رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل الثالث 3 بقلم حنين محمود


 رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل الثالث 

«حين يُفتح باب الجحيم… لا يعود أحد كما كان


لم تكن الليلة تشبه أي ليلةٍ مضت…
كانت المدينة هادئةً على سطحها، بينما في باطنها تتقافز النيران كوحشٍ جائع، ينتظر لحظة الانقضاض.
في الطابق الأعلى من ذلك القصر الذي يشبه القلاع، جلست “ليان” قرب النافذة الكبيرة… لا ترى الشارع، بل ترى المصير.
كانت تشعر أنّ الهواء نفسه ثقيل… كأنّه يحمل رائحة الحديد والبارود، حتى قبل أن يحدث شيء.
خلفها… وقف “سليم”.
لا يتكلّم كثيرًا، ولا يتحرّك كثيرًا… لكنه حين يلتفت، تشعر أنّ المكان يضيق على من فيه.
قال بصوتٍ منخفضٍ كحدّ السكين:
"أنتِ لسه مش فاهمة إن وجودك هنا… مش صدفة."
التفتت ليان نحوه، عيناها تحملان تمردًا يرفض الاستسلام رغم الخوف.
قالت بحدة:
"وأنت لسه مش فاهم إنّي مش لعبة في إيدك!"
اقترب خطوة… ثم خطوة… حتى صار بينهما أقل من مسافة نفسٍ واحد.
لم يلمسها… لم يرفع يده…
لكن نظراته كانت كافية لتجعل قلبها يخون ثباته.
قال ببرودٍ قاتل:
"لو كنتِ لعبة… كنت كسرتك من أول يوم."
ارتجفت جملتها في حلقها، ولم تخرج.
لم تكن تعرف لماذا… لكن شيئًا في كلماته جعلها تشعر أنّه يملك وجهين:
وجهٌ يشبه العاصفة… ووجهٌ لا يظهر إلا حين يختار هو.
سألته بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا:
"أنا هنا ليه؟"
توقّف لحظة… ثم قال:
"عشان أنتِ المفتاح."
"مفتاح لإيه؟"
ابتسم ابتسامةً قصيرة، بلا دفء:
"للحرب."
لم تكتمل الكلمات…
لأن الصوت الذي شقّ المكان فجأةً كان أشبه برصاصةٍ في قلب الليل.
انفجارٌ بعيد.
ثم…
طلقاتٌ متتالية.
وانقطع التيار للحظة، فعاشت ليان ثانيةً من ظلامٍ كامل… ثم عاد الضوء، لكن الضوء لم يعد مطمئنًا… صار كاشفًا، فاضحًا، مرعبًا.
فتح أحد الرجال الباب بقوة، وجهه مشدود كأنه يحمل نهاية العالم.
قال بسرعة:
"سليم… في حركة حوالين المخزن الشرقي! في ناس دخلوا المنطقة!"
لم يتغيّر وجه سليم…
لكن الهواء تغيّر.
التفت ليان إليه، فوجدته قد صار شخصًا آخر…
عيناه لم تعودا عيون رجلٍ فقط… بل عيون قائدٍ يعرف أنّ الدم قد كُتب.
قال ببرود:
"مين؟"
"شكلهم تبع رائد الحربي… يا باشا."
في اللحظة التي ذُكر فيها الاسم… شعرت ليان بأنّ سليم صار أكثر قسوة.
وكأنّ ذلك الاسم ليس مجرد خصم… بل ذكرى سوداء، ثأر قديم، نار لا تهدأ.
أدار وجهه نحو ليان، وقال لأول مرة بنبرةٍ تحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
"هتيجي معايا."
شهقت:
"إيه؟! مستحيل!"
اقترب منها سريعًا، لا بعنفٍ جسدي… بل بعنف قرار.
قال بصوتٍ منخفض لكنه صارم:
"اللي برا دول مش جايين عشان يسرقوا… دول جايين ياخدوك."
اتسعت عيناها:
"ياخدوني؟! أنا؟ ليه؟"
أجاب دون أن يشرح كثيرًا:
"عشان يكسّروني."
ثم أضاف، وكأنّه يضع الحقيقة في قلبها دون رحمة:
"وأنتِ… نقطة ضعفي الوحيدة اللي عرفوها."
تجمّدت ليان.
نقطة ضعفه؟
هو؟… سليم الذي يبدو بلا قلب؟ بلا رحمة؟ بلا خوف؟
قالت بصوتٍ مرتعش:
"أنا مش نقطة ضعفك."
اقترب حتى صار صوته يلامس روحها:
"أنتِ لسه مش عارفة أنتِ إيه."
هبطت معه الدرج سريعًا.
الرجال يتحرّكون في كل اتجاه، أسلحة، أجهزة اتصال، وجوه لا تعرف النوم ولا الرحمة.
كانت ليان تمشي خلف سليم، قلبها يخبط كأنه يريد الفرار من جسدها.
لكن الغريب… أنّها رغم الرعب… كانت تشعر بالأمان قربه.
أمانٍ غير منطقي…
