رواية الصمت الباكي الفصل الثالث والثلاثون
“بوادر عِشق ووَأد صمت”
،
= قد تناكح الموت والحُزن منذ قديم الأزل وعقدوا المواثيق على عدم الإفتراق.
فـ الحزن يُدمي القلب، والموت أعيَّا الدواء
لكن قد يُكسبنا الموت غناء بينما الحزن فلن يُكسبنا سوى عَناء..
_ وقف “صالح” أمام “حسين” المُسجى أرضًا بعد أن أبرحه ضربًا على ما تفوه به من كلام خبيث مثله..
_ دا أنا هنسيك إسمك يا قذر، إنطق يا حقير وقول الحقيقة.
_ قال حسين مُتبجحًا: أنا قولتلك على كل حاجة يا باشا بس إنت مش مصدق، أنا وسارة بنحب بعض، وجيت هنا علشان أخدها ونرجع بيتنا زي ما اتفقت معاها وزي ما حضرتك عرفت، عملت حساب بنكي وهي حولت المبلغ ليا إللي إنت كتبته بإسمها … سارة ليا من زمان يا باشا واسألها أنا كنت متقدملها من إمتى بس كنا مستنين شوية.
_ غَلى عقل “صالح” كالمرجل، وكلمات هذا الخبيث أصبحت كـ ذئاب مُفترسة تنهش عقله دون رحمة … إنقض عليه وامسكه من تلابيب ملابسه ثم سدد له لكمة قوية أطاحت بوجهه ..
جذبه مرة أخرى، وقال بفحيح: تعرف يا خسيس لسانك إللي نطق إسمها ورحمة أبويا وأمي لأقطعه وارميه للكلاب .. إنت لسه مشوفتش مني حاجة.
_ بكى “حسين” بمهانة كـ إمرأة هوجاء: ارحمني يا بيه.. إنت قولتلي أقولك الحقيقة وقولتلك ..
ركله “صالح” بعنف ثم خرج وغبار غضبه يتبعه..
ولج لداخل المنزل وهو يصرخ بإسمها بغضب جام: سااااارة
هرعت إليه “سميرة” بقلق خوفّا على “سارة”: خير يا صالح يا ابني.
_ هي فين .
_ قالت “سميرة” محاولة إلهائة عنها: دي سارة نامت شوية أصل …
لم يستمع إليها وصعد إلى غرفتها يَدُك الأرض دكًا..
= بينما “سارة” فكانت تجلس بغرفتها مُنهمكة في بكاء حاد بعدما رأت وقرأت تلك الكلمات القبيحة التي كُتبت عنها والتي سمح هو بنشر هذه القذارة.
سمعته يجأر بإسمها لكن لم تُعره أي إهتمام…
زاد بكائها على حُطام قلبها الذي وثق به وكان سيسلمه مقاليده.
= حَلَّ “صالح” على الغرفة كحلول غَيامة مُعبئة بالغضب.
وجدها تنزوي على فراشها وتبكي بصمت، لعدة ثواني إختلج قلبه شعور مؤلم برؤيتها حزينه مرة أخرى بعد أن كانت تتوهج بالأيام الماضية كـ كوكبٌ دُوري
لكن إخترقت كلمات ذاك الأهوج مسامعه مرة أخرى فالتهم المسافة إليها.
وقبض على زراعها بقسوة طفيفة جاذبًا إيها إليه، فلم يستطع قلبه الذي أحبها أن يقسو عليها.
_ تنهد بعمق محاولًا ألا يؤذيها لكن خرجت كلماته غاضبة بها إتهام موجع لها: أيه إللي كان بينك وبين الحقير ده وفعلًا كان متقدملك..
_ نظرت له بخواء وشردت روحها بعيدًا وتبِعتها سقوط عبراتها ..
وهو ينظر لها بثبات وداخله يستجديها لتُجيب على أسئلته بأجوبة عساها تقر عينه ويهنأ باله براحة..
لكن بدلًا من هذا انخرطت في بكاء حاد جعل زِمام غضبه ينفلت، ليردد بغضب: ردي عليا الكلام إللي قاله صح .. إنتِ بتحبي الحقير ده وكان متقدملك.
تعرفي الكلام ده معناه أيه … دي خيانة يا شيخة سارة .. ولا إنتي بتداري نفسك بقى ورا إستشياخك .
_ إستطاع أن يُقظ الذئب الشرس الذي بداخلها وردة فعلها لم تكون سوى صفعةٌ حادة على وجنته وتحولت عيناها إلى حُمم بُركانيه قادرة على إبادة وحرق من يقف أمَامها ..
