّ ما حدث ابتلاءً ثقيلًا، يسأل الله العون عليه، ويدعو لها بالعافية.
صابرٌ على ألمه صبرًا عظيمًا، راضٍ بقضاء الله رضا المكلوم الذي لم يبقَ له في الدنيا إلا الرجاء.
________________________
قال حسن بضجرٍ، وهو يفتح عينيه على غير رغبةٍ في اليقظة:
— «في ايه يما بتصحيني كده ليه»
تقدّمت ميرفت بخطًى متردّدة، وصوتها يرتجف بقلقٍ لا تخطئه الأذن:
— «قوم... قوم فيه حد عاوزك برا...»
نهض حسن متثاقلًا، كأنّ النوم لا يزال مشتبكًا بأهدابه، وارتدى قميصه على عجل، ثم دفع باب غرفته وخرج. وما إن بلغ الصالة حتى توقّف في مكانه، وقد تجمّد الدم في عروقه؛ إذ رأى نوح جالسًا في هدوءٍ مريب، يحتسي فنجان قهوةٍ كأنّه في زيارةٍ وديّة لا تحمل في طيّاتها ما تحمل.
كان المشهد ساكنًا، غير أنّ السكون كان مشدودًا كوترٍ على وشك الانقطاع. رفع نوح عينيه ببطء، وحدّق في حسن نظرةً باردة، تسبق العاصفة ولا تُنبئ عنها إلّا لمن يعرف طعم الريح قبل هبوبها، ثم قال:
— «صباح الخير فيه ضابط ينام للمغرب!...بس يلا مش مشكلة النهاردة اجازتك..ايه؟..مش هتقولي حمدلله علسلامة »
