رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الواحد والعشرون
|وجدت أخي|
حسن:
"انت مكانك مش هنا."
نهض نوح وتقدم نحوه قائلاً:
"فعلاً.... ده مش مكاني... انا مكاني في حضن مراتي وبنتي دلوقتي."
-"مبقيتش مراتك يا نوح."
-"لا مراتي يا حسن... وهرجعها، انا جاي بس اقولك كلمتين وماشي... لو فكرت او حلمت انك هتتجوز رهف فابقى غطيها يا حسن كويس قبل ما تنام."
تعالت ضحكات حسن الساخرة قائلا:
"وهو مين هيفضل مع مراتك وبنتك لما تتكل على الله وتتسجن مؤبد؟... نوح، انا أولى برهف من أي حد بعد ما تمشي، ومحدش هيحب لوجي قد ما انا بحبها."
تطاير الشرر من عيني نوح، واحتدمت الدماء في عروقه ليصرخ به بملء فيه:
"ده بعينك يابن الكلب...."
افتر ثغر حسن عن ابتسامة صفراء وهو يقول:
"ده اللي هيحصل... وأعلى ما في خيلك اركبه...."
صرخ نوح بوجهه:
"رهف مبتحبكش.... رهف بتحبني انا... ايه؟؟.. نخوتك هتسمحلك تتجوز واحدة تفكيرها وقلبها كله تجاه راجل تاني غيرك!"
اجابه بهدوء:
"لو لسه بتحبك مكانتش اتطلقت منك."
ضحك نوح ضحكة مستفزة، ونظر إليه باستعلاء قائلاً:
"رهف بتتجوزك عندًا فيا... عايزة تشوفني بغير عليها وتدوقني الكاس اللي هي داقته... يعني انت كوبري اننا نرجع لبعض... ده مسلسل هي عملاه كده عشان لما ارجع واكتشف انها اتطلقت مني افضل متمسك بيها وارجعها، دي مراتي وانا عارفها كويس."
رد عليه حسن بتهكم لاذع:
"تعرفها كويس؟! وهو انت فاكر اسمها غير لما هي قالتلك أصلاً!"
ابتسم نوح باستفزاز وقال:
"لا، هو انا مقولتلكش؟... ما هو انا رجعتلي الذاكرة..."
هنا تبدلت ملامح حسن تمامًا، وشعر بقطرات العرق البارد تتصبب من جبينه؛ فقد كانت هذه المفاجأة صدمة لم يحسب لها حسابًا قبل زيجته من رهف، ولم تكن هذه الخطوة في صالحه على الإطلاق.
أردف نوح:
"رهف متقدرش تبعد عني... لأن زي مانا بحبها وبعشقها هي كمان.... فاوعاك تفكر ولو مجرد تفكير انك هتتجوزها.... هي لو كانت عايزة تتجوزك يا حسن كانت عملت كده من اربع سنين.... هي رمياك (استيبن) لحد ما ارجع، واراهنك انها كانت هتطول الخطوبة لحد ما انا ارجع، ولا يمكن كانت وافقت انكم تكتبوا الكتاب قبل رجوعي... افهم بقى يا حسن... رهف مش ليك وعمرها ما كانت ليك، بطل تبص لحاجة مش بتاعتك واخرج برانا."
اتسعت ابتسامة حسن وهو يحاول استعادة توازنه النفسي:
"كلامك ده مقصرش فيا شعرة، خليه لنفسك يا نوح.. وبعدين انا مش قادر استوعب شجاعتك، يعني انت جايلي برجليك!... ايه مش خايف احط الكلبشات في ايدك؟"
قهقه نوح بمرارة قائلًا:
"عمرك ما هتعملها دلوقتي، ولا حتى هتعرف شبكتك اني رجعت مصر... عشان ده مش لمصلحتك يا حسن... انا عارفك واطي... وهتأمن نفسك الاول وتخرج نفسك منها ولما تطمن ان الحكومة مش هتلط ايدك في هروبي واللي حصل هتبلغ."
ابتسم حسن بمكر:
"فهمان... يلا اشوفك على خير يا قبطان... ليكي عليا هزينلك الزنزانة بتاعتك، اصل مش هيكون اي حد فيها، ده القبطان."
لم يعد نوح يطيق لجاجته، ففقد السيطرة على أعصابه وانقض على عنق حسن يخنقه بضراوة وهو يهتف بعصبية مفرطة: "مش هتتجوز رهف يا حسن، رهف أبعدلك من نجوم السما.... حتى لو انا اتسجنت فعمي عمره ما هيحط ايده في ايدك..... فااهم.... رهف مش هتتجوزك."
جاء صراخ ميرڤت بخوف:
"يالهوي يالهوي.... سيبه يا نوح... بالله عليك.... مش هيتجوزها.... بس سيبه....."
احتقن وجه حسن بالدماء، وتشبثت يداه بيدي نوح محاولاً زحزحتهما عن عنقه ولكن دون جدوى، فما كان منه إلا أن ركله بقدمه ركلة قوية، فتركه نوح وهو يترنح من أثر الضربة، حينها انقض عليه حسن ممسكًا بتلابيبه، وبدأ يكيل له الضربات بكل ما أوتي من قوة.