صوبت مقلتيها داخل مقلتيه، وقالت بنبرة شرسه: إياك… عرضي وشرفي خط أحمر.. الخاين ده أنت مش أنا .. أنت إللي ملكش أمان … روحت وزعت صور ليا بين الناس وسمحتلهم ينهشوا فيا … إنت إللي عقدت مقارنه بين صورتي إمبارح في الخطوبة وبين صوري إللي إنت كنت لاقطها وأنا وسط الحارة ووسط المخبز..
لعلمك أنا ميهمنيش الهيلمان إللي أنت فيه ده ولا يلفت إنتباهي .. وعمري ما استعر من أصلي أبدًا .. بالعكس دا شرف ليا لأن كنت بشتغل بعرق جبيني علشان أمي واختي لكن إنت عملت أيه بقى … حافظت على عرضك إزاي إللي المفروض يكون أنا بما إني حتى مراتك ولو على ورق .. بالصور إللي وزعتها ولا الكلام إللي سمحتلهم يقولوه.
وحقيقي فعلا هو إتقدملي وطلب إيدي على سنه الله ورسوله بس أنا رفضت وأمي كمان رفضت… ومش محتاجة أبررلك..
_ سطرت على ملامحه الحيرة وعدم فهم ما تفوهت به، فالمعركة إرتدت نحو وأصبح هو المُشار إليه بأصابع الإتهام … وحقًا لا يفهم ما يحدث..
قال مواجهًا غزو كلماتها الضاري: إنتِ قصدك أيه … مش فاهم صور أيه وكلام أيه..
_ أشاحت عيناها عنه لتقول بصوت مُجهد ساخر: هقولك بطل تمثيل زي ما قولتلي ولا إعمل نفسك مش عارف وواخد بالك ..
_ مسح على وجهه بنفاذ صبر، وقال مُحاولًا صبغ نبرته بالهدوء كي يفهم ماهية الأمر: سارة.. أنا حقيقي مش فاهم حاجة .. قصدك أيه.؟
_ جذبت هاتفها ووضعته بين أصابعه بعنف ثم تركته وذهبت لتتوضىء وتناجي باريها لتُهدء من ثورة قلبها المكلوم وتمنع عقلها من الإسترسال من تلك الكلمات المؤذية التي لا تُجدي نفعًا وليست سوى جزعًا من القدر .. فهي لم تؤذي أحد بحياتها بتاتًا ..
كانت تريد رقش صفحة جديدة معه ومسامحته على ما مضى..
أهكذا يكون جزاء اليد التي تُمتد بالوِدْ والغُفران..؟!
= وآآآآه من “صالح” فقد نشب حريقٌ داخل قلبه إمتد ليستولى على صدره بأكمله..
فما الذي يراه بحق الله..
انتهكوا عرضها الذي هو عرضه أيضًا بتلك الكلمات القبيحة.. وكيف لأحد أن يرفع صورة لها عبر مواقع التواصل الإجتماعي..!
كيف لأحد أن يرى وجه حبيبته غيره، هو يخشى عليها من نسمات الهواء الطائرة بجانبها، أسيجعلها عُورضةً هكذا للجميع..؟
من فعل هذا سيُلقنه درسًا لا يُنسى، وسيبُتر أنامله التي أنجزت هذا العمل القبيح، وأزرفت الدموع من عين حبيبته وزوجته وسرور فؤاده.
تبًا لهذا العشق المُسيطر دائمًا والذي يُشبه القهوة بمرارتها لكنه يترك أثرًا جميلًا؛ فالعشق ما هو إلا نوع مُخدر زهيد يجذبك إلى تذوقه ليسوقك إلى الإدمان، كالوشم على القلب لا يبرح سوى بجرح أغمور..
******************************
= مُمَدد على الفراش من غير حولٍ ولا قوة .. سابح بلُجات ظلامه الدامس ..
الماضي يتلبسه كجلدٍ ثاني..
هذا اليوم من بدايته عاشه وسط طيات الماضي والتهبت الجروح التي مازالت رطبة حية بقلبه؛ فأصبح القلبُ لا يصلح لشيء ووجب عليه البتر ومازال هو يُقاوم.
ومضات من الحنين كـ قُبلة رأس عَرت جوع روحه لها.
= بينما “مُصعب” تماسك نفسه كي لا ينهار لألمه وموته البطيء هذا … لم يتوانى عن حقنه بالعقاقير الطبية اللازمة والمُختلفة وبالأخير غرز بيده تلك الإبرة التي ستُحسن من حالة قلبه..
