رواية عشق ودموع الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم سوسو أحمد


رواية عشق ودموع الفصل الثالث والعشرون بقلم سوسو أحمد 


سقوط الظلال… وبداية النهاية


لم يأتِ الليل التالي هادئًا، ولم يهبط الصباح كما يهبط كل صباح، كان الزمن نفسه كأنه يتحرّك بحذر، كأن العالم كله يشعر أن شيئًا ضخمًا يُحاك في الخفاء، وأن ساعة المواجهة قد اقتربت، جلس يوسف في مكتبه وحده أمام مكتبٍ ممتلئ بالملفات والخرائط والأسماء والتقارير، لم يكن رجل أعمال فقط، كان أبًا يرى الخطر يقترب من أولاده، وزوجًا يرى الرعب في عيني زوجته، ورجلًا قرر أن المعركة لم تعد خيارًا بل واجبًا، رفع الهاتف واتصل بأرقام لم يكن يتمنى يومًا أن يضطر لاستخدامها، قنوات دولية وسفارات وجهات أمنية وملفات قديمة مغلقة وشهادات خطيرة، ثم قال كلمته الحاسمة: «سأفتح الملف كاملًا… مهما كان الثمن». في اليوم التالي كان يوسف على متن طائرة متجهة إلى موسكو، رحلة لم تكن عملًا بل حربًا، قدّم بلاغًا رسميًا كاملًا للسلطات الروسية موثّقًا بالأدلة والتسجيلات والأسماء والتحركات والعلاقات السرية، بلاغًا يكشف شبكة مافيا دولية تمتد من موسكو إلى الشرق الأوسط وتتزعمها شخصية تُعرف باسم «الكنج»، كبير المافيا العالمية، الرجل الذي لا يظهر ولا يُرى ولا يُذكر اسمه إلا همسًا، تضمّن البلاغ تهديدات مباشرة وصلت إلى يوسف وأسرته، تهديد بإنهاء حياة أولاده، وتهديد بتدمير العائلة، وتهديد بإحراق كل ما يملكه، لكن يوسف لم يتراجع، لم يساوم، لم يتفاوض، وقالها بوضوح للسلطات الروسية: «إن لم تتوقف هذه الشبكة اليوم… فسيموت أبرياء كثر غدًا». وفي الوقت نفسه كانت هناك غرفة عمليات مشتركة بين السلطات الروسية والشرطة المصرية وأجهزة أمن دولية ووحدات خاصة لمكافحة الجريمة المنظمة، ملف واحد وهدف واحد وقرار واحد: الضربة الشاملة، بدأت التحركات مراقبة وتتبع واختراق شبكات الاتصال وتحديد مواقع، وتم تحديد أماكن أبناء «الكنج» وقادة الصف الثاني والمجموعات التنفيذية والشبكات المالية ومخازن الأسلحة ومراكز العمليات السرية. في ليلة واحدة لم تكن ليلة عادية بل كانت ليلة السقوط، داهمت القوات المصرية أماكن اختباء أبناء الكنج داخل البلاد، ملاحقة مباشرة واشتباكات وهروب ومطاردات ثم اعتقال رسمي، تم القبض عليهم واحدًا تلو الآخر، سقطوا، انهارت شبكاتهم، انكشفت أسماؤهم، وفي موسكو كانت الضربة أعنف، قامت السلطات الروسية باعتقال جميع أعضاء المافيا الروسية المرتبطين بالشبكة، قيادات ووسطاء ومنفذين وحماة ومموّلين، لم ينجُ أحد، وفي صباح اليوم التالي أُعلنت البلاغات الدولية وصدرت مذكرات اعتقال عالمية بحق رؤساء المافيا الدولية وزعماء الشبكات الإجرامية وقادة العصابات الكبرى ورموز الجريمة المنظمة في عدة دول، تحركت السفارات، تحرك الإنتربول، تحركت أجهزة الأمن العالمية، وبدأت أكبر عملية تطهير إجرامي دولي منذ سنوات. في البيت كانت مريم تجلس تحتضن أبناءها، غزل بجوارها، همسة صامتة لكنها تشعر لأول مرة أن هناك أمانًا يقترب، مؤيد يقف بجانب الباب كالحارس، سيف عيناه ثابتتان لكن قلبه مشتعل، جنّات تتابع الأخبار بيد مرتجفة، وحين عاد يوسف لم يعد رجل أعمال بل عاد قائد معركة، دخل البيت فوقف الجميع، اقتربت مريم منه وأمسكت يده وقالت بصوت مكسور: خلصت؟ نظر في عينيها وقال بهدوء ثقيل: بدأت النهاية، ثم نظر إلى أولاده وقال: محدش فيكم هيبقى هدف تاني، محدش هيعيش تحت تهديد، اللي كان فاكر نفسه ملك… وقع، اقتربت همسة بخطوات مترددة وقالت بصوت خافت: يعني خلاص؟ نظر لها يوسف بعين الأب الحامي وقال: لسه… لكن الطريق اتفتح. وفي مكان بعيد، في غرفة مظلمة، كان «الكنج» يتلقى الأخبار، أبناؤه معتقلون، رجاله في السجون، شبكته مكشوفة، أمواله مجمّدة، اسمه صار مطلوبًا دوليًا، همس بصوت غاضب: «يوسف…» لم تكن الكلمة تهديدًا فقط بل كانت إعلان حرب شخصية. وفي نهاية اليوم جلس يوسف في شرفة البيت بجواره مريم وأمامه أولاده وحوله أسرته كاملة، وقال بهدوء: النهارده انتهت مرحلة وبكرة تبدأ مرحلة أخطر، قال مؤيد بثبات: إحنا جاهزين، وقال سيف: ومش هنخاف، وأمسكت غزل يد همسة وقالت: مش لوحدك، وابتسمت همسة لأول مرة بدون خوف، لكن في مكان آخر وفي عالم آخر كان هناك من يُعيد ترتيب أوراقه، لأن بعض المعارك لا تنتهي بالضربة الأولى ولا بالسقوط الأول ولا بالاعتقالات… بل تبدأ بعدها. 🖤


