رواية الصمت الباكي الفصل الثلاثون 30 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الثلاثون 

– إلتصقت بالحائط خلفها بخوف ووقف امامها مباشرةً لا يفصلهم سوى إنشًا واحدًا ..
استند بكلتا ذراعيه على الحائط بجانب رأسها واستوطن الشرر عيناه ..
_ رفعت رأسها لأعلى لتقابل شرارات عيناه الناريه ..
توترت أوصالها من هذا القرب، وارتجف داخلها من نظراته الناريه وأنفاسه الحاره المصتدمه ببشرتها ….
هدر قلبها بقوة وثقلت أنفاسها من الخوف
تتطلع بها، عيناها الواسعه بأهداب طويلة وبشرتها الصافية …
= جاهدت لخروج صوتها، وقالت بتلعثم: في …. آآيه
= إقترب الإنش الذي يفصلهم وبات ملتص بها، قائلًا بنبرة قوية تحمل أطنان من الغضب: عايزك تجاوبيني على كل كلمة هقولها ….. وإياكي والكدب..
نظرت له بإستفهام..
ليُتابع بغضب: يزيد إبنك؟؟
– أجفلت للحظات، ونظرت له بتعجب لكن أجابته بثبات: أيوا يزيد ابني ….. أيه المشكلة ..
– تنفس بغضب أكبر، وقال بهدوء: أبوه مين؟؟
– اتسعت عيناها بصدمة، وحاولت الفكاك من بين يديه إلا أنه لم يسمح بهذا، وجذبها إليه بعنف، قائلًا بغضب: عايز إجابة ..
– نظرت له بتحدي وغضب مماثل: حاجة متخصكش ٠٠٠٠ ومش واجب عليا الإجابة …
– نمت إبتسامة على زاوية فمه، وقال وهو يضغط على ذراعها بقوة ألمتها: يخصني … ويخصني أوووي كمان…
أنا ممكن أعرف بطريقتي بس ساعتها صدقيني متلوميش ألا نفسك .. لأن مش هرحمك ..
– تألمت من قبضته، ورفت عينها بدمعة: ابعد عني … أنت بتوجعني
ومتدخلش في حياتي دا كان إتفاقنا ….ودي حاجة متخصكش
– جذبها إليه بعنف أكبر وقد تفاقم غضبه واحمر وجهه وبرزت عروق جبهته وكلمات “ياسمينا” تتردد بعقله دون رحمة …
طرق يده بعنف على الحائط بجانب رأسها، وجمع خصلاتها بقبضته الأخرى بعدما انزلق وشاحها، وهمس بعنف:
ليا فيه .. لما يكون إسمك مرتبط بإسمي
ليا فيه .. لما تكونِ حرم مؤمن الصياد
ليا فيه .. لما تكونِ مراتي……….
= حَاولتْ إبعاده عنها بعصبية، وهي تقول: لا لا إنت شكلك صدقت … دا إتفاق بينا لغاية ما سعدتك تحقق وتوصل للي إنت عايزة … متقلبش الموضوع جد ..
أنا لا مراتك ولا هكون مراتك .
_ صرخ بحده أفزعتها: ملاااااااك ..
_ نظرت له بصدمة، واتسع بؤبؤ عينيها وألمها قلبها لخطئه هذا ونطقة أسم أنثى غيرها… بالرغم من أنه يتجنب نطق إسمها ولم يناديها به ولو لمرة واحد لكن الآن يناديها بأسم أخرى …
من المؤكد أنها حبيبته ..
ألهذا الحد مهوس لها ليهذي بأسمها ..
_ قالت بلوعة وألم غشى على كلماتها: أنا إسمي أسوة مش ملاك ..
_ طالعها بإستفهام سرعان ما اتضح له الأمر، وخالجه شعور مزعج لِزلة لسانه وعدم تحكمه في إنفعالته ..
: صدقيني أنا كمان مش طايق الموضوع وقرفان من مجرد إرتباط أسمك بإسمي، بس حصل ومستني بفارغ الصبر علشان أتخلص من قرفك ..
بس مجرد إرتباط إسمك بإسم مؤمن الصياد حتى لو في السر وعلى ورق، لازم تحترمي ده وتعملي حساب لكدا، وتنسي القذارة إللي إنتي فيها دي ..
وحقي لما أعرف إن عندك ولد لا معروفله أصل ولا فصل ….
وإللي يقرف فعلًا لما تكونِ مخلفه وإنتي لسه عيله …
يعني شكلك قديمه في الوساخة ..
_ رفعت يدها تريد صفعه إلا أنه كان الأسرع وأمسك ذراعها بقسوة
: إياكي … أقطعهالك يا دكتورة
_ نظرت له بتحدي، وكانت على وشك الحديث ورد الصاغ صاعين لكن حُبست الكلمات داخلها وهو يجذبها بقوة داخل أحضانه ..
فغرت فاهها بصدمة وتلبدت مكانها، ولا تُصدق صدور فعلٌ كهذا منه وبهذا الوقت..
ردة فعله غريبة جدًا!!! ما غرضه من هذا !؟
صباحًا يحتضن تلك الشقراء أمام أنظاري، والآن يجذبني لأستوطن أحضانه…
لماذا لم يُراعي حينها أني زوجته كما يقول، ويحترم هذا … مع العلم أنِ لم أخدش أسمه ولم أقربه كما يَدعي ..
أهكذا …. دعنا نمرح قليلًا عزيزي مؤمن؟!
ولتكن صدمة مرتدة ..
= لم تنتبه لِـ “صفية” التي وقفت في الجهه المعاكسة خلف النافذة المفتوحة تشاهد ما يحدث بصدمة …
بعد أن فعل “مؤمن” هذا عن عمد بعدما رأها ليفتعل صدمتها ..
ما جذب إنتباهها حقًا تلك الشقراء “ياسمينا” التي تقف أمام باب الملحق الذي مازال مُئارب بعد إقتحامه …
_ ابتسمت بمكر … ورفعت ذراعيها بعد أن إقتربت وانغمست بأحضانه أكثر وأحاطت عنقه بقوة بعدما استقرت رأسها على كتفه براحة ..
صدمته لم تقل عن صدمتها وازدادت معهم صدمات كلًا من “صفية وياسمينا” المُراقبين للموقف بأعين صقر ..
إنتابته مشاعر غامضة واهتز ثباته من فعلتها … سُرعان ما إنقاد خلف مشاعره الغامضة .. وتبدد “مؤمن الصياد” أدراج الرياح وحَلَّ مكانه شخصًا أخر ..
أغمض عيناه بتأثر وهو يزرعها بأحضانه أكثر وأكثر حتى كاد أن يختفي جسدها الهزيل بين ثناياه..
= بينما “أسوة” فَـ طوف من المشاعر الغريبة أصابتها المشاعر التي تستنكرها دائمًا والتي تُصيبها بقربه ..
جاهدت لتجاهلها وإنهاء هذا الأمر لكن لم يُطاوعها قلبها الخائن وانصاع إلى قربه لتتناسى الواقع قليلًا وتستمتع باللحظة كما يقولون …
تنهدت براحة وهي تشعر أن أحزانها تفرقت، والأمان يُحيط بها من كل جانب ..
صاح عقلها .. عن أي أمان تتحدثين!!؟
معه..؟! ..
ومن متى والصياد يُعد مأمن ومئوى لأحدهم..!!؟
لم تختبر هذا الشعور من قبل، فحلاوة هذه الدقائق لا تُقارن بغيرها أبدًا .. ذاك هو حال من لم يضمها أحد طيلة حياتها أم ماذا؟!!
لا والد ولا والدها ولا أخت ولا أخ لها ..
جاهدت دون دعم وسند … لحظات الضعف التي كانت تنتابها بمفردها كانت تزيلها بضم ذاتها بقوة ..
لكن الآن كل شي مختلف ..
مذاق الألم … صمته … غموضه … قسوته …وبالأخير أحضانه …
فاللمرة الأولى يحتضنها أحد بحنان كهذا …!!!
تشعر أنها تعرفه منذ زمن !! وتريد أن تعلم أكثر عنه ..
تريد فك شفرات الغموض الذي يُحاط بها ..
تريد أن تعلم ما سر تلك القطرات التي رأتها سابقًا !!
