رواية ظل البراق الفصل التاسع والعشرون
أحيانا نظن أنا نريد نمد أيدينا نحو اختيار ما يثقة كاملة، ونقسم لأنفسنا أن هذا القرار خرج من أعماقنا، وأن الرغبة التي تدفعنا إليه خالصة لنا، لا يشاركنا فيها أحد.
لكن الرغبات لا تولد كلها في القلب، بعضها يزرع فيه.
كلمة ثقال بحجة الحرص ملاحظة تلقى باسم الحب تخويف خفي يلبس توب النصيحة.
وصوت يكزر... تم يكرر ... ثم يكرر، حتى يتسرب إلى داخلنا دون أن تشعر ، ومع التكرار، يتبدل
موضع الصوت.
كان في الخارج، ثم صار قريبا، ثم استقر في الداخل.
التحسيه صوتنا ، تمضي في الطريق الذي أشير إلينا إليه، ونظن أننا اخترناه، ليزر، وتدافع.
وتغضب ممن يشكك في قرارنا ، مع أن في أعماقدا رجفة صغيرة لا تجد لها تفسيرا.
سؤالا خافتا يقول: هذا أنا حقا؟
وحين نكتشف ولو متأخرين أننا سرنا خلف صدى لا يشبهنا لا نملك دائما شجاعة المواجهة.
فنفر
حبا في الاختيار الجديد بل رغبة في إثبات الحرية.
تترك طريق التأثير، لا وعيا منا، بل ضيفا به، وتندفع إلى النقيض تختار عكس ما فرض علينا، لا
فتقع في تطرف اخر نبذل القيد بقيد، والصوت المرتفع يضجيج أسد، وتسمى ذلك تمزدا
وتسميه رغبة.
وهكذا نظل معلقين بين رغبات ليست لنا ، واختيارات نهرب بها من غيرنا لا إلى أنفسنا ، والرغبة الصادقة ... لا تشبه هذا كله لا تلخ بإزعاج ، ولا تهدد بالخوف، ولا تدفعنا إلى العناد
هي هادئة، ثابتة، تبقى معنا حتى حين يصمت الجميع ، ولا تحتاج أن تثبتها لأحد.
فأصعب ما يمر به الإنسان ليس أن يجبر على طريق ، ولا أن يتمرد عليه، بل أن يجلس مع ذاته في صمت كامل
ونميز بين ما يريده حقا وما اعتاد أن يسمعه حتى صدقه.
كحال "شهد" الجالسة على طرف سريرها، تحذق في الهاتف الموضوع بين كفيها، والذي لم يتوقف عن الاهتراز من كثرة الرسائل، أطلقت زفرة طويلة خرجت ممتلئة بالضجر والتشتت. ارتفعت كنفاها قليلا ثم هبطا باستسلام، وقالت بصوت منخفض متداخل فيه الحيرة:
انا ما بقتش عارفة انا عايزة ايه ، عايزة مهاب زي ما ماما بتقولي ويحيه زي ما بتقول.
ثم عادت تنظر إلى شاشة الهاتف، وعيناها تتحركان بين الرسائل المتتالية قبل أن تتمتم بحيرة اشد.
ولا يحبك وعايزاك انت ؟
مزرت أصابعها في شعرها بعصبية، وشدت خصلة منه دون وعي، ثم ما لبثت أن اعتدلت عندما بدأ الهاتف يرن حدقت في الاسم الظاهر على الشاشة الثانية مترددة، ثم ضغطت على زر الرد.
وحاولت أن تجعل تبرتها دافئة:
ايوه يا حبيبي . معلش ماكنتش سامعة الفون لما يعت الرسايل.
جاءها صوته محفلاً بعتاب واضح، وكأن كلماته تخرج ببطء تقيل:
کده با شهوده؟ بقالي يومين يقولك تتقابل وانت منفصالي، خلاص ما بقتيش عايزاني .
اتسعت عيناها قليلا، وجلست مستقيمة وهي ترد بسرعة، وكأنها تخشى أن يصدق ما قاله:
لا والله ، بس اليومين دول بابا على طول في البيت وانا ما بعرفش الخرج .
رد عليها بنبرة أكثر ليونة، لكنها لا تخلو من الشوق
بس انت وحشتتيني قوي وعايز اشوفك ، حاولي تلاقي حجة وتبجي تقابليني .. صمتت لحظات، وراحت تنقر بأصابعها على حافة السرير، فتخيل صمتها ترددا، فأكمل بإصرار أعمق :
شهد أنا بحبك وبسبب الدنيا كلها واقضي نفسي عشان اقابلك ، ها هتيجي تقابليني في مكانا؟ ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها دون أن تشعر، وراحت تمرر يدها في شعرها بحركة أنثوية لا إرادية، وقالت بنبرة رقيقة يغلبها الدلال:
خلاص ماشي هحاول اخرج وأجبلك يا حبيبي ، أنا ما قدرش علي زعلك .
ضحك بخفة وقال:
انت كده حبيبتي وأنا هحضر لك مفاجأة هتعجبك قوي.
كانت سترة، لكن أذنها التقطت صوت خطوات أمها تقترب من الغرفة، فتبدلت ملامحها سريعا.
وقالت بصوت خافت متعجل
مقفل دلوقتي عشان في حد جاي ، وهبقي ابعتلك أقولك هنتقابل امتى .
أغلقت الهاتف بسرعة، وكأنها تخفى جريمة، وفي اللحظة نفسها دلفت أمها إلى الغرفة وهي تقول
بنادي عليك بقالي ساعة ما بترديس ليه ؟
رفعت" شهد "رأسها، وحاولت أن تبدو طبيعية، وقالت:
ما سمعتش يا ماما ، كنت عايزة ايه ؟
اغلقت "سعاد" الباب خلفها، وتقدمت بخطوات بطيئة نحو ابنتها، وعيناها تضيقان بشكل واضح.
جلست إلى جوارها وقالت بنبرة تحمل استغرايا ممزوجا بالتحقيق:
ما سمعتيش ازاي؟ وكنت يتكلمي مين أنا سامعة صوتك وأنا داخلة؟
رفعت" شهد دقتها قليلا، وتشبئت بهدوء مصطنع وهي تقول بنيات متقن
واحدة صاحبتي عايزاني اخرج معاها بالليل .
هزت "سعاد" رأسها برفض قاطع وقالت:
لا مش هينفع خالص ، أحنا معزومين على الفطار .
عقدت "شهد" حاجبيها وسألت:
معزومين عند مين ؟
ارتسمت على شفتي "سعاد" ابتسامة خبينة خفيفة، وقالت:
عند عمك ، ولازم كلنا نروح وأنت أولنا .
نفخت "شهد" يضجر واضح، وألقت بجسدها إلى الخلف وقالت:
بس أنا مش حابة أروح يا ماما، أحنا ماحدش بيطيق الثاني اصلا يبقى نروح ليه ؟
تبدلت ملامح " سعاد"، واشتد صوتها وهي تقول:
مش حابة ايه يا عليا؟ احنا هنستهبل يا شهد؟ هتروحي عشان مهاب، هو اللي هنعيده هیزیده؟
نهضت "شهد" واقفة، وارتفع صوتها بنفاد صبر:
مهاب اللي ما بيبصش في خلقني يا ماما ولا مهاب اللي ما بيحبنيش ومش هيحبني مهما أعمل
؟ أنا ببقي حاسة نفسي زي الخيال قدامه ، مهما اتكلم أو أهتم بيه هو ولا هنا اصلا؟ يبقي أروحليه ؟
نظرت إليها" سعاد" بعصبية، لكن سرعان ما تماسكت، وأخذت نقشا عميقا، ثم خفضت نبرة صوتها متعمدة الهدوء:
بس شهد بنحبه صح ؟ يبقي تحاول ثاني وعاشر عشان تبقى مع حبيب قلبها؟ مش إحنا اتكلمنا قبل كده كثير في الموضوع ده وقولنا مش مهم هو يحبك المهم انك بتحبيه ، ومش مهم الحب اصلا المهم يتجوزك وتبقي على اسمه وفي بيته ووقتها هتخليه يحبك غصب عنه ، إيه خلاص
ما بقتيش تحبي مهاب ولا عايزاه وهتسيبيه لغيرك.