لم يكن سقوط شبكات «الكنج» نهاية القصة، بل كان بداية مرحلة أعنف وأكثر ظلامًا. في كل زاوية من العالم، بدأ صدى الأخبار يتردد بين أروقة المافيا، من أوروبا الشرقية إلى آسيا، ومن أمريكا اللاتينية إلى قلب الشرق الأوسط. أسماء كانت تُهمس بها الرعب… أسماء كانت تعني الموت والانتقام… كل زعيم وكل ذراع من ذراعي المافيا شعر أن العالم تغير وأن معركة جديدة بدأت.

في روما، كان رجل يُعرف باسم «الفانتوم» يتلقى اتصالًا مرعبًا: أبناؤه تم القبض عليهم، شبكته على وشك الانهيار، لكن عينيه لم تفقد بريقها، ابتسم بخبث وقال: «ليست النهاية… إنها البداية الحقيقية».

في طوكيو، كان «الشينوبي» يتفقد الخرائط والهواتف المحمولة، يحدق في شاشة مليئة بالتحركات الأمنية، وهمس ببطء: «اليوم خسرت دفعة… لكن الغد لي».

وفي نيويورك، في مبنى شاهق، جلس «الغراند ماسك»، واحد من أخطر الممولين والسماسرة الدوليين، متحدثًا مع رجاله: «يوسف فكر أنه أنهى اللعبة… لكنه لم يعرف بعد أن لكل ظلام ظل أكبر منه».

وبينما كان العالم كله يراقب سقوط «الكنج» وعائلته، في مكان بعيد، كان الأخير نفسه، «الكنج»، يجلس على كرسي جلدي ضخم في غرفة مظلمة، يحيط به شاشات تظهر كل تحركات قوات الأمن والملاحقات الدولية. عيناه تلمعان بالغضب، وابتسم ابتسامة باردة كالصقيع وقال:

«يوسف… أنت فتحت صندوق الجنون… والآن سيبدأ اللعب الحقيقي».

في نفس اللحظة، في البيت الذي أصبح رمزًا للأمان، جلس يوسف مع أسرته، شعر بالطمأنينة لأول مرة منذ زمن طويل، لكن قلبه لم يرتاح بالكامل. كان يعرف أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن كل خطوة خاطئة قد تكلفه أكثر من مجرد تهديد.

غزل وجنات، وهم نظرتان إلى اشقاءهما سيف ومؤيد، همست: «هل أنت متأكد أن كل شيء انتهى؟»

سمعهما همهمتها يوسف

نظر إليها يوسف بعين الأب الحامي، لكنه هذه المرة لم يبتسم: «لم ينتهي شيء… الطريق لا يزال محفوفًا بالمخاطر. لكن الليلة… ننام ونحن نعلم أننا أحياء».

وفي آخر مشهد، كانت الكاميرات الأمنية بعيدة في أماكن متفرقة، تظهر تحركات خفية… رسائل مشفرة تصل من قارات مختلفة، أصوات خافتة تقول: «الانتقام قادم… لكل من فكّر أنه انتصر…»


سقوط «الكنج» أصبح حقيقة، لكن أعظم قادة المافيا في العالم بدأوا يحركون أوراقهم.

يوسف وعائلته حصلوا على أمان مؤقت، لكن الظل الأكبر ما زال يلاحقهم.

النهاية ليست نهاية… بل مرحلة جديدة، أكثر خطورة، وأكثر غموضًا، تجعل كل 

الفصل الرابع والعشرون من هنا



stories
stories
تعليقات