فما الذي يجعل رجلٌ مثله يبكي دون أن يشعر !؟
ولماذا بُعِث للأحداث بطفولته؟
الكثير وأكثر … لكن الطريق إليه مليء بالأشواك كما قال سابقًا .. ومخزون طاقتها على وشك النفاذ..
= مر أكثر من عشرون دقيقة وكلاهما لا يشعران بما حولهم ولم يدركوا ذهاب ياسمينا وصفية..
دقائق اختطفوها من أيام لا ترحم ..
مُغمضة عيناها متشبثة بقميصه بقوة ..
ومؤمن بحالة اللاوعي مُعتقدًا بأنه بأحد تفاصيل حلم وسط كوابيسه البغيضة ..
لا يريد الإستيقاظ وهي لا تريد الإبتعاد ..
لكن للقدر رأي أخر
صوت إنغلاق الباب بعنف إثر الرياح كان الناقوس الذي جعله يفتح أعينه على وسعيها بصدمة مُدركًا أن هذا ليس أحد الأحلام وإنما واقع صادم له سببه إنفلات مشاعره دون أن يدري …
سعى لضبط إنفعالاته ومشاعره محاولًا سحب جسده من تلك الهالة التي أصابته، ولا يُصدق ما حدث، ويُحدث نفسه بإصرار بأنه أصبح بخطر عميق يجب التخلص منه على الفور ..
_ أبعدها بعنف عن مرمى يديه، وقال وهو يهزها بعنف ومازالت هي بتخمة تلك المشاعر لم تستفيق بعد: مجرد ما شديتك لحضني رميتي نفسك وكلبشتي فيا .. كنت متأكد من أن ده هيحصل ..
أي حد ترمي نفسك في أحضانه ..
وتابع بصراخ مجنون: يعني لو كان أي حد مكاني كنتِ عملتي نفس العمل … كنتِ رميتي نفسك في حضنه ..
ليه … ليه الرُخص ده كله .
قولي عملتي كدا ليه…
_ أفاقت “أسوة” على حِدة كلماته، بل بالأحرى السموم الذي بثقها من فمه لتسري بدمئها حتى تصل لقلبها فتُصِيبه ..
رفعت رأسها، وقالت بكبرياء وبرود: تقدر تقولي إنت عملت كدا ليه الأول ومتقوليش إختبار والكلام الفارغ ده .. أكيد عندك أسباب تانيه ..
وأحب أقولك أنا كمان عندي أسبابي ..
ثم تابعت ببرود أكبر لتجعله على حافة الجنون: وعندك حق فعلًا لو أي راجل تاني غيرك كنت رميت نفسي بردوه في أحضانه … معلش بقى أصلي بحب الأحضان أيه إللي مدايقك بقى ..
هُنا ويكفي فقد تعدت الحدود ..
تطاير الشرر من مُقلتيه، وجذبها إليه بعنف ثم همس بفحيح هاديء أثار رُعبها: صدقيني الكلام إللي قولتيه ده هتندمي عليه أشد الندم وخليكي فاكرة كويس ابو ابنك هوصله ولعلمك أنا عارف أنه عايش مش ميت بس إطمني هجيبه واقتله قدام عينك …
ومعنديش وصف أقولهولك غير إنك رخيصة ..
_ لم تبالي سوى بتلك الكلمة الأخيرة التي أصابتها بمقتل، لكن لن تكون ضعيفة بعد الآن ..
هو من يتعمد جرحها ومن إبتدأ بهذا .. والبادي أظلم ..
تعلم أن بعد ما ستقوله سيندلع عليها إعصار ناري سيحرقهما معًا ..
وقفت على أطراف أصابعها وبجُرأة غير متوقعه وقوة تُحسد عليها جذبته من ياقة قميصه، وقالت بهمس بارد يُماثل همسه: رخيصة أحسن ما أكون قتالة قُتله…
قالتها وقلبها يتألم فهي ليست ممن يطلقون أحكامهم دون معرفة الحقيقة كاملة..
ضغطت على الجُرح بعنف ومازال رطب لم يبرأ بعد لينزف بشدة ولن تستطيع إيقاف هذا النزيف الذي سينتنزف مؤمن على الأخير…
شحب وجهه وإرتد للخلف وهو يشعر بألم قلبه الذي يفتك به دون رحمة ..
تيبس بأرضه وزاغت نظراته بتيهه ..
راقبته “أسوة” بريبة وقلق ..
أنفاسه التي ثقُلت، وحبات العرق التي نمت على جبينه في مثل هذا الطقس ..
إنشطر قلبها وهي تراه يضع يده على قلبه بألم..
إقتربت منه بأقدام مرتعشة، وتسائلت بقلق مغلف بالخوف: إنت … كويس..
_ إستدار وركض للخارج بسرعة تسابق الرياح ..
خرج من الملحق ثم القصر متجهًا نحو موطنه ومئواه…. الغـــــــــــابة …
= ظلت تُراقب أثره بصدمة وعدم تصديق، لم تعد تحملها قدميها الذي أصبحت كالهلام … لتتهاوى أرضًا بإنهيار .. وهي تضم جسدها واضعة يدها على فمها تكتم شهقاتها التي بدأت في العلو، وعبراتها تسقط على وجنتيها كشلال ساخن من مُحيط عينيها الأحمر ..
: أيه إللي أنا قولته ده … أنا من إمتى وأنا كدا ..
ياريت كان رد عليا وكسَّر عضمي بس محصلش إللي حصل..
ثم تابعت بإنهيار أكبر والندم يتأكلها: دا كان شكله تعبان وفي حاجة بتوجعه … أنا جرحته وفكرته بماضي مؤلم أكيد …. ليه كدا يا أسوة..
كفكفت عبراتها وهي تقول بإصرار: أنا هقعد وهستناه لغاية ما يرجع وأعتذر منه حتى لو هستنى للصبح ..
= في حين جلس بوسط الظلام أسفل إحدى الأشجار الضخمة والكثيفة ..
أسند جسده إليها بإرهاق وتعب وأنفاس مسموعة تخترق هدوء الغابة ..
تكاثرت عليه أحداث الماضي وأخذت الذكريات تنهش عقله دون رحمة ..
مقتل والدة … سجن الأحداث … طفولة مشردة …
تعذيبه على أيدي وحوش بشرية جُردوا من الإنسانية
ثم نقله لسجن أخر بعد خروجه من الأحداث..
ورحلة كفاحه…
حُرم من الطعام والشراب، والملبس والدفء في أقصى الليالي بردًا، حُرم من نومة هنيئة ..
حُرم من الحب والدفء والحنان ومن جميع ملذات الحياة ..
لتكُن ثمار تلك الرحلة مرضه … فلم تُصيب العلة سوى قلبه ..
ترقرق الدمع بمحاجر عينيه وأبىَ الهطول لأجل كبرياء شامخ ..
بسط كفيه أمام عينيه، وقال بنبرة ضعيفة تقطر ألمًا: أنا مقتلتوش … أنا مقتلتوش ..
*******************
استيقظت الشمس من مخدعها، وأطل الصباح مُحمل بزخَّات من الألم الدامي والصمت الباكي …
فزعت من مقعدها على لسعة الشمس، التفتت من حولها وأدركت أن النوم هاجمها وهي تنتظره بجانب النافذة وعلى الأرجح لم يعود بعد …
تنهدت بألم ولا تدري كيف تُصلح ما أفسدته ..
تطلعت للساعة فوجدتها تُشير إلى السادسة صباحًا ..
إستقامت بألم من جلستها طوال الليل أعلى المقعد ..
عليها الذهاب للجامعة لجمع ما ينقصها ثم الذهاب للبحث عن عمل من أجل جلب طعام ليزيد ولها فقد وهنت وأصبحت لا تملك القدرة على السير ..
= توضئت على مهل وأدت فرضها بخشوع لتختمه بدعائها: يارب قويني وساعدني … يارب أنا مليش غيرك في الدنيا دي سامحني واغف عني ما مضى ومديني بالقوة علشان أقدر أقاوم وأواجه الحياة..
إنت عالم بالحال .. يارب إحفظلي يزيد إنت أعلى وأعلم يا الله ..
يارب سامحني على إللي قولته إمبارح له .. أنا عارفه إني جرحته وحكمت من غير ما أعرف حاجة ..
خفف عنه يارب العالمين واهديه واصلح حاله ..