كانت "شهد" سلجيب، لكن" سعاد" لم تمنحها الفرصة، وأكملت تضغط بخبث واضح
يعني يرضيك يسيبك أنت عشان خاطر بنت ولا تسوي قصاد شهد البراق ؟ لو أنت ترضيها لنفسك أنا ما رضهاش لينتي ، ست بنات الحارة كلها إن بتاعة الطعمية تكسبها وتخطف حبيبها من
قدام عينيها كده وهي تقعد حاطة ايدها على خدها وساكته!
لمعت عينا "شهد فجأة، وارتفع رأسها باعتزار جريح، وقالت بنبرة يغلبها الغرور:
أكيد مش هقبل أنها تاخده مني بس يا ماما أنا بحس انه مش طايقني بجد، أعمل معاه إيه ثاني ؟
ابتسمت "سعاد "بمكر، واقتربت منها قليلا وقالت بصوت خفيض كأنها تضع خطة
خليك قدامه على طول ، اعرفي مواعيده، بيخرج إمتي ويرجع امتي بيحب ايه وبيكره ايه .
اللي هقولك يا بنت سعاد .
اعر في عنه اللي هو ذات نفسه ما يعرفوش الاهتمام بيجيب أي راجل ، وشغلي دماغك هو أنا
نظرت شهد إلى أمها بشرود واضح، وعيناها تغرقان في حيرة عميقة في داخلها سؤال لم تجد له جوانا: هل هي فعلا تحب مهاب؟ أم أن كلمات أمها المتكررة منذ صغرها بأنها لا تستحق إلا
هو، وأنه زوجها المنتظر هي التي زرعت في قلبها هذا الوهم حتى صدقته ؟
صمتت لحظات، ثم قالت بطر
المطلوب مني دلوقتي ؟
قالت سعاد يحسم
أول ما العصر يأذن تروحي على بيت عمك وتساعديهم في تجهيز الأكل وتتعاملي كأنك ست
البيت ، وتخليك جنب جدتك وتوريها أنك ست بيت بجد اسمعي مني مهاب بيحب جدته وبيسمع كلامها يعني لما تقول قدامه مرة ورا مرة اسمك وتمدح فيك ، عقل هيفكر فيك ، وكمان عايزاك وقت الفطار تتعاملي برقي كده وعقل | مهاب عايزاها عشان هي بتعرف أمني تدى
وأمتى تأخذ.
رفعت "شهد" عينيها وسالت ببراءة ممزوجة بالشك:
يعنى مش عشان بيحبها يا ماما؟
في داخل " سعاد" كانت متأكدة أنه يعشقها، لكن حقدها منعها من الاعتراف، فقالت بنفي سريع
وغضب مكتوم
لا هي بس شاطرة ويتعرف تلاعب كويس، قدرت بأسلوبها وسيرتها اللي انتشرت في الحارة نشد ابن عامر وتجذبه ليها ويقع في حبالها ، وبعد لما وقعته يقت تلاعبه على الهادي ، تبعد عشان تخليه عايزاها أكثر ولما يجى الوقت وتقرب منه تبقى ضامناه في الخاتم في صباعها .
ثم حالت على "شهد"، ونظرت في عينيها مباشرة، وقالت:
وأنا عايزاك يا حبيبتي تشوفي هو بيعجبه إيه وتعمليه ، ما تبقيش هيلة وتخليها تضحك عليك ،
عايزة اشوفك مرات مهاب البراق قریب یا شهوده ، ماشی ؟
بدت شهد وكأنها واقعة تحت تأثير كلمات أمها، نظرتها حاوية بعض الشيء، ثم أومأت ببطم وقالت:
ماشي يا ماما .
كانت ناهد "تسير في شوارع الحارة بخطوات متوسطة، تتجه نحو الشارع الرئيسي الذي يخرجها منها. كانت الشمس تميل قليلا نحو كبد السماء والهواء يحمل ضجيج الباعة وأصوات الأطفال، وبينما هي تمشي اهتز هاتفها في يدها، فنظرت إلى الشاشة سريعا وابتسمت قبل أن ترد قائلة بنبرة مرحة
صباح الفل يا روقا ، لسه صاحية ولا ايه ؟
أناها صوت" رقية " عبر الهاتف، هادلا لكن يقظان
اه لسه صاحية بس يادوب ده الظهر هيأذن أهو ، عايزين نفتح بدري النهاردة شوية ، أنت
حواليك أصوات كثير ليه يا ناهد ؟
تابعت" ناهد "سيرها، وعيناها تتنقلان بين المارة، وقالت :
مانا مش في البيت ، أنا طالعة من الحارة أهو .
جاءها صوت "رقية" ممزوجا بالاستغراب:
خبر؟ رايحة فين دلوقتي ؟
تنهدت "ناهد" قليلا، وبدت على ملامحها مسحة فلق حقيقي، وقالت:
رايحة مدرسة سما اطمن عليها.
تغيرت نيرة "رقية " فوزا، وارتفع صوتها يقلق واضح
مالها سما ؟ حد كلمك من المدرسة وقالك أنها تعبانة؟ بس حتى لو تعبانة كانوا هيكلموا هيه
مهي في مدرسة الابتدائي والمسافة من مدرسة ابتدائي والأعدادي مش كبيرة ده خمس دقايق .
هزت "ناهد" رأسها نفيا ، وقالت بصوت منخفض:
لا ما حدش كلمني ، بس حاسه البت متغيرة بقالها فترة يا رقية ، ساكنه كده ويتغيب كثير من المدرسة ، وهبه كانت تعبانة الفترة اللي فاتت فماكنتش مركزة معاها ، وأنا قعدت مع سما كذا مرة وكل مرة تقولي أنا كويسة يا عمتو بس قلبي بيقولي غير كده، قولت أروح يوم عندها في
المدرسة أسأل يمكن حد من المدرسين زعلها ولا حصل مشكلة بينها وبين حد من زمايلها .
صمتت رقية لحظة كأنها تفكر ثم قالت بهدوء مطمئن:
سما هادية خالص وما بتعملش مشاكل مع حد ، بس وماله روحي شوفي الدنيا هناك ، اجيلك ؟
ضحكت "ناهد يخفة، وقد بدأت تقترب من شارع المدرسة، وقالت بمزاح:
لغه أنا يا ست رقية عشان تيجيلي ، أنا خلاص داخل المدرسة أهو .
ابتسمت "رقية" وقالت:
ماشي يا حبيبتي بس لو في أي مشكلة كلميني يا ناهد على طول .
رنت" ناهد" بمحبة صادقة:
طيب يا حبيبتي بإذن الله ما يبقاش في أي مشاكل ، هقفل بس عشان وصلت .
أغلقت الهاتف، ورفعت رأسها تتأمل بوابة المدرسة العالية. دخلت بخطوات ثابتة، وعيناها تتحركان في المكان بتركيز كانت المدرسة مكونة من مينيين كبيرين متقابلين، وهي مدرسة
مشتركة للإعدادي، لكن الأولاد في فصول منفصلة عن البنات.
وقفت لحظة تتلفت حولها، حتى لمحت محمود في ساحة المدرسة، فرفعت صوتها قليلا:
محمود .
ابله ناهد؟ بتعملي إيه هنا في المدرسة ؟
التقت "محمود" إلى مصدر الصوت، واتسعت عيناه بدهنة، ثم ركض نحوها وهو يقول:
ابتسمت له، وبدت ملامحها أكثر هدوءا، وقالت:
جاية لسما ، أنت سايب فضلك ليه ؟
ضحك بخفة، وهو يشير بيده إلى الساحة
سألته وهي تميل برأسها قليلا
كان علينا حصة العاب بس خلاص خلصت وطالعين الفصل اهو ...
