رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع والثلاثون 

جلس سلطان خلف مكتبه، ظهره مسنود إلى الكرسي لكن روحه لم تجد ما تستند إليه، عيناه معلقتان على سطح المكتب دون أن تريا شيئًا، أفكاره متشابكة، وقلبه مثقل باشتياق موجع لترنيم، مرت أيام منذ آخر مرة وقعت عينه عليها، أيام طويلة ثقيلة، وكل يوم كان الإحساس نفسه ينهش صدره، شيء ما بداخله يصرخ أنها ليست بخير.
مد يده إلى هاتفه بتردد، مرر أصابعه على الشاشة بلا وعي، يتنقل بين الأسماء، وكأنه يهرب من الاسم الذي يبحث عنه، حتى ظهر أمامه فجأة، توقف إصبعه لحظة، ثم ضغط على الزر، انتظر، والثواني بدت أطول مما يحتمل، حتى اهتز كيانه بالكامل حين نطقت اسمه بصوتها: 
"نعم يا سلطان؟"
شد قبضته حول الهاتف، التقط أنفاسه بصعوبة، وحاول أن يخرج صوته ثابتًا: 
"عاملة ايه يا ترنيم؟"
جاءه صوتها مختنقًا، حادًا، يحمل مرارة واضحة: 
"وتهمك فى أيه أخباري يا سلطان؟ يعني لو قولتلك تمام الحمدالله وانا زي الفل هتصدق؟"
انقبض قلبه، ارتخت كتفاه قليلًا، ورد بصوت مكسور يخفي ألمه: 
"لا مش هصدق يا ترنيم، لأن قلبي اللي بيحس بيكي مهما حاولتي تكذبي عليا."
سمع تنهيدتها الحارة وكأنها خرجت من صدره هو، ثم جاءه صوتها متعبًا، متوسلًا: 
"انت عايز مني ايه دلوقتي يا سلطان بترجاك سيبني باللي أنا فيه ده متزودهاش عليا ارحمني بقى كفاية."
ساد الصمت، سلطان لم يتكلم. اكتفى بالضغط على الهاتف بقوة، يحاول كبح اندفاعه، يمنع نفسه من النهوض، من الذهاب إليها في تلك اللحظة، ومع كل شهقة تصل إليه، كانت دقات قلبه تعلو، غاضبة، مشتعلة.
ثم عاد صوتها من بين بكائها، أكثر هشاشة، أكثر وجعًا: 
"انا كل اللي عايزاه دلوقتي تبعد عني يا سلطان سيبني ارتاح وألملم اللي باقي من قلبي أنا بقيت محاصرة بالوجع من كل حتة ابوس ايدك كفاية لحد كدة وابعد عني وارحمني."
لم تمهله، أغلقت الخط سريعًا.
انطلقت صافرات الهاتف معلنة نهاية المكالمة، وظل سلطان جامدًا في مكانه، نظره معلق في الفراغ، يده ما زالت مرفوعة والهاتف قرب أذنه، كأنه لم يستوعب بعد أنها اختفت من الطرف الآخر، دمعة ثقيلة علقت بعينيه، كبرياؤه رفض سقوطها. حرك رأسه ببطء نافيًا، وعيناه لمعتا بتلك الشرارة الخطيرة، شرارة رجل اندلعت داخله حرب، حرب لن ينجو منها أحد يقترب منه في هذه اللحظة.
   ***********************
في المساء...

وقف دكتور عصام ثابتًا في مكانه، المشرط بين أصابعه مغمور بالدماء، قبضته مشدودة حوله، عيناه مثبتتان على الجسد الممدد أمامه، جسد فقد القدرة على المقاومة، بينما عقله يعمل ببرود مخيف، يحصي ما يمكن استخراجه، وما يمكن أن يتحول إلى مال وصفقات جديدة.