كأنّ هذا الرجل الذي خطفها… هو نفسه الرجل الوحيد القادر أن يمنع العالم من سحقها.
وصلوا إلى ممرٍ طويل يقود إلى جناحٍ جانبي.
وقف سليم فجأة، وفتح باب غرفة صغيرة، وقال:
"ادخلي."
قالت بارتباك:
"إنت هتسيبني هنا؟"
نظر إليها… وكانت النظرة مختلفة هذه المرة.
نظرة رجلٍ يعرف أنه قد يخسر كل شيء الليلة.
قال بهدوءٍ قاتل:
"أنا مش بسيبك… أنا بحميك."
ثم أضاف بصوتٍ منخفض:
"ولو حصل أي حاجة… اقفلي على نفسك… ومهما سمعتي… ما تفتحيش."
ترددت… ثم قالت بجملةٍ خرجت منها دون أن تفكر:
"وأنت؟"
ابتسم بسخريةٍ خفيفة:
"أنا اللي الناس بتقفل على نفسها مني."
ودون أن يمنحها فرصةً للرد… أغلق الباب.
مرت دقائق…
ثم جاء الصوت الذي مزّق صبرها.
طلقات قريبة جدًا.
صراخ رجال.
زجاج يتكسر.
وضعت يدها على فمها كي لا تصرخ، والدموع تجمّعت في عينيها رغماً عنها.
ثم…
سمعت صوتًا تعرفه.
صوت سليم.
لكن هذه المرة لم يكن هادئًا… كان صوت قائدٍ في قلب النار.
"حد يلمح الباب ده… يخلص عليه!"
سمعت صوت رجلٍ آخر يضحك بوقاحة:
"واضح إن الأسيرة غالية عليك يا سليم!"
رد سليم ببرودٍ مرعب:
"غالية؟… دي سبب موتك."
ثم دوّى صوت طلقة واحدة… أعقبها صمتٌ ثقيل.
ارتجفت ليان، ويدها على صدرها… تحاول أن تتنفس.
لكن الصمت لم يدم.
فجأة…
انفتح الباب بعنفٍ شديد.
شهقت ليان… تراجعت خطوة.
لم يكن سليم.
كان رجلًا آخر… عيناه تحملان خبثًا أسود، وابتسامة لا تعرف سوى الإهانة.
قال بصوتٍ مريض:
"أهو… لقيتك."
تجمّدت ليان، حاولت أن تصرخ… لكن الصوت لم يخرج.
اقترب الرجل، ومد يده إليها…
وفي اللحظة التي ظنت فيها أن كل شيء انتهى…
ارتطم جسده بالحائط!
دخل سليم كالإعصار، قبضته على عنق الرجل، ووجهه لا يحمل أي ملامح بشرية.
كان سليم… لكن سليم آخر.
قال الرجل وهو يختنق:
"إيه… خايف عليها؟"
اقترب سليم أكثر… حتى صار صوته جليدًا:
"أنا مش خايف… أنا بقرر مين يعيش."
ثم دفعه بقوة، وسحب سلاحه ببطء…
لا كمن يهدد… بل كمن ينفّذ حكمًا.
صرخت ليان دون وعي:
"سليم… لأ!"
تجمّد للحظة.
التفت إليها.
وفي عينيه… كانت النار…
لكن وسط النار… كان هناك شيء آخر.
شيء يشبه… الألم.
قال بصوتٍ منخفض:
"ما تبصيش."
ثم… أدار جسده بعيدًا عنها، وأطلق النار على الأرض قرب الرجل لا عليه، كتحذيرٍ مرعب.
صرخ الرجل وهو يزحف للخلف:
"انت… انت ضعفت يا سليم!"
اقترب سليم منه ببطء… وقال جملةً جعلت ليان تشعر أن قلبها سيسقط:
"أنا ما ضعفتش… أنا بس… اتأخرت."
ثم ضربه ضربةً قاسية أفقدته الوعي دون أن يقتله.
التفت بعدها إلى ليان.
كانت ترتجف… عيناها ممتلئتان بالدموع…
لكنها لم تهرب.
لم تستطع.
لأنها رأت الحقيقة.
هذا الرجل…
لا يملك قلبًا طبيعيًا… لكنه يملك ولاءً مرعبًا لمن يعتبرهم “خاصته”.
اقترب منها، ومد يده إليها… ببطء.
قال بصوتٍ منخفضٍ متعب:
"أنتِ كويسة؟"
سؤال بسيط… لكنه هزّها أكثر من الرصاص.
همست:
"أنا… مش فاهمة."
اقترب أكثر، حتى صار قريبًا جدًا…
وقبل أن تبتعد… قال لها جملةً جعلت الدم في عروقها يتوقف:
"من اللحظة دي… إنتِ مش أسيرة… إنتِ تحت حمايتي."
رفعت عينيها إليه… وقالت بصوتٍ مكسور:
"وليه؟"
نظر إليها طويلاً… ثم قال:
"عشان لو حد لمسك… أنا اللي هحرق الدنيا."
وفي تلك اللحظة…
شعرت ليان أن الخطر الحقيقي لم يعد خارج القصر…
الخطر الحقيقي… كان في قلبها.
لأنها…
رغم خوفها منه…
بدأت تنجذب إليه.
غصبًا عنها.
وفي الخارج…
كان الليل يبتسم ابتسامةً شريرة…
لأن الحرب لم تبدأ بعد.
لكن أول شرارة… اشتعلت.

تعليقات