طب فصل سما فين ؟
أشار بيده إلى ناحية من ساحة المدرسة وقال:
سما في تالته أول الفصل ده عليهم برضوا حصه العاب دلوقتي هتلاقيهم نزلوا وقعدوا في
الناحية دي .
نظرت ناهد إلى الاتجاه الذي أشار إليه، ثم عادت تنظر إليه وقالت بحنان:
ابتسم لها باحترام وقال:
ماشي يا خوده ، بلا اطلع انت علي فضلك عشان ماتنا خرش يا حبيبي .
ماشي يا ابله اشوفك بالليل في المطعم .
اومات له، ثم تابع طريقه إلى فضله، بينما اتجهت هي إلى المكان الذي أشار إليه.
وجدت مجموعة كبيرة من البنات جالسات في طرف الساحة، ومعهن معلمة تقف تتابعهن.
تقدمت ناهد بخطوات هادئة وقالت بأدب
السلام عليكم ، دي بنات قالته أول صح.
التقنت المعلمة إليها، وابتسمت بلطف وقالت:
ايوه هما وانا مس آلاء مدرسة التربية الرياضية ، حضرتك مين .
ابتسمت ناهد" وردت بهدوء
اهلا يا حبيبتي ، انا ابقي عمة سما شريف .
اضاءت ملامح المعلمة وقالت:
اه مش دي بنت مس هيه اللي في ابتدائي ؟
أجابت" ناهد "بسرعة، وقد عاد القلق إلى عينيها:
أيوة هي ، بس هي فين مش باينة مع البنات ليه؟
قالت المعلمة وهي تشير نحو المبنى:
سما كانت هنا بس مستر عادل نده عليها عشان تقريبا غلطانة في سؤال أو كده وعايز يشرحله ليها.
عقدت ناهد "حاجبيها وسألت باهتمام متزايد:
مین مستر عادل ، وتده عليها فين؟
رنت المعلمة:
ده مدرس الانجليزي، وهي طلعت مكتبه ، هتلاقي المكتب في الدور الرابع ، آخر مكتب في
الدور خالص ..
شعرت ناهد" بانقباض مفاجئ في صدرها، ونظرت إلى المبنى المرتفع أمامها، وقالت بنبرة
حاولت أن تبقيها طبيعية:
ماشي يا مس انا مطلع ليها ، شكرا.
ابتسمت المعلمة قائلة:
لا شكر علي واجب ، وابقي سلميلي علي مس هبه عشان ماشوفتهاش من زمان .
يوصل يا حبيبتي .
بدأت ناهد نتجه نحو داخل المبنى، وقالت وهي تمضي بخطوات أسرع قليلا:
في الطابق العلوي، كانت "سما" قد صعدت الدرج بخطوات مترددة، وقلبها يخفق بقوة داخل
صدرها الصغير، لم تكن تفهم لماذا طلبها في مكتبه تحديدا، ولماذا أصرت معلمة الألعاب على
صعودها حين ترددت وقالت لها بلهجة حازمة أن من العيب أن ترفض الذهاب إلى مدرسها.
وقفت "سما أمام باب المكتب، فوجدته واقفا عنده بالفعل، وكأنه كان يترقب وصولها، أشار لها
بيده أن تدخل، وملامحه متجهمة بجدية زائدة، ابتلعت ريقها ودخلت بخطوات بطينة، راحت تفرك يديها ببعضهما في توتر واضح، أغلق الباب خلفها بإحكام، ثم اتجه إلى كرسيه وجلس أمام
المكتب، ونظر اليها بنظرة قاسية قبل أن يقول يغضب مفتعل :
تعالي هنا يا سما أزاي تغلطي الغلطة دي مش انا شارح الحنة دي مليون مرة قبل كده .
تقدمت بخطوات صغيرة نحو المكتب، وانحنت قليلا تنظر في كراستها التي كان يمسكها، وقالت
بصوت مرتعش
مانا حلاها صح اهو يا مستر ، فين الغلط ؟
رفع عينيه إليها، وحدة فيها يسخرية واضحة وقال:
يعني انا اللي غلطان ؟
ارتیکت و هزت رأسها سريفاً نفيا:
مش قصدي يا مستر ، بس انا حلاها زي ما حضرتك شرحت .
هز راسه بيط وقال بشيرة أمرة:
لا غلط ، قربي كده عشان تشوفي كويس وانا يشرحها تالي .
نظرت إليه بقلق واضح، ولم تتحرك فجأة مد يده وأمسك بيدها، وجذبها نحوه قائلا:
قربي كده سما ، مالك خايفة كده ليه ؟
شهقت بخوف وسحبت يدها منه بسرعة وقالت محاولة التماسك :
انا كده كويسة يا مستر وشايفة كويس .
لكنه لم يتوقف في داخله رغبة مريضة اعتاد إخفاءها خلف قناع الاحترام الزائف، رجل
شهواني يستغل منصبه يقترب من تلميذاته الصغيرات وهو واثق أن أحدا لن يصدقهن إن
تكلمن، فصورته أمام الجميع صورة المدرس المحترم الذي يقسم الناس بأخلاقه.
اقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه تلامس وجهها، وقال بنبرة مريبة:
لا ما يقتيش شاطرة زي الاول يا سما، من يوم ما سيبني الدرس عندي ورحتي المدرس ثاني
وانت مستواك قل .
ثم مد يده يلمس ذراعها بطريقة مقززة، ونظراته هذه المرة فضحته تماما:
هو المدرس ده بيقول كلام أحلي مني عشان تسيبني وتروحيله؟
اتسعت عيناها برعب، ودفعته بيديها الصغيرة وهي تقول بصوت مختنق
إيه اللي بتعمله ده يا مستر ، انا ماشية .
لكنه أمسكها بقوة، وجذبها نحوه بعنف، وقال يهوس مكشوف
أنا بحبك يا سما ، يحب جمالك اللي يهوس وحلاوتك ورقتك ، أنت مش ملاحظة اني باهتم بيك ، انا ممكن اخليك تنجحي في مادتي من غير ما تذاكري حتي ، بس أنت اسمعي كلامي .
انفجرت في البكاء، وراحت تدفعه بيديها المرتعنتين
عیب کده یا مستر ده، ابعد عني ، مصرخ وهم عليك المدرسة .
ضحك ضحكة مستفزة، وقال بثقة مريضة:
اصرخي ، كان غيرك انتظر أنا هنا مثال للشرف والأخلاق مهما تقولي علي ماحدش هيصدقك أبسط حاجة هقول أنك بنت قليلة الأدب ومراهقة ومشاعرك ممشياك، وعشان باهتم بيك زي
بنتي افتكرتي حاجة تاني ..
نظرت إليه بصدمة، ودموعها تنهمر على وجنتيها. اقترب منها فجأة محاولا أن يمسح دموعها
بيده وهو يقول بنبرة مصطنعة اللطف:
لا اوعي تعيطي ، مانت مش هتصرخي وهتسمعي كلامي .
دفعته بقوة هذه المرة، وصاحت بغضب وخوف
لا هصرخ وهفضحك في المدرسة دي.
اشتعل الغضب في عينيه، وأمسك بيدها بعنف حتى تألمت، وقال بوجه متشنج
يبتي اخد منك اللي عايزة قبل ما تصرخي يا حلوة.
وضع يده على فمها ليكمم صوتها، وحاول أن يلمسها بالقوة، لكنها كانت تتخبط بين يديه في ملع.
وفجأة، انفتح الباب بقوة.
ظهرت ناهد عند العتبة، وتجمدت مكانها اموان وهي ترى المشهد أمامها، عيناها السعنا بصدمة. والدم على في عروقها وهي ترى ذلك الرجل ممسكا بابنة أخيها، والطفلة تبكي بجسد مرتعش. استغلت "سما" اللحظة، ودفعته بكل ما تملك من قوة ثم ركضت نحو ناهد، وارتمت في حضنها وهي تبكي بانهيار:
عمتو .... هو كان .... عايز ...