تحركت يداه بدقة معتادة، لا ارتعاش، لا تردد، وكأن ما يفعله صار جزءًا من روتينه اليومي. بجواره وقفت نهى، تتابع خطواته، تساعده دون أن يعلو على ملامحها أدنى تردد، نظراتها تتحرك بين يديه والجسد، وبين أفراد العصابة الملتفين حول الفراش، عيونهم تراقب في صمت مشحون.
بعد أن انتهى، أُدخل آخر عضو داخل الثلاجة الحافظة، فأبعد عصام يده أخيرًا، نزع القفاز ببطء، ألقاه جانبًا، ثم أنزل القناع عن وجهه، وكأن أنفاسه كانت محبوسة خلفه، قال بصوت آمر لا يحتمل نقاشًا: 
"حطوا الجثة دي فى التلاجة وجهزوا اللي بعده النهاردة عندنا شغل كتير."
لم ينتظر ردًا، استدار وغادر غرفة العمليات بخطوات ثقيلة، وتبعته نهى سريعًا، دلفا إلى غرفة المكتب، جلس عصام على مقعده بإرهاق واضح، ألقى ظهره للخلف، بينما جلست نهى أمامه، تراقب وجهه الذي شحبت ملامحه قليلًا،
قالت بقلق حقيقي: 
"بابي انت شكلك تعبت النهاردة لو كده أجل الباقي لبكرة."
رفع رأسه ببطء، حركه نافية وهو يضغط على فكيه: 
"لا طبعا، احنا المفروض نسلم شغلنا خالص كله النهاردة، احنا متفقين على عدد الروس اللي معانا."
أومأت نهى برأسها، كأنها استسلمت للأمر الواقع، وقالت بنبرة تحمل قلة حيلة: 
"اوك، بس ارتاح شوية، بلاش وراه بعضه بالشكل ده."
لم ينظر إليها، كانت عيناه منشغلتين بالأوراق والفحوصات الممدودة أمامه على المكتب، يتفحصها بعقل منشغل، ثم قال دون أن يرفع رأسه: 
"اخلص بس وبعد كده ابقى ارتاح، روحي جهزي الحتة الجديدة، وابعتيلي واحد قهوة، عايز اركز علشان متلفش حاجة، الغلطة بملايين."
نهضت نهى من مكانها، استقامت بجسدها، أومأت بالموافقة، ثم خرجت مسرعة، خطواتها كانت سريعة، حاسمة، وكأنها تهرب من التفكير، لتغوص من جديد في هذا العمل المشين الذي لم يعد يترك مجالًا للعودة.
  ************************
بغرفة مريم 

تحرك غريب بخطوات بطيئة محسوبة، جسده مشدود بالكامل، أنفاسه محبوسة في صدره، وعيناه مثبتتان على الفراش، اقترب أكثر، قلبه يخفق بقوة لكنه تعلم منذ زمن كيف يخفي ارتعاشه، كانت ممددة، الغطاء مسحوب حتى أعلى وجهها، لا يظهر منها شيء، مد يده داخل جيبه، أخرج سلاحه الناري بهدوء، وفي اليد الأخرى أمسك بالوسادة.
رفعها قليلًا، ثم أنزلها ببطء على الوجه المختفي أسفل الغطاء، ضغط بثبات، وفي اللحظة نفسها وضع السلاح فوقها، أخرج الرصاصة من مكانها بحركة صامتة، دقيقة، لا خطأ فيها.
وقبل أن يكمل…
تجمد جسده بالكامل.
ضحكات خافتة خرجت من خلفه، ضحكات باردة كفيلة بتجميد الدم في العروق، استدار بسرعة، حدق بها بصدمة لم يستطع إخفاءها.
اقتربت منه بخطوات واثقة، بطيئة، وكأنها تستمتع بتوتره، وتكلمت بهدوء حذر: 
"لا أزعل منك كده يا غروبتي عايز تقتل مريومة حبيبتك، طيب افرض اتعورت دلوقتي؟"
مدت ذراعيها وحاوطتهما حوله، التصقت به أكثر مما يحتمل، وهمست قرب أذنه: 
"مريومة متموتش بسهولة كده يا روحي كنت متأكدة انك ناوي تغدر بيا علشان كده بحط كل يوم حاجة مكاني على السرير واستنى دخولك عندي يا بيبي."