مقدرش أقول ألا كدا ..
نهضت وشلحت عنها الرداء المخصص للصلاة ثم جذبت فستان رقيق ذا لون فُستقي يتناثر عليه نقوش بيضاء، قد أهدته لها “سلوى” بمناسبة إرتدائها الحجاب وقد قامت بحياكته لها خصيصًا..
إرتدت حجاب حريري يحمل نفس اللون للنقوش وأحكمته حولها بلفة بسيطة ..
حملت حقيبة الظهر الخاصة بها واستعدت للإنطلاق بعد أن تطمئنت على يزيد للنائم.
خرجت من الملحق قاصدة الذهاب لصفية أولًا حتى تكون بجانب يزيد إذا استيقظ..
وجدت “صفية” بالخارج ترتب المقاعد ..
إقتربت منها وهي تغتصب إبتسامة على شفتيها: صباح الخير يا صفية ..
لم تلتفت إليها “صفية” ورددت بنبرة جافة: صباح النور
_ تعجبت ” أسوة” من جفائها لكن لم تُعلق وتابعت قائلة برجاء: لو سمحتي يا صفية أنا عارفة إن بتعبك … أنا هروح الكليه أجيب شوية حاجات نقصاني … معلش خلي عينك على يزيد بس ..
هو نايم دلوقتي وأنا مش هغيب إن شاء الله..
_ أغمضت “صفية” أعينها وضغطت بشدة على الوسادة التي بيدها محاولة طرد مشهد أمس من مُخيلتها لكن لا تستطيع … فمشهد “أسوة” داخل أحضان “مؤمن” رب عملها وبهذا الوقت لا يُنسى ويُفهم منه الكثير..
أهي عشيقته … أم حبيبته … أم أنه والد الطفل يزيد.
فالعلاقه التي تجمعهم بعضهم ببعض ليست علاقة رب عمل بعاملة لديه… هناك أشياء غامضة تشعر بها بينهم..
ماذا تكون أسوة؟؟
أهي فتاة سيئة وتدعي البراءة ..؟!
أم أنها جيدة بالفعل ..؟!
وما العلاقة التي تربطها بـ “مؤمن الصياد” ليذهب إليها بمثل هذا الوقت ويجمعهم هذا المشهد الحميمي…
_ تعجبت “أسوة” عندما طال صمتها، لتُناديها بقلق: صفية … صفية ..
_ أفاقت من شرودها، ونظرت لها بحيرة وتخبُط: خلاص روحي إنتي وأنا معاه ..
_ ابتسمت لها “أسوة” بوِدْ: شكرًا يا صفية وأنا مش هغيب إن شاء الله ..
ثم ذهبت على الفور لتقلها السيارة التي خصصها لها مؤمن للذهاب إلى الجامعة ..
************************
أطل الصباح عليه وهو مازال جالسًا أسفل الشجرة بإنهماك وأعين شاخصة ..
مرت عدة ساعات أخرى ثم إستقام بعدما استعاد ثباته ورحل برأس شامخ وكأن شيء لم يحدث فهذه هي عادته ..
يتحامل ويتحامل… داخله يتئاكل وخارجة شامخ ..
وقف أمام أحد الكهوف المغطاه بأفرع الأشجار..
أزاح بعض الأفرع ليتبين الباب ..
بعد دقائق كان يقف أمام هذان المُلقيان أرضًا بحالة يُرثى لها … “محمد الخطيب” وزوجته “سهام”
_ رفع الخطيب رأسه بإنهماك وتعب بعدما شُلَّ نصفه الأسفل ..
تملكه الرعب حينما وقعت أنظاره على هذا المجهول والذي قام بإزلالة حتى الممات ..
وما يريده فقط … أن يعلم من هو ؟؟
_ ألقى سؤاله المكرر وهو يأمل أن يُجيبه تلك المرة: إنت مين .. نفسي أعرف إنت مين … وعايز مننا أيه ..
_ أخذ “مؤمن” يدور حوله وهو ينظر له بسخرية: معقول بعد ده كله ولسه معرفتش ..
إنحنى نحوه وهو يقول بغموض: إنت أكتر واحد عارفني يا محمد باشا … دا إحنا معرفة قديمة وعشرة عمر يا راجل
_ نظر الخطيب إليه بتعجب، وقال وهو يقاوم الألم: صدقني أنا معرفكش ولا عمري قابلتك ..
ممكن أكون قابلتك بس مش فاكرك ..
_ شَمَّر مؤمن عن ساعديه، وقال بمرح غامض: تؤ تؤ .. يبقى عيب عليا أنا … طب يلا بينا نفتكر سوا ..
لازم طبعًا أفكر محمد باشا بطريقتي ..
مات الأخر بجلده وهو لا يفقه ما يقوله… بينما مؤمن فشرع بضربة البداية ..
“حينما كان طفلًا يجلس بجانب جُثمان والده الغارق بدمائة.. ليأتي هذا المجرم بدون رحمه ويجذبه من عنقه ويسدد إليه صفعات قوية لا يتحملها طفل بعمره حتى أغشي عليه وهو يُكرر على مسامعه تلك الكلمات التي حفظها عن ظهر قلب …
يا قاتل … قتلت أبوك … في حد يقتل ابوه .. يا مجرم”
إنحنى إليه مؤمن وجذبه من ياقته وسط زعر الأخر ثم وبكل قوته إنهالت الصفعة الأولى على وجنته والتي دوى صدها بالأرجاء ليطيح الخطيب على إثرها أرضًا شاعرًا بالمهانة والذل وبعظام وجهه على وشك التحطم من صفعة واحدة ..
لينحني مؤمن مرة أخرى وهو يقول: متقلقش هتفتكر دلوقتي..
ثم هبط بكفه مرة أخرى على وجنته الأخرى بصفعة اقوى من سابقيها ..
إنفجرت الدماء من أنف وفم الخطيب ويكاد أن يُغشى عليه من الخوف محاولًا أخذ أنفاسه لكن لم يُدرك فقد إنهالت عليه الصفعة الثالثة فالرابعة حتى توقف عن العد …
وهو يقول: أنا القاتل … أنا إللي اقتل ابوه .. أنا المجرم .. فاكر ولا لسه ..
وتابع كلماته بصفعات أقوى وسط صدمة عدوة الذي أخذ يردد بإنهيار وصدمة: معقول … إنت .. مستحيل.. مؤمن الصياد……..
ثم سقط من يد مؤمن مغشى عليه وهو يتمنى ألا يستيقظ أبدًا .
فقد تحقق كابوسه الأكبر وحان وقت القصاص
ووقع بأيدي من لا يرحم ..
وكيف يرحم الليث المجروح…
***********************
أنهى عمله بنجاح واستطاع بمهارة القبض على بعض الهاربين من العدالة والذين تسببوا بشغب في الآونة الأخيرة ..
استلقى على فراشة بتعب وامسك هاتفة بتردد، يريد أن يُهاتفها لكن عقله يزجره فلا يريد أن يُمني قلبه بما هو بعيد المنال..
أخذ يتأمل سقف الغرفة بهدوء محاولًا إغلاق عينيه والنوم بضع ساعات قبل رحلة عودته..
……….
في حين ظلت “فراولة” تزرع المنزل ذهابًا وإيابًا بقلق ووجه شاحب ..
لا تعلم ماذا تفعل؟ … تتردد في مهاتفة ليث لكن هذا هو الخيار الأفضل وعليها تنفيذه ..
_ رفعت الهاتف وسارعت بمهاتفته، ليُجيب على الفور بلهفة: فراولة وحشني صوتك يا فراولتي .
_ تزعزع ثباتها، وقالت بتلجلج: ليث .. حبيبي إنت عامل أيه ..
_ جعد جبينه، وتسائل بقلق: مالك يا أمي في أيه صوتك ماله ..
_ صمتت قليلًا .. لا تعلم كيف تخبره ليحُثها على المواصلة بصوت مرتفع: في أيه يا أمي اتكلمي عالطول الله يخليكي..
جلست بتعب على أحد الأرائك وأعصابها انفلتت منها وهي تقول ببكاء: ليلى يا ليث من ساعة ما راحت الكلية إمبارح مرجعتش لغاية دلوقتي وموبايلها مقفول وأنا مش عارفه أعمل أيه ..