ولم تستطع إكمال الجملة، فقد خانها صوتها وانفجرت في بكاء مرير وجسدها كله يرتجف. احتضنتها" ناهد" بقوة وقلبها يكاد يتوقف من هول ما رأت، وعقلها يتخيل في لحظة واحدة ما حدث وما كان يمكن أن يحدث رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى عادل الذي وقف متوترا وقد ارتبك وجهه بعد أن انكشف.
ريتت "ناهد" على ظهر سما يحنان ممزوج بغضب مشتعل، وقالت بصوت ثابت تحاول به طمانتها:
اهدي يا حبيبتي واقفي برا المكتب ده .
كانت "سما" ترتجف بقوة، ودموعها تنهمر بلا توقف، وأنفاسها متقطعة كأنها تركض منذ زمن. هزت رأسها نفيا وهي ما تزال منشبتة بثياب عمتها. أخرجتها "ناهد" من حضنها برفق، وأوقفتها خارج المكتب، ثم قالت بلهجة حازمة تخفي خلفها بركانا مشتعلا
بطلي عياط .
خلعت حذاءها في صمت تام، والحنت تلتقطه بيدها، ثم تقدمت بخطوات ثابتة نحو عادل الذي كان ينظر إليها بصدمة وارتباك، لم يستوعب بعد ما يحدث.
وفجأة، انهالت عليه ضربا بالحذاء، وصوتها يعلو بالغضب الذي كلمته التوان فقط:
بقي أنت يا وسخ يا عرة المدرسين عايز تتحرش باليت ، يا أوسخ عباد الله .
توالت الضربات على رأسه ووجهه وكتفيه، وهو يحاول أن يصد عنها الضرب بيديه، يتراجع
خطوة بعد أخرى. كان ضعيفا أمامها في تلك اللحظة، ضعيف الجسد أمام غضب أم مستأسدة.
لكنه كان قويا فقط حين يختلي بطفلة خالفة.
تجمع المدرسون على الصوت، بعضهم مذهول، وبعضهم يحاول الاقتراب، لكن" ناهد" صاحت بغضب جعلهم يتجمدون في أماكنهم:
قسما بالله اللي هيحاول يحوشه من تحت ايدي لهيبقي ليلة اللي خلفوه سوده .
شق المدير الصفوف واقترب يعرف ناهد جيدا، ويحاول استيعاب المشهد:
في ايه بس يا ست ناهد طب فهمينا عمل ايه؟
قالت وهي ما تزال تضرب عادل دون أن تنظر إليه:
عمله زي وشه ، الوسخ ده كان بيتحرش بينت اخويا .
سرت همهمة صادمة بين الحاضرين المدير قال بسرعة، وكأنه يتمسك بصورة مثالية يريد حمايتها:
مستحيل مستر عادل يعمل كده، اكيد أنت فاهمة غلط.
توقفت لحظة، والتفتت إليه بعينين تقدحان شرزا، وقالت بحدة
غلط مين يا عنبا ، ثم أني مش عايزاك تصدق اصلا ، المهم اني أن مصدقة .
أخرجت هاتفها من جيبها بيد ثابتة رغم غضبها، وطلبت رقم رقية، ما إن رأت حتى قالت بصوت
أمر لا يحتمل التأجيل:
رقية تبجيلي دلوقتي حالاً على مدرسة سما ..
أغلقت المكالمة، ثم لمحت مزهرية موضوعة على المكتب، فالتقطتها فجأة، وبحركة خاطفة ألقتها على رأس عادل، سقط أرضا فاقدا الوعي في الحال، وصمت المكان لحظة ثقيلة، والأنظار
كلها تتجه نحوها بخوف
سحبت كرسيا، وجلست بثبات وسط الصمت المشدود، وقالت بنبرة تحد واضحة
اللي عايز يبقي مكانه يتكلم ، عشان أقفل ليكم المخروبة دي ، سما ....
اقتربت سما ببطء، ما تزال تیکی بهستيريا، وجسدها يرتجف جذبتها ناهد برفق، وأجلستها على
كرسي بجوارها، ثم أمسكت بيدها وقالت بحنان ممتزج بالقوة:
بس يا قلب عمتك بس عايزاك تقولي اللي حصل من الوسخ به ، أنا عارفة أنك مش قادرة
تتكلمي بس هي مرة واحدة بس اللي هتتكلمي فيها وبعد كده صدقيني هتشوفي بس .
بدأت "سما" تحكي، يصوت متقطع، عن محاولاته القذرة، وعن المرات السابقة التي كان
يستدعيها فيها، وعن نظراته والمساله، وعن ما حدث قبل دخول ناهد بلحظات، وكل كلمة تخرج منها كانت كأنها سكين تغرس في قلوب الحاضرين.
وفقت إحدى المدرسات وقالت بذهول:
بس ازاي ؟ دي قد بنته وهو محترم قوي .
رفعت "سما "وجهها المبلل بالدموع وقالت ببكاء موجوع
ده اللي ظاهر بس هو غير كده خالص ، وانا مش أول واحدة يعمل معاها كده في غيري كثير
پس ساکنين عشان خايفين .
أما عند" رقية"، فقد ارتدت ثيابها في توان، وخرجت من البيت بخطوات سريعة وقلبها يخفق
ظهرت سيارة أمامها وكادت تصطدم بها.
بقلق، كانت تمشي في شوارع الحارة دون أن تنتبه جيدا للطريق، حتى توقفت فجأة عندما
ضغط "مهاب" على المكابح بقوة، وتوقفت السيارة فجأة نزل منها سريعا هو ومازن وعامر البراق
اقترب مهاب "" منها بقلق واضح، وقال:
رقية أنت كويسة ؟ انا ما شوفتكيش والله .
هزت رأسها بسرعة وقالت:
كويسة كويسة الحمد لله .
قال "مازن" بحفة ليكسر التوتر
جرا ايه يا ابلة رقبة عايزة تودي الواد اللي حيلتنا في داهية ، مش تفتحي وانت ماشية.
نظر إليه مهاب بحدة، قصمت مازن فورا.
اقترب "عامر" منها بخطوات هادئة، وصوته يحمل حنان الاب
ماشية بسرعة ليه كده يا بنتي ، رايحة فين؟
نظرت إليهم بقلق واضح وقالت:
رايحة لناهد ، كلمتني وقالتي تعالي على مدرسة سما دلوقتي حالا .
ليه هي كويسة ؟
ما إن سمع "عامر" اسم ناهد حتى تغيرت ملامحه وقال بقلق:
أجابت" رقية" بصراحة وارتباك
والله ما اعرف أي حاجة ، هي قالت جملتها وقفلت في وشي .
قال مهاب " بنبرة مطمئنة وهو يفتح باب السيارة:
ما تقلقيش خير باذن الله ، يلا اركبي هنروح نشوفها .
نظرت اليه برفض متردد فايتسم قليلا وقال:
مش هخطفك يا رقية، وعمك عامر معانا اهو .
قال "عامر "يحسم لطيف:
يلا يا بنتي اركبي ، مأنا مش هسيبكم غير لما أعرف فيه ايه ؟
تنهدت رقية باستسلام، وهزت رأسها بقلة حيلة، ثم ركبت معهم. انطلقت السيارة مسرعة نحو المدرسة، والقلق يخيم على الوجوه الثلاثة، بينما كانت رقية تحذق أمامها يصمت، وقلبها يدعو
أن يكون الأمر أهون مما تتخيل..
ما إن وصلوا إلى ساحة المدرسة حتى رأوا " هية تدخل مسرعة تكاد تتعثر من شدة ارتباكها.
كان وجهها شاحنا، وأنفاسها متلاحقة، وعيناها تبحثان في الوجوه بقلق مفزع.
