رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل الثاني
ما بين الخوف… والاقتراب
لم تكن ليلى تعرف كيف تُمسك بأنفاسها.
كانت الغرفة فاخرة، دافئة الإضاءة، لكنها باردة الروح… كأنها صُمِّمت لتكون قفصًا من حرير، يُغريك بالهدوء بينما يسحق داخلك كل شعور بالأمان.
وقفت عند الباب للحظات طويلة بعد أن غادر سليم، تضع كفها فوق المقبض وكأنها تُحاول أن تنتزع منه وعدًا بالحرية، لكن الباب لم يمنحها سوى الحقيقة الوحيدة:
هي هنا… رغماً عنها.
استدارت ببطء، وعيناها تجوبان المكان. كانت هناك كاميرا صغيرة في زاوية السقف، تكاد لا تُرى، لكنها كافية لتجعلها تشعر أنها مكشوفة في كل ثانية.
اقتربت من المرآة الكبيرة… انعكست صورتها عليها باهتة، شاحبة، كأنها نسخة من نفسها لا تعرفها.
رفعت يدها إلى معصمها…
وجدت أثر القيود التي كانت تُمسك بها في السيارة، خطًّا أحمرَ باهتًا كأن أحدهم رسمه ليُذكرها أن جسدها لم يعد يملك قراره.
أغمضت عينيها، ثم همست لنفسها:
— “اهدئي يا ليلى… لا تنهاري… لا تنهاري…”
لكن الانهيار لم يكن صوتًا، كان شعورًا يزحف مثل سمٍّ بطيء.
فجأة… سُمِع صوت فتح الباب من جديد.
لم تلتفت فورًا، لكنها شعرت بوجوده كما يشعر المرء بظلٍّ يبتلع الضوء.
تصلّب جسدها.
ثم جاء صوته من خلفها، ثابتًا، هادئًا، لكنه يحمل حدّة غريبة:
— “هل ستظلين واقفة هكذا؟”
استدارت بسرعة.
كان سليم يقف عند الباب، لا يحمل سلاحًا هذه المرة، لكن حضوره وحده كان سلاحًا كافيًا.
قالت بعصبية تفيض خوفًا:
— “أخرجني من هنا!”
اقترب خطوة، وأغلق الباب خلفه بهدوء مستفز.
قال:
— “لا.”
كانت الكلمة كصفعة.
تقدمت ليلى نحوه، وقد تجرأت فجأة على الغضب بدل البكاء، وقالت بصوت مرتجف لكنه قوي:
— “أنا لست لعبة عندك! لست شيئًا تمتلكه!”
نظر إليها ببرود، كأنها تتحدث عن طقسٍ أو خبرٍ عابر.
ثم قال:
— “أنا لا ألعب يا ليلى.”
اقتربت أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما خطيرة.
قالت بعينين تلمعان:
— “إذن ماذا تسمي هذا؟ خطف؟ احتجاز؟ تهديد؟!”
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم رفع نظره إليها ببطء، وقال بصوتٍ أخفض… أخطر:
— “أسميه… حماية.”
ضحكت ليلى ضحكة قصيرة ساخرة، لكنها خرجت كأنها بكاء مخنوق:
— “حماية؟! أنت تضعني في غرفة مغلقة وتقول حماية؟”
مال قليلًا، وحدّق في عينيها مباشرة، كأنه يختبر صمودها:
— “لو تركتكِ في الخارج… لِمُتِّ قبل الفجر.”
توقف قلبها لحظة.
ثم قالت بحدة:
— “من سيقتلني؟!”
لم يجب فورًا.
وكأن الإجابة ليست كلمة، بل نار.
اقترب منها خطوة أخرى، حتى شعرت ليلى بأنفاسه تلامس خوفها، وقال:
— “أعدائي.”
سألته بسرعة:
— “ولماذا أنا؟!”
تغيّرت ملامحه… لأول مرة ظهر شيء يشبه الانزعاج، أو ربما القلق الذي لا يعترف به.
ثم قال ببطء:
— “لأنكِ… أصبحتِ نقطةً في معادلة لا ترحم.”
شهقت:
— “أنا لا أفهم!”
أدار وجهه قليلًا كأنه يفكر، ثم عاد إليها وقال:
— “أنت تعملين في مكتب محاماة، صحيح؟”
تلعثمت:
— “نعم… وماذا في ذلك؟”
قال ببرود:
— “أحد الملفات التي مرت من هناك… تخصني.”
اتسعت عيناها.