سقط قلبه صريعًا وقفز من الفراش برعب وقد جف حلقه قائلًا: إنتي بتقولي أيه يا أمي … مستحيل وإزاي كدا .. وليه مقولتيش من إمبارح …
يعني ليلى برا البيت ومنامتش في البيت ..
ظل يدور حوله بجنون ويكاد أن يقتلع خصلاته: ليه يا أمي متقوليش من إمبارح ..
أكيد حصلها حاجة .. دي معندهاش مكان تروحه ولا تعرف حد .. وأكيد مارحتش لمؤمن لأنها متعرفش مكانه وكان زمانه كلمني ..
وتابع بصراخ مجنون: ليلى اتخطفت وأنا نايم على وداني … مؤمن الصياد مش هيكفيه رقبتي وأنا مش هسامح نفسي..
ركض بجنون نحو سيارته وهو يسمع لبكاء والدته المنهارة: اقفلي يا أمي.. أنا جاي مسافة الطريق ..
ثم أغلق الهاتف وانطلق بسيارته بجنون وقلبه يكاد أن يتوقف عن الهدر ..
**********************
_ ولج للقصر ببرود ثم إلى غرفته تحت أنظار صفية المتعجبة من تهجمه وحالته المرزية وكأنه ليس العاشق الولهان الذي رأته ليلًا ..
نزع ملابسه ووقف أسفل الماء، وأخذ حمام دافيء مُجددًا نشاطه ..
بعد قليل أخذ يرتدي ثيابه المكونه من بنطال أسود اللون وقميص قطني يحمل ذات اللون ..
أغلق الأزرار وشَمر عن ساعديه ثم نثر عطره تاركًا خصلاته دون تصفيف ..
وقف بالشرفة المقابلة للملحق، وابتسم إبتسامة لا تدل على خير: استعدي بقى للي جاي .. وخلينا نلعب شوية علشان أعرفك قتال القتله بيعمل أيه ..
نزل لأسفل وجلس على رأس مائدة الإفطار تحت نظرات صفية المزدرئة والمستنكره وهي ترص الأطباق
وعقلها يكرر مشهد أمس
تُنكر تلك العلاقات المشبوهه لاسيما أن مؤمن دائمًا كان الرجل الرزين الهاديء ولم تسمع لمرة واحدة عن علاقة مثل هذه بينه وبين إمرأة
لكن الآن تنفر من النظر إليه أو التواجد معه تحت سقف واحد …
كيف يفعلون هذا ؟! .. ألا يخافون الله ..!!
_ كانت على وشك الرحيل لكن أوقفها صوته الجهوري يأمرها بالإنتظار: إستني .
_ إلتفتت إليه بتسائل: أمرك يا مؤمن باشا
_ قال بنبرة قوية بثت بروحها الرعب: النظرة إللي شفتها دلوقتي وإللي اتوجهت ليا أنا بمعنى اوضح لو شوفتها تاني هخلع عنيكي..
دا أولًا … ثانيًا مش عايزك تنسي إللي حصل زمان علشان أنا مش ناسيه ..
وإللي بيني وبينها ميخصكيش، وعينك متترفعش عليها لأن ساعتها مش هرحمك ..
ويلا غوري من قدامي ..
خرجت مسرعة وقدمها لا تحملها من شدة خوفها..
بينما هو فشرع بتناول إفطاره ببرود حاد ..
= صباح الخير يا غالي على قلبي وإللي بيفطر من غيري ..
_ ابتسم بهدوء قائلًا: صباح النور ياسمينا … تعالي ..
_ جلست على يساره، وقالت بمرح: المعلم رامز بيسلم عليك لسه قافل معايا كان بيصبح عليا..
_ الله يسلمه..
_ نظرت له وقالت بإهتمام: متعرفش بيحبك قد أيه يا مؤمن ومبيقبلش حد يقول عليك ألا ابنه ..
_ أجابها بصدق: وهو غالي على قلبي يا ياسمينا.. كفاية الجميل بتاعه إللي هفضل شايله على كتفي العمر كله..
_ ياسمينا: دا ولا حاجة جمب إللي عمو قاسم الله يرحمه وخالتو جميله ربنا يردها عملوه زمان يا مؤمن
دا لولا هما كان زماني مش موجودة معاك دلوقتي ..
_ دا عمل إنساني، لو أي حد مكانهم كان عمل نفس إللي عملوه..
_ قالت وقد ترقرت الدموع بمقلتيها البنية الجميلة: بابا دايمًا بيحكيلي الحكاية دي لغاية ما اتحفرت في عقلي
بعد الحادثه إللي حصلت مع بابا وماما الله يرحمها وإللي كانت حامل فيا ..
لولا عمو قاسم إللي أنقذ بابا وانقذني بعد ما اتولدت بس للأسف ماما ماتت وهي بتولدني
وفضلت طنط جميله تعتني بيا وإتقاسمت معاك في الرضاعة لغاية ما بابا قام بالسلامة..
وقد أيه الحياة بتدينا حاجات جميلة، يعني لولا الكارثه دي مكانش عندي أخ جدع زيك وسند ليا، وابن لبابا ..
ثم تابعت حديثها: بعد ما انقطعت أخباركم عند بابا .. دور عليكم كتير بس كان من غير فايدة ..
وبعد كدا قابلناك بعد الفترة العصيبة إللي إنت مريت بيها .
_ غمغم بشرود: لولا المعلم رامز في الوقت ده بالذات كان زماني غرقان يا ياسمينا ..
ساعتها كنت خارج من سجن وقدامي لسه جامعه نفسي أدخلها واحقق حاجة، وإيد المعلم رامز هي كانت طوق نجاتي وكمان الشخص الخفي إللي كان بيساعدني من غير ما أحس وسهل عليا كتير .. وإللي لغاية دلوقتي معرفوش ..
_ نظرت له بحزن وربتت على يده بحنان أخوي: دا ماضي وبقى في الماضي وإن شاء الله ربنا يريح قلبك وتقدر تجتمع مع أحبابك تاني ..
ثم تابعت بمكر: بس مكونتش أعرف إنك كدا يا باشا … مش ترسي أختك بردوه بدل ما تسيبها على عماله تخبط في الحلل ..
_ زوى ما بين حاجبيه بتعجب وتسائل: قصدك أيه؟؟
_ غمزت له بإحدى عينيها: ظلمت البنوته إللي اسمها أسوة … مكونتش أعرف إن الحبيب المجهول وأبو الطفل هو اخويا البطل . ..
شكلكم بتحبوا بعض أووي ومع بعض من زمان ..
طب ليه مخبين حاجة زي دي ..
_ جبتي الكلام ده منين يا ياسمينا
_ لكزته بكتفه وقالت بمرح: أبدًا يا قلب ياسمينا شوفتك وإنت غرقان بين أحضانها إمبارح بس ..
_ رفع إحدى حاجبيه بتعجب وقال: ودا السبب في إستنتاجك العظيم ده ..
_ رفعت أنفها بتعالِ وقالت مشيره لرأسها: أمال يا ابني .. دي عبقرية فذه..
_ قال وهو يستقيم: طب الكلام ده بيني وبينك محدش يعرف بيه .. مفهوم يا ياسمينا ..
_ ياسمينا: عيب يا باشا سرك في بير مش أول مره… أمال إنت رايح على فين كدا ..
_ قال بسخرية وهو يتجه للخارج: رايح أصبح على ابني … كملي فطارك ..
ابتسمت بسعادة ظنًا منها أنه بدأ بنسيان الماضي ويبني حياة جديدة مع ما وقع قلبه لها ..
“”ياسمينا رامز،،،، تبلغ من العمر واحد وثلاثون عامًا شقيقة مؤمن من الرضاعة وتعلم عن مؤمن الكثير
يربطهم ماضي أليم وحاضر مشرق ..
تعيش مع والدها بخارج البلاد بعد مرورها بأزمة نفسية إثر زواج فاشل ..
درست هندسة الميكانيكا ..
تحب مؤمن حبًا جمًا، ويُمثل لها الشقيق والصديق والسند بعد والدها ..””
وسنتعرف على قصة “ياسمينا” البسيطة من خلال الأحداث ..
بمنتصف اليوم كانت “أسوة” قد إنتهت مما تريد ..
ذهبت للجامعة لساعة واحدة وجمعت ما ينقصها، وقد بحثت كثيرًا عن صديقتها “ليلى” لكن لم تجدها ..
