رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم مريم الشهاوى


 رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الثاني والعشرون 


|عيد ميلاد سعيد|

انتحب "رامز" وهو واقفٌ أمام قبر أبيه، والدمع يطفر من عينيه، فتمتم بصوتٍ متهدج:

"أهو جالك يا بابا... مش كنت بتقول إنك نفسك لو تشوفه... أهو جبتهولك يا حبيبي... جبتهولك يا بابا.... رحيم رجع زي ما كنت بتتمنى.... هو رجع وكان نفسه يشوفك هو كمان..."

أما "تمارا" فقد غلبتها العبرة وهي تراقب المشهد، فوضعت كفها على فمها تكتم نحيبًا كاد يشق صدرها، بينما شخصت بصرها نحو "رحيم" الذي جمدت الدماء في عروقه من أثر الصدمة، فاتسعت عيناه في ذهول مطبق، وعقد اللسان منه فلم ينطق ببنت شفة.

استأنف "رامز" حديثه بمرارة:

"آخر كلمة قالها قبل ما يموت هاتولي رحيم.... هاتولي رحيم... وبعدها مات... كان نفسه يشوفك أوي يا رحيم."

وظل "رحيم" شاخصًا بمكانه، لم تذرف له دمعة ولم تخرج منه صرخة، بل استحال جسده كجمادٍ لا يسمع ولا يعي، ينظر للضريح في إنكارٍ مرير.

خالج القلق قلب "تمارا" من صمته المريب، فدنت منه وهي تناديه: 

"رحيم.... رحيم."

ثم أمسكت بوجهه وتوجّهت به نحوها قائلة: 

"رحيم بصلي... بصلي...."

التفت إليها "رحيم" بنظرة تائهة، فأردفت: 

"هو في مكان أحسن دلوقتي.... أنت سامعني.... رحيم.... رحيم."

بيد أن الصمت ظل سيد الموقف، وفجأة، خارت قواه فخرَّ على ركبتيه صامتًا، يرمق القبر بنظرات جامدة. صرخت "تمارا" في "رامز" وهي تنتحب:

"كنت مهّدت له في الطريق.... حرام عليك جاتله صدمة..."

ابتلع "رامز" ريقه وجلاً، ثم جثا بجانب أخيه ووضع يده على كتفه مواسيًا: 

"سيد عبد الصمد خلّف رجالة.... مش دي الجملة اللي كان دايماً بيقولهالنا؟"

وفور سماع تلك الكلمات، التفت "رحيم" نحو "رامز" بغتة، وانفجر في نوبة بكاء مريرة مزقت نياط القلوب، ليعانقه "رامز" ويشاركه النحيب.

استطرد "رحيم" من بين شهقاته: 

"كان واحشني أوي يا رامز... كان نفسي أشوفه ويحضني.... أنا الغلطان.... أنا اللي هربت من البيت.... أنا الغلطان إني سيبت عيلتي وهربت..... خسرت كل حاجة لما سيبتكم...."

فحاول "رامز" التخفيف من وطأة ذنبه قائلاً: 

"ده قدر..... قدر ومكتوب..... ربك أرحم علينا كلنا أكتر من أبونا وأمنا..."

_____________________________

وَلَجَ رحيمٌ زقاقَ حَيِّه القديم، ذاك المرتع الذي احتضن طفولته ونشأ فيه غضَّ الإهاب. مرَّ بمحاذاة المسجد الذي لطالما تردد جنباته بآيات القرآن التي حفظها صبيًّا، فهاج به الشوق لرؤية الشيخ "عثمان"؛ وارتجف قلبه بالدعاء ألا يكون الشيخ قد هجر المحراب أو غيَّبه الموت.

 * "ثانية يا رامز..."

كان أذان المغرب يتردد في الآفاق، فقال رحيم:

 "صلاة المغرب.. يلا نصلي."

فابتسم رامز قائلًا بفخر: "لسه يا أخويا مابتفوتش فرض ولا بتأخره زي زمان."