تذكرت فجأة ملفًا ثقيلًا جاء قبل أيام، كان يحمل اسمًا مشفّرًا، ورجلًا جاء لاستلامه بسرعة، وطلب ألا يلمسه أحد… لكنها كانت قد رأته.
كانت قد رأت ورقة واحدة.
ورقة واحدة فقط.
قالت بخوف:
— “أنا لم أسرق شيئًا! لم أفعل شيئًا!”
قال سليم بهدوء:
— “أنا أعلم.”
ثم أضاف ببطء، وكأن كل كلمة تخرج من فمه كرصاصة:
— “لكنهم لا يعلمون.”
سألته وهي ترتجف:
— “من هم؟!”
صمت لحظة.
ثم قال:
— “الذئاب التي تريد رأسي.”
تراجعت ليلى للخلف، وظهرها يلامس طرف السرير.
كان عقلها يرفض التصديق.
لكن شيئًا ما داخلها… كان يصدّق.
قالت بصوتٍ مبحوح:
— “يعني… أنا أصبحت هدفًا لأنني رأيت ورقة؟!”
رفع سليم حاجبه:
— “أحيانًا… ورقة واحدة تكفي لإشعال حرب.”
ثم التفت إلى النافذة الكبيرة، وأزاح الستار قليلًا، كأنّه يُريها العالم من خلف زجاجٍ سميك.
قال دون أن ينظر إليها:
— “هل تعرفين ماذا يعني أن تكوني في عالمي؟”
لم تجب.
تابع بصوتٍ خافت:
— “يعني أن حياتكِ تصبح رخيصة… في أعينهم.”
ثم التفت إليها أخيرًا.
كانت عيناه سوداويتين، لكنهما هذه المرة لم تكونا قاسيتين فقط… كان فيهما شيء أعمق.
شيء يشبه التحذير.
قال:
— “وأنا لا أسمح لهم أن يلمسوكِ.”
تجمدت ليلى.
لم تكن تعرف لماذا… لكن تلك الجملة بالتحديد لم تدخل قلبها كتهديد، بل كشيءٍ آخر.
كأنها وعدٌ خطير.
قالت بصوتٍ متردد:
— “لماذا تهتم؟”
اقترب سليم.
اقترب حتى صار قريبًا بما يكفي ليجعلها تنسى كيف تتنفس.
ثم قال بنبرةٍ ثابتة:
— “لأنني عندما آخذ شيئًا… لا أتركه.”
ارتعشت ليلى، لكنها لم تهرب هذه المرة.
كان الخوف حاضرًا… نعم.
لكن هناك شيء آخر بدأ يتسلل إلى قلبها دون إذنها.
فضول.
انجذاب غامض… لا يليق بموقفها.
كرهت نفسها للحظة.
كرهت هذا الضعف.
فقالت بحدّة، محاولة أن تُنقذ كبرياءها:
— “أنا لست شيئًا تأخذه!”
ابتسم سليم ابتسامة صغيرة… لم تكن لطيفة، لكنها كانت حقيقية لأول مرة.
وقال:
— “هذا ما يعجبني فيكِ.”
اختنقت ليلى بكلماتها.
لم تكن تتوقع أن يسمع منها التحدي ويعتبره جمالًا.
لم يدم الهدوء طويلًا.
رنّ هاتف سليم فجأة.
أخرجه من جيبه، نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه في لحظة.
تصلّبت ملامحه، وصار في عينيه شيء يشبه النار الباردة.
أجاب بصوتٍ حاد:
— “تكلّم.”
ثم صمت.
استمع.
وفجأة… ضاقت عيناه.
قال بصوتٍ منخفض لكنه قاتل:
— “كم عددهم؟”
صمتٌ ثانٍ.
ثم…
— “حسنًا.”
وأغلق الهاتف.
رفع نظره إلى ليلى.
لم يكن ذلك الرجل الذي كان يتحدث معها منذ لحظات… بل رجل آخر.
رجل يعود إلى الحرب.
قالت ليلى بسرعة، بخوفٍ صادق:
— “ماذا حدث؟!”
اقترب سليم منها فجأة، وأمسك بذراعها، ليس بعنفٍ مؤلم… لكنه كان حاسمًا.
قال:
— “تعالي.”
ارتجفت:
— “إلى أين؟!”
قال ببرود:
— “إلى المكان الأكثر أمانًا… الآن.”
حاولت سحب يدها:
— “لا! لا تلمسني!”
توقف للحظة، ثم نظر إليها مباشرة.
