رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والعشرون
نظرت عهد له بذهول، رغم مازال شعور الغثيان شبه متملك منها قائلة بنفي:
ده شيء مستحيل.
شعر بضيق قائلًا:
ومستحيل ليه... إحنا حصل بينا علاقة جسديه و..
ليته لم يتحدث هي تحاول نسيان تلك الليلة التي مازالت تؤنب نفسها على ضعفها وإستسلامها له... قاطعته بحدة وهي تبتعد قائلة بتأكيد:
قولتلك مش حامل أنا...
قاطعها بضغط عليها:
الأعراض دي شوفتها على فرح في بداية حملها في ياسين.
رفعت رأسها ونظرت له، بصمت عيناها تنظر له بلوم... تهمس لنفسها بسخرية:
كنت بتنتبه اوى لها،لو كان صحيح مكنتش سيبتها لحد المرض ما اتمكن منها.
ابتلع كلماته وهو يرى ذلك الوميض في عينيها… لم يكن مجرد لوم، بل اتهام صريح.
قال بنبرة أخفض، لكنها أكثر حدة:
فرح لما كانت حامل فى ياسين كانت كده.
تهكمت بنظرة موجعة وباحت بغضب:
وإنت كنت ملاحظ جيد أوي لحالها... وبخبرتك دي ليه...
صمتت حين قاطعها شعور الغثيان كذالك رد فاروق:
عهد بلاش ألاسلوب ده، أنا بخمن.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح، وهزّت رأسها قائلة بإستهزاء مُبطن:
ماله أسلوبي، وبعدين مش فرح هي المثال اللي بتقيس عليه الاعراض اللى عندي.
اقترب خطوة، فارتجف شيء بداخلها رغم عنادها الظاهر.
عهد... أنا بخاف عليك… فاهمة يعني إيه بخاف.
رفعت ذقنها بغرور، تحاول ألا يظهر ارتباكها وتحدثت بسؤال:
وبتخاف عليا ليه.
... بعدين الخوف مش إنك تفرض عليا احتمال أنا مش مش موجود.
صمت للحظة… كأن الكلمات تحاربت داخل صدره... أيعترف...
أيعترف أنه يعشقها..
أنه يتحمل جفائها لأشهر زواج مرت وهما مثل ضيفين تحت سقفٍ واحد…
يتحمل نومها في غرفة أخرى…
يتحمل تجاهلها لنظراته…
يتحمل أن يعيش معها وكأنه غريب لا زوج…
لم يضغط يومًا عليها بحقه،لم يطالبها بقرب
لم يُذكرها بميثاق جمعهما…
حتى تلك الليلة…حين ذابت المسافات بينهما،
وتشابكت أنفاسهما،واختلطت دقات قلبيهما في لحظة ضعف صادقة…هي استيقظت نادمة…
وهو استيقظ عاشقًا أكثر.
واجهها يومها، انه كان أجمل إحساس عاشه.
نظرت له كأنه ارتكب جريمة،
بينما هو وقتها رأى وقتها أنها قد تكون بداية جديدة لهما لكن ذلك تلاشي، فمازلا محصوران بمنطقة الصفر
عاد من شروده، عيناه تستقران عليها الآن.
اقترب خطوة… ثم توقف.
الخوف ليس عليها فقط…الخوف منها.
تنهد وتحدث أخيرًا، بصوتٍ لين:
عهد أنا ما قربتش منك عشان حق… قربت عشان قلب... وسكت كل الفترة اللى فاتت عشان مش عايزك تحسي إني باخد منك حاجة غصب عنك.
صمتت عهد تستمع له وهو يسترسل بقية حديثه:
ولو طلعتي حامل فعلًا... هيبقي أجمل خبر..
ارتعشت أناملها دون أن تشعر. احتمالية واحدة فقط… لكنها كفيلة بهدم كل دفاعاتها:
بس أنا بقولك أنا مش حامل وده واحده كفاية يأكدلك.
مد يده فجأة يمسك معصمها، ليس بعنف… لكن بإصرار:
مش هنخسر حاجه لما نتأكد سوا.