تفاجىء الجميع برجعتها بعدما شاع خبر موتها وعللت للجميع سبب إختفائها بأنها مرضت بعض الشيء وطمئنتهم بأن كل شيء أصبح بخير..
خرجت بعد ذلك للعمل عدة ساعات في أحد مخازن الموارد الكبيره المتطلبة عاملات بدوام جزئي ..
وحصلت على ورقة من فئة المائتي جنيهًا كـ أجر ..
ذهبت للسوق وتبضعت بعض الخضروات والحليب من أجل يزيد وأشياء أخرى تصلح للطعام..
ثم عادت أمام الجامعة مرة أخرى منتظرة السيارة الخاصة والتي ستقلها للقصر مرة أخرى ..
قبل هذا بوقت ..
خرج “مؤمن” لحديقة القصر قاصدًا الذهاب ليزيد الذي يجلس وحيدًا أمام الملحق منشغل بأحد الألعاب ..
فور أن رأه “يزيد” ركض إليه بسعادة: عمو مؤمن ..
_ أخذه “مؤمن” من يده وجلس على أحد المقاعد المصنوعه من الخيزُران: إزيك يا بطل .. قاعد لوحدك كدا ليه .. مش بتدخل القصر تلعب وتقعد جوا ..
_ أخفض الطفل رأسه بحزن وقال: هو سر ..
_ داعب مؤمن خصلاته وقال بفضول: ومش هتقولي عليه ..
_ يزيد بحماس: هقولك ..
واقترب منه جالسًا على أقدامه: أنا مش بدخل هنا علشان اتفقت مع ماما أسوة مش هدخل ولا ألعب هناك لأن ده مش بيتنا ومينفعش ندخل بيوت حد .. ودا إللي بيتنا بس … لأن ماما بتشتغل هنا وبس ..
_ كظم “مؤمن” غيظه منها ومن غبائها، فهي تجلس هنا دون طعام وشراب وكأنها بأحد السجون لتجعل نفسها الضحية ..
_ هتف “يزيد” بسعادة وبراءة: تعرف يا عمو لما ماما تيجي هنروح فرح خالتو سارة … أنا فرحان أوووي أول مره هشوف فرح … تعال إنت كمان معانا يا عمو ..
أماء رأسه بشرود، ولم يلحظ أسوة المُقبله عليهم وقد إنفرجت أساريرها عندما رأته جالس مع “يزيد” وستستطيع الإعتذار منه ..
لكن شعور القلق استولى عليها وهى تراه بهذا الهدوء الذي يُثير الريبه … تلك ردة الفعل لم تنتظرها ..
_ صرخ “يزيد” بحماس عندما رأها وركض نحوها: ماما أسوة…
احتضنته بحب وقبلت رأسه..
بينما “مؤمن” فلم يلتفت ولم يُعيرها إهتمام ..
وقفت أمامه وهي تفرق يدها بتوتر وعينيها تنزلقان ببطء على ملامح وجهه عَلها تعلم ما يُفكر به … لكن هيهات ..
_قالت بتلعثم: أنا أسفه، مكونتش أقصد أقولك كدا .. الكلمة إللي إنت قولتها وجعتني ومحسيتش بنفسي ألا وأنا بقول كدا ..
إنتظرت ردة فعله، لكن ظل جامدًا لم ينبس ببنت شفه ..
تذكرت حالته أمس والتي سببها كلماتها المؤلمه
أنشطر قلبها من الألم المرتسم على ملامح وجهه والذي فشل في إخفائه خلف قناع البرود لكن قد استطاعت رؤية هذا الألم المتوارى ..
ساقها قلبها دون وعي حتى جلست بجانبه تمامًا ثم إنحنت نحوه وقبلت رأسه بحنان كطفل صغير .. أغمضت عينها بتأثر حينما غزت رائحته أنفها لتجعل قلبها يهدر بعنف وهي تتأمل ملامحه القريبة منها ..
تلك الفِعلة حطمت أسوار واهية، وفجرت مشاعر مكنونة لم يَحِن وقت نموها ..
= همست إليه بوهن: أنا أسفه…سامحني لو كنت وجعتك بس إنت كمان وجعتني جامد..
إستقامت ورحلت مسرعة لداخل الملحق …
استندت خلف الباب وهي تتنفس بسرعة واضعة يدها على قلبها الذي أصبحت تسمع دقاته العالية وكأن الطبول قد إتخذته موطنًا ..
تخضبت وجنتيها وأغمضت عينيها بخجل غير مصدقة ما فعلت ..
همست من بين أنفاسها: أنا عملت كدا إزاي … معرفش في حاجة غريبة جوايا بتشدني ليه ..
حسيته قدامي طفل صغير شبه يزيد ..
تابعت بقلق: بس ردة فعله غريبة .. لا كسَّر ولا زعق ولا غضب .. استر يارب أكيد بيجهزلي في مصيبة جديدة
بس على مين بقيت أعرف نقطة ضعفه خلاص ..
خلينا نلعب سوا يا مؤمن باشا ..
_ بدلت ملابسها وتوضئت وأدت فرضها ..
وشرعت بتجهيز طعام لها وليزيد حتى تذهب لسارة باكرًا لتساندها ولا تتركها وحيدة ..
= في حين كان يجلس وكأن على رأسه الطير من قُبلتها البسيطة…تلك القُبلة أشعرته بحنان يتدفق منها كـ حنان أم على ولدها … وقد أرضت بالفعل الطفل الذي بداخله ..
حنان أموي حُرم منه ويتحرق شوقًا لتذوقه .. لكن ماذا يفعل بجروحه الدامية ..
استقام ودخل للقصر بمشاعر مُتخبطة لا يستيطع تميزيها سوى بأنها الحنين إلى العطف والحنان ..
_ هتف بصوت مرتفع غاضب: سلوى .. يا سلوى
أتت سلوى مسرعة تتبعها صفية وعزة بقلق: أمرك يا مؤمن باشا..
_ وجه حديثة لسلوى بغضب: هو انتوا شغلتكم ايه هنا ..لما تسيبوا الدكتورة وابنها يومين كاملين من غير اكل وشرب.. وهي معاها طفل وأكيد مش هتدخل تقولكم أكلوني ..
راقبت “صفية” تصرفاته بدقة وحذر كي لا ينتبه إليها، وقد تيقنت من شكوكها … هذان الإثنان يجري بينهم شيئًا ما ..!!
_ شعرت “سلوى” بالغضب من ذاتها، فكيف ذهب هذا عن عقلها، قالت بندم: أنا أسفه يا مؤمن باشا غلطة ومش هتتكرر … الغلط عندي ..
_ صرخ بغضب جام: وأنا مش بسمح للغلط يتكرر … ويلا من قدامي ..
= بينما “أسوة” فوقفت بحيرة أمام الخِزانة الصغيرة الخاصة بالملابس وظلت تُفنط ملابسها القليلة وتبحث بينهم عن شيء يصلح لحضورة مناسبة كهذه..
وقع إختيارها على تنورة واسعة ذات لون أبيض منقوطة بنقاط كشميريه وكِنزة جلدية ذات لون كشميري ..
وأكملت طلتها بحجاب من الشيفون الأبيض ..
جذبت هذا الصندوق الذي يقبع أسفل الخِزانه وأبعدت غطائة لتُخرج هذا الحذاء الأرضي ذو اللون الأبيض والتي تحتفظ به من أجل الأزمات كتلك ..
_ ابتسمت ليزيد الذي يكاد أن يُرفرف من فرط سعادته: يلا بينا يا زيدو ..
امسك كفها وقال بحماس: يلا يا ماما..
خرجت من الملحق لترى السيارة تنتظرها لتوصلها لمنزل صالح ..
أجلست يزيد أولًا وجلست بجانبة لتنتطلق السيارة غير مدركة إلى أين تذهب بقدميها وبمحض إرادتها ..
***********************
_ توضئت ثم إرتدت الرداء الخاص بالصلاة ووقفت بين يدي باريها تستخيره بخشوع ..
أدت ركتي الإستخاره وختمت بدعائها ..
“اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الزواج خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره ويسره لي ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الزواج شرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فإصرفني عنه وأصرفه عني وأقدر لي الخير حيث كنت ثم أرضني به”
= ولجت “سميرة” للغرفة بفرحة ظاهرة: سارة .. سارة بتاعت الميكب أرتست وصلت .. ويلا إنتي لسه ملبستيش الفستان ..