اندفع غريب فجأة، دفع ذراعيها بعيدًا عنه بقسوة، عيناه تلمعان بغضب قاتل، وهمس بصوت منخفض كفحيح الأفاعي: 
"متفكريش نفسك اذكى مني يا حلوة ده انا غريب ضرغام مافيش حد عرف يهرب من سلاحه."
مالت برأسها بدلع مستفز، ابتسامة واسعة تشق وجهها: 
"لا يا غروبتي مع مريم كل حاجة بتتغير علشان من الاخر احنا الاتنين دماغنا سم واللي فيها دمار شامل."
تحرك بخطوتين سريعتين، أمسك شعرها بقوة، جذب رأسها للخلف حتى تأوهت، وتكلم بتحذير صريح: 
"وانا اللعب معايا يودي وراه الشمس يا حلوة غرورك ده هيوديكي في ستين داهيه وعلى أيدي أنا، بس متقاطعيش."
نظرت له بابتسامة مستفزة، نظرة جعلت أعصابه توشك على الانفجار:
"اممم معتقدش، بس لو اللي هيحصلي ده على ايدك، أنا موافقة يا غروبتي."
زاد ضغطه على شعرها، صوته خرج من بين أسنانه: 
"لو ترنيم عرفت اللي قتل ابوها يا مريم مش هرحمك فاااهمة."
لم تهتز، بل اقتربت أكثر، وهمست بلؤم: 
"وانت خايف ليه بس يا غريب ترنيم تعرف القاتل؟"
انفجر غضبه: 
"مريم الشويتين دول مش هتعمليهم عليا، انتي عارفه ليه مش عايز ترنيم تعرف القاتل، مستحيل ده يحصل."
تعالت ضحكاتها، ضحكات عالية قليلًا، ثم قالت ببرود قاتل: 
"اممم، أنت خايف ترنيم تعرف أن اللي قتل ابوها يبقى إبراهيم ابوك، علشان خاطر ينفذ أوامر الجماعة بناء على طلب رجوبتي."
أغلق عينيه لحظة، وكأنه يمنع نفسه من قتلها في التو واللحظة، ثم اندفع نحوها مرة أخرى، قبضته شدت شعرها بعنف مضاعف: 
"غريب مبيخافش يا روح امك، ولا لسه اتخلق اللي يهدد غريب ضرغام، حرف واحد هتنطقيه هدفنك مكانك يا مريم، وانتي عارفه ومتأكدة أن اقدر اعمل كده، بلاش اللعب معايا علشان ده هيخسرك كتير فاااهمه."
تركها فجأة، استدار واتجه إلى الباب، فتحه بعصبية، وتجمد في مكانه.
"ترنيم!"
كانت تقف أمامه، نظراتها معلقة به، لا غضب، لا دهشة، فقط نظرة غامضة أربكته أكثر من أي صراخ، ابتلع ريقه بصعوبة، ونظر خلفه فوجد مريم تبتسم له بتشف واضح، عاد ببصره إلى ترنيم، اقترب منها خطوة، صوته خرج مرتعشًا: 
"ترنيم!! ا انتي واقفه هنا ليه؟"
ظلت تنظر إليه لثوانٍ ثقيلة، ثم قالت بهدوء موجع: 
"مافيش كنت نازلة اشم شوية هوا فى الجنينه ولاقيتك بتفتح باب اوضة مريم، عن اذنك."
تحركت من أمامه بسرعة، لم تمنحه فرصة للكلام.
وقف مكانه لحظة، أنفاسه تعلو، الخوف يزحف إلى صدره، نظر إلى مريم بغضب قاتل، ثم اندفع خلف ترنيم.
وجدها بالخارج، جالسة بين الأشجار، كتفاها منحنيتان، جسدها يبدو أصغر مما هو عليه. اقترب منها وجلس على المقعد، يراقبها بصمت، عقد ذراعيه على صدره، يحاول قراءة ملامحها.