قال بصوتٍ عميق:
— “ليلى… اسمعيني جيدًا.”
كانت عيناه تلمعان بشيءٍ خطير.
وأضاف:
— “هذا ليس وقت كبرياء.”
ثم شدّها معه.
خرجت معه من الغرفة، عبر ممر طويل تملؤه لوحات فاخرة وحراس يقفون كتماثيل سوداء.
كان القصر أو المكان الذي هي فيه أكبر مما تخيلت.
كأنها ليست في بيت… بل في إمبراطورية.
وفجأة… دوّى صوت إطلاق نار بعيد.
تجمدت ليلى.
صرخت:
— “يا إلهي!”
أمسك سليم بها بسرعة، جذبها خلفه، وفتح بابًا جانبيًا ودفعها إلى غرفة صغيرة.
ثم أغلق الباب خلفه.
كان هناك خزانة سلاح على الجدار، وكاميرات، وشاشة تُظهر زوايا مختلفة من المكان.
قالت ليلى بصوتٍ مرتجف:
— “فيه ناس بيضربوا نار؟!”
قال سليم وهو يفتح درجًا ويأخذ مسدسًا:
— “نعم.”
شهقت:
— “من؟!”
قال ببرود:
— “أناس لا يفهمون معنى الحدود.”
ثم نظر إليها، ولأول مرة بدا أن صوته يحمل شيئًا يشبه الصدق العاري:
— “لقد وجدونا.”
تراجعت ليلى للخلف، دموعها بدأت تتجمع رغماً عنها:
— “بسببي؟!”
نظر إليها للحظة طويلة.
ثم قال:
— “بسببي أنا.”
كلماته سقطت كحقيقة جارحة.
ثم دوّى صوت انفجار قريب، اهتزت الجدران، وسقط غبار خفيف من السقف.
صرخت ليلى دون وعي.
وفي لحظة… وجدت نفسها داخل ذراعيه.
لم تكن هي من طلبت.
لم تكن هي من أرادت.
لكنه جذبها إليه بقوةٍ غريبة، وكأنه يقرر أن يحميها بجسده إن لزم الأمر.
كان صدره صلبًا، دافئًا، ورائحة عطره امتزجت برائحة الخطر.
قال بصوتٍ منخفض جدًا، قرب أذنها:
— “اهدئي.”
ارتجفت وهي بين ذراعيه:
— “أنا خائفة…”
لم يجب فورًا.
لكن ذراعه شدّ عليها أكثر، كأنها شيء ثمين يخشى أن يضيع.
ثم قال بجملةٍ جعلت قلبها يضرب بقوة لا تشبه الخوف وحده:
— “وأنا… لا أخاف إلا عليكِ.”
توقفت ليلى عن التنفس للحظة.
تلك ليست جملة رجل مافيا.
تلك جملة رجل… يعرف كيف يُشعل شيئًا داخل امرأة دون أن يلمسها.
ابتعدت عنه بسرعة، كأنها أفاقت على نفسها.
قالت وهي تحاول أن تبدو قوية:
— “لا تقل هذا… أنت لا تعرفني!”
نظر إليها سليم بعينين ثابتتين، وقال:
— “أعرفك أكثر مما تعتقدين.”
ثم التفت نحو الشاشة.
كانت تُظهر رجالًا مسلحين يقتربون من البوابة الخارجية، وسيارات سوداء أخرى تحاصر المكان.
قال سليم بصوتٍ قاسٍ:
— “إنهم لا يريدون المال.”
سألته ليلى بخوف:
— “إذن ماذا يريدون؟!”
قال ببرود قاتل:
— “يريدون أن يسقط سليم الراوي.”
ثم التفت إليها.
وأضاف ببطء:
— “وسيفعلون ذلك… إن أخذوكِ منهم.”
شهقت ليلى، وعيناها اتسعتا:
— “يعني… أنا سلاح ضدك؟!”
اقترب منها، لكن هذه المرة لم يكن الاقتراب رومانسيًا… كان حقيقة حرب.
قال:
— “نعم.”
ثم أضاف بصوتٍ منخفض كأنّه اعتراف:
— “وأنتِ أيضًا… ضعفي الوحيد.”
كانت الكلمات كالسهم.
ليلى لم تكن تريد أن تصدق.
لم تكن تريد أن تشعر.
لكن قلبها… قلبها الخائن بدأ يرتجف بطريقة مختلفة.
ليس خوفًا فقط.
بل شيئًا يشبه بداية قصة لا مفر منها.