إصراره ذلك لا تعلم له سببً... هو لديه طفل، لما ذلك الإصرار... بنفس اللحظة تذكرت حديثها مع فرح قبل عام من وفاتها
[بالعودة لذلك الوقت
إبتسمت فرح على خمول عهد التي لا تود الإستقاظ، لكن هي ارغمتها على ذلك، جعلتها تجلس على الفراش، مازالت تغمض عينيها... لامتها فرح:
يعني أنا جاية عشان اقعد معاكِ وإنتِ مش عاوزة تفتحي عينك.
إنتِ مقضياها سفر من بلد لبلد تانيه مش عارفين نقعد مع بعض زي زمان، لما بتكوني هنا بجيلك مخصوص.
تمطئت عهد بذراعيها ثم تثائبت تبعد النوم عن عينيها..
بعد قليل، إنتهت من إحتساء القهوة قائلة:
خلاص فوقت لك، يلا خلينا نرغي زي زمان، عا قوليلي أخبار ياسين إيه في الحضانة.
ضحكت فرح قائلة:
ياسين واضح إنه شقي جدًا جدًا مغلب الدادا والمدرسين، رغم بيقولوا إنه طفل ذكي جدًا بيستوعب بسرعة، بس شقي وبيحب اللعب
توقفت فرح لحظة ثم تبسمت سهوًا قائلة:
وطنط إجلال بتقولى يشبه فاروق فى نفس العُمر كان كده.. وكان دايمًا نفسه يروح مع عمي محي المدبغة.. حتى ياسين كده متعلق بـ فاروق،رغم فاروق دايمًا مشغول،وبيغيب أوقات كتير يرجع البيت بوقت متأخر.
تهكمت عهد فى نفسها بسخرية قائلة:
شغله عنده أهم طبعًا.
بينما نظرت الى فرح قائلة بسؤال عفوي:
مش ناوية تخاوي ياسين بأخ تاني قريب...إعملي زي حماتك خلفت أربعة.
لوهلة غص قلب فرح وسئم وجهها وتحشرج صوتها قائلة:
كنت بفكر حتى الفترة الأخيرة مش باخد مانع حمل من أكتر من سنة،ومحصلش حمل...ولما قولت لـ فاروق قالي ممكن تكون مسألة وقت،ومش فارق معاه الموضوع حسيت كده.
بداخل عهد سيرة فاروق تجعلها تغتاظ منه دائمًا...تفوهت بعفوية:
ومش فارق معاه ليه...اللى أعرفه النوعية اللى زي فاروق إتربي فى منطقة شعبية بيحبوا يكون عندهم أطفال كتير، والدليل زي ما قولتلك من شوية حماتك خلفت أربعة.
هزت فرح رأسها قائلة:
معرفش هو قال لى كده وأنا مش مستعجلة،وبعدين بمناسبة الاطفال مش ناوية بقى تتجوزي عشان تجيبي عروسة لـ ياسين...ماما قالت لى كان فى طيار زميلك كلم بابا.
أجابتها عهد:
أهو قولتي زميلي،معنديش أي مشاعر له،بصراحة مش بفكر فى الجواز دلوقتي..أو بمعني أصح،سايبه الموضوع قدري...وقت ما ربنا يريد هيكون... وبعدين مين هيقبل مراته تبقي مش موجودة طول الوقت هنتقابل ترانزيت فى المطارات.
ضحكت فرح قائلة:
ممكن تبقي مضيفة أرضية.
هزت عهد راسها برفض قائلة!
لاااا طبعًا أنا مرتاحة كده.
لامتها فرح:
العمر بيجري يا عهد فكري،عاوزه أبقي حمات بنتك وأطلع عليها مقالبك فيا وإحنا صغيرين.
ضحكت عهد قائلة:
واضح إنك مفكره إنى هبقي حما ساهلة كده زي ماما... لا أنا شريرة وهطلع البلا على الواد ياسين.
ضحكت فرح قائلة:
تعرفي أوقات بحس ان ياسين بيحبك أكتر مني، وبيسأل عنك دايمًا.
ضحكت عهد قائلة بتبرير مرح:
مش حُب يا أختى ده شكله هيبقي واد بتاع مصلحته عشان اللعب اللى بجيبها له...إستغلال يعني.