كانت تلك الجملة كفيلة بأن تفتك برحيم من داخله، إذ استيقظت نفسه من غفوتها على وقع جرحٍ غائر. كيف يصارح أخاه أنه هجر الصلاة منذ سنوات؟ وأنه قطع صلته بالقرآن منذ عقدٍ من الزمان، حتى لم يعد يعرف من دينه سوى اسمه؟ إن "رحيم القديم" قد انمحى أثره تمامًا ولم يعد له وجود. في تلك اللحظة، استدعى في مخيلته هيئته الغابرة.. تذكر كيف كان، وتساءل في مرارة:

"كيف كانت تلك حياتي وكنت أبغضها؟ وهل حياتي التي شيدتها الآن تُعدُّ حياةً من الأصل؟!"

رافقتهم "تمارا" إلى المسجد، بينما دلف "رامز" و"رحيم" ليتوضآ. كان رامز يفيض بشرًا، والبهجة تكاد تطير به فرحًا، فقال رحيم وهو يطوي كُمَّ قميصه بعد الوضوء: "إيه الانشكاح اللي أنت فيه ده؟"

أجابه رامز: 

"مش مصدق نفسي يا رحيم.. مش مصدق إنك معايا وإننا بنصلي سوا.. صحيح قضينا طفولتنا كلها خناق، بس طول عمري كنت بحبك وافتقدتك أوي السنين اللي فاتت."

عانقه رامز بقوة، واغرورقت عيناه بدموع رقيقة، فبادله رحيم العناق بحب، وحين تناهى إلى سمعه صوت شهقات بكائه، ربت على ظهره قائلًا:

 "متعيطش بقى هعيط معاك.. كفاية أنا دموعي نشفت."

ضحك رامز وابتعد عنه قليلًا، ثم استويا في صفوف المصلين حين أقيمت الصلاة. كانت للصلاة هذه المرة مذاقٌ مختلف في وجدان رحيم؛ إذ ذاق حلاوة السجود بعد جفاءٍ طويل.. وتساءل في نفسه: كيف حُرمت روحي من هذا النور كل تلك السنين؟

انقضت الصلاة، وسلما، وجلس رحيم في مكانه بسكونٍ غير معهود، هدوءٍ غمر جوارحه وسكينةٍ غير عادية. رفع بصره نحو الإمام، فأبصر الشيخ عثمان؛ عرفه من ثيابه، فقد كان يرتدي جلبابه الرمادي وشاله المعهود الذي يذكره جيدًا منذ الصغر، يلفه حول عنقه اتقاء البرد. لم تخفَ ملامحه عليه أبدًا، فقد كان يحب هذا الشيخ بصدق. هرع إليه والابتسامة تملأ وجهه، هاتفًا بصوتٍ متهدج:

 "شيخ عثمان!"

رفع عثمان رأسه ونظر إلى رحيم مبتسمًا بودٍّ غامر، لا لأنه تذكره، بل كانت ابتسامته صدقةً يبذلها في وجه الجميع كما اعتاد دائمًا، وقال: "أهلاً يا ابني."
تهللت أسارير رحيم وانبلج وجهه فرحًا، فقال: "حضرتك عرفتني؟ أنا رحيم.. رحيم ابن سيد عبد الصمد."

فأجابه عثمان بابتسامة متواضعة: "لمؤاخذة يا ابني ذاكرتي مش قد كدة.. بس يا مرحب بيك يا حبيبي."

أخذ رحيم يبحث في ذاكرته عما يعيد للشيخ صورته القديمة، فقال: "رحيم.. سورة الإسراء."
لم يفهم الشيخ مقصده، فبدأ رحيم بالبسملة، ثم انطلق يرتل أوائل آيات سورة الإسراء بصوته العذب الرخيم.

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا.

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا.

وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا.

اتسعت عينا عثمان دهشةً ما إن تسرّب صوتُ رحيم إلى مَسامعه؛ فقد كان لرحيم جرسٌ صوتيٌّ فريد، لا سيما في سورة "الإسراء"، إذ كان يتلوها بتلذذٍ صبغَه بأسلوبٍ خاص لا محاكاة فيه ولا تقليد. لطالما كان عثمان يجدُ أنساً وحياةً في سماع تلك السورة تحديداً من ثنايا صوت رحيم العذب الساحر. وعلى الرغم من تطاول السنين وتراكم الغياب، لم تخُن رحيمَ ذاكرتُه في فواتح السور؛ فرغم أنه لم يَعُد يستحضر السور كاملة، إلا أن الآيات الخمس الأولى من كل سورة ظلّت محفورةً في وجدانه، وهذا شأنُ كل من حفظ القرآن بتؤدةٍ ثم هجره؛ لا ينسى المتنَ كلَّه، بل يتفلتُ منه جوفُ السور وتظلُّ خواتيمها وفواتحها عصيّةً على النسيان.