_ ابتسمت “سارة” وقالت بتوتر: أنا كنت لسه بتدرب على لبس الكعب ولسه مش قادره أضبط مشيتي فيه ..
ومستنيا أسوة مش عارفه هي اتأخرت كدا ليه..
_ ربتت “سميرة” على ظهرها بحنان: ليه القلق ده يا سوسو الموضوع أبسط من كدا … وإنتي ادربتي كتير وبقيتي تمشي في الشوز كويس ..
قومي كدا مشي رجلك فيه..
وضعت قدميها بالحذاء ذو الكعب المرتفع، وأخذت سميرة تدعمها لتستقيم به وهي تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا ..
= في حين توقفت السيارة بداخل فيلا صالح، وترجلت أسوة بصحبة يزيد …
أخذت تتأمل المكان سُرعان ما كانت على وشك أن يُغشى عليها من الصدمة حينما التقطت عيناها الأسم المدون على لوح رخامي يُشير لمالك المنزل ..
إرتعشت قدميها وتملكها الزعر والصدمه فبأقصى كابوسها لا يُتصور لها أن يحملها القدر إلى هنا ..
_ تمسكت بِـ يزيد بقوة وأخذت تُحيطه بذراعيها وقد حسمت أمرها … سترحل ..
استدارت لترحل وتركض خارجًا لكن تيبست حينما سمعت
من يُناديها من خلفها ..
_ آنسه أسوة ..
استدارت مرة أخرى بتوتر وهي تشاهد “صالح” زوج صديقتها ..
_ عقد حاجبيه بتعجب، وقال مُرحبًا: أهلًا بيكِ … إنتي راجعه على فين … إتفضلي على فوق سارة منتظراكي على أحر من الجمر..
حقًا مأزق وعليها تفاديه، أجابته بنبرة مستسلمة: أهلًا بحضرتك… أنا كنت بس مش عارفه أروح على فين ..
اصطحبها صالح للداخل لتسير خلفه بخوف وقلة حيلة، وقلبها ينتفض برعب جلي وقد شحب وجهها ..
_ مدام ثناء وصلي آنسة أسوة لـ سارة هانم ..
أشارت إليها ثناء بإحترام لتسير معها وهي تدعوا الله بداخلها أن تمر تلك الليلة بسلام .
ولم يفارق يدها يزيد بل تمسكت به بقوة وكأنها تحميه من خطر واقع ..
_ ولجت لغرفة “سارة” بعد الطرق على بابها، وحاولت رسم إبتسامة على ثغرها وتجاهل خوفها وتوترها ..
أسرعت إليها سارة التي من الواضح كانت تتدرب على السير بالحذاء المرتفع..
احتضنتها أسوة بمحبة قائلة: مبارك يا سوو .. ربنا يسعدك يا حبيبتي ..
_ هتفت سارة بعتاب: غيبتي ليه كدا يا ويسي دا أنا قولت هتيجي من الصبح..
_ أسوة: معلش يا سارة روحت الكلية وعلى ما ظبط أموري وجيت عالطول…
_ سارة: ولا يهمك إحنا لسه ما بدأناش.. تعالي أعرفكم بقى ..
أشارت لسميرة قائلة: دي يا ستي دادة سميرة أحن حد تشوفيه .. ودي أسوة يا داده صاحبتي من الطفولة ..
_ قالت أسوة بود: أهلًا بحضرتك يا طنط ..
احتضنتها سميرة بحنان: أهلًا بيكِ يا غاليه … نورتي والله..
= أخذت أسوة تساعد سارة بإرتداء الفستان، وبدأت خبيرة الميكب أرتست تضع لمسات بسيطة من الزينة على وجهها..
_ قالت المرأة وتُدعى نسرين: ما شاء الله عليكي إنتي مش محتاجة ميكب أصلًا… أنا بصراحة مقدرتش أحط ألا لمسات بسيطة جدًا علشان مغطيش على ملامح البراءة إللي على ملامحك..
_ ابتسمت أسوة وقالت بصدق: فعلًا دا بيميز سارة … البراءة والطفولة إللي على ملامحها مخليها أجمل البنات ..
ابتسمت سارة بسعادة وهي تنظر لوجهها في المرأة بفرحة طفولية: مفيش أحلى منك يا ويسي ..
ثم تابعت بحماس وهي تنظر لأسوة: أيه رأيك يا أسوة مدام نسرين تجرب الميكب عليكي … إنتي عمرك ما حطتي ..
_ هزت أسوة رأسها سلبًا بقوة: لا لا يا سارة مش بحب البتاع ده ..
_ جذبتها سارة وقالت برجاء: نجرب بس وإحنا هنا بنات مع بعض وابقي امسحيه عالطول..
شاركتها نسرين القول: تعالي يا قمر وإحنا بنات مع بعض … هجرب عليكي حاجة معينه كدا .. هتليق عليكي الغوامق جدًا ..
بعد إصرارهم وإلحاحهم وافقت أسوة على مضض وتركت نفسها لهم
لتضع الخبيرة لمساتها على وجهها بعناية تحت حنق أسوة واستنكرها..
= يلا إفتحي عيونك كدا ..
نظرت في المرآه لوجهها .. لتندهش مما رأته فتلك المستحضرات لها مفعول سحري .. لكن بالنسبة لها لا يوجد أجمل من الطبيعة..
= ما شاء الله الكحل على عيونك جميل بسبب لونهم المميز… لون عينك فريد جدًا يا أسوة ..
شكرتها أسوة بخفوت وخجل ..
بينما وقفت سارة تلتف حول نفسها بفرحة وهي تتأمل فستانها الأكثر من رائع، يضيق من الخصر وينزل بإتساع ذا تنورة واسعة والمزركش بللآلىء كثيرة منتشرة بكافة أنحائه..
حجابها الرقيق الذي يحمل نفس اللون ..
ظلت تُحرك قدميها بفرحة طفلة بملابس العيد وهي تتأمل الحذاء المرتفع ذا لون من درجات لون الفستان ..
_ إلتفتت أسوة من حولها بزعر باحثة عن يزيد الذي كان يجلس على الفراش ..
قفزت برعب عندما لم تجده وقالت برعب: فين يزيد
_ أجابتها سارة بهدوء وهي تتأكد من عدم وجودة بالغرفة غير مدركة للخوف الذي ينهش بداخل الأخيرة: تلاقيه خرج بيلعب برا ولا حاجة ..
ركضت أسوة للخارج بلهفة تبحث عنه بكافة الأرجاء بجنون .
وأثناء ركضها أصتدمت بجسد صلب إرتدت على إثره للخلف ..
رفعت رأسها لتُقابل محيط عينيه ..
جذبها للأمام كي لا تسقط ويتعجب من حالتها وزعرها البادي عليها وهي تلتفت بالأرجاء بجنون ..
= في أيه، بتجري كدا ليه ..
اقتربت منه ممسكة ذراعه برجاء وقد هطلت دموعها بإنهيار وضعف: يزيد فين .. مش لقياه، كان جامبي جوا وبعدين ملقتهوش .. هو فين … مين أخده … أنا مقدرش أعيش من غيره … متخلهومش ياخدوه مني ..
_ صمت برهه وهو ينظر لها بريبة، وأيقن أنها تُخبىء شيء خطير سيعلمه حتمًا ..
قال مُهدئًا إياها وهو يمسح على ذراعها برفق: إهدي .. يزيد مع صالح ماسك فيه علشان يطلع معاه وهو بيجيب صاحبتك ..
وضعت يدها على قلبها وتنفست براحة: الحمد لله، أنا قلقت لما ملقتهوش وأنا معرفش حد هنا فخوفت..
نظر لها مُدققًا النظر بتمعن لتحتد عينيه بغضب وقبض على ذراعيها بعنف، وقال من بين أسنانه: أيه إللي حطاه في وشك ده ..
_ رفعت كفيها تتحسس وجهها المطلي بمستحضرات التجميل، وهي تنهر نفسها لخروجها بهذا الشكل ..
فلهفتها على يزيد قد أنستها ولم تشعر بشيء سوى الركض والبحث عنه ..