-لاء فعلًا بيحبك... ولو فى يوم جرالي حاجه هبقي مطمنة عليه بسببك يا عهد.
انقبض قلب عهد قائلة:
بلاش الكلام ده... أنا منفعش أبقي أُم أساسًا، بتعصب بسرعة.
عودة]
عادت عهد على تلك الرعشة التى أصابت جسدها... هي حقًا الآن تشعر بضياع حياة لم تُخطط، بالأصح لم تتوقعها.. كيف ستتحمل فكرة أن تحمل... رغم ذلك، لا تعلم ذلك الشعور الذي توغل منها بهذه اللحظة، ليس أمنية أن تحمل بل أمنية أخري أن ترا خيبة الأمل بعيون فاروق، الذي
ترك معصمها ببطء… كأنه يخشى أن يكون سبب ارتجافها.
نظرت له بثبات هذه المرة، كأنها حسمت قرارها.
قائلة بإصرار:
تمام نروح أي معمل تحليل نعمل تحليل دلوقتي… ونخلص.
لم يعترض اكتفت بهز رأسه قائلًا بهدوء بارد:
يلا.
بعد ساعة…
جلس ينتظر خارج غرفة الطبيبة، أصابعه تتحرك بعصبية فوق ركبته.
كل دقيقة تمر كأنها تُطيل الاحتمال... او الأمل الذي يتمناه...
فتح الباب.
خرجت عهد أولًا… وجهها شاحب، لكن ملامحها مستقرة.
تبعها صوت الطبيبة بلهجة مهنية واضحة:
مدام عهد مش حامل. التحليل الرقمي طلع أقل من واحد… وده دليل قاطع.
كلمة "دليل قاطع"
سقطت في صدره بثقل.
نظر إليها… يبحث عن شيء… ارتباك، ارتياح..
لكنها كانت هادئة بشكل أربكه أكثر.
تحدث بسؤال :
ممكن يكون الحمل لسه جديد.
اجابته الطبيبة بحزم:
لا يا فندم. تحليل الرقمي أدق حاجة، ومفيش حمل.
انصرف صوتها… وبقي الصمت بينهما.
خرجت عهد من العيادة دون أن تنتظره.
لحق بها في الممر قائلًا:
إنتِ مبسوطة.
توقفت… استدارت ببطء.
أيوا أنا كده مرتاحة... أهو إتأكدت بالدليل القاطع.. إنى مش حامل.
ثم أضافت بنبرة خجل:
مش كل علاقة نهايتها تبقى طفل… أحيانًا نهايتها تبقى ندم.
شعر بشيء ينقبض داخله…
لم يكن يريد الطفل فقط… كان يريد رابطًا.
شيئًا يُجبرها ألا تبتعد... لكن الآن… لا يوجد شيء.
بداخله تمني ذلك الحمل ربما وجوده من ممكن يصل بينهما...
ساد الصمت بينهما وهما بطريق العودة.
أغمضت عينيها لا تنكر تضارب مشاعرها... عادتها الشهريه لم ... جسدها لم يخنها.
حتى ذلك الغثيان… كان توترًا لا أكثر.
في طريق العودة من المعمل، ظل صامتًا.
قبضته على المقود كانت مشدودة، كأنه يراجع حياته كلها.
❈-❈-❈
فى أحد القهاوي الشعبية
كانت مثل غرفة ضوئها خافت،يزيد من نورها بصيص تلك الأرجيلة
كان الشر يعقد برأسه وهو يُفكر فى الاستفادة من غياب زوجته، وكذالك وجود غزال داخل منزل الدباغ... نفث الدخان برتابة والشر يلمع
شيء لا يُبشّر بخير.
تخيلها وحدها، بالإستراحة ودخل عليها كنان... وفرصة صورة واحدة يبني عليها إشاعة، بالتأكيد ستهز صورة بل قيمة أحد ابناء الدباغ، وقتها يبني عليها إشاعة...
والإشاعة في بيتٍ كبيت الدبّاغ ليست كلمة عابرة… بل زلزال.