__________________
كانت "تمارا" في ردهات المتجرِ تجوس، تقتني ما تيسر من مؤنٍ لها ولطفلها، وبينما هي غارقة في شأنها، انشقَّ الفراغُ بغتةً عن "رحيم" وهو شاخصٌ أمامها بقناعٍ يخلعُ القلوبَ من مآقيها. انتفضت "تمارا" ذعراً وارتدَّت على أعقابِها القهقرى، واضعةً يدها على خفقاتِ قلبِها الواجف، فما كان من "رحيم" إلا أن أزاح القناع عن وجهه بزهوٍ، وأطلق ضحكةً مجلجلةً ملأت المكان.
حين أبصرت وجهه وعلمت أنه هو، استشاطت غضباً واحتدمت في صدرها نيران الغيظ، فتناولت زجاجةَ زيتٍ كانت بمتناول يدها وقذفتها صوبه وهي تصيح:
"ايه اللي جابك؟"
أجابها "رحيم" بملامحٍ هادئة:
"كنت بجيب حاجات هنا قريبة فشوفتك صدفة."
رمقته بنظرةٍ شزراء وقالت:
"لا يا راجل!"
استطرد "رحيم" بلهجةٍ شابَها الصدق:
"جيت الصراحة عشان مليت، انتِ بترجعي من مهماتك علنوم ومبلحقكيش، وانتي وحشتيني... أو بقيتي بتوحشيني."
عند هذه الكلمة، انقبض قلب "تمارا" وشعرت بوخزةٍ أليمة، فهتفت بضيق:
"بطل بقى."
تساءل "رحيم" في استغراب:
"أبطل إيه؟"
زفرت "تمارا" زفرةً محملةً بالوجع، ثم دفعت عربةَ التسوقِ أمامها ومضت في طريقها معرضةً عنه، بينما وقف هو يقتفي أثرها ببصره من بعيد، حائرًا لا يدركُ كنهَ هذا الحزنِ الذي يغلفُ ملامحها.
وما إن خرجت من المتجر، حتى شعرت بكفه تلامس يدها برفقٍ لتنتزع منها الأكياس المثقلة، فآثرت الصمتَ وتركت له زمام الأمر، وسارا جنبًا إلى جنب نحو السيارة.
كسر "رحيم" حاجز الصمت قائلاً:
"أكلك بدأ يتحسن يا تيمون."
فجأة، انبلجت أسارير وجهها وتهللت قائلة:
"انت دوقته؟؟"
أجابها والابتسامةُ ترتسمُ على ثغره فرحًا بتبدل حالها:
"كنتِ مطلعة طاجن بامية باللحمة لدنيا، وعديت عليها اليوم ده ودوقتني، مقولكيش كان خرااافة."
ثم أردف قائلاً:
"لا وكمان ابتديت اشوفك في الشقة اللي بنتدرب بيها على العزف كتير، وشكلك هتكسبيني المسابقة."
استوقفته "تمارا" في حيرة:
"توقعت انك خلاص مشيتني من الفرقة عشان غزل رجعت!"
أجابها بنبرةِ فخرٍ واضحة:
"غزل لما عرفت ان انتِ اللي بدالها وبتتعلمي، قالتلي اديلك فرصة، وورتلها كام فيديو ليكي وانتي بتعزفي، قالتلي انك مؤهلة انك تدخلي المسابقة وبتتعلمي بسرعة.. يعني بصراحة شرفتيني."
ارتسمت على ثغر "تمارا" ابتسامةٌ عذبة، فقد غمرتها السعادةُ لاستمرارِ رفقتها له في تلك المسابقة؛ إذ شغفت حبًا بعزفِ تلك الآلة، وسعت في صومعةِ خلوتها لتطويرِ مهاراتها مرارًا وتكرارًا.
وصلا إلى السيارة، فأودع "رحيم" الأكياس في المقعد الخلفي، ثم استقلت "تمارا" السيارة.
استوقفته امرأةٌ تسأله:
"لو سمحت هي دي العمارة اللي فيها عيادة دكتور رامز سيد عبد الصمد؟"
افترَّ ثغرُ "رحيم" عن ابتسامةٍ هادئة وأجابها:
"معرفش والله مجيتش هنا قبل كده."
انصرفت المرأةُ لشأنها، واستقلَّ "رحيم" سيارته، بيدَ أنَّه ما لبث أن تجمدت يداه على المقود؛ إذ مرَّ الاسمُ على ردهات ذاكرته مرورَ الصاعقة، وتردد صداه في جنبات عقله:
دكتور رامز سيد عبد الصمد!
إنَّه... أخي!
جحظت عيناه دهشةً، وترجَّل من السيارة في عجلةٍ من أمره، فهتفت "تمارا" وقد تملكها العجب:
"في إيه... نسينا حاجة؟"
لم يُلقِ إليها بالاً، بل انطلق يَعْدُو مَسعورًا، فاختطفت "تمارا" مِقْلاد السيارة وأوصدتها، ثم هرعت تقتفي أثره وهي لا تدركُ لثورته سببًا.