أمسكتها "رقية" من ذراعها بسرعة وقالت بقلق:
في إيه يا هبه بتجري كده ليه؟
نظرت إليها " هبة" بعينين دامعتين، وصوتها يرتجف
رقية ؟ هي سما حصلها حاجة وحشة صح ؟ حصلها حاجة وعشان كده أنتوا جايين وهما
كلموني وقالولي تعالي؟
احتضنتها" رقية "فوزا التهدئ من ارتجافها، ورينت على ظهرها وهي تقول بصوت ثابت رغم
القلق في عينيها:
اهدي يا حبيبتي سما زي الفل ، وهندخل دلوقتي ونشوف ، اهدي بس وتعالي ...
قال "عامر" بنبرة هادئة تحمل هيبة واضحة
صلي على النبي يا ام سما ، وهندخل تشوف في إيه وخبر بإذن الله ، يلا ادخلوا .
دخلوا جميعا، ومنذ اللحظة الأولى سمعوا صوت ناهد العالي يملأ المكان، تسارعوا نحو الطابق الذي يأتي منه الصوت ليجدوا ناهد ممسكة بعادل الذي بدأ يستعيد وعيه، وتهوي عليه بالحذاء
بلا رحمة.
اقترب "مهاب" بسرعة وقال:
ناهد في ايه ؟ عملك ايه الراجل ده ؟
نظرت" ناهد" إليهم جميعا، ثم وقعت عيناها على "هية " التي تجمدت مكانها وهي ترى ابنتها
تبكي بالهيار في تلك اللحظة فهمت "رقية " كل شيء.
اقتربت من سماء ورفعت وجهها بیدین مرتعشتين، ونظرت في عينيها مباشرة وقالت بصوت
منخفض لكنه جاد:
لمسك ؟
انفجرت " سما" بالبكاء وقالت:
انا زفيته والله بس هو كان عايز....
لم تكمل، إذ احتضنتها "هبة" بقوة وقالت وهي تبكي:
بس بس فهمنا خلاص ما تتكلميش.
تبادل "عامر" ومازن " و "مهاب" نظرات ملؤها الغضب، اقترب" عامر " من عادل الذي كان ينظر
اليهم بخوف حقيقي، فصفعه بقوة على وجهه، ثم بصق عليه وقال:
خسيس وعرة الرجالة، بقي يا وسخ بتبص لبنات الناس.
اقترب " مهاب" بخطوات ثابتة، وعيناه مظلمتان بالغضب
عندك أنت يا حاج عامر الكلب ده هيتروق النهاردة عشان يبقي عبرة لاي واحد يتجرأ ويعمل
کده .
ارتجف" عادل" وقال بتلعثم:
انا ما عملتش حاجة ، البنت دي بتكذب دي هي اللي...
لم يكمل جملته، إذ قطعت " رقية " كلامه وهي تتقدم خطوة للأمام، وجهها مشتعل غضيا:
عشان واحد حقير .
هي إيه يا حيوان انت؟ انت هتستهبل يا روح أمك ولا إيه؟ أوعي تكون فاكر اننا هتكذب بنتنا
اكملت "ناهد" وهي تحاول الوصول إليه بينما مازن يمسكها
أنت كمان ليك عين تتكلم يا ابن الكلب ، ليك عين.
قال " مازن" وهو يحاول تهدئتها:
ماتتهدي بقي يا وليا وليه عشان تعرف تاخد حقنا من أبو گرش ده .
صرخت " ناهد " وهي تحاول الإفلات:
سيبتي مازن سيبني عليه .
قال "عامر" بجدية صارمة:
مكانك يا ناهد احنا مش مالين عينك ولا ايه ؟
توقفت، ثم قالت بعناد:
علي عيني وراسي پس برضوا هضربه.
تدخل المدير محاولا احتواء الموقف:
يا جماعة إحنا كده هنعمل قلق في المدرسة ، خلاص هيعتذر
ضرب عامر الأرض بعصاه بقوة وقال بعصبية:
لطريق المخروبة . رية دي من ناحية هيتعذر فهو هيعتذر يا حضرة المدير ، بس بالنسبة للقلق فانا .
على دماغكم كلكم عشان بعد كده تشوف شغلك كويس وتعرف انت مشغل شغل مين عندك في
المدرسة ، مهاب .
قال مهاب فورا
نعم يا حاج .
تنزل الكلب اللي وراك ده الحوش تروقه ترويقة حلوة ويتربط على أوسخ شجرة في المدرسة
عيال لما الإدراة والبوليس يوصلوا عشان يتصرفوا معاه .
نظر "مهاب" إلى عادل الذي شحب وجهه تماما وقال متوسلا:
خلاص يا حاج انا اسف والله.
أمسكه" مهاب" من ياقة قميصه يعنف وقال بصوت منخفض مخيف
بحب اضرب من غير ازعاج ، فلو سمعت نفس واحد منك مش متطلع الثاني .
جزء من ملابسه نحو السلام، وأنزله إلى الساحة، بينما تجمع المدرسون في الطوابق يراقبون ما يحدث، وبعضهم أغلق الفصول خوفا من تفاقم الفوضى أما عامر فأخرج هاتفه وأجرى عدة اتصالات.
في الأسفل، انهال مهاب "و "مازن" ضربا على عادل حتى تهشمت عظامه وتكسرت مقاومته.
ثم نادي " مهاب ":
سماء
افتريت ببطه ما تزال عيناها حمراوين من البكاء..
قال لها وهو ينظر إليها بنات
ارفعي راسك ، وحدي حقك.
نظرت إليه بدموع مترددة، ثم نظرت إلى ناهد وهبة ورقية قالت رقية "بصرامة حانية:
ما تعيطيش ولا دمعة تنزل منك عشان انت ما غلطتيش في حاجة ، عايزاك ترفعي راسك
وتاخدي حقك من اللي عيشك في رعب وكان عايز يقرب منك .
قالت " سما" بصوت ضعيف:
بس انا خايفة ومش عايزة .
قال " مازن" بتشجيع :
احدا ما عندناش أخوات بيخافوا ، ولو مش عايزة فعوزي عشان هتاخدي حقك يعني هتاخدي .
أكمل "مهاب" بصوت عمیق:
أبوك كان بطل استشهد في سينا ، تفتكري لو كان عايش وعرف أن حد حاول يعمل كده في
بنته كان هيقول مش عايز احد حقى
بکت اکثر و هزت راسها نفيا، فأكمل
وانت من دمه ، وهو دمه كان خر ما يقبلش حد يقرب من خرمته ، هتخذليه وتسيبي حقه ؟
لأهلي حسيب .
فك مهاب حزامه ومده إليها وقال:
رفعت رأسها ببطء، وكلماته أشعلت في داخلها شجاعة جديدة، وقالت:
يبقي خدي حقك .
ساد صمت ثقيل، والأنظار كلها معلقة عليها. أخذت سما الحزام بيد مرتعشة، وتقدمت نحو عادل.
الملقى أرضا، وبدأت تضربه بقوة، وكل ضربة كانت تخرج معها كلمة:
انا عيطت بسبب سبيك .. وخوفت.. وكذبت نفسي مليون مرة عشان ماكنتش مصدقة ) أن في واحد
حقارة دي بس النهاردة خلاص ، خوفي انتهي يا وسخ.
استمرت في الضرب حتى أغمي عليه مجددا.
في تلك اللحظة، أطلقت "ناهد "زغرودة عالية وهي تقول بفخر:
تسلم ايدك يا بنت اخويا .
نظر "عامر" إليها والفجر ضاحكا ضحكة قصيرة ممتزجة بالرضا.
وصلت سيارة الشرطة، ومعها مندوبون من الإدارة التعليمية اقترب الضابط عن عامر وصافحه :
السلام علیکم یا حاج عامر
قال " عامر "بجدية:
وعليكم السلام يا محمد بيه ، شايف الكلب اللي مرمي ده .
قال الضابط وهو ينظر إليه:
شايفه.
قال "عامر" بلهجة حاسمة:
اتجرأ وقرب من بنتي بطريقة زبالة وخوفها وكان عايز يغتصبها ومش بس كده هو عمل كده
مع غيرها كثير ، عايزك تاخده عندك تروقه .