ابتسم بخبث وهو يتخيل تلك الصورة
"غزال وحدها… وكنان عندها وباب مُغلق عليهما"
لا أحد سيسأل لماذا...
ولا أحد سيبحث عن الحقيقة...
بالتأكيد ستهز صورة بل قيمة أحد أبناء الدباغ…
ففي مثل تلك البيوت، السمعة ليست مجرد اعتبار اجتماعي،بل سُلطة…بل سيف مُسلط على الجميع.
وقتها….سيتحول من مجرد الشك إلى نار
عاصفة،والثقة إلى حطام...
أعاد لف خرطوم الأرجيلة بين أصابعه، وعيناه تبرقان بخطة يظنها محكمة... يساوم بها
محي الدباغ، وينال ما يريد من مال.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية، كأن الفكرة بدأت تنضج في رأسه. بعينيه وهو فقط يتخيل... لو حدثت بالفعل.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
صباحً
بشقة محسن
كان مازال غافيًا بينما رابيا نهضت من أجل تجهيز بنتتيها من أجل الذهاب الى مدرستهن...
ودعتهن ببسمة،ثم عادت الى غرفة النوم،إقتربت من الفراش ظلت دقيقة تنظر الى محسن الغافي..خفقان قلبها ربما يصل الى سمعه وهو غافي...تعشقه بكل ما فيها، تعشقه كأن قلبها خُلق باسمه وحده...
وقفت تتأمله طويلًا… ملامحه وهو نائم تبدو أكثر هدوءًا، أقل قسوة من صمته المعتاد. يده الملقاة فوق الوسادة، خصلات شعره التي تميل قليلًا على جبينه… تفاصيل تحفظها عن ظهر قلب.
مدّت يدها بتردد… ثم سحبتها سريعًا، كأنها تخشى أن يفضحها لمسها.
همست بخفوت، بالكاد يُسمع:
لو تعرف بس أنا بحبك قد إيه يا محسن… بحبك لدرجة غصب عني وافقت على مؤامرة ماما، عشان أتجوزك... عارفة ان عمر قلبك ما مال ناحيتي، حتى ده مستحملاه عشان أبقي قريبة منك.
جلست على طرف الفراش، عيناها تمتلئان بشيء بين الشوق والخوف.
زواج سنوات، وبالرغم من ذلك ما زال في داخلها ذاك الخجل الأول… ذاك الترقب… وذاك الرجاء الصامت أن يبادلها نفس الوهج.
اقتربت أكثر، انحنت قليلًا، وشفتيها تلامسان جبينه قبلة خفيفة، دافئة… لكن فجأة شهقت حين فتح عيناه، إبتعدت عن رأسه تهكم قائلًا باندفاع:
مالك عالصبح.شوفتي عفريت.
توترت قائلة:
لاء، بس فكرتك نعسان صباح الخير.
نهض من فوق الفراش دون رد ودلف الى حمام الغرفة.. شعرت بغصة سرعان ما ابتلعتها... بعد قليل أثناء وضعها لثيابه على الفراش صدح رنين هاتفه.. ذهبت نحوه نظرت الى الشاشه.. قرأت ذاك الاسم بهمس:
جمانة.
لم ترد، انتهي الرنين قبل خروج محسن من الحمام... بعد دقائق كانت إنتهت من تحضير الطعام... دلفت الى الغرفة كان محسن انتهي من ارتداء ثيابه... بنفس الوقت صدح رنين هاتفه مره أخري، كانت الأقرب لمكان الهاتف جذبته وبتلقائية نظرت إليه... تنحنحت بخفوت وهي تُعطيه الهاتف قائلة:
مين جمانة.
جذب الهاتف منها بتعسف قائلًا:
وإنتِ مالك.
صمتت بينما هو أخذ الهاتف وغادر الغرفة، غصبً إبتلعت ذلك وذهبت خلفه، كان أغلق رنين الهاتف، وتوجه نحو باب الشقه تسرعت قائلة:
أنا حضرت لك الفطار فى...
قاطعها بلا إهتمام:
مش جعان... عندي شغل مهم لازم أمشي دلوقتي.