طفق "رحيم" يستقصي المارةَ في الطرقات عن مكان العيادة، حتى أرشده رجلٌ طاعنٌ في السنِّ قائلاً:
"بص يا ابني في ضهر العمارة دي عمارة اسمها الحجاز، تاني دور عيادة الدكتور رامز.. عشان لوكيشن العيادة دايما بيجيبك على هنا، لكن العيادة في ضهر العمارة دي، يعني لف الشارع لو بعربيتك، عايز تتمشاها هتبقى طويلة عليك خد تاكسي."
ارتدَّ "رحيم" يركضُ صوبَ سيارته كأنما يسابق الريح، و"تمارا" تلهثُ خلفه في حيرةٍ بالغة، فصاح بها:
"فين المفاتيح؟"
اعطته إياها بسرعة: "اهي... خد."
استقلا السيارةَ وأسرع "رحيم" في الانطلاق، فسألته "تمارا" ثانيةً مستوضحة:
"رحيم ممكن تفهمني؟"
أجابها وهو يغالبُ اضطرابَه:
"حاضر... هفهمك كل حاجة بس لما اتأكد الاول.... يمكن اللي في بالي يطلع غلط."
ما هي إلا ردهةٌ من الوقت حتى وقف "رحيم" أمام البناية المنشودة، فأبصر لافتةً عريضةً خُطَّ عليها بوضوح:
(دكتور رامز سيد عبد الصمد.. أخصائي عظام ومفاصل).
دلفا إلى المصعدِ وصعدا إلى الطابق الثاني، وما إن خرج "رحيم" حتى تملكه الوجل، فتقدم بخطواتٍ متعثرة نحو العيادة التي غصَّت بالمرضى، وضرباتُ قلبه تقرعُ صدره بعنف. اقترب من منضدة الاستقبال، وقال بصوتٍ يتهدجه الارتباك:
"لو سمحت... هو دكتور... رامز... موجود؟"
رمقته الموظفة بابتسامةٍ ودودةٍ وأجابته:
"لسه مجاش حضرتك ممكن تتفضل تنتظره وتحجز دورك في الكشف."
أومأ "رحيم" بالموافقة، واستطرد قائلاً:
"رحيم.. رحيم سيد."
دوَّنت الموظفةُ اسمه في سجلٍّ بين يديها، ثم رفعت بصرها إليه قائلة:
"500 جنيه الكشف."
استلَّ "رحيم" محفظته في عجلةٍ من أمره، فدفع رسوم الكشف، ثم انتحى جانبًا ليجلس على أقرب مقعدٍ في انتظار "دكتور رامز "، وجلست "تمارا" إلى جواره تراقب ساقه التي كانت تضرب الأرض في إيقاعٍ متوترٍ ينمُّ عن اضطراب سريرته، فمدت يدها ووضعتها فوق كفه المنقبضة على فخذه قائلة برفق:
"رحيم.... اهدى."
رمقها "رحيم" بنظرةٍ استكانت فيها روحه أمام فيض السكينة المنبعث من عينيها، وقال بصوتٍ خفيض:
"لو عايزة تروحي روحي."
افترَّ ثغرُها عن ابتسامةٍ حانية وأجابته:
"لا يمكن امشي واسيبك، انا معاك هنا... رغم اني مش فاهمة حاجة بس حاسة انك محتاج لشخص يكون جنبك."
ابتسم لها "رحيم" في هدوءٍ مشوبٍ بالشجن وسألها:
"مش سبق وسمعتي قصتي وكان ليا اخ دكتور؟"
اتسعت عينا "تمارا" حين أدركت مغزى قوله، وهتفت في ذهول:
"واحنا دلوقتي في عيادته!!"
أومأ "رحيم" برأسه مؤكدًا، فوضعت "تمارا" يدها على فمها من هول المفاجأة، ثم شرعت تربت على يده بحنانٍ قائلة:
"طب انت متأكد؟؟"
أجابها بقلبٍ يترجح بين الشك واليقين:
"معرفش، لما اشوفه الاول هعرف، وهو لسه مجاش."
هنا أرسلت "تمارا" دعواتها الصامتة إلى السماء، مبتهلةً أن يكون هذا الطبيب هو أخيه حقًا، عسى أن يلمَّ الله شتات هذه الأسرة، ويجمعهما في كنف المودة من جديد، وأن يعجل بتوبته وأوبته إلى طريق الجنة.
تنفس "رحيم" الصعداء بصوتٍ مسموع، ثم ركن إلى الصمتِ يترقبُ على أحرِّ من الجمر رؤيةَ أخيه؛ فقد برَّح به الشوقُ وهزَّه الحنين. نعم، كان أخيه هذا يومًا سببًا في شقائه منذ نعومة أظفاره وحتى استوى رجلاً، ولكن تبقى صلة الرحمِ غلابة، فالدمُ لا يفتأُ يغلي في العروق، ولا يستحيلُ ماءً مهما عصفت بالودِّ رياحُ الخلاف.
طفق يعدُّ الدقائقَ عدًّا، وكان الوقتُ يمرُّ عليه وئيدًا ثقيلاً كأنَّه الدهر، فلا يكاد يرفع بصره عن باب الولوج، يرقبُ الغادين والرائحين، ويفرسُ وجوهَ الداخلين عسى أن يرى في ملامح أحدهم وجهَ أخيه الغائب.