_ جلس أمامه ينظر له بشرود، ويرى سكونه الذي يخافه، جاهد مع عِناده كثيرًا كي يبدأ برحلة العلاج … لكن أَبَى “مؤمن” إيبائًا شديدًا ..
يخشى فقدانه وبالأخص كونه يعلم أن رحيله أصبح قاب قوسين أو أدنى..
فقد تراجعت حالة قلبه ومؤمن لا يرحمه من تكابد الأحزان عليه وكبتها بداخله.
رفت عيناه بدمعة مسحها سريعًا وهو يُقرر عدم اليأس والخنوع لرغبة “مؤمن” بعدم العلاج ..
= بعد قليل تحركت أهداب “مؤمن” زائلة أستارها عن سوداويتاه ..
تمعن النظر فيمن حوله سرعان ما نهض بعنف سبب له ألمٌ بيسار صدره..
وجد “مُصعب” جالسًا بهدوء على أحد المقاعد المُقابلة للفراش وينظر إليه بدقة شديدة وعيناه تصول وتجول على ما يفعله، فقد أخذ “مؤمن” يُزيل الإبر المغروزة بذراعه والوصلات التي تُثبت عند موضع قلبه والمُتصله بشاشة يتبين على سطحها حالة القلب من مُعدل الدقات وغيرها..
ظل حال “مُصعب” كما هو يُراقب ما يفعله مؤمن بتروٍ..
إستقام “مؤمن” يبحث عن ملابسه، فاستخبر مُصعب فأخبره مُشيرًا إلى الخِزانة.
فشرع الأخير بإرتداء ملابسه كأن شيء لم يحدث ومازال تحت رصد نظرات “مُصعب” الذي نطق أخيرًا بنظرة ساهمة، والحُزن يكوي جنبات روحه: القلب بقى ضعيف جدًا وفرصة نجاتك بقت شبه معدومة .. وبكبتك ده نتوفع تيجي جلطة فأي وقت .. يعني أنت دلوقتي عايش على كف عفريت ..
_ إستدار إليه “مؤمن” وهو يُغلق أزرار قميصه، وردد: تمام .. دي أعمار وأول ما وقتي يحين أكيد همشي من الدنيا مش هلزق فيها يعني … وبعدين كلنا ماشين وحد الله يا دوك..
_ مؤمن؛ لازم تعمل العمليه بأسرع وقت … لازم يتم زراعة القلب بأسرع ما يُمكن وأنا من اللحظة دي هبحث وألف الدنيا على القلب المُناسب
_ إلتقط “مؤمن” مفاتيحه، وهاتفه من أعلَىَ وحدة الأدراج وقال: متتعبش نفسك معايا يا مُصعب صدقني بضيع وقت ..
وزي ما اتفقنا علشان منخسرش بعض، مفيش مخلوق يعرف لا ليث ولا صالح ولا حتى سليم..
_ إنت كدا بتأذيهم والله بعمايلك دي .. تخيل لو عرفوا حاجة زي دي … الحُزن بيأذي يا مؤمن..
_ قال وهو يستدير ليخرج: لحُسن الحظ يا مُصعب معنديش حد يبكي عليا، فمش هأذي حد ..
وخرج من الغرفة تاركًا “مُصعب” بداخل غيابة حزنه .. واضعًا رأسه بين يديه بقلة حيلة ..
=أمَّا عن الحاضر بجسده، الغائب بقلبه وروحه “مؤمن” قاد سيارته حيث قصره يُريد أن يُريح عقله بعد هذا النزال الضاري والذي فقد به معظم قوته ..
بذات الأثناء كانت “أسوة” تستعد للذهاب للغاية لجمع بعض النباتات التي تحتاجها لصُنع ذاك العلاج العُشبي الذي كلفها بصنعه، والذي يساعد على سحب السموم من الجسد ويمنع ظهور الإنسحاب لدى مُدمنين المُخدرات..
_ وضعت الكتاب من بين يديها وهي تبتلع ريقها بخوف، وتلوم ذاتها على قراءة مثل هذا الكتاب الذي حقًا لا يستحق القراءة..
فهل تنقُص حياتها أن تُضيف إليها بعضٌ من الجان والشياطين..
حاولت نفض الخوف من عقلها وإقناعه أن هذا مُجرد خُرافات على ورق لكن هيهات فقد طُبعت بعض المشاهد المُشيبة للرأس بمُخيلتها..