توقفت كلماتها عند شفتيها…
ظلت تنظر إلى الباب بعد أن أغلقه خلفه بقوة خفيفة، كأن الصوت كان صفعة لم تصل إلى وجهها بل إلى قلبها.سكن المكان فجأة…
هدوء ثقيل، لا يشبه ذاك الهدوء الدافئ الذي كان منذ دقائق.وقفت مكانها، يدها ما زالت معلّقة في الهواء حيث كانت تشير إلى المطبخ.
همست لنفسها بمرارة:
شغل مهم… ولا جمانة.
لم تكن غبية.
نبرة صوته حين قال "وإنتِ مالك" لم تكن مجرد ضيق صباحي… كانت جدارًا جديد يُبنى بينها وبينه... عادت إلى الداخل بخطوات بطيئة، نظرت إلى السفرة المرتبة بعناية… … كل شيء أعدّته بحب، كعادتها.جلست على المقعد تنظر الى المقعد الفارغ المقابل لها...
خفق قلبها بأسي تسأل نفسها:
ماذا إكتسبت بعد كل تلك السنوات.. حبها له كان أنانية.. قربته منها بالجسد وأبعدته بالقلب.
ومن يدفع الثمن هي.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
صباحً
مرر يده على لحيته الخفيفة، تنفس بعمق…ثم
ارتدي سُترته.. وقف ينظر لهندامه فى المرآة، يُعدل ياقة قميصه، ثم إنحني وضع يده على إحد زجاجات العِطر، لكن تركه فهذا العِطر لا يستهوي عهد،تذكر غصتها منه... تبسم وجذب زجاجة عِطر أخري، وقف ينثر حول عُنقه...
اقترب من المرآة أكثر، كأنه يسأل انعكاسه:
هل تفعل هذا لأجلها.
تبسم بسخريه على حاله.. نفض ذلك وضع زجاجة العِطر، ثم جذب هاتفه ومفاتيح سيارته، كذالك ذاك المُغلف..توجه بصره نحو باب الغرفه الذي إنفتح وطل من خلفه ياسين، تبسم له بحنان قائلّا:
صباح الخير.
رد عليه ياسين:
صباح الخير يا بابا... كنت عاوز أقولك على حاجه بس دي سر بينا.
ابتسم فاروق وجلس على ساقية يضع يديه على كتفي ياسين قائلّا:
أكيد هيفضل سر بينا، إحنا رجاله زي بعض.
اومأ له ياسين بتوافق قائلّا بطفولة:
أيوه إحنا رجاله زي بعض... بابا عهد...
قطع حديث ياسين عهد التي توقفت بين إطاري باب الغرفة قائلة:
ياسين يلا تعالى الفطار، جاهز، عشان تخلص أكل قبل ما باص الحضانة يوصل.
نهض فاروق نظر نحوها وتبسم قائلّا:
صباح الخير يا عهد... ينفع أفطر معاكم.
بادلته ببسمة رقيقة قائلة:
صباح النور، أكيد طبعًا.
توففت للحظات إنصبت عيناهم على بعض بحديث صامت، شعرت عهد بالارتباك... تحدثت بتوتر:
يلا حصلوني عالمطبخ... الوقت عشان ميعاد باص المدرسة.
ذهبت عهد الى المطبخ ثم هما خلفها مُبتسمان.. نسي ياسين ما كان سيخبره به، كذالك هو نسي ذلك المُغلف...
دلفا الى المطبخ... جلس الأثنين وضعت عهد لهما كوبان من الحليب...تبسما وهما ينظران لبعضهما يحتسيان الحليب،كذالك تناول الطعام، بوسط حديث هادئ... قطع الحديث صوت سيارة الروضة، نهضت عهد قائلة:
يلا يا ياسين الباص وصل.
نهض ياسين ذهب خلفها، إقترب منها وضعت له حقيبة صغيرة على ظهره قائلة بتحذير:
بلاش تتشاقي كتير فى الباص الدادا إشتكت لى منك..
تبسم ياسين بخباثة طفل، كذالك فاروق...
استرسلت عهد حديثها:
والسندوتشات كمان تاكلها، مش تتشغل فى اللعب وتنسي تاكل، هتروح فين بعض كده، إنتت قربت تختفي.