​انفرجت أسارير عثمان بابتسامةٍ غامرة، وهتف وهو يفتح ذراعيه ليحتويه: "رحيم.... بُنيّ!"

​ارتمى رحيم في أحضانه بلهفة، وشدّد من عناقه وقد قشعر جسده حين طرقت مسامعه كلمة "بُنيّ"؛ تلك الكلمة التي كان يخصه بها عثمان دون غيره، فما إن يطأ المسجد حتى يرتفع صوت الشيخ مرحباً: "بُنيّ قد أتى."

​ترقرقت الدموع في عينيه وهو يستحضر شريط الذكريات التي قضاها في جنبات هذا المسجد، وكيف كان قلبه مُعلّقاً بكل زاويةٍ فيه وبكل وجهٍ ألفَه.. لقد استجمعت له الذاكرةُ في لحظةٍ واحدة كلَّ أيامه الخوالي وتفاصيل حياته التي عبرت من هنا.

​وفي تلك الأثناء، كان رامز يرقبُ المشهد من بعيد، والابتسامةُ ترتسمُ على محيّاه ولا تفارق وجهه..

________________________

"رامز.. حمد الله على سلامتك، بس أنت جاي بدري النهاردة، مكلمتنيش وأنت جاي ليه؟ كنت حضرتلك الغدا من بد..."

بُترت جملتها حين انزاح رامز قليلاً ليظهر "رحيم" من خلفه. تقدم بخطواتٍ وئيدة حتى وقف قبالتها، يرمقها بجمودٍ ظاهري يخفي بركاناً من الشجن. ابتلعت "زهرة" ريقها، وتصلبت قدماها فوق عتبة الدار؛ فأمامها الآن رجلٌ في مقتبل الثلاثين، عريض المنكبين، فارع الطول.. ملامحه التي انطبعت في ذاكرتها يوماً كوجه طفلٍ غرير، غدت الآن حادةً، خشنةً، تحمل عيناه انكساراً لا تخطئه عين أم.

لم تصرخ، ولم تهرع إليه؛ بل رفعت يدها ببطءٍ شديد، ومدت أصابعها المرتعشة لتمسح جبهته، ثم وجنته، وصولاً إلى ذقنه. كانت تلمسه كأنها تقرأ كتاباً بلغة "برايل"، تتحسس تقاسيمه لتتأكد أن هذا الجسد من لحمٍ ودم، وليس طيفاً من أطياف الفجر التي اعتادت زيارتها في منامها.

قال رحيم بصوتٍ متهدج، يغالب غصةً ذبحت حنجرته: "ماما."

سقطت الكلمة كحجرٍ صلد في بئرٍ عميقة الغور. اهتز كيانها بالكامل، وجذبته نحو صدرها بكل ما تبقى لها من قوة. لم يكن بكاؤها عويلاً، بل كان نشيجاً صامتاً، وشهقاتٍ متلاحقة كأنها تسترد أنفاساً حُبست في صدرها منذ عقدٍ ونصف.

دفن رأسه في كتفها، وانحنى بجسده الطويل ليحتوي قصر قامتها، غارقاً في رائحتها التي لم تغيرها السنون ولا توالي الفصول.

قالت زينب بهمسٍ مخنوق وهي تتشبث بقميصه: "وحشتني يا حبيبي.. يا حبيبي.. يا عمري أنت.. كبرت يا رحيم.. كبرت يا عمري."

ابتعدت عنه قليلاً، وأمسكت بوجهه بين كفيها اللذين أنهكهما الزمن، ونظرت في عينيه بعمق: "طول السنين دي وأنا دايما بدعي ربنا إنه ميقبضش روحي قبل ما أشوفك وأتطمن عليك.. كان قلبي دايما قلقان وخايف عليك، يا ترى أنت فين؟ طب بتاكل إيه؟ بتشرب إيه؟ عايش فين؟"

أجابها والنحيب يغلبه: "أنا اتبهدلت من غيركم أوي يا مّـا.."

انحنى على يدها يقبلها بحرقة، ودموعه الساخنة تبلل كفها المجعد، واستطرد مستعطفاً: "سامحيني.. سامحيني أرجوكي إني هربت وسيبتكم."