ابتسمت ابتسامة موجوعة، وقالت بصوت مختنق: 
"متقلقش عليا مزعلتش لما شوفتك عندها فى الاوضة ما هي مراتك برضه وليها حق فيك."
تنفس الصعداء دون أن يشعر، اقترب بمقعده أكثر، أمسك يدها بحنان واضح: 
"بس انتي عارفه أنا حق مين، وبتاع مين، عمر ما كانت مريم ليها حق فيا، أنا بتاعك انتي يا ترنيم، وانتي بتاعتي أنا بس، وام ابني اللي فى بطنك، أنا كنت عندها علشان..."
رفعت يدها فجأة، وضعتها أمام وجهه لتمنعه من الاستمرار: 
"مش عايزه اعرف انت كنت عندها ليه يا غريب ارجوك."
زفر بضيق، أومأ برأسه، واعتدل في جلسته.
ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل، كأن الحياة انسحبت من المكان. جلسا ينظران إلى اللاشيء، والليل يهبط بظلامه عليهما ببطء، في انتظار فجر جديد…
فجر لا أحد يعرف إن كان سيحمل أملًا، أم ضربة أقسى مما مضى.
       **********************
داخل المشفى...

توقف دكتور عصام فجأة عن الحركة. شيء غير مريح زحف إلى صدره دون سبب واضح، إحساس قديم يعرفه جيدًا، إحساس الخطر، رفع رأسه ببطء، نظر إلى الجسد الممتد أمامه، ثم حرك عينيه ناحية نهى، القلق ظهر واضحًا في شدة ملامحه، قال بصوت منخفض مشحون: 
"روحي شوفي فيه ايه بره."
لم تناقشه، أومأت برأسها سريعًا، نزعت قفاز يدها بعجلة، وكأن قلبها سبقها إلى الباب، خطت خطوة، ثم ثانية، وما إن مدت يدها لتفتح حتى تجمدت في مكانها.
سلاح ناري موجه مباشرة إلى صدرها،
صوت أجش خرج من خلفه بلا أي تردد: 
"سلموا نفسكم بدون مقاومة شرطة."
اتسعت عينا نهى بصدمة، شحب وجهها فجأة، وكأن الدم انسحب منه دفعة واحدة، تراجعت خطوة، ثم اندفعت راكضة نحو والدها، أنفاسها متقطعة وصوتها يخرج مرتعشًا: 
"ا الشرطة يا بابي!"
لم يمهلهم أحد فرصة، ألقى عصام ما كان بيده، حاول أن يتحرك، لكن الأيدي كانت أسرع، في ثوانٍ قليلة، كانت الشرطة قد اقتحمت الغرفة بالكامل، أصوات الأوامر تعالت، الجميع شل في مكانه، قيود حديدية أغلقت على معصميه بقسوة، محاولات الفرار فشلت قبل أن تبدأ،
اشتعل غضبه، عروق رقبته برزت، وصوته خرج مبحوحًا غاضبًا: 
"انتوا متعرفوش انا مين هوديكم وراه الشمس مبقاش أنا الدكتور عصام لو مكنتش دفعتكم التمن."
رد عليه أحد الضباط بسخرية باردة، وهو يشد القيود أكثر: 
"انت مقبوض عليك متلبس يا دكتور عصام، ده انتوا هتروحوا فى ستين داهية على أرواح الناس دي."
التفت الضابط إلى رجاله، نبرته حاسمة لا تقبل نقاشًا: 
"اتحفظوا على كل حاجه وهاتوا باقي العصابه ورايا."
لم ينتظر ردًا، دفع عصام بقوة إلى الأمام، أختل بتوازنه للحظة، بينما اقتيدت نهى بجواره، ملامحها متيبسة بين صدمة وخوف لم تعتده، خرجوا من الغرفة تحت حراسة مشددة، والهواء خارجها بدا أثقل من أن يحتمل.