_________________________
هرعت "ميرفت" صوب الباب لتبين خبر طارقه، فإذا بـ "حمزة" قد جاء تلبيةً لندائها له فقد هاتفته مستنجدة به وكان لحسن حظها ان حمزة كان قريب منها فحضر مسرعا.
اقتحم "حمزة" الردهة مُسرعًا ليحجز بجسده بين نوح وحسن، وصاح مستنكرًا:
"فيه إيه..... إيه اللي جابك هنا يا نوح!"
فأجابه "حسن" وصدره يغلي مرارةً وحنقًا:
"حمزة أنت مش عارف اللي عمله... سيبني أعرفه مقامه كويس."
اندفع "حسن" بصلابة ليفتك بنوح، بيد أن "حمزة" انتصب أمامه يذوده عما انتوى، وقال:
"اهدى يا حسن... أنت اللي قلبت الحرب من الأول.... رايح تتجوز مراته وتطلقها منه من غير ما هو يعرف."
هنا تدخلت "ميرفت" في الحديث قائلة:
"رهف هي اللي اتمسكنت عليه وبقت بتحتاجه في كل حاجة وعشمته."
فاحتدَّ "نوح" واستشاط غضبه صائحًا:
"اسكتي يا حجة بدل ما أقل منك."
ثار "حسن" لكرامة أمه وهتف:
"اتكلم مع أمي باحترام يلا."
أمرّ "حمزة" يده على وجهه في محاولة لاستجماع ما تبقى من صبابة صبره، ثم التفت لـ "نوح" قائلاً:
"أنت إيه اللي جايبك هنا بعد اللي رهف قالته.... سيبها تختار اللي هي عاوزاه وهي لو عاوزاك هتقلب الدنيا عشان تبقى معاك دي رهف يا نوح... يعني لو ده اختيارها فمحدش عمره هيكون جابرها عليه..."
أيد "حسن" قوله بزهوٍ واستعلاء:
"أيوه سيبها تختار وملكش دعوة."
افتر ثغر "نوح" عن ابتسامة ساخرة مسمومة:
"ليه يلا أنت شايف إن أنت هتتحط معايا في وجه مقارنة أصلاً يا نجس يا بن الكلب."
نظر "حسن" لـ "حمزة" قائلا:
"شوف بيغلط إزاي...."
صاح "حمزة" بصرامة قاطعة:
"يلا يا نوح.... يلا نمشي..."
وبينما كان "نوح" يهمُّ بالخروج مع "حمزة"، قذفهما "حسن" بكلمات اخيرة:
"اطلع خلي البيت ينضف من الوساخة."
فقال نوح:
"الوساخة دي تبقى ...."
إلا أن "حمزة" عاجله بكفه موصدًا فاه، واقتاده للخلف بقوة، ثم أوصد الباب دونهما قبل أن يستعر أوار الحرب من جديد.
في الداخل، وقف "حسن" برهة ثم غلبه وجده، فطفق يحطم كل ما وقع تحت ناظريه من أثاث ومتاع، بينما انتحت والدته جانبًا تذرف عبراتها وهي تقول بنحيب:
"الله يلعن رهف واليوم اللي عرفتها فيه... يا ريت أختي ما كانت جابتها."
فأجابه "حسن" بهيامٍ يغشاه الكدر:
"متقوليش كده ياما... رهف سبب عيشتي... من غير وجود رهف على وش الدنيا أنا مكنتش هبقى موجود."
رفعت الأم كفيها للسماء ضارعة:
"يا رب عقّله يا رب... شيلها من دماغه يارب.. يا رب أنت قادر على كل شيء."
ثم ولت وجهها شطر غرفتها وأوصدت بابها بعنف، فجلس "حسن" على أريكته وقد ناء بحمله، فأسند رأسه بين كفيه، وفجأة قبض على هاتفه وهاتف شخصً ما.
-"مرحبًا... لقد اشتقت لاتصالك وسماع صوتك."
-"أين نوح يا ستيفن؟"
تردد صوت ستيفن بتوتر يشوبه هدوء مصطنع:
"معي."
-"متأكد؟"
-"نعم يا سيدي إنه معي... وكل ما تأمرني به أنفذه نصًا لا تقلق من شيء."
-"نوح هنا يا ستيفن... نوح بمصر."
تملك الذهول من "ستيفن" وتلجلج لسانه قائلاً:
"م... ماذا... هل هرب مني... هل خدعني وفر إلى مصر... صدقني يا سيدي لم أكن على علم بذلك... لقد خرج في مهمة كلفته بها... ولم أكن أحسب أنه يراوغني.... صدقني.."
فزمجر "حسن" بوعيدٍ قاطع:
"لن أرحمك يا ستيفن... إن لم تُعد لي مال هذا الشهر... فصدقني لن يندم أحد سواك... ولا تظنن أن انقطاع السبل بيني وبينك سيحجبني عنك؛ فإن لي عيونًا ترصدك وسيدلونني على مضجعك إن تواريت، فليس أمامك إلا نجدة واحدة؛ أن ترد المال وإلا فلن يشرق عليك فجر جديد."
أغلق الخط بحدة وألقى بالهاتف بعيدًا وهو يغلي عصبيةً، إذ لم يكن يدر في خلده أن مكائده التي نسج خيوطها لسنوات قد تنفرط هكذا في طرفة عين.