عانقته مجدداً وهي تبكي: "يا حبيب أمك.. مسمحاك.. المهم إنك في حضني.. هو بس أبوك اللي كنت واحشه أوي يا رحيم.. كان دايما يسأل عنك، لحد قبل موته بكام دقيقة كان بيسأل عنك ونفسه يشوفك."

انفجر رحيم شاهقًا بوجعٍ مرير، واختلط بكاؤهما في مشهدٍ أبكى "تمارا" التي وقفت تراقب بشجن، و"رامز" الذي لم يتمالك نفسه أمام قسوة الموقف وعذوبته في آن واحد.

دلفوا جميعاً إلى الداخل، بينما وقفت "تمارا" عند العتبة، فكرت في الالتفات والرحيل، لكنها ما إن همّت بالتحرك حتى وجدت يداً تمسك بها؛ التفتت لتجد رامز يبتسم قائلًا: "متمشيش.. رحيم عايزك جنبه."

ابتسمت تمارا بفرحة ودخلت معه، فالتفت رامز نحو أمه قائلًا: "ماما.. دي تمارا."

ابتسمت زينب بودٍّ: "أهلاً بيكي يا حبيبتي، منوراني والله."

بادلتها تمارا الابتسامة، ليوضح رامز: "تبقى زميلة رحيم في الشغل يا ماما.. ورحيم أصر جداً إنها تيجي معاه، حتى قالها أنا محتاجك معايا."

وضعت زينب يدها على فمها لتكتم ضحكةً وليدة وهي تناظر ابنها الذي حكّ رأسه بحرج، بينما توردت وجنتا تمارا خجلاً. أضاف رامز مداعباً: "لا، مجاش إيده فاضية.. جايلك بعروسة."

انطلقت ضحكات زينب الصافية، وضربت كتف رامز قائلة: "بس يا واد يا رامز، البت وشها قلب طماطماية من الكسوف!"

ضحك رحيم وهو يرمق تمارا بهيام، مأخوذاً برؤيتها خجولةً بهذا الشكل؛ فلم يعتد منها هذا الارتباك اللطيف.. بدت في عينيه فاتنةً بوجنتيها المحمرتين.

_______________________

مرت الساعاتُ حانيةً بين جدران ذلك البيت، بينما انتحت "تمارا" ركناً في الشرفةِ وقلبها يرزحُ تحت وطأةِ غصةٍ مريرة؛ كانت حزينةً لأن أمه وأخاه يظنانِ أن رحيمَ غارقٌ في هواها، لكن الحقيقةَ كانت أشدَّ إيلاماً.. الحقيقةُ أنه لا يحبها كما يتهيأُ لهم.

همست لنفسها بكلماتٍ خنقتها العبرات: "ليته يحبني بقدر ما أحبه."

انقطع حبلُ أفكارها حين تناهى إليها صوته: "تمارا."
التفتت إليه، فإذا برحيم يقول: "أنا بلغت دنيا وهي بتقولك الوقت اتأخر إنك تسافري دلوقتي... خليكي معايا وامشي الصبح."

أجابت بمحاولةٍ لضبط نبرتها: "لا يا رحيم، سليم مبينامش غير في حضني وتلاقيه مقطع نفسه عياط، لازم أرجع القاهرة... خليك هنا مع عيلتك... أنا هروح لوحدي."

فقال بلهجةٍ لا تقبل الجدل: "مستحيل أسيبك تروحي لوحدك..."

قاطعته قائلة: "رحيم، أنا طول حياتي لوحدي... متقلقش عليا..."

هنا تدخلت "زينب" في الحوار بفيضٍ من الأمومة: "يا حبيبتي افضلي معانا الليل وامشي الصبح.... ولا أنتي محبتيش القعدة معانا؟"

سارعت تمارا بالنفِي وهي تبتسم بود: "لا والله، أنا اتبسطت أوي وسطكم."

فأردفت زينب بلهجةٍ آمرةٍ محببة: "حلو، يبقى تتعشي معانا وتمشي بكرة الصبح... هتكسري كلمة حماتك المستقبلية؟"

لجم الصمتُ لسانَ تمارا، ونظرت نحو رحيم الذي انفجر ضاحكاً بملء فيه، فاستسلمت لابتسامةٍ رغماً عنها ووافقت على المبيت.

