رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم جمال الحفني

 

رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والعشرون بقلم جمال الحفني

كنت حاسس إن دوري في قاعة الجن انتهي والمفروض أخرج منها, بس مكنتش عارف أروح فين, وبمجرد ما بصيت حواليا عشان اشوف المخرج فين شوفت باب اتفتح من العدم, ومع الصمت اللي عم المكان عرفت إنها إشارة للسماح ليا بالخروج.

اتمشيت ناحية الباب وبدأت اشوف اللي وراه, كان جسر طويل عيني مش شايفه نهايته, خرجت منه وأنا بسمع صوت الباب وهو بيتقفل ورايا, صوت تقيل كإنه مش صوت باب, كإنه صوت حكم تم تنفيذه برضاء جميع الأطراف.

وقفت لحظة وأنا بحاول استوعب اللي حصل معايا بالداخل, واستوعب كمان اللقب اللي اخدته أو الشغل اللي بقى من اختصاصي, وبكرر جملة "منفذ أحكام" بقولها وأنا مش عارف ازاي وافقت عليه, شيء جوايا يقولي إني وقعت في مصيبة وشيء تاني يقولي هي مصيبة بس مش كبيرة قوي.

شدّام ظهر جمبي في هيئة مختلفة عن اّخر مرة شوفته فيها, وكان له ظل طويل لونه أزرق داكن, وعينيه فيها شرارة نار بتوحي بقوة جديدة اكتسبها, بعدين افتكرت إن شدّام دا تابع ليا في كل حاجه حتى في القوة, يعني زي مانا ازددت معرفة وقوة, أكيد هو زاد زيي بالمثل.

ابتسم وقال بنبرته الساخرة "مبروك المنصب الجديد يا سيدي, هبقى سيفهم"
مرديتش عليه لكن بعد لحظة قولتله أنا حاسس إنهم اختاروني عشان اعمل اللي هما مش عاوزين يتلوثوا بيه!
مردش عليا, كملت طريقي وبعد خطوتين سمعت صوت واحد منهم بيناديني من داخل القاعة, صوت كان هادي بس بيشيل ثقل جبال.

"المنفذ لا يمشي وحده"

الهوا في القاعة اتكسّر ومن بين الشقوق خرج كيان قوي, مكانش زي شدام, لا ظل ولا نار, كان أقرب لإعصار مربوط في جسد, شدام نفسه وقف جمبي وهو مذهول من المشهد اللي بيشوفه قدام عينه وبيقولي أو بيقول لنفسه بصوت واطي, دا "مرهوب" جن من طبقة المحاربين القدماء, اتحبس من سنين طويلة عشان كان بيبالغ في تنفيذ الأحكام.

صوت من داخل القاعة بيقول "مرهوب في خدمتك في المعارك, لكن لو فقدت السيطرة عليه هيبدأ بيك أنت"

مرهوب اختفى من القاعة وفي لحظة اتحول لدخان أسود جري ناحيتي وركع, بسرعة خلتني ارجع خطوة لورا بدون ما احس, مش عارف هل عمل كدا عشان يخوّفني ولا عشان المفروض فعلا يعمل كدا! 

كان باين من ركوعه انه مش ركوع احترام, ركوع اعتراف بالقوة, حسيت وقتها إن السيف اللي أنا ماسكه بقى تقيل ومهمتي بقت أصعب وأصعب.

رجعت للعالم بتاعي ولشغلي اللي تقريبا نسيته بس ما زالت بحبه, لإني بقعد أيام في الجبال والمحاجر بعيد عن الناس, بس كان إحساسي مختلف باللي حواليا, الجن اللي ساكنين في الجبال كانوا بيخافوا مني أو عاملين حاجز بيني وبينهم مساحة كيلومترات مينفعش يقربوا منه أو يكسروه, هل دي حدود قوتي؟

كنت لما ارجع أجازة احب اخرج لوحدي واتمشى على أطراف المدينة, كنت براقب الناس واسمع شكواهم وانا ماشي بين البيوت, الحواس بتاعتي بقت أقوى جدا, كنت بحس بالمعالجين واعرف أماكن السحرة والنصابين, كنت بشوف ظلم البشر لبعض واسأل نفسي سؤال رددته كتير, هو أنا هحاكم مين في عالم مليان خطايا؟!!

أيام كتير عشتها بدون ما يبعتولي حاجه, مهمة مثلا أو أي شيء يحسسني إنهم لسه فاكريني, كنت بسأل نفسي يا ترى أول مهمة هتكون إيه وشدة صعوبتها إيه؟ بس كنت برتاح إنهم لسه مبعتوليش حاجه, حتى شدام مكانش بيكلمني كتير, فكرّت كتير أكلم مرهوب واعرف منه ماضيه ومعلومات كتير عنه لكن كنت براجع نفسي واقول لا, خليني عايش في العالم بتاعي شويه, أنا مستعجل على إيه!

وفي ليلة هادية وأنا بتمشى, شدام ظهر جمبي وقال فيه حاجه جايه, الهوا قدامنا اتشق زي ورقة بتتحرق ببطء وخرج منه طائر أسود مصنوع من دخان, نزل قدامي واتحول لخطاب ملكي ملفوف اتفتح وسمعت منه صوت رخيم بدون مصدر 

"إلى المنفّذ, في قرية البشر ***** إنسان يعالج الناس بعهد دائم مع جني من سلالة العهود
العهد لم يسجل..
القوة منحت بلا إذن..
القانون كسر, والحكم واجب التنفيذ" 

الرسالة اتحرقت في الهوا ببطء, وكل شيء سكت.

شدّام أول واحد اتكلم وقال بنبرة فيها تعجب, سلالة العهود؟ دي سلالة معلمك!
مرديتش عليه لكن كنت بفكر وسرحان ومصدوم كإني أول مرة أعرف اني بقيت "مُنفّذ" 
بعد لحظات قولت بهدوء, يبقى القضية دي مش صدفة..
حسيت بحضور تقيل وألم خفيف في كتفي الشمال ظهر بعدهم مرهوب وهو بيضحك ضحكة خشنة قصيرة وقال "أول مهمة وخيانه من عشيرة أستاذك.. واضح إنهم بيختبروك"

قولت لشدام خدني للقرية اللي ذكروها في الرسالة, مديت إيدي ولمست إيده وفي ثانية كنا احنا التلاتة هناك..

قرية بسيطة, ناسها غلابة, مرضى, خوفهم من العالم كان أكبر من خوفهم من الجن والعفاريت.

مشيت بين الناس اعرف اللي بيقولوه جواهم, وعرفت إن المعالج اسمه سالم, راجل في الأربعين, محبوب بين الناس, بيعالج الناس بدون فلوس أحيانا لكن في كل مرة بيفك سحر كان بيتمتم بكلمات مش بشرية, أو كلمات مش مسموحله يستخدمها..

تعليقات