نظر الضابط إلى " عامر باحترام، فهو يعرف مكانته جيدا، وقال:
في بنت قدمت فيه بلاغ قبل كده أنه تحرش بيها بس أهل البنت تنازلوا عن البلاغ وقالوا ان
بنتهم تعبانة ومش واعية بتقول ايه .
قال "مهاب" بنبات:
في اهل بيخافوا يا حضرة الظابط ، يس دول خوفهم بيضيع بناتهم ، لكن أحنا ما بتخافش
وحق بنتنا هيتجاب ولازم يتعاقب عشان يبقى عبرة لاي حد بيفكر يعمل زيه.
قال الضابط بجدية وهو يشير للعساكر:
ماتقلقش یا باشمهندس سيب الموضوع ده عندي.
أخذوه مكبلا وغادروا، أما المدير قبدأ الحديث مع ممثلي الإدارة، ومع عامر ومهاب ومازن، حتى
انتهى الأمر رسميا.
بعدها اتجهوا جميعا نحو سماء التي كانت ما تزال في حضن هبة، لكن هذه المرة لم تكن ترتجف
كما قبل كانت عيناها متعبتين... لكن مرفوعتي الرأس.
قال "مازن بمرح واضح، وهو يمسح على جبينه كأنما أنهى معركة طويلة:
كل يوم خناقة وكل يوم مجهود يروح في الصيام منكم الله .
على المكان قبل قليل، كانت
الضحكات خفيفة لكنها صادقة، كأنها إعلان بانتهاء العاصفة.
انفجروا جميعا بالضحك، وانكسرت حدة التوتر التي خيمت
تقدمت " هبة" خطوة، وعيناها ما تزالان ممتلتين بالامتنان، وقالت بصوت متاثر:
مش عارفة اشكركم ازاي يا جماعة ....
قاطعها عامر، وقال بنبرة عتاب دافئ
شکر ايه يا ام سما؟ أنت اخت وينك بنت واللي عملناه ده واجب مش محتاج شكر
تدخلت" ناهد"، وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، وقد عادت لها نبرتها المعتادة:
بس برضوا تعبناكم.
نظر إليها " عامر" نظرة طويلة، رفع فيها حاجبه الأيمن وقال بعتاب خفيف لا يخلو من الدعابة: وايه الجديد يا ناهد ، مالت على طول تاعبانا .
تبادل" مهاب" و "مازن "نظرة خاطفة، ثم نظرا إلى والدهما سريعا قبل أن ينفجرا بالضحك، لكن
"عامر" عدل هيئته فجأة، واستعاد جديته، وقال بحزم
يلا عشان نمشي من هنا ..
وما إن قالها حتى تحرك بخطوات سريعة كانه يهرب من نظرات ولديه المليئة بالمشاكسة. تبعته هية وسماء تمشيان خلفه بهدوء.
أما مازن"، فلم يتمالك نفسه، فانفجر ضاحكا وهو يقند ناهد بطريقة ساخرة، ملوحا بيده:
سیبنی یا مازن سیینی .
التفتت إليه "ناهد"، وضربته على ذراعه بخفة، وقالت بغيظ ظاهري وعينين للمعان بالمشاكسة:
اسكت بالااا وتعالي تطلع من المخروبة دي .
قالها وهو يمني إلى جوارها، مائلا برأسه نحوها بفضول:
يلا واحكيلي اللي حصل قبل ما نيجي .
وغادرا معا، تاركين خلفهما مهاب ورقية واقفين في ساحة المدرسة التي بدأت تخلو من الصحيح
وقفت" رقية " أمامه، تمسك جاكته بيد والحزام باليد الأخرى، مدتهما نحوه وقالت بهدوء حاجتك يا هندسة .
أخذها منها بابتسامة جانبية، ثم قال:
تسلم ايدك يا ........
توقف فجأة كأنه تراجع عن كلمة كانت على طرف لسانه.
يا ايه انت نسيت اسمي من اثر الضرب؟
رفعت حاجبيها وقالت بفضول مشوب بمكر:
ضحك يخفة، ومرر يده على شعره وقال بنيرة تحمل اعترافا خفيا:
نفسي أكمل اللي علي لساني بس المحروسة مش سامحالي .
صمدت، واكتفت بالنظر إليه دون رد. فابتسم وقال بنبرة خفيفة.
مل تاويين تتكلم ؟
تنهدت، وقالت بقلة حيلة متعمدة
اراتك اللي کثرت ليك زوقة يا ابن البراق ، بس اخلص من خطوبة نور وبعدها نشوف حوارات
قطب حاجبيه فوزا وقال برفض واضح
خطوبة نور؟ أنا لسه هستني لبعد العيد ؟
ضحكت بخفة وقالت:
انت ما تعرفش ؟
اقترب خطوة وقال بفضول حقيقي:
لا ما عرفش عرفيني .
قالت وهي ترفع كتفيها ببساطة:
من أحنا اتفقنا أننا نعمل الخطوبة يوم الخميس مش بعد العيد؟
اتسعت عيناه بدهشة واضحة، وقال بذهول
بتهزري ؟ أمتي ده يوسف ما قالش ولا حتى مروان
قالت بهدوء
احنا متفقين بعد الفجر تلاقيهم ما لحقوش ، بس أحنا هنعمل خطوبة هادية كده في البيت
و مروان ولور قالوا هيجبوا الدهب ويعملوها في نفس اليوم ، فانسب معاد هو الخميس عشان
قبل العشر الأواخر وكده
ارتسمت ابتسامة على وجه مهاب، وقال بنبرة رضا
علي خير ربنا يبارك ليهم ، خلاص الجمعة تتكلم .
رفعت حاجبها بمكر وقالت:
الجمعة الماتش بتاعكم يا هندسة وبعدها هتعتكفوا في المسجد، نبقي نشوف كده بعد العيد باذن الله ... يلا سلام.
تمتم لنفسه وهو يمرر يده على وجهه
استدارت ومضت بخطوات ثابتة، تاركة إياه واقفا مكانه، يحدق في الفراغ أمامه بصدمة حقيقية.
يعني ايه بعد العيد؟ انا عايز البس دبل مع مروان واتجوز بعد العيد ....
هم أن يناديها، لكنه وجدها قد ابتعدت بالفعل.
وقف في مكانه، وهز رأسه بيأس طريف، وقال بصوت منخفض مليء بالتذمر اللطيف:
يعني مروان يلبس دبلة وأنا لأم حسبي الله ، منك الله يا بنت المهدي باللي مدوخاني وراك
وقلبي المهزأ قابل بكده.
وبينما تتباعد خطواتها عن ناظريه، شعر بأنها جزء منه، وأنه مهما بعدت، سيظل قلبه مربوطا بها كانت رقية بالنسبة له أكثر من مجرد فتاة كانت الأمان والجرأة والحياة كلها في شخص واحد، هي وحدها، تجعل كل شيء حوله أبهى، وكل يوم يمضي بدونها كأنه نصفه ناقص.
مر اليوم بسرعة، وحل وقت الفطور والعزومة في بيت عامر البراق، كانت انتصار جادة جدا، تمشي بين السفرة والمطبخ بعينين تلمعان من الفخر، وتحرص على ترتيب كل شيء بدقة، كل صحر وكا فوطة لتتأكد أن كل تفصلة في منتها تبرز نظامها وسفرتها أمام الضيوف
بدأ الرجال بالرجوع من المسجد، جلسوا على السفرة، قال "عامر"، وهو يبتسم بعرض ابتسامة
واسعة على وجهه مع لمعة في عينيه
شرفت يا رزق أنت وولادك شرفت بيتك وبيت أخوك
نظر" رزق" إليه بعينين لامعتين، ورفع يديه بطريقة مبالغ فيها، وقال بصوت مليء بالحماس:
تسلم يا أخويا، تسلم
جلس " عامر" على كرسيه، مسترخي الكتفين، وقال وهو ينظر للجميع :
یلا ابدؤوا القطار بس فين خالد؟ مجاش ليه ؟
سعاد نظرت إليه بعينين هادئتين، ابتسامتها خفيفة، ووضعت يدها على يدها الأخرى، وقالت بغرور:
خالد عنده شغل ضروري والله كان نفسه يجي ويبقى معانا، بس أنت عارف الشغل يا حاج
"مفيدة"، وهي تميل بجسدها قليلا نحو سعاد بابتسامة دافئة، قالت:
الله يوسع في رزقكم يا سعاد ويبارك في عيالك الأيام جاية كثير وهيبقى معانا.