وفي تلك اللحظة، سقط أول حجر دومينو، والباقي كان مسألة وقت فقط.
       **********************
في صباح اليوم التالي...

استيقظ الجميع على خبر إلقاء القبض على دكتور عصام وأعوانه.
خبر واحد، لكنه ضرب الجميع بشكل مختلف.
منهم من دب الرعب في قلبه، ومنهم من تنفس الصعداء أخيرًا، ومنهم من جلس ينتظر، لأن الحقائق حين تظهر، لا ترحم أحدًا.
جلس غريب وترنيم ومريم حول الطاولة المستديرة، الطعام أمامهم، والصمت أثقل من الأطباق، كانت الأصوات الوحيدة هي احتكاك الملاعق، وأنفاس مكتومة تخفي ما لا يقال.
رفعت ترنيم عينيها فجأة، نظرت لهما معًا، ثم قالت بنبرة بدت عادية، لكنها مقصودة بدقة: 
"عصابة دكتور عصام اتقبض عليها، عقبال الباقي يارب."
أنهت جملتها وهي ترمق مريم وغريب بنظرات غير مفهومة، نظرات لا تحمل اتهامًا صريحًا، لكنها تزرع الشك كالإبرة تحت الجلد.
ابتسمت مريم ابتسامة باردة، وضعت لقمة الطعام في فمها بتمهل، ثم قالت بلؤم صريح: 
"الكلام عليكي يا جارة."
ضغط غريب على أسنانه بعنف، عضلات فكه انقبضت، ونظر إلى مريم نظرة مشبعة بالكراهية، للحظة، تمنى لو ينهض ويكسر عنقها بيديه، لكنه انتبه لصوت ترنيم.
كانت نبرتها غاضبة، لكنها مكبوتة، وكأنها تحبس بركانًا داخل صدرها: "كله، كله هياخد جزاءه، كل واحد كان ليه يد في إزهاق روح ملهاش ذنب."
توقفت اللقمة في حلق غريب.
حاول أن يرسم ابتسامة زائفة على وجهه، ابتسامة لم تصل إلى عينيه، وقال بصوت متوتر: 
"طبعًا يا حبيبتي، كله هياخد جزاءه."
استقامت ترنيم فجأة، دفعت الكرسي للخلف، صوت احتكاكه بالأرض كسر الصمت، تكلمت بصوت مختنق، لكنه حاسم: 
"أنا رايحه عند خالتوا صباح، وقبل ما تقول أي حاجه، أنا رايحه علشان أقابل سلطان مخصوص."
توقفت لحظة، ثم التفتت إلى مريم مباشرة: 
"فيه موضوع مهم، محتاجه أتكلم معاه فيه."
لم تنتظر ردًا.
تحركت بسرعة، كأنها تهرب من المكان كله، من الطاولة، من العيون، ومن الأسرار.
نظر غريب إلى مريم بعينين مشتعلتين، ضغط على أسنانه وقال بتساؤل حذر: 
"انتي تعرفي هي رايحه تقابله ليه؟"
أومأت مريم برأسها بتأكيد بارد، وقالت بلا تردد: 
"أمم، رايحه تمضي على ورق أنا عايزاها، بس يارب تلحق توصل ليه."
اتسعت عينا غريب بشدة، صوته خرج منخفضًا لكنه خطير: 
"انتي تقصدي ايه بالكلام ده؟"
وضعت مريم لقمة أخرى في فمها، ومضغت بهدوء مستفز، ثم قالت بلا مبالاة: 
"أصل رجوبتي حالف، ينهي كل حاجة النهاردة."
انتفض غريب من مكانه فجأة، الكرسي سقط خلفه، وصوته دوى بالغضب: 
"مش هرحمكم كلكم لو حد قرب من ترنيم!"
اندفع خارج الغرفة، صوته الحاد يجلجل في المكان وهو يصرخ برجاله: 
"أجهزوا! دلوقتي! حالًا!"
لم ينتظر أحدًا.