استغفرت بسريرتها، وأخذت ترتدي ملابسها المُكونة من فستان أسود مُزركش بورود بيضاء صغيرة وحجاب من ذات لون سطح الفستان الأسود ..
_ نظرت بتقيم لملابسها، وغمغمت مُحدثة نفسها: الهدوم دي شكلها هتكون خفيفة والجود بارد شوية بس أعمل أيه الجاكت بتاعي مقطوع لما أرجع ابقى أخيطه … وكدا كدا أنا مش هغيب هروح سد رد وارجع..
جذبت تلك السلة الخيزُرانية معها وخرجت من المُلحق..
_ يزيد … زيدو ..
أتى إليها “يزيد” ركضًا والذي كان يلهو ..
_ أيوا ماما … إنتي خارجه..
انحنت “أسوة” لمستواه، وقالت مربته على خصلاته: لا يا حبيبي أنا هخرج بس للغاية أقطف شوية ورد وأجي عالطول مش هغيب … مش عايزاك تتعب خالتو سلوى وصفية وتسمع الكلام يا زيدو ..
_ قال “يزيد” بمشاكسة: أنا أصلًا مش بعمل شقاوة وبقيت أنا وسوسو أصحاب جدًا وعملت ليا الكب كيك إللي بحبه وأكلنا سوا ..
_ حركت أهدابها ونظرت له بدهشة: مش عيب كدا يا زيدو .. أيه سوسو دي ينفع نقول كدا للي أكبر مننا ..
_ سبيه يا أسوة ملكيش دعوة بصاحبي حبيبي..
قالتها “سلوى” وهي تنضم إليهم..
وتابعت حديثها: أنا وزيدو بقينا أصحاب … وإنتي عارفه بحب الكل يقولي سوسو … أيه خالتي دي يا بت يا أسوة… دا إنتي إللي خالتو .. دا أنا أصبى منك ..
_ انغمست “أسوة” بالضحك الذي يكون بمثابة مُغترب عن ملامح وجهها الهادئة والقليلة الإبتسام: خلاص يا سوسو إعفي عني المرة دي علشان خاطر زيدو..
_ ماشي يا ستي عفونا عنك .. بس قوليلي إنتي حقيقي عيد ميلادك بكرا .
_ ناظرتها “أسوة” بتعجب زاويه ما بين حاجبيها، وغمغمت مُتسائلة: عيد ميلادي! .. هو تاريخ بكرا أيه ..
عَلَا صوتها بعض الشيء عندما تذكرت: أيوا أيوا فعلًا عيد ميلادي بكرا .. مأخدتش بالي والله .. بس عرفتي منين ..
_ يزيد قالي ..
_ عرجت إبتسامة بسيطة على شفتيها، وتسائلت برقة: وإنت بقى عرفت منين يا زيدو ..
_ يزيد ببراءة: أبله داليا كانت كتبت ليا في تذكرة تاريخ ميلادي وكمان ميلادك والتاريخ إللي بابا راح فيه عند ربنا .. وخالتو صفيه كانت بتقول على تاريخ النهاردة فعرفت إن بكرا عيد ميلادك يا ماما وبس …
_ انحنت “أسوة” وركزت على ركبتيها ثم جذبته لأحضانها وتلاحقت الدموع من جفونها بفرحة، فاللمرة الأولى بسنوات عمرها التي ستكتمل بالغد إثنان وعشرون يتذكر أحد عيد مولدها أو يأبه به … تذكُره هذا كان كدأب صدوح روحها المُشققة..
قبلته بحنان أموي على وجنتيه ورأسه وسائر وجهه: تسلملي يا عيون وقلب ماما من جوا ربنا يخليك لماما.. أول مرة حد يفتكر عيد ميلادي ..
شاهدت “سلوى” هذا المشهد بحزن عليها وتسائلاتها تزداد حول “أسوة” التي مازالت تستتر بالغموض .
_ عايزة تفهميني بقى يا ست أسوة إنك مش بتعملي كيكات وتورتات معتبره كدا ولا بتاخدي هدايا بالكوم..
نطقت بذلك “سلوى” بنبرة مرحه لتُخفف من حدة هذا الموقف على قلب “أسوة”
_ طفق الحزن على ملامح “أسوة”، وقالت”: للأسف لا يا سوسو.. عمري ما جربت شعور إن حد يجيبلي هدية أو أحتفل بعيد ميلادي وبصراحة مش بعترف به أووي..