_______________________
مضت ساعةٌ و"رحيم" يرقبُ الباب بحدقةٍ لا يطرفُ لها جفن، حتى أطلَّ "رامز" يهرعُ في خطاه، معتذرًا عن تأخره.
هبَّ "رحيم" واقفًا وقد أضحت دقاتُ قلبه كالمطارق تفتكُ بأضلاعه..
إنه هو!
أخي حقًا!
"رامز" أخي أمام عينيَّ!
تغيرت هيئته نزرًا يسيرًا؛ فقد أرخى لحيته وحفَّ شاربه، وقصَّ شَعره قَصًا ناجزاً خلافا لما كان عليه في مراهقته، بيد أن ملامحه لم تخفَ على عينِ أخيه؛ فدمُ الأخِ للأخِ دليل.
استبشر "رحيم" وهرول نحوه، غير أن "رامز" كان مُسرعًا فدلف إلى غرفته، واقتفت أثره الموظفة الاستقبالية التي استوقفت "رحيم" قائلة:
"لحظة حضرتك داخل فين دورك مش دلوقتي!"
تعلثم "رحيم" والدهشة تعقد لسانه:
"د.. داخل... داخل لرامز... اااقصد دكتور رامز.... انا محتاج ادخله بسرعة."
أجابت بجفاء:
"مش هينفع يا استاذ فيه غيرك مستني."
فتقدمت "تمارا" لتقول:
"طب مفيش كشف مستعجل... هو ضروري يدخل دلوقتي لان حالته كل مدى بتسوء واحنا اتأخرنا."
فردت قائلة:
"الكشف المستعجل بالف ونص."
أخرج "رحيم" حافيته بلهفة قائلاً:
"هدفع... هدفع... خدي اهم... ينفع تدخليني."
تناولت المال ورمقته بنظرةٍ فاترة قائلة:
"مهو يا استاذ فيه تلاتة قبلك دفعوا مستعجل... اتفضل اقعد يا استاذ ولما انده على حضرتك هتدخل."
هتف "رحيم" بقلة صبر:
"انا محتاج ادخل دلوقتي افهمي."
فأردفت ببرود:
"فيه غيرك محتاج يدخل هو كمان... استاذ" ربيع فهمي"... اتفضل حضرتك دورك."
أمسكت "تمارا" بيده وتحدثت في أذنه همسا:
"هتدخله يا رحيم اهدا... هما تلاتة هتستناهم... اللي خلاك تستنى ساعة مش قادر يخليك تستنى الكام دقيقة دول؟"
ألقى "رحيم" عليها نظرةً حائرة، ثم انقاد معها ليجلس في انتظارٍ مرير مرة أخرى.
تعاقب المرضى؛ فدخل الأول والثاني والثالث، و"رحيم" يرقبُ خروج الأخير ليبلغ مأربه. وما إن غادر المريضُ الردهة، حتى نادت الموظفة:
"رحيم سيد؟"
وثب "رحيم" من مقعده قائلاً:
"ايوة انا...."
قالت: "اتفضل."
نظر "رحيم" إلى "تمارا" قبل الولوج، فرمقته بنظرةٍ بعثت في نفسه الطمأنينة وابتسمت له، فشعر بسكينةٍ تجتاحُ وجدانه، وتنفس الصعداء. طرق الباب ودلف، ودقات قلبه تتسارع كأنما تسابق الزمن، فوقعت عيناه على "رامز" الجالس خلف مكتبه يخطُّ شيئا بيمينه.
تقدم نحوه بخطواتٍ وئيدة، وعيناه تترقرقان بالدموع، تفيضان شوقا وحنينا أضناه السنين.
رفع "رامز" بصره مبتسمًا:
"أهلاً بي..."
بُهت رامز حين وقعت عيناه على "رحيم"، وتلاشت البسمة عن ثغره وحلت مكانها حيرةٌ وذهول، ألقى بقلمه أرضاً ونهض بوئيد الخطى غير مصدقٍ لما يرى؛ أهذا "رحيم" حقًا؟ لقد استحال الفتى رجلاً مفتول العضلات، فارع القامة.
ترقرقت العبرات في عيني "رحيم" ثم انهمرت، فاستجابت لها عينا "رامز" بفيضٍ مماثل، والتجم اللسانُ في الأفواه فما استطاع أحدهما نطقًا.
اقترب "رامز" يحدج أخاه بنظراتٍ يستوثق بها من ملامحه، ثم قال بصوتٍ متهدج:
"أنت رحيم... أخويا... مش كده!"
افتر ثغر "رحيم" عن ابتسامةٍ غسلتها الدموع:
"وحشتني يا رامز."
اندفع "رامز" يرتمي في أحضان أخيه، وعلا نشيجه كطفلٍ أضاع أمه ثم وجدها، فبادله "رحيم" العناق بساعدين قويين وبكاءٍ مرير.
قال "رامز" بلهجةٍ يمتزج فيها العتاب بالوجع وهو يضرب ظهر أخيه:
"أنت كنت فين... روحت فين وسيبتني كل السنين دي...."
أجاب "رحيم" والنحيب يقطع أنفاسه:
"كنت فاكر اني لما ابعد هبقى كويس وانا محسيتش باني كويس قد اللحظة اللي انا عايشها دلوقتي."