وما إن غادرت زينب الشرفة، حتى وكزت تمارا كتف رحيم قائلة بحدةٍ مصطنعة: "بطل بواخة وقولهم إن مفيش بينا أي حاجة."

بغتةً، أطبق رحيم بيده على كفها ليوقف حركتها، وحدق في عينيها بعمقٍ مربك وهو يدنو من وجهها قليلاً: "وأقولهم كده ليه؟"

ارتبكت تمارا وضعفت أمام سطوة عينيه اللتين كأنما تلتهمان ملامحها، فتلعثمت وأنفاسها تتسارع بحدة: "عشان.... عشان دي الحقيقة."

اقترب أكثر، وعيناه مصلوبتان على عينيها، وهمس بنبرةٍ غامضة: "اللي هي؟؟"

قطع تلك اللحظة المشحونة صوتٌ ينادي من الداخل: "يا رحيم... خد سلم على عمك حسين."
أفلت رحيم يدها وابتعد عنها ليخرج من الشرفة، وبقيت هي متسمرةً في مكانها، وقد استندت بكفيها على السور وهي تلهث بشدة؛ لقد سرق ذلك القربُ منها كلَّ ذرات الهواء في لحظاتٍ معدودة. استعادت أنفاسها المتهدجة ببطء، ثم خرجت من الشرفة لتلحق بهم.

_____________________

"بصي دي جلابيتي وأنا شابة... كنت رفيعة زيك كده."

ابتسمت تمارا وهي تتسلم منها الثياب بامتنان، فأردفت زينب وهي تتفحصها بإعجاب: "متأكدة هتكون حلوة عليكي... إلا هو أنتي مقصرة شعرك كده ليه؟"

ارتسمت على ثغر تمارا ابتسامة شابتها مسحة حزن وهي تجيب: "زي ما تقولي كده مرض."

هتفت زينب في فزعٍ حانٍ: "مرض إيه يا حبيبتي! شفاكي الله وعافاكي."

طمأنتها تمارا بهدوء: "الحمد لله عالجته وبدأ يطلع ويملي الفراغات... أنا كان شعري طويل أوي، وأنا صغيرة بنت عمي مرة قصتهولي وأنا نايمة."
علقت زينب: "آه.. غيرانة منه أكيد."

استطردت تمارا والغصة تعود لحلقها: "غيرانة بس مش لدرجة تحرق لي فروة راسي!"

شهقت زينب مذهولة: "يا لهوي! بس لأ.. الموضوع مش غيرة بنات من بعض..."

سرحت تمارا في غياهب ماضيها، وقالت بصوت مخنوق: "ما عندك حق.. الموضوع مكانش غيرة وبس..."

قطع خلوتهما صوتُ رامز الضاحك وهو يقتحم الغرفة: "الله! أنتوا سايبنا بره وقاعدين ترغوا هنا؟ إيه يا زينبو.. ارتحتِ لها أوي كده ليه؟"

أجابت زينب بزهو: "آه والله دي عسل... يلا هسيبك عشان تغيري."

انصرفت زينب وأوصدت الباب خلفها، فارتدت تمارا الثياب التي أُعطيت لها، ثم خرجت إليهم بخطوات وجلة مشوبة بالخجل من مظهرها الجديد. ما إن رآها رحيم حتى اتسعت ابتسامته، محاولاً كتم ضحكةٍ توشك على الانفجار، فبادرت بتهديدٍ لطيف: "والله لو ضحكت يا رحيم ما..."

لم تمهله عباراتها، إذ انطلقت قهقهة رحيم مدويةً وهو يتأملها: "إيه اللي عمل فيكي كده يا حجة؟"
ردت بتذمر مرح: "والله كنت عارفة إنك هتاخدني سف..."

انبرت زينب للدفاع عنها قائلة: "مالها! ما هي زي القمر في الجلبية."

تدخل رامز ضاحكاً ليضع لمسته الساخرة: "أنتِ بس معملتيش حساب إنها أطول منك يا أمي، وهتكون مأزعرة عليها بالشكل ده!"

انفجر الجميع بالضحك، وشاركتهم تمارا تلك اللحظات العفوية، لتمضي الليلة في أجواء من المرح الصادق وهم يتحلقون حول مائدة العشاء، مستمتعين بدفء العائلة الذي غاب طويلاً.