_ سلوى بحنان: لا طبعًا دا أنا هعملك أحلى كيكة لأجمل أسوة.. والهدايا هتغرقك..
_ ناشدتها “أسوة” برجاء مُلِح: معلش يا خالتي سلوى علشان خاطري بلاش … أنا مش عايزة أي حاجة من الحاجات دي .. أنا أصلًا مش متعودة عليها ولا بحبها…
_ عاتبتها سلوى قائلة: ليه كدا يا بنتي ..
_ ابتسمت لها “أسوة” قائلة: كتر خيرك يا سوسو وأنا مقدره والله … بس مش عايزه أتعود على حاجة واتعلق بيها ..
وتابعت: معلش بعد إذنك خلي بالك من يزيد على ما أرجع… مش هغيب إن شاء الله..
وتركتها واستدارت خارجة من القصر لكن قبل خروجها رأت “مؤمن” الذي يلج للقصر بعد استمع للحديث الدائر بينها وبين “سلوى”… أو من الممكن أن نقول أنه “استرق السمع”
“مرحَىَ …. نرجوها بداية مُبشرة نوعّا ما ..”
= صعد إلى الغرفة وارتمى على فراشه بإجهاد وتعب شديدان، ظل يُحلمق بسقف الغرفة وعقله يُكرر ويُعيد ما حدث اليوم بإلحاح لا يرحمه..
دس يده بجيبه وأخرج تلك الورقة التي سُطرت بها النهاية واحرقته كمدًا بنيران الخِذلان والوحدة مرة أخرى..
لم يبقى معه سوى صديقته الوفيه، التي لطالما ما حدث لا تتركه أبدًا …. “الوحدة”
جميع ما حوله يتحداه تحدٍ سافر لتنكسر هامته، أو تعلمون أنا كالخيل في عِزته وصموده لا أنكسر ..
أخذت عيناه تقرأ فحوى هذه الورقة مرارًا وتكرارًا حتى غفى وأعلنت جفونه غلق الستار على تلك الؤلؤة السواء المليئة بشتى أنواع الحزن والخذلان …
فالحزن كالصدأ يأكل الروح ويتركها خواء لا تصلح لشيء .. فتبًا لك…
= بينما “أسوة” فأخذت تُتمتم وهي تسير بداخل الغابة: إنسان قليل الذوق ومغرور، مناخيره “الأنف” في السما … ألا يقولي متحوميش في القصر … ليه شايفني ميته على قصرك يا مغرور..
أنا بس أخلص إللي هو طالبه مني علشان معتدش أشوف وشه تاني ..
تنهدت بحزن، أهذا حقًا ما يُريده قلبها الخائن .. أصبحت تستنكر تلك الحالة التي تنتابها ..
لماذا كلما همت لزجر ذاتها ترى طيفه بأركان روحها المُعطشه..!؟
لماذا يستولى على وساوسها وخيالها..!؟
لماذا ترى جفائه نابع عن كسرة روح لا عنجهية وغرور..!؟
ما حلَّ بي يا الله!
فـ هل أصبحت دقات الفؤاد تعزف على الأوتار مؤمنــــــًا.!
= أفرج ثُغرها عن إبتسامة عذبة حينما إخترق أنفها تلك الرائحة الذكية التي تحفظها عن ظهر قلب “وردات الفُلّ” معشوقها الخاص..
أخذت تدور وسط وردات الفُل بفرحة طفلة بالسادسة، وتقطف منها مُعبئة السلة عن أخرها وبقيت تشتمها بنهم كأنها أُكسير حياة..
فتلك الغابة على الرغم من غموضها إلا أنها بمثابة جنه على الأرض لا تشبع وتكتفي الروح منها ..
وبوسط انشغالها في قطف الفُل تنائى لأسماعها صوت خربشات وحركة أسفل أقدامها ..
فزعت مبتعده لكن سُرعان ما اتسعت زمردتها التي عكست سعادة وحماسة عندما وجدت سنجاب صغير ينظر لها بترقب كأنه على أُهبة الأستعداد للهروب إن لم تحنو عليه ..
جلست على ركبتيها وهي تبتسم بإتساع مُشيرة إليه بيدها تحثه على الأقتراب: سنجوب… تعالى متخافش ..
كأنما شعر بها وأخبره حدسُه أنها لن تؤذيه فاقترب منها إلى أن حملته بين يديها ومسدت على فرو ذيله الكثيف البُني..
أحب سنجوب اللعب معاها وظل يمرحان الفينة من الزمن.