خرج مسرعًا، صعد إلى سيارته، وأدار المحرك بعنف، ثم انطلق بها بسرعة جنونية، وكأن الطريق كله عدو يجب أن يسحق.
بقيت مريم في مكانها.
نظرت إلى أثره بلا أي اهتمام، ارتسمت ابتسامة شرانية بطيئة على شفتيها، مدت يدها، التقطت قطعة خبز، وضعتها في فمها بهدوء، وكأن العالم لم يكن على وشك الانفجار.
        **********************
بالطريق، أمسكت ترنيم هاتفها، أصابعها تتحرك عليه بخفة وهي تتابع الطريق من خلال زجاج سيارتها الأمامي، قلبها كان يدق بعنف، وكأن كل نبضة تحذرها من شيء قادم.
توقف إصبعها فجأة عندما ظهر اسم سلطان على الشاشة.
ضغطت عليه دون تردد، فتحت مكبر الصوت، وأخذت نفسًا عميقًا، تنتظر، ثوانٍ بدت لها دهرًا، حتى جاءها صوته، ذلك الصوت الذي طالما كان ملجأها:
"ترنيم!! خير يا بنت قلبي؟"
أغلقت عينيها، انسابت دمعة خائنة على خدها، وقلبها خفق بقوة، ثم أخيرًا خرج صوتها مرتعشًا: 
"أنا، أنا عرفت مين اللي قتل بابا يا سلطان."
ساد صمت لجزء من الثانية، ثم جاء صوته سريعًا، متوترًا: 
"عرفتي؟! مين هو يا ترنيم؟"
ارتعشت شفتيها، شدت المقود بيد، والهاتف بالأخرى، وقالت بصوت مختنق: 
"تعالى قابلني دلوقتي، في المكان بتاعنا أنا وأنت، فاكره؟!"
ابتسم سلطان ابتسامة حزينة، وصوته خرج دافئًا رغم الاختناق: 
"طبعًا فاكره يا ترنيم، أنا منستش أي حاجة تخصنا أنا وانتي، يا بنت قلبي."
لم تكمل.
فجأة دوى صراخ ترنيم عبر الهاتف، صرخة واحدة حادة، كأنها قطعت من صدرها، ثم، انغلق الخط.
اتسعت عينا سلطان، وصرخ وهو يضغط الهاتف على أذنه: 
"ترنيم! ردي عليا، ترنيم! ترررنيم!"
لا رد.
أغلق الخط بعنف، اندفع من خلف مكتبه يركض خارج المكان، وخلال خروجه حاول الاتصال بها مرة، مرتين، عشرات المرات، الهاتف مغلق.
توقف فجأة، بحث في جهات الاتصال، وجد اسم غريب، ضغط على الاتصال.
جاءه صوت غاضب متوتر: 
"ألو؟"
صرخ سلطان بصوت يكاد ينفجر:
"ترنيم في خطر! كانت بتكلمني وصرخت مرة واحدة والتليفون اتقفل!"
جاءه صوت غريب مختنقًا، يحمل ذعرًا حقيقيًا: 
"رجب مش ناوي على خير، مريم بتقول إنه ناوي يخلص كل حاجة النهاردة، وأنا دلوقتي بدور عليها مع رجالتي."
انفجر سلطان غضبًا، وصوته خرج كالرعد: 
"يا فرحة أمك بيك بدور عليها؟! خلي رجالتك ينفعوك! أنا هوصلها، وهطلع روح رجب بإيديا دول!"
أنهى المكالمة وأغلق الهاتف في وجه غريب، قبضته انغلقت بقسوة وهو يلكم مقبض السيارة حتى تألمت يده، ثم أدار المحرك بعنف، وانطلق بسرعة جنونية.
في نفس اللحظة.
كانت سيارة سوداء تقطع الطريق على ترنيم، صوت الفرامل الحاد شق المكان، وارتطم جسدها بالمقعد، هاتفها سقط أرضًا وانطفأت شاشته.
الظلام اقترب.
واللعبة دخلت مرحلتها الأخيرة.