_________________________

في اليوم التالي، امتثل "حسن" لرغبة "رهف" وجاء إلى دارها، فجلس قبالتها يترقب في وجوم ما ستجود به شفاها.

استهلت رهف الحديث قائلة: "حسن... أنا جبتك هنا عشان نتكلم..."

أجابها بتوترٍ لم تفلح محاولاته في مواراته: "سامعك يا رهف... كنتِ عايزة تقولي إيه؟"

استجمعت أنفاسها في صدرها، ثم ألقيت بقنبلتها الموقوتة: "أنا حامل."

تجمدت ملامحه، وكسفت الشمس في وجهه من أثر الصدمة، ليهتف بذهول: "حامل من مين!!!"

انتفضت رهف وصاحت في وجهه بغضب عارم: "هو إيه اللي من مين! أنت اتجننت يا حسن؟!"

زمجر حسن بغضب مكتوم كاد يحرق جوفه: "أيوه.. إزاي ده حصل؟"

أطرقت برأسها نحو الأرض، وغشاها الحرج وهي تتمتم: "لما رجع من السفر وكان اسمه بيتر وهرب... ساعتها أنا كنت جبته البيت و..."

بتر حديثها ملوحاً بيديه في وجهها كمن يطرد كابوساً: "متكمليش.. مش مهم.... أنا عارف دكتور كويس للاجهاض و..."

قاطعته هي الأخرى باستغرابٍ شابه استنكار: "إجهاض!"

نظر إليها بعينين زائغتين يملأهما التوجس: "آه هتجهضيه... أنتِ مش عايزة تجهضيه ولا إيه؟... ولا نسيتي كل اللي عمله فيكي؟"

ردت بإباء: "لا منسيتش، بس مقتلش روح بريئة ملهاش ذنب..."

قال ببرودٍ يثير الحنق: "معلش يا رهف.... ابقي طلعي صدقة."

استعرت نيران العناد في صدرها وقالت: "هو اسمه إيه ده... أنا مش هجهض، سمعت؟"

انفجر فيها متسائلاً بنفاد صبر: "يعني إيه مش هتجهضي؟ احنا هنتجوز وأنتي حامل من طليقك؟!"

أخذت تفرك يديها بارتباك، والظنون تتخطف ذهنها المشوش: "حسن... أنا حاسة إني اتسرعت في قراري.... ونوح أهو رجع..."

هتف بصوتٍ رعدي: "نعم!"

تابعت وهي تحاول إقناع نفسها: "أنا حاسة إن لوجي كمان مش هتقدر تتقبل الوضع ده، لأنها متعلقة بأبوها جداً...."

انطلقت من صدر حسن ضحكة ساخرة مريرة، فسألت رهف بحدة: "إيه اللي بيضحك؟"

أجابها بتهكمٍ لاذع: "أصل اللي بتقوليه يضحك بصراحة.... عشان نوح أصلاً هيترمي في السجن، عارفة كام سنة؟ يعني ابنك اللي فرحانة بيه ده لما يتولد مش هيشوف أبوه أصلاً، ونوح لو طلع... ده لو يعني... هيطلع يلاقي بنته في جامعة إن شاء الله أو اتخرجت كمان."

استحالت ملامح رهف إلى شحوبٍ مريع، وتسلل الرعب إلى أوصالها فهتفت متوسلة: "لا يا حسن بالله عليك، توكله محامي شاطر يخرجه بسنتين قليلين... أنا مش عايزة البنت تتحرم منه كل ده."

استشاط حسن غضباً، ورمقها بنظرةٍ تفيض شراً: "أنتي إزاي بتتكلمي عادي ولا كإنك عملتي حاجة! رهف... أنا لحد الآن بتكلم معاكي بكل هدوء ومش عاوز أوريكي وشي التاني.."

انتصبت رهف في وقفتها، ورفعت حاجبها بتحدٍ سافر: "يا سلام! وريني الوش التاني، عايزة أشوفه... أنا مبتهددش يا حسن... وأنت عارف كده كويس."

سألها بصوتٍ غائر كفحيح الأفعى: "يعني مش هتجهضي العيل ولا هتتجوزيني، مش كده؟ كنتي بتاكلي بعقلي حلاوة وبتجرجريني وراكي وخلاص؟"

ردت بقسوةٍ أدمت كبرياءه: "آه يا حسن، كنت بجرجرك ورايا وخلاص، واللي عندك اعمله."

