رواية تلميذ الجن الفصل السابع والعشرون 27 بقلم جمال الحفني

 

 

 

رواية تلميذ الجن الفصل السابع والعشرون بقلم جمال الحفني

ليل الصحرا هادي, أجمل من أي ليل في أي مدينة مزدحمة بالناس والأضواء, الريح كانت بتمشي فوق الكثبان بهدوء كإنها بتفتش على حد, وأنا قاعد جمب عربية الدفع الرباعي لابس الخوذه وفاتح اللاب الموصّل بأجهزة تحليل التربة, عيني على القراءات لكن عقلي كان مشغول بحاجه تاني..

برهوم, المهمة الأولى اللي كان معايا فيها مكنتش مرتاحله, حسيت لوهلة إني خايف منه لاحتمال تمرّده عليا في أي وقت, بس أكيد مش هيتمرد لإنه اتعاقب قبل كدا ويادوب خرج من السجن فأكيد مش هيعمل شيء غبي يستحق السجن مرة تانيه, وخصوصا كمان معايا أنا.

فجأة وأنا في وسط تفكيري وسرحاني حسيت الأرض سخنت تحت رجلي, مش سخونة نار لا, كانت سخونة طاقة!

شاشة اللاب توب قدّامي شوّشت, والقراءات اتحولت لرموز قديمة عارفها كويس, والصوت جي في ودني, صوت المجلس, مهمة جديدة وصدر الحكم فيها..

الهوا بقى تقيل والنجوم حسيتهم بيختفوا واحدة ورا التانية, شدّام ظهر خلفي كظل طويل وهمس لي استعد الحكم صعب..

مرهوب تجسّد بعيد عني بعدة أمتار على هيئة راجل ضخم بجسم مليان شعر وعيون مبتسمة ابتسامة شر وقال أخيرا حكم يستحق التنفيذ!

بلعت ريقي وأنا بسأل شدام ورايا وقولتله حكم على مين؟

"الإنسان المدعو حازم درويش, تعدّي الحجاب, اصطاد من ليس له أن يصطاد, وأحدث خللا في خطوط العبور" 

وفجأة عين البصيرة اشتغلت عندي بدون ما اشغلها انا, ملك من ملوك المجلس له القدرة على السيطرة عليها ومن خلالها خلاني أشوف دائرة حجرية في الصحرا, جن صغير مربوط بخيوط معدنية ووشه كله رعب, صرخة طاقة انقطعت فجأة.

مرهوب قال بصوت غاضب, هو ده.
سألته هو بيعمل إيه؟
قالي الجواب واضح, بيحبس ويتعلم ويقرّب.

الصوت اللي كان بيتكلم في عقلي رجع من تاني وقال كلمة واحدة, الحكم هو الإنهاء.

كان فيه مولد كهربا ورايا بيزن زنة ثابتة موصلين فيه نور كشافات الموقع اللي موجودة فوق الحفارين اللي شغالين في وردية الليل, مجرد ما اتقالت جملة الحكم هو الإنهاء المولد دا فجأة فرقع والأنوار كلها انطفت, وبعدها بثانية اشتغل تاني والأنوار رجعت والشاشة رجعت تاني أرقام طبيعية وخطوط تحليلية ومنحنيات..

واحد من الفنيين نادى عليا من بعيد وقال يا بشمهندي, كل حاجه تمام؟
خدت نفس عميق وقولتله تمام, بس أنا هطلع لوحدي أشوف القطاع الغربي ويمكن أغيب شويه..

ركبت العربية واتحركت في الصحرا في اتجاه شاورلي عليه شدّام, بعدت عن الموقع والأنوار الخلفية للمعدات راحت تصغر لحد ما اتحولت لنقط مضيئة وسط عتمة الليل وسكون الرمل.

الصحرا بالليل صوتها مختلف, مفيش غير احتكاك الكاوتش بالرمل..
مرهوب كان ساكت بس مش هادي, حسيت إنه عايز يقول حاجه, من الطبيعي إني أحس بيه وبمشاعره زيه بالظبط لإنه مربوط بيا وفي خدمتي, قولتله بنبرة ساخرة زي ما بيعمل معايا, احكي.

لكنه صمت وواضح إن نبرتي استفزته..
اتكلمت وأنا بسألهم هما الاتنين ليه متسألوش انتوا توقفوه!
مرهوب رد بسخرية زي ما كلمته بيها من شوية وقال مش كلنا نقدر نتحرك بحرية زيك, إنت الجسر.

العربية بدأت تقطّع, مش عطل ميكانيكي, تشويش..
جهاز الملاحة الموصول بالشاشة اتقلب لخطوط ودواير, والراديو شغّل لوحده همهمة منخفضة, كإن أصوات بتبكي..

وقفت العربية ونزلت, الصحرا هنا مختلفة, مفيش حركة هوا, حتى الرمل شكله مضغوط, كإنه متداس كتير في نفس المكان..
عين البصيرة اتفتحت نص فتحة وشوفتهم, نقط ضوء صغيرة جدا متحركة تحت الأرض, زي شرارات محبوسة, وفوقهم شبكة..
شبكة محفورة في التربة مربوطة بأوتاد معدنية لونها أسود..
مرهب همسلي وقال فخ حضانة!
سألته باستغراب حضانة إيه؟
شدام قال بصوت هادي, فيه أماكن معينة بتجمع الصغار اّمنين بعيدا عن صراعات الكبار.

فجأة سمعت صوت من ورايا بيقول, كنت عارف إنك هتيجي.

لفيت وشوفت حازم واقف على بعد خطوات, لابس معطف صحراوي طويل, ملامحه هادية مش متوتر ولا خايف..

قال بنبرة متشككة, انت المنفذ؟
قولتله بصوت هادي, أيوه والحكم صدر عليك من المجلس.

الغريبه إن كلامي مأثرش عليه ولا شوفته خاف أو اتهز, كان ماسك في إيده جهاز صغير شبه التسجيل القديم متوصّل بسلك رفيع رايح لبرميل معدني مدفون نصه في الرمل.
مرهوب صرخ فجأة وقالي اوعي تتحرك..
سألت حازم بحذر إنت بتعمل إيه؟

ابتسم ابتسامة مفيهاش أي تعاطف وضغط على زرار في الجهاز, الأرض على بعد 100 متر اهتزّت, صوت مكتوم ثم ارتجاج خفيف وبعدين صرخة!

مش صرخة طفل واحد, صرخات متعددة, متداخلة, طاقتها مختلفة.
عين البصيرة اتفتحت, وشوفت المشهد تحت الأرض, حفرة عميقة جدا مبطنة بألواح من حجر قديم محفور عليها رموز عكسية وفي النص دائرة احتجاز كبيرة وجواها مش نقطة واحدة, عشرات..
صغار جن بعضهم ضعيف جدا وبعضهم أقوى نسبيا وبيحاول يتسلق الحاجز الطاقي لكن بيفشل ويرجع يتكوّر تاني.
وفي أعلى الدايرة جهاز معدني بيمتص الطاقة ببطء ويحولها لخط طاقة أسود متجه لمكان بعيد, مش قتل سريع.. دا استنزاف!

تعليقات