لبثا على تلك الحال دقائق، حتى استقرت الأنفس وهدأت لوعة اللقاء، فابتعدا ينظر كل منهما إلى الآخر بشوقٍ لا يرتوي، حتى نطق "رامز" ضاحكًا:
"شكلك اتغير اوي...ايه العضلات دي وانت طولت كده ليه."
داعب "رحيم" وجنتي أخيه بمزاح:
"أنت كمان اتغيرت بقى عندك خدود وبقيت بتربي دقنك واتخطبت اهو شايف الدبلة في ايدك."
ابتسم "رامز" وتفرس في خاتمه المستقر في يمينه:
"لسه خاطب مبقاليش كام شهر."
"ربنا يتملك على خير يا رب."
نظر إليه "رامز" برجاء: "ارجع يا رحيم.... بلاش تقولي انك جاي تشوفني وماشي تاني."
تنهد "رحيم" تنهيدةً حرّي وقال:
"أمك وأبوك عاملين إيه؟؟"
اغرورقت عينا "رامز" ثانيةً:
"أنت وحشتهم أوي ونفسهم يشوفوك."
تساءل باستفسار:
"هما في القاهرة وأنت ليك عيادة في إسكندرية ولا إنتو مقيمين هنا؟"
"لا مش مقيمين أنا عندي عيادة هنا بروحلها يوم في الأسبوع..."
"طيب أنا هستناك برا خلص شغلك ونروح سوا."
أعرض "رامز" عن مكتبه وطفق يجمع أشياءه ويحزم حقيبته:
"أخلص شغلي إيه... إحنا هنروح دلوقتي..."
تهلل وجه "رحيم" بشرا إذ لم يكن يطيق صبرا ولا انتظارا، وخرجا سويا والسرور يعلو محياهما. وحين أبصرتهما "تمارا" غمرتها البهجة لرؤية ملامح "رحيم" الفرحة، بينما اعتذر "رامز" لمساعدته عن عدم إكمال الكشوفات مرجئا إياها لليوم التالي.
دنت منهما "تمارا" وهمست في أذن "رحيم":
"هتتوب بما إنك شوفت عيلتك أهو فعلاً ولا بتقول كلام كده وخلاص."
ابتسم لها "رحيم"، فاسترابت نظرات "رامز" من ظهورها وسأل أخاه:
"تعرفها؟؟"
أومأ "رحيم" برأسه مؤكدا:
"زميلتي في الشغل.... تمارا... تمارا ده رامز أخويا."
صافحها "رامز" مرحبًا، ثم استطرد سائلاً:
"بتشتغلوا إيه؟؟"
خيم الصمتُ عليهما وساد التوتر، حتى قطعت "تمارا" حبل الصمت قائلة:
"مصنع ملابس."
ابتسم "رامز" مشفقا:
"شغل المصانع زفت ومتعب جدا وفي الآخر بتاخد ملاليم، إيه رأيك تيجي تشتغل معايا؟"
سأله رحيم: "أشتغل إيه؟؟"
"بدل السكرتيرة سارة، تظبطلي مواعيد عياداتي وتبقى معايا في كل عيادة بروحها، مش هستأمن حد زي أخويا يبقى مطّلع على فلوسي، بدل البنت اللي أنا جايبها مش مرتاحلها وبقيت بكتب وراها الكشوفات وأحسبهم ألاقي في غلط في الحساب والفلوس ناقصة."
أجاب "رحيم" :
"أشوف أمك وأبوك الأول وبعدها نبقى نشوف حوار الشغل ده."
ولكن سأله رحيم وهو متوجها لسيارته: "هنتطلع بعربيتك ولا عر...."
قرصته "تمارا" في ذراعه فجأة ليصمت، فنظر إليها متألماً فهمست له في أذنه: "يا حمار بيقولك شغلانة المصانع بتجيب ملاليم تروح قايله هنروح بعربيتي! ما أكيد هيشك انك بتكدب عليه وإنت شغال حاجة تانية."
لعن "رحيم" في سره حماقته، وشكرها ببريق عينيه، ثم انطلق مع "رامز" صوب سيارته. فتح "رامز" باب السيارة واستوى في مقعد القيادة، وجلس "رحيم" بجانبه، فيما اتخذت "تمارا" مجلسها في الأريكة الخلفية.
استدار رحيمٌ بجسده ليرنو إلى "تمارا" القابعة في الخلف، وسألها بلهجةٍ حانية:
"جاية معانا القاهرة؟"
أجابت "تمارا" في خفرٍ يكسو ملامحها:
"أنا ابني سليم بس مش عايزة أتقل على دنيا... سايباه معاها من الصبح و..."
قاطعها رحيمٌ برجاءٍ حار:
"انتِ عارفة إن دنيا على قلبها زي العسل ومش هتقّلي عليها ولا حاجة... تمارا... أنا عايزك تبقي معايا... عايز أعرّفك على ماما وبابا."
افتر ثغرها عن ابتسامةٍ رقيقةٍ إثر قوله هذا، وقالت في هدوء:
"أنا كمان عايزة أتعرف عليهم..."