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبثٍ مخيفة وهو يقول: "ماشي يا رهف."

صاحت به مطرودة: "خد الباب في إيدك."

ولّته ظهرها ومضت نحو غرفتها، بينما بقي حسن يرقبُ أثرها والدماء تغلي في عروقه كمرجلٍ ثائر؛ فكيف لا يضمر لها الكره بعد كل ما ألحقته به من مهانة؟ غادر المنزل والشر يلمع في عينيه، أخرج هاتفه ووضعه على أذنه ليجري مكالمة. 

_________________________

ارتسمت على ثغر "غزل" ابتسامة رقيقة وهي تقول: "كل سنة وأنت طيب يا مهاب."

فأجابها بنبرة ممتنة: "وأنتي طيبة يا فيرو...."

في تلك الأثناء، أقبلت والدته تحمل بين يديها كعكةً ضخمة مزينة، وناولتها لغزل وهي توصيها باهتمام:
"فيروز... خدي من إيدي.... حطيها في التلاجة، ولما سالم ييجي ونتغدا طلعيها، إوعي مالك يعرف.... لو عرف بيقعد يزن عايز ياكل دلوقتي، ولو أكل منها دلوقتي مش هيتغدا."

أومأت غزل بطاعة قائلة: "حاضر يا ست هانم، كل سنة وهو طيب..."

فردت عليها الأم بودّ: "وأنت طيبة يا حبيبتي."

______________________

قال ستيفن بصوتٍ هادئ كهدوء ما قبل العاصفة، وعيناه مصلوبتان على المسدس في يده: "كل هذا بسبب توم... لقد فتح لنوح أبواباً كان يجب أن تظل موصدة للأبد. ساعده على الهرب... أريد أن أفتك برأسه بهذا المسدس، أريد تفسيراً واحداً لخيانته."

تقدم فرانكو خطوةً وئيدة، محاولاً امتصاص التوتر المحتقن في الأجواء، بيد أن نبرته حملت مرارة الفشل: "توم هرب يا بابا ستيفن... أخذ جين معه وهربا.. لا أحد يعلم إلى أين ذهبا، كأن الأرض انشقت وابتلعت أثرهما."

اتسعت ابتسامة ستيفن الماكرة، وخفض المسدس ببطء، وفي عينيه التمعت جذوة ذكاءٍ حادة وهو يتمتم: "ولكن جين تعلم."

فرانكو: "هو بالتأكيد أعلم جين بما هو هارب منه، هل تظن أن جين غبية لدرجة إنها تدلنا على مكانها لنقتلها؟!"

انفجر ستيفن ضاحكاً بملء فيه، ثم دنا منه قائلًا: "مشكلتك يا فرانك إنك أغبى مما تظن..."

انقبض جبين فرانك دهشة، ليردف ستيفن بنبرة واثقة: "أنا من أرسل جين معه..."

اتسعت عينا فرانكو ذهولاً، فأكمل ستيفن ببرودٍ مخيف: "ولأني أعلم جيداً إنه بيحبها، تأكدت مليون بالمية إنه حينما يهرب سيأخذها معه؛ لأنه كما يخاف على نفسه... يخاف عليها.... مسكين! يظن أن جين طيبة، وهي من أشطر أبنائي بالفريق."

أخذ يحرك أصابعه في الهواء كأنما يغزل خيوطاً غير مرئية وتابع: "جين توصلني بتوم... وتوم يوصلني بنوح، ونوح يوصلني للمجهول... وكات.."

صدحت ضحكاته المدوية في أرجاء المكان، بينما وقف فرانكو متصلباً من هول الصدمة، عاجزاً عن سبر أغوار ذاك الشر المستطير، أو إدراك كنه المخطط الذي يحيكه ستيفن في الخفاء.

____________________

أرسلت رهف رسالة نصية إلى نوح، خطت فيها بكلمات ترتجف:

"نوح... أنا حامل. حاسة إننا محتاجين نتكلم."

وضعت الهاتف جانباً وهبت واقفة لتفتح الباب الذي كان يئن تحت وطأة طرقات عنيفة متلاحقة. ما إن فتحت رهف الباب حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ إذ وقفت أمامها أربع نساء يتشحن بعباءات سوداء غامضة، وقد غطت ملامحهن أخمرة قاتمة.

