رواية تلميذ الجن الفصل السادس والعشرون بقلم جمال الحفني
الليل نزل على القرية زي بطانية سوده, البيوت طين والريح بتعدي بينها تصفّر, ونور خافت طالع من أوضة صغيرة في طرف البلد, أوضة سالم.
كنت واقف فوق سطح بيت قديم براقب سالم وشدّام ملفوف حواليا بدخان أسود يحجب الرؤية عني, ومرهوب واقف بعيد على طرف السطح التاني, ساكت بس حضوره تقيل يخليك تحس إن فيه حجر محطوط على صدرك.
من الشباك الصغير المفتوح شوفت سالم قاعد قدّام بنت صغيرة جسمها مولّع من السخونة وأمها راكعة جمبها وبتقول والنبي يا شيخ سالم ملناش غيرك, سالم وشه مرهق, عينه غايرة من قلة النوم, مد إيده في جيبه وطلّع الطلسم الأحمر, أول ما الطلسم اتفتح الهوا اتشد ولو كانت فيه كاميرا موجودة كانت هتعمل زوم على الرسمة المنحوته عليه, دوائر متداخلة وخطوط شبه قيود وختم صغير في النص عليه علامة العهود.
شدام همس, الختم دا مش متسجل في السجلات ومش مسموحله يستخدمه.
ركزت عيني وشوفت اللي البشر مش بيشوفوه لما يروحوا لساحر عشان يعالجهم, خيط نور أزرق رفيع نازل من سقف الأوضة وواصل للطلسم ومن الطلسم لقلب سالم, رابط مباشر..
سالم بدأ يتمتم بكلمات تقيلة, قديمة, بلغة مش عربية..
الشموع حوالين الطفلة بدأت تهتز, واللهب يميل يمين وشمال كإن فيه حد بيعدي من وسطهم, الطفلة صرخت فجأة بصوت مش صوتها والأم شهقت من الخوف, وفي سقف الأوضة حصل شرخ رفيع جدا زي خدش في مراية ومن الخدش ظهرت عين زرقا بترمش ببطء..
لحظتها قلبي دق بعنف, سالم مش بيعالج, دا بيستخدم كيان قديم بيوهمه بالخير والعلاج لحد ما يتشكّل في هيئته الكاملة وبعدين لا سالم ولا غيره هيقدروا يسيطروا عليه ولحظتها الميزان هيختل وقوانين كتير هتتكسر عشان يرجعوا ميزان القوة لطبيعته من تاني..
سالم رفع الطلسم لفوق وقال بكلمات عربية في الاّخر "بعهد قديم وبقيد لا يكسر,اخرجي"
الطفل جسمه اتقوس لفوق بشكل مش طبيعي, ضلوعه بانت من تحت جلده, العين اللي في الشرخ ابتسمت..
نطيت من فوق السطح للأرض بدون صوت, مشيت ناحية بيت سالم وكل خطوة تحت مني كنت شايف الأرض بتسود وبعدها بترجع لشكلها الطبيعي, قوتي تضاعفت بشكل مهول, مشيت ناحية الباب وخبطت, مرة, اتنين.. حسيت بتوتر سالم وهو جوه, ضربت الباب بإيدي اتفتح والأم باصالي مش فاهمه حاجه وسالم وقف ومازال ماسك الطلسم في إيده واللي بينور بنور أزرق, وفوقهم الشرخ بقى أوضح..
العين اتحولت لوش غاضب كامل ونصه طالع من السقف, مرهوب ظهر ورايا بعد ما عرف إن وقته حان, وقال بنبرة رجّت الأوضة كلها "العهد لم يُسجّل"
الوش اللي في السقف بص لمرهوب وقال بنبرة ساخرة "منفذ قديم؟"
شدام اتمدد زي ظل طويل ولف حوالين رجلين الطفلة وثبتها في الأرض, وسالم صرخ بعد كل دا وكإنه مش مستوعب اللي بيحصل وقال انتوا مين؟
قربت منه خطوة وقولتله بثبات, إنت فاكر إنك مسيطر؟ كل مرة بتستخدم فيها الطلسم بتفتحله الباب أكتر..
سالم بص لفوق أول مرة وشاف وش ضخم وجلد متشقق وابتسامة مليانه سنان رفيعة, كان واضح من نظرته إن الكيان هيئته اتغيّرت, وقال بنبرة متردة, أنا, أنا كنت فاكر .., وقبل ما يكمل كلامه الكيان ضحك ضحكة خشنة خلى الشباك يتكسر لوحده..
الشرخ اتفتح أكتر, إيد طويلة رفيعة بدأت تنزل من السقف, وسمعت مرهوب بيقول بسرعة الوقت خلص والحكم واجب التنفيذ..
مديت إيدي ناحية سالم, الأرض تحته نوّرت برمز ضخم, ختم ملوك القبيلة اللي سمحولي باستخدامه, سالم حاول يتحرك بس رجليه اتقيدت بخيوط من خفيفة قوية, الكيان في السقف زعق "هو لي بعهد الدم"
بصيتله وصرخت صرخة قوة "العهد باطل"
شاورت لشدام بإيدي التانية وانطلق زي السهم لف حوالين الإيد اللي نازلة وفي ثواني كانت اتقطعت واتحولت لدخان, مرهوب دخل المواجهة لأول مرة, جسمه بقى أكبر, ملامحه بقت أقدم, وعينه اتحولت لجمر..
مد إيده ناحية الشرخ وشده بقوه, الشرخ حاول يقاوم لكن مرهوب كان واضح عليه إنه أقوى, سحب الشرخ والبيت اتهز كإن مرهوب بيسحب جزء من العالم أو من قوانين الطبيعة, الحيطة اتشققت, الأم حضنت بنتها وصرخت وهي مش فاهمة أي حاجه من اللي بيحصل قدامها..
قربت من سالم وبصيت في عنيه, شوفت ندم وخوف, سألته كنت عايز تساعدهم؟
قولتها بهدوء وسط الفوضى اللي حوالينا, سالم بدأت دموعه تنزل وقال كان لازم حد يعمل حاجه..
لحظة صمت وسط العاصفة, مديت إيدي ومسكت الطلسم اللي في إيد سالم وسحبته بقوه وأنا بعصره بإيدي, الكيان صرخ صرخة مروعة جدا, الشرخ بدأ يتقفل ببطء وهو بيقاوم, مرهوب سحب بقوة أكبر وشدام ثبت الخيوط حوالين الطفلة, وفجأة....صمت....
الشرخ اختفى..
البيت وقع جزء من السقف بتاعه..
الشموع كلها انطفت..
سالم وقع على الأرض والطلسم اللي في إيده اتحول لرماد بعد ما الخيوط الزرقا اللي كانت واصلاه بالقوة اختفت, والهوا رجع عادي..
مرهوب بصلي بصة فيها غضب مكتوم بيحاول يخفيه, وقال كنت قادر تقتله عشان يكون عبرة لغيره.
بصيت للأم اللي مازلت حاضنه بنتها, وقولتله الحكم كان على العهد مش على الإنسان..
مرهوب كتم غيظه وسكت..
شدّام همس, الملوك هيسمعوا باللي حصل..
وفي نفس اللحظة, في عالم تاني, عرش من حجر اسود اهتز
ملك من الملوك فتح عينه ببطء وقال " التلميذ هيكسر القانون "
ملك تاني ابتسم ابتسامة خفيفة وقال "التلميذ اختار الرحمة"