بادلها الابتسام، ثم اعتدل في جلسته مولّيًا وجهه شطر الطريق، بينما رَمَقَهُ "رامز" بنظرةٍ ذات مغزى، أدرك رحيمٌ فحواها جيدًا، فضحك في خجلٍ وصرف بصره بعيدًا، وكذلك اعتصمَتْ "تمارا" بالصمت وقد نال الخجلُ منها لقوله ذاك أمام أخيه.
__________________
كانت أضواء النهار لا تزال تغمر الطريق، فقد كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصرًا حينما بدأت ملامحُ البنايات تتوارى شيئًا فشيئًا؛ فساور القلقُ نفسَ رحيم، والتفت نحو "رامز" متسائلًا:
"عايز أشوف بابا وماما يا رامز، أنت موديني على فين؟"
أجابه رامز باقتضاب: "موديك عند بابا."
استطرد رحيمٌ في حيرة: "ليه، هو بابا في الشغل دلوقتي؟... هتوديني ليه الأول بعد كدا نعدي على ماما في بيتها؟"
فردّ رامز بهدوء: "أيوه."
اعترض رحيمٌ قائلًا:
"بس بابا نجار وأنت ماشي في حتة مفيهاش عماير حتى!!... انا لسه فاكر مكان شغله منسيتهوش. "
توقفت السيارةُ فجأة أمام المقابر، فترجل "رامز" وتقدم نحو "رحيم" الذي كان يقف مذهولًا لا يستوعب ما يحدث، أو لعلّه يرفض استيعابه، فخاطبه رامز قائلًا:
"انزل يا رحيم..."
ترجل رحيمٌ من السيارة والاضطرابُ يملأ نبراته:
"أنت وديتني فين... وفين بابا... أنت كلمته يقابلنا هنا!!"
أمسك "رامز" بيده، والدموعُ تترقرق في عينيه، ثم سحبه وراءه نحو الداخل حتى أوقفه أمام قبرٍ نُقش عليه:
"سيد عبد الصمد موافي"
____________________
هتف حمزة مستنكرًا:
"أنت في إيه ولا في إيه يا أخي!"
أجابه نوحٌ بنبرةٍ يملؤها الكمد:
"ما هي دي المصيبة يا حمزة... أنا فعلاً في إيه ولا في إيه عشان أشيل هم فوق الهم اللي أنا راجع شايله!"
عقّب حمزة محاولًا توجيهه:
"ونبي فكك من رهف وحسن وركزلي في حوار سجنك ده... أنا جبتلك محامي و....."
ردّ نوحٌ في شتاتٍ ذهنيّ:
"لا أنا مش عايز محامي دلوقتي.... أنت تعرف حاجة عن غزل؟؟"
ارتبد وجه حمزة في دهشةٍ واستفهم:
"غزل مين؟!"
اطرق نوحٌ قليلًا يستجمع ذاكرته، باحثًا عن الاسم المستعار الذي كانت تتخفى وراءه:
"أقصد سمر... هي لسه عندك؟"
التمعت عينا حمزة ببريقٍ مريب وقال:
"أنت تعرفها؟"
أومأ نوحٌ بالإيجاب: "آه... قولي بس هي لسه عندك عشان عايزها في حوار."
استطرد حمزة متسائلًا في ريبة:
"تعرفها منين بقى... أنتم كنتوا نصابين سوا واتصاحبتوا زمان مش كدة؟"
باغته نوحٌ بقوله:
"أنت عرفت إنها نصابة؟! "
أجاب حمزة: "آه وهربت... اسمها الحقيقي بقى غزل؟؟"
ناشده نوحٌ في ضيق:
"حمزة الله يخليك معرفتش تجيبها؟... طب متعرفش رحيم... أنا هتجنن وأوصلهم."
رفع حمزة حاجبه في تعجبٍ وازدراء:
"هو فيه رحيم كمان... مين بقى رحيم ده أخوها؟"
أوضح نوحٌ الأمر:
"يعني معاها زمايل في الشغلانة... بس الواد عينه عليها وبيحبها وإحنا كلنا عارفين عدا غزل."
في تلك اللحظة، استعرت في جوف حمزة نارٌ مجهولة المصدر، لا يعلم كنهها ولا من أين انبثقت، لكنه سأل بلهجةٍ حادة:
"يعني علاقتهم ببعض عاملة إزاي... صحاب أوي؟"
أجابه نوحٌ مسترسلًا في وصف حالهما:
"حلة ولقت غطاها... رحيم ده كان بيسرق وهي كانت هربانة من ملجأ وبتجري من عيال سكك عاوزين يأذوها في عز الليل فشافته واستنجدت بيه، ومن ساعتها وهما صحاب، كان ساعتها غزل صغنونة أوي عندها 16 سنة، وهو كان اكبر منها بس مش فاكر بكام سنة بس كان صغير هو كمان... هي بتحس معاه بالأخوة أوي عشان كدة عمرها ما حست إنه بيحبها لأنها شايفة اهتمامه بيها لأنه أخوها بجد."
فسأل: "هو اعترفلها بحبه؟؟"
-معنديش معلومة بصراحة بس طول ما غزل مقالتش يبقى اكيد متعرفش لسه انه بيحبها.