سألت رهف بصوت يملؤه التوجس: "أنتو مين؟"

لم يتلقَّ لسانها جواباً، بل تلقت هجوماً مباغتاً؛ إذ اندفعت إحداهن نحوها بعنف دافعة إياها إلى الداخل، بينما تسللت الأخريات خلفها وأوصدن الباب بإحكام. كان حسن قد أرشدهن بدقة إلى أن أبواب المنزل عازلة للصوت، وأوصاهن بإغلاق النوافذ جيداً لضمان ألا تخترق صرخاتها مسامع الجيران.

انهالت النسوة عليها بضربات وحشية استهدفت بطنها تحديداً، بينما كانت رهف تصرخ بهستيريا، عاجزة عن المقاومة أو فهم ما يدور حولها. أخذت تصرخ وتنتحب وهي تشعر بألم يمزق أحشاءها ويسحق روحها. انكمشت على نفسها في وضع الجنين، ثم بدأ جسدها ينتفض بارتعاشات حادة نتيجة تشنج عضلات البطن من فرط التنكيل. وبعد دقائق من الضرب المتواصل، غابت عن الوعي واستسلم جسدها للسكون فوق الأرض الباردة.

تبادلت النسوة نظرات مريبة، وتقدمت إحداهن لتستوثق من إتمام المهمة وسقوط الجنين؛ فبصرت بقعة دماء قانية بدأت تتسلل بين فخذي الضحية، فهزت رأسها بنصر يشوبه الغدر لإتمام الجريمة.

تسللت الأربع خارج المنزل، وتركن الباب موارباً كما أمرهمن حسن لعل أحداً يدركها في اللحظات الأخيرة، ثم غادرن البناية بخطى سريعة وكأن شيئاً لم يكن.

__________________________

أزفت اللحظةُ المرتقبة لإخراج الحلوى، ففتحت غزل باب الثلاجة بابتسامةٍ تفيضُ بِشراً، وكأن العيد عيدها هي. كشفت عن وجه العلبة لتتجلى الكعكةُ في أبهى حُلتها، يزينها رسمٌ على هيئة إطارٍ يضم صورةً تذكارية.

تسمرَّت نظراتها.. ثم ارتدَّت خائبةً من فرط الذهول.
إنها صورةُ "مهاب" في طفولته الباكرة.. وبجانبه..

فتاة!

كانا طفلين في ربيع غضٍ، لا يتجاوزان الثالثة من العمر! تلك الفتاة كانت تشبه.. تشبهها هي! ملامحها في الصغر كانت تنسخُ ملامح تلك الطفلة نسخةً طبق الأصل.

لم تستوعب غزل ما تراه، وتصاعدت وتيرةُ أنفاسها في صدرها كأزيزِ مرجلٍ يغلي، حين دلفت عليها "رحمة" قائلة:

"يلا يا فيروز... خرجيها دلوقتي..."

التفتت غزل نحوها بكيانٍ يرتجف، وقد انعقد لسانها وتلعثمت الكلمات في حنجرتها: "يا... هانم... هو... مين اللي مع مهاب في الصورة؟ مش بتقولي عيد ميلاده؟"

ارتسمت على وجه رحمة ابتسامةٌ مكلومة، وقالت بنبرةٍ يغلفها الأسى: "مهاب كان ليه أخت توأم ضاعت مننا زمان، وكل سنة بنحتفل بعيد ميلادها وعيد ميلاده عشان نفضل فاكرينها..."

مسحت رحمة عبرةً سقطت رغماً عن صمودها، وتابعت: "كل اللي بصبر قلبي بيه إنها تكون عايشة بس بعيد، أنا راضية، لكن مش قادرة أتقبل فكرة إنها تكون ماتت..."

تجمدت غزل في موضعها وكأن الأرض قد ابتلعت قدميها؛ ضاق المدى في عينيها، وانحبس الهواءُ في رئتيها حتى عجزت عن الزفير. كانت الحقيقةُ كصاعقةٍ مزقت دياجير حياتها:

"مهاب هو شقيقها التوأم.. ورحمة هي أمها التي أنجبتها.. ورجل الأعمال سالم الباجوري الذي جاءت لتسرقه.. هو أبوها!"

..... 

تعليقات