أومأ ياسين بطاعة... كادت عهد أن تذهب معه لكن تسرع فاروق بالحديث قائلًا:
خليكِ، أنا نازل هاخده معايا هوصله للباص.
أومأت بموافقة.. وتركته يذهب معه.
غادر الإثنين... ذهبت عهد نحو شُرفة بالشقة أزاحت الستائر ..ثم تتبعتهم من خلف الزجاج حتى غادر الإثنين... تركت الستائر ثم تمطئت بذراعيها تشعر بأرهاق قائلة:
النهاردة معنديش طيران، أخد لى دّش دافي وبعدها أنام ساعتين تلاتة.
بالفعل فكرت ثم قالت:
الحمام بتاع أوضة فاروق البانيو بتاعه أوسع، أناني مختار لنفسه أكبر أوضة وفيها أكبر حمام بساونا كمان.. فرصة هو مش هنا أروح أخد شاور هناك.
بالفعل دلفت الى غرفتها مع ياسين جذبت منشفة كبيرة وأخرى صغيرة قائلة:
أخد شاور هناك وأبقي أرجع لهنا ألبس بيجامة بدل ما تتبل.
دلفت الى غرفة فاروق ثم الى الحمام... وضعت المناشف بمكانها المُخصص ثم توجهت الى كابينة الاستحمام... فتحت المياه الدافئة…انسدل البخار ببطء يملأ المكان، يكسو المرآة بطبقة ضبابية، وكأنه يمحو أي تفاصيل واضحة… حتى أفكارها...
أغمضت عينيها تحت اندفاع الماء…
دفء ينساب على كتفيها، يُرخِي عضلاتها المتعبة... همست لنفسها:
ساعتين نوم كمان… وأرجع نشيطة من تاني.
أثناء سيره بالطريق، صدح رنين هاتفه، نظر الى الهاتف، ثم قام بفتح الاتصال ليسمع الآخر قائلًا:
إمبارح نسيت أقولك إن فى بند فى المناقصة لازم يتعدل قبل ما تتبعت.
عقد حاجبيه قليلًا، ترك المقود بيد وأدار الأخرى فوق شعره القصير قائلًا بتركيز:
بند إيه إحنا مش راجعنا كل البنود.
جاءه الرد:
ايوه بس الشرط الجزائي اتغير… ولو اتبعت كده هتبقى مخاطرة علينا.
فهم قصده قائلًا:
تمام الظرف معايا، وأنا جاي عالمقر نتناقش فى البند ده برواقة.
أغلق الهاتف نظر لجواره ظنًا أن المُغلف موجود، لكن تذكر بآسف قائلًا:
انا نسيت الظرف فى البيت. .. لازم أرجع أجيبه
زفر نفسه ودار بعجلة القيادة في أول تقاطع عائدًا الى المنزل...وصل بعد وقت قليل صعد مباشرةً الى شقته فتحها كانت ساكنه،ظن عهد قد غفت...توجه الى غرفته
بينما عهد أغلقت المياه، لفت جسدها بالمنشفة الكبيرة حول جسدها، والصغيرة حول شعرها المبتل.
دفعت باب الحمام وخرجت بخطوات هادئة…
وفي اللحظة نفسها
وقف فاروق عند عتبة الغرفة…
تجمد للحظة... ينظر لها بإنبهار عيناه تجولان علي جسدها
خصلات شعرها المبتلة الملتصقة بوجنتيها، قطرات الماء التي تنساب على عنقها ثم اختفت أسفل حافة المنشفة…
ابتلع ريقه بصعوبة تفوه بصدمة أن يجد عهد بغرفته بهذا المنظر المُثير:
عهد...!
أما هي… إرتبكت كذالك شعرت بالخجل الشديد وهي أنها أمام عيناه هكذا... شدت أطراف المنشفة حولها أكثر، وقالت بتلعثم خفيف:
فاروق...!
إنت… رجعت ليه.
حاول أن يبدو طبيعيًا،وأجابها بتبرير:
نسيت ملف مهم… قولت آخده وأمشي.
لكن عينيه لم تكن تبحث عن ملف.