حتى قالت “أسوة” عند شعورها بالوقت ينسحب منها: يا نهار أبيض يا سنجوب الوقت خلاص إتأخر وأنا مجمعتش النباتات إللي محتاجاها…
وحدثته كأنه يفهمها: يلا تعالى معايا مش هسيبك لواحدك متخافش .. زيدو هيفرح أوووي بيك ..
_ وضعته بالسلة الخيزُرانيه برفق وحملتها وأكملت البحث عن النباتات والأعشاب التي تحتاجها، ووسط شغفها بالنباتات والأعشاب لم تنتبه على الوقت وتفلت منها … وحلَّ الظلام على الغابة..
إلتفتت “أسوة” من حولها بخوف من الظلام الدامس..
بقت حائرة وضاع الدليل لعودتها… فماذا تفعل الآن!؟
اهتز بدنها من الخوف وتكاثرت عليها تلك الأفكار المُرعبة التي قرأتها منذ قليل فأصبح يُهيء إليها أطياف وأجساد ضبابية وسط الظلام على الرغم من ضي القمر الخافت..
سارت بخطوات مُتعثرة على ضوء القمر الضعيف وأقدامها أصبحت هُلاميه لا تحملها ..
استندت على إحدى الأشجار وجلست أمامها مستنده بظهرها على جذرها ثم احتضنت قدميها لصدرها وتنافرت دقات قلبها بشدة.
وضعت كفيها على عينيها وأخذت تبكي خوفًا وتلك الأفكار لا ترحمها..
الظلام يُحيطها، وأفكار مُخيفة تحُفها بالإضافة إلى هشاشة قلبها ..
_ تمتمت من بين بكائها بخوف ينبض من بين حروفها وهسترية: لا لا يارب … ابعد الأفكار دي عني .. هرجع إزاي دلوقتي… الجو ضلمة أووي .. وأكيد في ديابة هنا آآآه في فعلًا هو مربي دياب هنا وأكيد هو مش هيخلي حد يدور عليا ولا يرجعني ما هيصدق إن أموت هنا علشان يخلص مني … آآآه هموت من الخوف..
وانغمست في بكاء حاد وعَلت شهقاتها من بين كفيها ..
= بينما “مؤمن” ففزع من نومه مُتعرق وصدره يعلو ويهبط كأنه عائد من ماراثون..
التفت حوله فوجد أن الظلام قد حلَّ والغرفة تغرق في الظلام..
خرج إلى الشُرفة بتلهف فوجد المُلحق غارق بالظلام ولا يوجد أي إضاءة تنبعث منه..
جذب سُترته الجلدية وهبط إلى أسفل ومع كل خطوة يخطوها قدمه يسبقها قلبه بألف ميل للمرة الأولى..
فقلبه يُخبره بأن خطرًا ما يُحيط بها وأنها بداخل مأزق..
_ سلوى …
_ أتت سلوى مسرعة، ليسألها مباشرةً: فين الدكتورة ..؟
_ قالت “سلوى” وقد إنتابها القلق: أسوة من ساعة ما خرجت للغابة مشوفتهاش … مش عارفه هي رجعت الملحق ولا لا ويز…
بتر حديثها راكضًا للخارج وهو يرتدي سترته فقد اشتد المُحيط برودة..
= بينما “أسوة” فظلت على حالتها، تبكي بهستريه من شدة خوفها وذعرها ..
_ اختفى “مؤمن” بداخل الغابة يبحث عنها بقلبٍ خائف لمرته الأولى..
كان دليله لوجودها صوت بُكائها الذي يتردد صداه بين الأشجار والسكون..
اتبع الصوت حتى وجدها جالسة أسفل إحدى الأشجار ضامه قدميها لصدرها ومخبئة وجهها تبكي بخوف..
_ مسح على وجهه وزفر بقوة، والآن لا يعلم ما يقول أو يفعل..
_ أجلى صوته، وقال بخفوت كي لا يفزعها: خلاص .. كفاية
هذا ما استطاع لسانه نطقة على خلاف “أسوة” التي رفعت رأسها بقوة ونظرت له بعد تصديق فقد خُيلَ لها أنها النهاية وستُصبح الغابة مقبرتها ..
استقامت من جلستها وهرعت إليه مُلقيه ذاتها داخل أحضانه بحماية، وتشبثت به بقوة وكأنه زورق نجاتها وحِصنها المنيع، وبطلها الخارق الذي ينتشلها من المئازق بعد أن يُسببها لها .. هو الداء والدواء ..