"مازن"، وهو يميل برأسه بخفة، وعيناه تتلالا بالمرح، قال:
ولا ما يبقاش يا تيته
رفع "عامر" عينيه إليه بتحذير، وعيناه تلمعان قليلاً، وقال:
قصدي يعني لو ماجاش تروحه احنا اه هو عندنا أغلى من خلوده.
ضحك " حسن " وهو يحرك رأسه يمينا ويسارا بخفة، وقال:
اه عندنا هعبد الله اهو.
الجميع ضحكوا، و "عبدالله" رفع حاجبيه وقال:
طلب كل يا خويا عشان عندنا ماتشات النهاردة.
قال "محمد " بحماس:
مين هيلعب النهاردة يا عبد الله ؟
ابتسم " عبد الله " وهو يميل للأمام، وعيناه تلمعان بالمرح، وقال:
التنس وبعدها تلعب كام دور شطرنج وتغني وتقول تواشيح
"مازن"، وهو يضحك ويهز رأسه بإعجاب، قال:
اوعى الجمدان، أنا معاكم للفجر.
مهاب، وهو يبتسم بخفة، ويجلس مسترخي الكتفين، قال بمكر:
كلنا معاهم للفجر يا حبيب أخوك أنت بس اللي هتروح المعرض تخلص كام حاجة وتيجي.
وقف "مازن" فجأة، وعيناه تلمعان بالدهشة والمرح مقا، وقال:
أنا أعترض، ده يخربيت الظلم، شايف ابنك يا بابا ؟
ضحك "عامر وقال بمكر:
شايف وعاجبني اللي بيعمله فيك..
ابتسم "مازن" وقال وهو يجلس بارتياح:
أنا بقول كده برضه با حاج، تاخد جلاش؟
ضحك الجميع بصوت عال، و "فريدة" أضافت :
الجلاش ده شهد اللي عملته.
مهاب كان يمسك قطة صغيرة ليأكلها، وعندما سمع الجملة تركها.
الجدة، وهي تبتسم بوجه دافئ ويدها على قلبها، قالت:
شهد طلعت شاطرة أوي، دي معانا من العصر وساعدتنا في كل حاجة هتبقى ست بيت زي
العسل.
"سعاد" وجدتها فرصة نظرت إلى شهد بعينين مينتين بالفخر، وقالت :
أنا علمتها كل حاجة، ومن صغرها بتعرف تطبخ وتغسل وتشوف شغل البيت كله.
"فريدة "أضافت بفرح:
ربنا يبعتلها ابن الحلال يا سعاد.
"سعاد" هزت رأسها بابتسامة وعيونها تلمع بالخبث ، وقالت:
بيجيلها والله كثير بس هي مش بتوافق.
"انتصار "نظرت إلى شهد بعيتين لامعتين بالمكر، وقالت:
ومش بتوافقي ليه يا شهد عايزين نفرح بيك.
"شهد" هي ترفع رأسها يفخر، وعينها تحدق بثقة في الحاضرين، قالت بيجاحة
ماحدش منهم يليق يشهد البراق، ولازم أهدي في اختياري، عشان الاختيار الغلط بيتعب.
مانت عارفة.
قالت أخر كلامها وهي تنظر ناحية "نادين" التي قالت :
وماله با شهوده لازم تختاري صح يا حبيبتي ، بس حاسبي وأنت بتختاري لتختاري حد ناره
حاميه تلسعك.
نظرت شهد المهاب بجرأة، وعينيها تلمعان بالتحدي، وقالت:
لا ما تخافيش يا بنت عمي أنا بطفي أي نار تقرب مني.
"مهاب" همس في سره :
زار تبلعك يا بعيدة أنت وأمك عشان أرتاح
أكملوا أكلهم، حتى قام عامر ورزق وعبد الله، وبدأوا يتحركوا ببطء " مازن" نظر لمحمد وحسن
بعينين مليئتين بالمكر والمرح، وغمز لهم بخفة، فانطلقت ضحكاتهم كأنها موسيقى على السفرة.
حسن بدأ يضرب على الطاولة بإيقاع طريف عينيه تلمعان ووجهه مليء بالحياة، وقال بصوت
وكلام حلو أنا ياما قولتله!
"مازن" ضحك وهو يهز رأسه ، وقال:
ده تعب قلبي معاه وبهدلها
"نادين" وهي تضحك بشدة، وعينيها تلمعان من فرط المرح، قالت:
وبرضه مش حاسس بيا!
"محمد" وقف على الكرسي، ويداه تصفقان مع صوته العالي، وقال:
طب يا قلبو حس أني ....
وتبعوه كلهم وهم يضحكون ويصفقون مغا:
بحبو أكثر من حبايبو وهو مش واخد باله!
"مهاب" وقف فجأة، ووجهه مشرق بابتسامة عريضة، وهو بخله حذاءه ببطء، وقال:
لا واخد بالي وهخليكم تاخدوا بالكم انتوا كمان يا كورال روح الشرق
مازن لم ينتظر، بدأ يجري بحماس وهو يقول بصوت مليء بالضحك:
اجري يا الا أنت وهو الأسد فك!
ركضوا جميعا، وضحكاتهم تتعالى، حتى خرجوا للحديقة، عيونهم تتلالاً بالحرية والمرح.
وابتسم وهو يحاول اللحاق بهم.
وأقدامهم تدق الأرض بخفة " مهاب " جرى خلقهم بخفة، وعيناه تتبعهم بابتسامة واسعة.
وصلوا جميعا للحديقة، وتوقفوا قليلاً لالتقاط الأنفاس، ثم بدأوا يلهوون معا، يضربون بعضهم
خفيفا ويمزحون أصوات الضحك تتشابك مع حفيف الأشجار وصوت الطيور، كأن كل شيء
حولهم يشاركهم فرحتهم حركة أيديهم، وحركاتهم الخفيفة، ونظراتهم المتبادلة، كل شيء كان مليلا بالحيوية والدفء، وكانت لحظة من الضحك والحرية لا تنسى، تجعل القلب يشعر بالراحة والرضا.
خلاص بقى يا سماء اهو غار في داهية.
استمرت "سما "بالبكاء بشدة وهي تقول:
أنا والله كنت عايزة أقول لحد بس كنت يكذب نفسي، وأقول إني مكبرة الحوار، وأكيد هو مش قصده حاجة وحشة، وإنه عشان ما عشتش مع بابا كثير فأنا ما عرفش تعامل الرجالة بيبقى ازاي، وكنت بحتار أكثر لما كان بيقولي أنا زي أبوك، وأنت في بنتي، كنت بحتار ماذا ما عرفش تعامل الأب مع بنته بيكون إزاي.
واصلت البكاء وهي تنظر إلى والدتها بعينين ممثلتين بالحيرة
ما عرفش يا ماما، ما عرفش بايا مات وأنا عندي أربع سنين وكبرت وهو مش جنبي، ما عرفش الأب بيدلع بنته إزاي، ولا بيكلمها إزاي، وبينصحها بأي طريقة ... أنا عارفة إنه حتى لما قالي زي أبوك، هو مش أبويا، بس كنت بقول لعقلى هو أكيد مش قصده حاجة وحشة، مانت فعلاً قد بتيه
احتضنتها أمها برفق وقالت وهي تحاول تهدئتها:
اهدي با قلب أمك اهدي، أنا عارفة التوهان اللي عيشتيه، پس با سماء مش أنا وأنت صحاب
ويتحكيلي كل حاجة ؟ أنا كنت عايزاك تحكيلي من أول ما حسيني بحاجة غلط يا حبيبي... ده
بس اللي كنت عايزاه منك.