قالت بتلعثم مبررة له: أصل أناااا…
قاطعها بعنف قائلًا: تقصدي أيه بكدا .. عايزة تخرجي وسط الناس بالمنظر ده علشان تجذبي معجبين
البتاع إللي إنتي حطاه ده يتمسح بدل وربي ما أمسحه أنا وأقطع وشك في إيدي
وتابع بقسوة: البتاع ده ميحطهوش ألا الناس الناقصة وأنا عارف إنك منهم ..
نفضت يده بغضب، وقالت بحده: أولًا إنت ملكش حكم عليا بقولها للمرة العاشرة ..
وثانيًا أنا مش ناقصة .. إنت إللي عندك عُقد نقص
وأنا مبحبش الحاجات دي ولا بحطها بس البنات جوا أصروا إن يحطولي ويجربوا وكنت همسحه قبل ما أنزل بس لما لقيت يزيد مش موجود محسيتش بنفسي وخرجت أدور عليه …
واختار كلامك بعد كدا قبل ما تقوله لأن مش هسكتلك..
ثم تركته وذهبت وهو ينظر لأثرها بغضب ..
…………………….
وقفت بوسط الغرفة بخجل، نظرت لأسوة وقالت بتوتر: أسوة … البنات قالولي على فقرات الحفلة وفيها راقصة سلو وأنا خايفة قوي لأن مش بعرف مع أن البنات دربوني عليها … بس حاسة أن هفضح الدنيا
أول مرة أكون وسط ناس زي دي ومحط أنظار الجميع..
_ أمسكت أسوة يدها برفق وهتفت بهدوء: إنسي كل الناس يا سارة وخلي عينك في عيون حبيبك..
ومهما كان إللي حوليكي اتصرفي بطبيعتك
عايزة أقولك إن طول ما إنتي على طبيعتك مش هتغلطي صدقيني ..
هيبدأ الغلط أول ما تصطنعي حاجة إنتي مش عليها ..فهماني ..
_ أومأت برأسها وقالت: أنا اخترت أغنية ملاك علشان أنا مليش في الكلام التاني ده ..
وقفت أسوة مشدوهه للحظات، فاللمرة الثانية على التوالي تخترق أذنها كلمة “ملاك” بعد أن نادها ملاك بدلًا من أسوة، تشعر وكأنها أصبحت تبغض هذا الأسم بشدة . .
= بصراحة معرفهاش ..
_ سارة بحماس: هتعجبك قوي، كلماتها جميلة ..
إنطلقت زغروطه من سميرة فور دخول صالح بصحبة يزيد الذي يرفرف من فرط سعادته ويعيش الأجواء بإتقان ولهفة .
= وقف أمامها “صالح” مشدوه بجمالها ورقتها وبرائتها التي تَضُج من قسماتها السعيدة ..
رفع كفها وقبله برقة … ثم طبع قبلة رقيقة على جبينها جعلت قلبها يهدر بقوة ..
: مبروك عليا إنتي يا سروري وفرحتي وعوضي عن الأيام ..
أخفضت رأسها بخجل ليصفق جميع من في الغرفة بحماس ..
تأبطت ذراعه وأخذها حيث موقع الحفل متألقة بفستانها الذي يتلألىء كـ كوكبٌ دُري وحجابها الرائع، ويألق هو بحِلته الرمادية الفخمة ..
سارت خلفهم كلًا من أسوة المُمسكة بيزيد بشكل مريب وسميرة وسعادتها لا توصف .. وقد غمرت أعينها بالدموع فـ سارة بمثابة إبنتها وتمنت كثيرًا أن تهدأ أمورهم ويتم كشف الحقيقة لتعيش بسلام ..
= جلست أسوة على أحد المقاعد تحت أنظار مؤمن الذي لم يحِدها عنها منذ هبوطها الدرج ..
تقابلت نظراتهم من البعيد لتُبعد عينيها عنه بغضب تُخفي به خجلها من نظراته ..
بعد قليل وقف كلًا من صالح وسارة في وسط الجزء المخصص للرقص لتأدية رقصتهم الأولى..
في ظل توتر سارة من هذا الجمع فالبرغم من صغر الحفل وإقتصارة على أعداد محدودة إلا أنه كفيل بتوترها ..
صدعت كلمات المقطوعة ليضع صالح كفه على خصرها ويُمسك بحب بالكف الأخر كفها المتجمد وتضع بدورها يدها الأخرى على كتفه ..
إقترب من أذنها وهمس: متقلقيش يا حبيبتي وانسى كل إللي حولينا وركزي معايا ..
تعلقت نظراتهم بحب وبدئوا بالتمايل على كلمات المقطوعة التي وقعت إختيارها عليها..
يا للي كنتي في بالي
دايمًا أنا بدعي ليكي
يا للي كنتي في خيالي
إنتي نصيبي مكتوب
بسأل ربي في صلاتي
إنه يعطرني فيكي
وربي عالم بحالي
جمع فرح قلوب
والليله جينا بالفرحة
وعروسة في أحلى طرحة
نورها يملى المكان
ضحكتها فيها أخلاق ودين
مقدرش أوصف أدبها
ولا جمالها في حجابها
اه ملاك لا مش إنسان
تعويض يا ناس صبر السنين ..
= ظلت أسوة شاردة في الكلمات وعند ذكر ملاك إلتفتت لتنظر له فوجدته يُحدق بها بطريقة غريبة وتلاقت أعينهما سويًا ..
تشعر بأن عيناه تحتضنها، لم تستطيع الحياد بنظراتها وهو كذلك وفقًا لقانون الجاذبية السابع الذي غفل عنه نيوتن ألا وهو جاذبية الأعين الدُخانية ..
ليُكمل المقطع ..
حالف على نفسي إني
شايل أنا قلبي ليكي
مفتاحه يكون معاكي
إنتي لقلبي النور
طالب منك يا عمري
إنك تاخدي بإيدي
للجنة أروح معاكي
نتهنى يا أحلى حور …
_ أفاقت من وخمتها على تصفيق حار من الحضور، ولم يكن أكثر الحاضرين تصفيق سوى “يزيد” الذي لم يتوانى عن التصفيق بشدة ..
ابتسمت براحة وهي ترى سعادة صديقتها الغارقة بصالح والغارق بها لتحمد الله بداخلها ويتطمئن قلبها بوجود سارة أخيرًا بمأمن .. لكن عليها تحذيرها من خطر ما يُحيط بها .. هذا المنزل مُصاب بلعنة لا يخرج منه أحد على ما يُرام قبل أن تنهدم حياته ..
حدثها لسان حالها: متكبريش الموضوع يا أسوة دا ماضي يمكن كل حاجة إتغيرت وهي شكلها مبسوط وهو كمان شكله بيحبها … يمكن قلقي دا على الفاضي ربنا يستر عليكي يا سارة ويبعد عنك شر النفوس ..
بينما بوسط مجتمعها المخملي تقف متألقة بفستان نبيذي عاري الكتفين وتستشيط غضبًا وهي تقسم بأغلظ الأيمان أن تجعل هذا اليوم لا يُنسى
= قالت بنبرة مُضمرة بالشر وهي تراقبهم: افرح واضحك يا صالح باشا أنت والسنيورة بتاعتك ..
أضحك وافرح شوية من نفسك قبل ما أهد المعبد على دماغكم ..
بنت الشوارع إللي متربية على الأرصفة واقفة زي الهوانم … صبرك بس،، مكونش بسمة لو ما نيمتك الليلة دي مقهوره يا بنت الشوارع ..
_ اقتربت “أسوة” بصحبة يزيد الذي يجذب يدها بشدة مقتربين من سارة وصالح حينما أوشك على إلباسها بعض المجوهرات
= يلا بسرعة يا ماما علشان نتفرج مش كفاية رفضيتي أرقص معاكي زي ما عمو صالح رقص مع خالتو سارة
أسوة وهي تجاري خطواته بتعثر: براحة يا زيدو .. وبعدين اتكسف أرقص معاك وسط كل الناس دي .. اوعدك لما نروح نرقص سوا
مر بين الجموع ووقف ملتصقًا بصالح الذي قبله بحب… ليستند عليه يزيد وهو يشاهد عن قرب ..
نجحت أسوة في اللحاق به وجذبه إليها وهي تعتذر: أسفه يا باشمهندس بس يزيد متحمس شويتين..