وضعت رأسها على صدره خصيصًا موضع قلبه المريض وظلت تتمسح به وهي تبكي، قائلةً من بين بُكائها: كنت خايفة أووي .. أنا قولت أنا هموت هنا .. والمكان كان ضلمه جدًا … أنا خُوفت أوووي … كنت خايفة تسيبني أموت ومتجيش ..
_ أغمض عيناه وشدد على جفونه… وكأن هذا العِناق طبطبة له هو كي يطمئن، وليست هي ..
لم يستطع أن يُبادلها العِناق لجهله التام بتلك المشاعر..
فهذا حال جاهل أُمِيِّ بنامويس الحب العامة ..
اخترق أنفه عبق الفُل المُنبعث منها بغزارة فلم يستطع إلا أن يُدمنه ..
ابتعدت عنه بعدما أخذت حاجتها من الطُمأنينه .. مسحت عيناها بكف يدها بحركة أشبه بالأطفال، ومُقلتيه تعمل كمِنظار يرصد جميع تصرفاتها وحركاتها ..
انحنت وحملت تلك السلة المليئة بالفُل وبعض النباتات الأخرى ومازال سنجوب راقد بداخلها نائمًا ..
أمسكت سُترته قابضة عليها بحركة عفوية لم تغفل عيناه عنها ..
_ قالت وهي تنظر لسوداويتيه اللامعتان بفعل ضوء القمر الضاوِي: خلاص كدا مش بقيت خايفة ..
_ أماء برأسه وسار ولازمته هي خطوة بخطوة متمسكة به ..
_ سألها بغضب طفيف: اتأخرتي ليه كدا .. مرجعتيش بدري ليه إنتي عارفه إن المكان بيبقى ضلمه..
_ قالت مُبرره: نسيت نفسي وسط النباتات والفُل … ووطي صوتك علشان سنجوب ميصحاش..
_ ردد بإستنكار زاهل: سنجوب..!!
_ أشارت للسلة التي بيدها .. فحرك رأسه بنفاذ صبر وتسائل بسخرية: ويا ترى سنجوب هو سبب التأخير ده
_ حركت رأسها بحماس مُعاكس للحال التي وجدها عليها: دا حقيقي فعلًا متعرفش أنا حبيت سنجوب قد أيه .. واتعرفنا أنا وهو على بعض واتصاحبنا كمان ….. يزيد هيفرح بيه جدًا ..
_ غمغم بسخرية: أشك ..!
_ زوت ما بين حاجبيها، ووزعت أنظارها حولها وهي تتسائل بجدية: يعني قصدك أيه .. ممكن ميحبش سنجوب ..
_ قال وهو يتابع السير معها بوتيرة بطيئة: تقريبًا حالته مش هتوصل لحالتك دي … ناقص شوية وتطيري ..
_ عندك حق فعلًا أنا فرحانه جدًا بسنجوب ويزيد هيحبه زيّ ..
ثم تمعنت بوجهه الجذاب، وعينيه اللتان ينقُصهما بريق الحياة، فأخبرتها عيناه بما يحوي قلبه، وهمست برقه: وأنت كمان قرب منه وأنت هتحبه وهو هيحبك أووي..
_ رمقها بهدوء الهب مشاعرها، وقال بهمس مماثل لهمسها: متأكدة إن هيحبني وأنا أقدر أحبه ..
_ حركت رأسها بإيجاب ولم تُنَحي عينها من داخل عيناه والتي أخذت تتسائل بداخلها … لمن تعود أصول عينيه ..ولأي قبيلةٍ وعصر ينتمي هذا الرجل؟… وهمست أيضًا: وليه لا… جرب تقرب كدا .. وجرب تنسى..
قالت جملتها الأخيرة بعدم إنتباة جعله يستعيد وعيه سريعًا، وتسائل بتعجب: أنسى أيه!
_ استعادت وعيها مُحمحمه بتوتر… وزاغت أنظارها محاولة البحث عن كذبة وهي تلعن غبائها الذي سيُقعها بوكر الصياد بسهولة: لا .. لا أقصد سنجوب.. تنسى أن سنجوب هيخلص المكسرات والفاكهة..
_ قال بشك، فليس هو من ينطلي عليه تلك الأكاذيب .. فلا كلمة تقطر من اللسان عبثًا: آآها سنجوب .. ماشي ..
_ أدارت رأسها للجهة الأخرى ليطرب قلبها فرحًا عندما وقعت أنظارها على جدول المياه المجاور لشجرة البلوط والتي تركها تستجمع ذاتها بأسفلها ذاك اليوم الذي أحضرت به “يزيد” من الملجأ وذهبت لمركز الشرطة لتُبلغ عنه فوجدته هُناك ينتظرها واعادها قصرًا بعدما أخذ يزيد منها ..