تقدم خطوة… ثم أخرى… ببطء محسوب، وكأنه تعمد أن يربكها أكثر حين سأل:
كنتِ… بتستعملي الحمام بتاعي.
قالها بنبرة خفيفة بها دعابة خجولة.
احمر وجهها رغمًا عنها،رفعت كتفيها بتفسير:
أول مرة الحمام ده فيه ساونا.
ابتسم… اقترب حتى صار بينهما مسافة أنفاس.
مد يده… فتوقفت أنفاسها.. لكنه لم يلمسها...
فقط رفع طرف المنشفة الصغيرة برفق عن وجنتها… يمسح قطرة ماء هاربة بإبهامه.
همس بصوت منخفض دافئ:
استغربت وجودك فى الأوضة.
نظر في عينيها طويلًا، نظرة بلا استعجال… بلا ضغط… فقط شوق مكتوم...
عيناه تلمع بوميض الشوق مرة واحدة نالها ذكري بدايتها كانت
عيناها ما زالت معلقة بعينيه… رغم خجلها وتوترها من نظرات عيناه...
والهواء بينهما صار أثقل… أبطئ.. إبتلعت ريقيها... وكادت تتحرك من أمامه، لكن لم تسير سوا خطوة واحدة وشعرت بيده تلتف حول خصرها... قبل أن تنتبه جذبها إليه، إلتصق ظهرها بصدره،أغمضت عينيها من تلك المفاجأة وهي تشعر بأنفاسه الساخنة فوق عُنقها،وهو يضع قبله وقُبلات متفرقة حول مقدمة ظهرها،ثم عاد الى عنقها وضع قبلة
لم تكن قبلة عاصفة…
بل هادئة… متأنية…
قبلة تعرف الطريق جيدًا ولا تحتاج اندفاعًا.
ابتعد قليلًا.إستدار مازال ينثر قبلاته التي تبدلت من ظهرها الى صدرها،،
يده ما زالت حول خصرها، ثابتة… لكنها لا تضغط… فقط تحتوي.
همس قرب شفتيها:
ريحتك تجنن يا عهد
كأنها فقدت الوعي،
انخفضت عيناها بخجل، لكن أصابعها تسللت إلى ياقة قميصه، تشدها برفق…
اقترب أكثر، جبينه يلامس جبينها من جديد.
أنفه يمر بخفة على وجنتها المبتلة، يترك أثرًا دافئًا على بشرتها التي ارتعشت تحت قربه.
- عهد…
نطق اسمها ببطء… كأنه يذوقه.
رفعت وجهها نحوه، هذه المرة دون تردد.
وضعت كفها على صدره، تشعر بدقات قلبه المتسارعة…
ابتسمت تفوهت بخفوت:
قلبك بيدق بسرعة.
ابتسم بدوره، صوته خفيض:
عشانك.
اقترب منها خطوة أخيرة حتى التصق جسدهما برفق،
لم يكن احتواءً طاغيًا… بل عناقًا بطيئًا…
يداه تلتفان حولها بحذر، كأنه يخشى أن يؤذي هشاشتها…ورأسها تستقر على كتفه.
أغمضت عينيها... شعرت بالأمان…
ذلك النوع من الأمان الذي لا يأتي من الكلمات، بل من الصمت المشترك.
مرر يده ببطء على ظهرها فوق المنشفة، حركة ثابتة مطمئنة…
تنفست بعمق، ورفعت وجهها لتقابله.
اقتربت شفتيه من زاوية فمها، قبلة صغيرة مُترقبة…شعر بها ورأسها تستند على صدرع
لحظة هادئة…
مليئة بالقرب…
مليئة بشعور غير منطقي... أن ما بينهما لم يبدأ…والصمت بينهما لم يعد فراغًا…
بل مساحة دافئة تسعهما معًا، لم يشعر أيًا منهما، كيف ومتي أصبحا فوق الفراش، هو فوقها ينهل من شفتيها... وهي لا متجاوبة ولا رافضة، تشعر كأنها بدوامة كلما حاول عقلها الإعتراض، تنجرف مع قُبلاته وهمساتة وإزدادت لمساته...كأنهم فى غفوة من الوقت والمكان.