دخلت" ناهد" وقالت بابتسامة محملة بالمرح:
كفاية كلام في الموضوع اللي يقرف ده؟ خلصنا منه وخلاص عايزين نقوم نفطر بقي أحسن
أنا هموت من الجوع.
ضحكت" سما "من بين دموعها وقالت:
من الضرب يا عمتو انت عملني مجهود جبار برضه.
ضحكوا جميعا، فقالت "ناهد" وهي لا تزال ضاحكة:
پس لو كان الواد مازن يسيبني أكمل عليه.... الجزمة!
ضحكت " هية " وقالت :
مين منهم ؟
أجابتهم ناهد ببساطة وهي تحضنهم:
مازن طبقا
ضحكوا مرة أخرى، وابتسمت سما في حضنهم، شعرت أنها محظوظة أكثر من صديقتها الذين تركوا حقها بحجة أنهم لا يريدون فضائح، وما يعلمون أنهم بهذا السكوت يقتلون روح البنت بالحياة، فكرت في أن الحق الحقيقي ليس عازا، وأن السكوت لا يحمي أحدا، بل يجعل من يتجرأ أن يستمر ... وتذكرت كم من البنات تضيع حقوقهن بسبب خوف من فضيحة لا أساس لها في الواقع، للأسف، في مجتمعنا كثير من الحقوق تضيع تحت حجج فارغة والجملة الشهيرة: لا نريد فضائح، بينما هم من يصنعون الفضائح بسكوتهم عن الحق، تمنت في قلبها أن يأتي يوم يقف فيه المجتمع في وجه الباطل بكل قوة، ويكون سندا لنسائه، لا من يقهرهن.
رغم اختلاف البينات التي نشأ فيها "زين" ورغم اختلاف طريقة التربية، بدا شابا قويا، يتحلى
بأخلاق أخوته، دون أن يعرف حتى أن له أخوه.
كان " زين "المهدي" يلعب كرة القدم في النادي مع أصدقائه خلال التدريب، مستمقا لتشجيع المدرب، وهو مستمر في اللعب بحماس وعزيمة حتى انتهاء الوقت بعد أن انتهى التدريب.
جلس هو وأصدقائه على الأرض يشربان الماء ويستريحان، بينما كان الهواء المنعش يلمس
وجهيهما، ويعبد إليه بعض النشاط بعد الجهد.
حينها مرت فتاة من أمامهم. فقام أحد الأولاد الذين كانوا جالسين، اسمه عمر وقال لفظا غير لائق، يمن شرفها ويعكس القيم التي نشأ عليها. نظر زين إليه بعينين متقدتين بالغضب، وضيق
محيره، وقال له:
عیب کده یا عمر ترضاها على أختك؟
ود" عمر" يتحدث وافقا حاجبيه
اخلي محترمة مش هتخرج باللبس اللي هي خارجه بيه ده.
قال "زين" يحزم، صوته يملؤه الانفعال:
وانت مالك ؟ هي لابسه آيه، أنت مش هنتحاسب بدالها، أنت ليك اللي يخصك، ربنا أمرك بغض
البصر، يبقى تعض وتسكت.
التقت حوله ليرى زملاءه ينظرون إليه بسخرية، فقال أحدهم بتهكم:
بالراحة علينا يا شيخ زين هو عمر عمل إيه يعني؟ البت عاجبها وما تكلمتش.
أجابه "زين" يضيق وحزم
أنا مش شيخ، ومش يمكن خافت تتكلم وهي بنت لوحدها، مش كل اللي بيسكت يبقى عاجبه
وقفوا صامتين، فأكمل بنبرة تملؤها المسؤولية:
اللي بيحصل، حد منكم يرضى اللفظ اللي قاله لأمه ولا لأحد من أخواته؟
أكيد لا يبقى اللي مش ترضاء على بنات بيتك، ما ترضهوش على بنات الناس، هما لابسين بقي ولا مش لابسين شيء مالناش فيه، كل واحد بيتحاسب على أفعاله، مش على أفعال غيره.
سخر "عمر "قائلاً:
كلامك يقي بلدي قوي يا زينو عيب عليك ده انت حتى ابن رجل الأعمال محسن المهدي.
يعني مستوى راقي الحاجات بتاعة الحارات دي مش هتاكل معاك.
قال "زين" بحدة، عينيه للمعان بغضب من السخرية:
بلدي ؟ الحلال والحرام يقي بلدي ؟ الدين ما بيفرقش معاه أنت ابن مين ولا عايش فين وفي أي مستوى، كلامه بيتطبق على الكل ما تقوليش اين رجل أعمال ولا ابن وزير أنا عارف إن الوسط اللي عايشين فيه عندهم كلمة حلال وحرام مش موجودة، وبيعتبروا اللي بيقول كده متشدد.
بس انا مالي بيهم مش ذنبي إلى اتخلقت ولقيت نفسي عايش وسطهم، ومش هتحاسب على
كلامهم، بس متحاسب على كلامي أنا وأفعالي أنا.
ضحك " عمر" بسخرية:
الناس اللي بتقعد معاهم في الجامع ويتسمعهم في التليفون الحسوا دماغك خالص يا
صاحبي خليك روش، بقولك انت این محسن المهدي.
وقف " زين" وهو يحمل حقيبته، وعيونه لا تخفي الانزعاج:
انا مش مجادل كثير معاك أنا نصحتك وبيس، وعايز أقولك إن محسن المهدي مجرد عبد عند
ربنا مش رجل أعمال... سلام، أنا ماشي.
غادر وهو مستاء من طريقة تفكيرهم، متجها إلى خارج النادي حيث كانت السيارة تنتظره. تنهد ببطء وقال للحراس الذين يقفون
انا قولت نيايا مروح لوحدي مش لازم فريق الحراسة ده.
رد الحارس الشخصي، وهو يحاول كتم ابتسامة خفيفة:
أنا ينفذ الأوامر يا زين بيه محسن باشا قائلي أبقى معاك زي ضلك، لو عرف إنك كنت جوا وأنا واقف كده بره ممکن اترقد.
ضحك " زين " يضيق وقال :
لا، وعلى إيه ... يلا تروح.
فتح الحارس له السيارة، وركب" زين " وهو يشعر بضجر واضح، وانتظر حتى تحركت السيارة. ثم سأل:
اجابه الحارس:
هو بقي كل رجال الأعمال بيبقوا عندهم حراسة كثير كده، وكمان مخلين عيالهم يمشوا بحراسة ؟
سأله" زين " بدهنة:
اهده إجراء أمني لازم يحصل.
ليه يعني؟ ده تجار المخدرات مش بيعملوا كده.
رد الحارس بجدية
لأن أي رجل أعمال ناجح ومشهور بيبقى له أعداء ومتوقع منهم أي غدر فلازم يأمن نفسه
ويأ من عملته.
ضحك " زين" يخفوت وهو يخرج سماعاته :
وفي الآخر تقريبا كلهم بيموتوا بطلقه.
ضحك الحارس بخفوت:
نتمني ده ما يحصلش معانا يا بطل.
ارتدى "زين" السماعة واستمع للقرآن الكريم، وهو يتنهد:
تتمنى نعيش من غير الخنقة دي.
نظر الحارس إليه وشعر بالدهشة كيف يمكن أن يكون هذا الشاب، بهذه المبادئ والحياء والضمير الحي، هو نفسه ابن محسن المهدي وزوجته وفاء، تجار المخدرات والأسلحة ؟! تساءل في صمت عيناه تحدقان في الطريق أمامه، قلبه ممتلئ بالحيرة رغم كل ما نشأ فيه من محيط مليء بالباطل، بدا كأن الله قد وهيه خلقا مستقيقا لخلق يجعل الناس يتقون فيه ويعجبون بسلوكه، دون أن يعرفوا عائلته الحقيقية.