نظرت له بأعين جرو، قائلة بترجي: ممكن لو سمحت.. بالله عليك..
_ ناظرها بدهشة: في أيه ..!
_ أشارت حيث شجرة البلوط: ممكن بس أقعد هنا شوية … شوية صغيرين والله … المكان دا جميل أووي وهادي لو سمحت مترفضش ..
_ طب دا وقته ..
_ معلش .. شويه صغيرين ..
_ غمغم بنفاذ صبر ليتخلص من إلحاحها: خلاص ماشي . .. مش كتير علشان مش فاضي ..
_ حاضر والله عشر دقايق وبس ..
قالتها وهي تُسرع من وتيرة سيرها فرحًا ويدها مازالت متشبثة به .. لكن عند حلولها أسفل الشجرة تركت سُترته وأخذت تتنفس بعمق ساحبة أكبر قدر من الهواء ليرتطم برئتيها ..
استدار ليتركها وحدها ويقف جانبًا، أمسكت يده بلهفة وقد ظنت أنه سيتركها ويذهب: متسبنيش …
_ وزع النظر بين مروج عينيها الخضراء الداكنه المقاربة للرمادي وبين كف يدها الصغيرة القابضة على يده بقوة
وقال بهدوء منافي لإعصار قلبه الهادر لتلك الفِعلة: مش هسيبك … أنا هنا جانبك ..
انتبهت على يدها لتركت يده بحرج تخضب له وجنتيها .. ثم فرت من أمامه جالسة أسفل الشجرة تتأمل سكون الليل والفلك الواسع..
= احاطت ذاتها بذراعيها عندما شعرت بلسعة برودة تضربها وجعلت تفرك ذراعيها عَلَها تمُده بالدِفء ..
لاحظ هذا، فخلع عنه مِعطفه الجلدي الأسود والقاه بجانبها، وقال: في فرع شجرة مكسور هطلع اربطه..
_ حركت رأسها بإيجاب وتركها وذهب لتتطلع بمعطفه برغبة مُلحة في الدفء بعد أن زادت حِدة البرودة..
حسمت أمرها وجذبته لترتديه … شعرت ببرودة المِعطف من الخارج نظرًا لخامته الجِلدية مُنافي تمامًا لدِفئه من الداخل ..
_ أمممم .. بارد من برا بس دافي جدًا من جوا ….. صمتت بُرهة وأكملت .. شبه صاحبه.
حدثت نفسها وهي تنغمس داخله براحة بعدما شعرت بالدفء يُحيطها: يلا البسه شوية أدفى على ما هو يخلص..
= وظلت تتأمل الليل وسمائه، وتستمتع بصوت خرير الماء ونقيق الضفادع الذي يقطع سكون الليل؛ سهمت عيناها إلى أن أغلقتهما رغمًا عنها ذاهبة دون أن تشعر بثبات عميق نظرًا لإجهادها البدني والعقلي وعدم نومها جيدًا ليلة أمس..
_ بعد بُرهة قصيرة عاد “مؤمن” فوجدها على تلك الحال، منغمسة داخل أحلامها بعدما استولى عليها سُلطان النوم ..
اقترب منها، ثم جلس القُرفصاء أمامها وظل يتأمل ملامح وجهها الجميل بتروٍ رغم إرهاقه وشحوبه .. أهدابها المسدوله على زُمراتها المارجه، وجنتيها الموشومتان بالورد
كل شيء بها ينتمي إلى ملاكه ..
ما يشفع لها عنده تمسُكها الشديد بيزيد رغم شدة ما تمر به، وهذا يُبرهن له مدى وفائها … والقسم الأخر من الحكاية لا يُريد التطرق إليه كي لا يُمزقها إربًا ..
_ وضع السلة بأحضانها ثم حملها برفق بين ذراعيه لتستقر رأسها على كتِفه وترفع ذراعيها كـ ردة فعل مطوقة عُنقه لتجعل وضعها أكثر راحة..
همهمت براحة احرقت روحه، ليتنهد بعذاب شاعرًا بأن قبس ضعيف من نور يتسلل مُترجرجًا من فتحة أشبه بفرج الباب لتُنير حياته السابحة في رمادية شاحبه ….
فـ هل يتحرر العشق من سجن الصمت أم لم يأِن الأوان بعد!؟……