-طب ولو عرفت ممكن تحبه لانه بيحبها؟
-مظنش لا... كذا مرة اقول لرحيم شوف اللي بيحبك مش اللي بتحبه او على الاقل يكون شعور متبادل انما الحب من طرف واحد ده مبيأكلش عيش...
تمتم حمزة في حنق:
"يعني غزل عمرها ما...."
قاطعه نوحٌ وهو يزفر بضيقٍ وتبرم: "ما خلاص يا عمنا قولنا مابتتنيلش.... هنقعد طول النهار نتكلم في غزل مش وقته دلوقتي. "
انطلقت من حمزة ضحكةٌ قصيرة وأضاف:
"أنت لازم توصلهم بسرعة وخصوصًا رحيم ده."
تنهد نوحٌ قائلًا:
"هكلم توم كدة لو معاه أرقامهم، الفكرة إننا نوصلهم بالتلفون دي صعبة، معاهم خمسميت رقم وكاسرين ييجي ميت كارت ياربييي."
رمقه حمزة بنظرةٍ فاحصة وعاتبه:
"نوح أنت هتفضل تفكر لوحدك مش ناوي تشاركني هتعمل إيه خالص ولا أنا مش أهل ثقة؟؟"
زفر نوحٌ زفرةً حارّة وقال:
"إزاي بس يا حمزة أنت أخويا وأنت عارف كده كويس، الفكرة إن دماغي حاليًا مشوشة ومش عارفة أظبطها، أول ما أوصل لفكرة معينة والتشويش ده يقف هبلغك باللي هعمله لأن أنا مش همشي خطوة من غيرك."
__________________________
خَرَجَت رهف من المرحاض عاصبة بطنها بيدها، وقد نال منها الإعياء كل منال؛ فهذه هي المرة الثالثة التي يعاودها فيها القيء في ذات اليوم.
هاتفت حارس البناية ليحمل إليها بعض مقاضي المنزل واحتياجاته، وما إن صعد بها إليها حتى التقطت منه الأكياس بلهفة مشوبة بالقلق، وطفقت تفتش بين ثناياها عن بغيتها، حتى استخرجت "اختبار الحمل". دلفت إثر ذلك إلى الحمام وأوصدت الباب خلفها، بينما كانت خفقات قلبها تتسارع.
وبعد طول ترقب، استبانت نتيجة الاختبار؛ فما استشعرته نبوءة قلبها قد تجسد حقيقة شاخصة أمام ناظريها.. خطان واضحان يعلنان استكنان الجنين في رحمها.
استحضرت تلك الليلةَ الحميميّةَ مع "نوح"، كانت ليلتهما الأخيرة، وقتها كان مازال فاقدا للذاكرة ولكن قلبه انجرف اليها دون ان يدري او يفكر.
مضى على تلك الليلة شهران ونصف، غير أنّ أثرها لم يمرّ؛ بل انغرس ذلك الأثرُ نبضًا حيًا في جسدها.. وبذرةً تشقُّ طريقها في ظُلمة رحمها. ها هي الآن تحمل في أحشائها ثمرةً من رجل صارت مطلَّقةً منه. لقد سخر القدرُ منها حين حشر في صدرها نقيضين لا يجتمعان: مخاضَ حياةٍ وليدة.. ومراسمَ علاقةٍ ميتة.
وفجأة، تسلل إلى ذهنها سؤالٌ حادٌ كشفرةِ مِشرط، مرّ على رهافة روحها فتركها تنزف رعبا:
"هل تُجهِضه؟"
فارتجف قلبها من الفكرة، كأنها وقفت على حافة قدرٍ لا تدري أتهوي فيه أم تتراجع قبل السقوط.
بات عقلها مشلولا عن التفكير، ولم تجد مهربا سوى أن دفنت رأسها بين كفيها، وانخرطت في نحيب مر، تنعى حظها العاثر الذي ساق إليها رزقا في غير ميقاته، وأمرا لم يخطر لها قط على بال.
_________________________
أشرعَ نوحٌ هاتفه ليتفقد رسائل "الواتساب"، فإذا به يلفي رسالةً صوتيةً قد بعث بها "توم" إليه.
"مرحبا يا نوح... لقد عرفت مَن المجهول... اعلم ان الوقت قد طال جدا بالبحث ولكني قلت لك اني لن اترك الفريق الا ووجدته وعرفته من يكون."
تهللت أسارير نوحٍ بابتسامةِ ظفرٍ أثلجت صدره، فبادر بالاتصال به هاتفيًا، ليأتيه صوت "توم" مفعمًا بالبِشر قائلًا:
"ألم أقل لك ثق بي؟"
أجاب نوح بحماس: ""كنت متأكدا... ولكن كيف عرفت؟"
-"انا كنت انتظر ان يخطئ هذا المجهول خطأ واحد. ومكالمته الاخيرة لستيفن كفيلة بايقاعه في الفخ الذي نسجته له."
-"أخبرني من يكون بسرعة يا توم لا تختبر صبري..."
أجاب:
"المقدم حسن سلمان جدالله ضابط شرطي بقسم المعادي."
شخصَ بصرُ نوحٍ من الهول، وابتلع ريقه وهو في حالةٍ من الذهول، يكاد لا يستوعب ما طرق مسامعه!
.....