_ ابتسم صالح وجذب يزيد برفق ليُقربه إليه مرة أخرى: سبيه يا دكتورة دا أنا حتى حبيته جدًا وبقينا أصحاب خلاص … صح يا زيدو
أماء برأسه بحماس وهو يبتسم بفرحة طفولية..
= حدث شيء لم تشعر به أسوة من الأساس عندما جذب صالح يزيد اصتدمت يده بيدها عن طريق الخطأ لم يلحظ صالح وهكذا أسوة…
لكن كيف تغفل أعين الصقر عن هذا ..
اشتدت قبضته بعنف وهو يتوعها بالكثير..
_ وضع صالح لسارة حلقتها الذهبية وتبعه بحلقة أخرى من السوليتير ذات الماسة بيضاء..
ثم تابع في إلباسها باقي المجوهرات الثمينة ..
وقامت بدورها بوضع حلقة من البلاتين ببنصره
واستمر الإحتفال على هذا النحو ..
بعد مرور بعض الوقت ..
استقام مؤمن من مقعدة واقترب من صالح ..
_ والله مش مصدق لغاية دلوقتي إن مؤمن باشا الصياد بذات نفسه حضر الحفلة حتى لو ما قامش من على الكرسي …
دا أنا محظوظ حظ حتى بدعي ربنا يعديها على خير ..
_ نظر له بتحذير ليهتف صالح بغيظ: خلاص سكتنا ..
_ قال مؤمن بهدوء ورزانة: أظن كدا كفاية أقدر أمشي أنا .. بس كنت عايزك تحذر من حاجة مش واخد بالك منها …
احذر يا صالح لأن حوليك شوك كتير وحاول تفتح مخك وتبدأ تتخلص منه قبل ما تبدأ حياتك علشان متنتهيش قبل ما تبدأ …
_ نظر له صالح بتعجب وتسائل بحيرة: قصدك أيه يا مؤمن مش فاهم كلامك ..
_ مؤمن بغموض: لازم تفهم لواحدك ..
ثم تركه في محيط تعجبه غير قادر على فك طلاسم كلماته..
_ نظر لتلك الواقفه بجانب صديقتها واقترب منها ممسكًا بكف يزيد … وقال: يلا
_ إلتفتت حولها بتوتر وقالت بإعتراض: مفيش مشكله هنرجع زي …
_ قاطعها بصرامة: قولت يلا قدامي ..
_ غمغمت بقلة حيلة وغيظ: حاضر حاضر هسلم على سارة بس ..
= احتضنت سارة بقوة وقالت: الف مبروك يا سوو .. ربنا يفرح قلبك دايمًا يا حبيبتي ويسعد أيامك ..
_سارة: الله يبارك فيكي يا ويسي وعقبالك يارب لما أشوفك كدا مع إللي بتتمنيه
_ تنحنحت أسوة وقالت: على فكرا يا سارة أنا نسيت صفية خالص .. مش عارفه إزاي راحت عن بالي
يزيد سرعني وكل شوية يلا يلا وخلاني أنساها .. يارب ما تزعل مني ..
_ سارة بتفهم: ولا يهمك يا ويسي صفيه شكلها طيوبه وهتتفهم ..
_ أسوة: إن شاء الله.. أنا همشي أنا بقى.. سلام يا سوو
_ سلام يا ويسي ..
ثم تركتها وذهبت لهذا المتعجرف الذي ينتظرها ..
أشار لها بيده وقال بسخريه: يلا يا ويسي ..
ذهبت أمامه وهي تتمتم بعدم تصديق: مش معقول كان بيتصنت علينا .. قليل الذوق وبجح فعلًا ..
_ جلست بجانبه وجلس يزيد بالخلف ..
لينطلق بسيارته يشق هدوء الليل وظل الصمت يغلف الأرجاء حتى قطعه يزيد بقوله: كان فرح حلو أووي يا ماما … مش هيتعملك إنتي كمان فرح يا ماما أسوة ..
_ سعلت بصدمة من كلمات طفلها وقالت وهي تنظر بغيظ لـ مؤمن الذي يبتسم بسماجة وسخرية: إتعملي مرة قبل كدا يا حبيبي ..
اشتدت قبضته على المقود حتى إبيضت مفاصله ولم ينبس ببنت شفه ويُضيف خطئها هذا على جِملة أخطائها حتى يكون العقاب جامعًا ..
_ هتف يزبد مرة أخرى بحماس: هترقصي معايا لما نروح زي ما قولتلي … صح يا ماما ..
_ غمغمت بتوتر: إن شاء الله يا زيدو..
ابتسم مؤمن بمكر وهو يقرر قلب السحر على الساحر..
**************************
_ بعد إنتهاء الحفل وانصراف الضيوف جلست بعض الوقت بصحبة سميرة يتسامرون قليلًا ..
ثم صعدت لتُلبي نداء “بسمة” التي أخبرتها بأنها تريدها بغرفتها ..
كانت على وشك الولوج للغرفة لكن توقفت بصدمة وهي تستمع لما يُقال بالداخل ..
= أنا مش بنكر يا أمي ولا قولتلك أنا اتراجعت .. أنا من الأول مثلت عليها الحب وخليتها تغرق فيا وتحبني زي ما اتفقت معاكي إن اخدعها … وبعد كدا أكسرها علشان تقع ما تقومش تاني .. بس ..
قاطعته “بسمة” ببكاء كاذب وهي تلمح ظلها خارح الغرفة: أنا عارفه يا صالح إن قلبك لسه محروق على اخوك ومش قادر تنسى إللي حصل وقلبك مليان إنتقام ..
_ وضعت سارة يديها على فمها بصدمه ولا تصدق ما سمعته ..
أجميع هذا كان مجرد خدعة …؟؟
كل ما حدث كان لعبة منه ..!!!
يريد كسرها والإنتقام منها مرة أخرى على ذنب لم ترتكبه..!؟
ظلت تحرك رأسها بهستريه وعقلها يُملي عليها الحل الأمثل لهذا … الهروب ..
وقفت على الدرج وتخلصت من حذائها ولم تنتظر ..
رفعت زيل فستانها وأطلقت لقدميها العنان ..
خرجت من الفيلا ثم للحديقة الخارجية ..
لتصتدم بأخر شخص كانت تتوقعه..
= في حين قال صالح مُكملًا حديثة الذي ظل ناقصًا: دا كان الأول يا أمي .. بس دلوقتي أنا إللي غرقان فيها .. وسارة بريئة من كل الاتهامات إللي اتوجهتلها ..
أنا بحبها بجد يا أمي ومخدعتهاش ..
_ قالت بنبرة مُبطنه بالحقد: بس أكيد عندك كلام تاني لما تشوف الورق ده ..
ثم مدت يدها إليه ببعض الأوراق..
لتتسع عيناه بصدمة وعدم تصديق عندما قرأ فحواها ..
***********************
بعد يوم شاق عادت للملحق مرة أخرى ونيمت يزيد وجلست قليلًا للإسترخاء..
= ولج للملحق بقوة ثم جذبها بعنف وهي تقاومه لكن دون فائدة فقد ظل يجذبها بقوة حتى خرجوا من القصر ليصبحوا وسط الغابة والظُلمه الدامسه تحاوطهم…
تمَلكها الرعب، وظلت تصرخ بخوف: إنت واخدني على فين …. حرام عليك …أنا خايفه
– وقف على أحد المنحدرات التي تقبع وسط الغابة …
تطلعت من حولها بتعجب وعدم فهم..
لتقف أمامه بثبات: جبتني هنا ليه .. عايز مني أيه..
– اصتكت أسنانه بغضب، وقال بنبرة حازمة: حذرتك كام مرة وقولتلك اللعب معايا ممنوع بس اتحدتيني وللأسف تحدي خسران وهتدفعي تمنه غالي ..
– نظرت له برعب وعدم فهم إلا ان عينيها اتسعت بشدة وشهقت شهقة تُمزق نياط القلب..
حينما دفعها للخلف بقوة من أعلى حافة المنحدر، رفعت زراعيها إليه لينقذها لكن لم تتلقى سوى أعين مليئة بالغضب وهي تتهاوى للأسفل..
أغمضت عينيها بألم واستسلمت لمصيرها الحتمي…….
صمتت من البداية لتبكي في النهاية…

تعليقات