      **********************
جلست ترنيم بمكان مظلم، جسدها منكمش على نفسه، كتفاها مشدودان بقسوة وكأنهما يحملان ثقلًا أكبر من قدرتها، لم تكن ترى شيئًا، ولا تسمع سوى صوت أنفاسها المتلاحقة، قصيرة، متقطعة، تخرج من صدرها بصعوبة، قلبها كان يضرب بعنف داخل قفصها الصدري، كل دقة تؤلمها كأنها تذكرها بأنها محاصرة داخل هذا الجسد الخائف الغاضب في آن واحد.
تحركت شفتاها بصعوبة، صوتها خرج مرتعشًا، مختنقًا بالخوف والذهول:
"أنا فين؟ مين جبني هنا، ردوا عليا أنا فييين؟"
فجأة شق صرير الباب السكون، الضوء اندفع من خلفه كطعنة مفاجئة في عينيها، جعلها تغمضهما للحظة لا إراديًا، حين فتحتهما، رأت رجب. ابتسامة الشر مرتسمة على وجهه، تلك الابتسامة التي بعثت قشعريرة سريعة في جسدها رغم محاولتها التماسك، اقترب منها، وانحنى بجسده حتى صار قريبًا جدًا، قريبًا أكثر مما تحتمل، نظراته اخترقت عينيها وهو يتكلم بنبرة هادئة:
"وحشتينى يا بنتي كبرتي واتغيرتي."
انقبض صدرها بعنف، شعرت بالغثيان، أدارت وجهها بعيدًا عنه وكأن مجرد النظر إليه يلوثها، الغضب انفجر من داخلها، خرج في صوت حاد، مشحون بكل ما كتمته لسنوات:
"ابعد ايدك القذرة دي عني، أنا مش بنتك ولا عمري كنت كده، أنا بنت راجل ضفرة برقبتك، واتربيت على ايد راجل بجد، وانا بقى هوريك البنت اللي اتربت على ايد سلطان الدسوقي هتعمل فيك ايه يا رجب."
في لحظة، قبض على شعرها بعنف. الألم انطلق من فروة رأسها ونزل على عمودها الفقري، جسدها ارتد للخلف لا إراديًا، ضحكته الشريرة ارتسمت على ثغره وهو ينطق كلماته، كل حرف كان صفعة مباشرة على كرامتها:
"الراجل اللي عمل معاكي كل حاجه، وبعد ما زهق منك راح اتجوز واحده شريفه بجد، ورماكي زي الكلبه، انتي واحده سهلة، هي دي التربيه يا بنت الطلبجي."
انقطع نفسها، صدرها ارتفع وانخفض بعنف، لكن قبل أن تستعيد توازنها دفعها بقوة للخلف، اصطدم جسدها بالأرض، الألم انتشر في ظهرها، لكنها عضت على أسنانها، رفضت أن تصرخ، استقام بجسده، نظر إليها باشمئزاز واضح وهو يتكلم:
"جهزي نفسك علشان عندك رحلة ذهاب بلا عودة."
رفعت رأسها ببطء، الألم ما زال يسري في جسدها، لكن عينيها كانتا مشتعلتين، ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها رغم الغضب الذي يحرقها من الداخل، صوتها خرج ثابتًا على غير ما تشعر به:
"الله أعلم مين فينا اللي عنده الرحلة دي، بس اللي متأكدة منه أن تذكرة رحلتك دي عليا أنا، ودم بابا اللي راح هدر بسببك، هدفعك تمنه غالي اوي، خليك فاكر الكلمتين دول، وحطهم حلقه فى ودنك علشان قرب اوي اليوم ده."
ضحك رجب ضحكة هستيرية، صوته خرج متقطعًا، كأن الجنون يزاحم أنفاسه وهو يرد:
"ده انتي الدنيا كلها طالبة تصفيتك، ده اعدائك، اكتر بكتير من اللي بيحبوكي، يعني لو فلتي مني، مش هتفلتي من اللي بعد مني."
تحرك بعدها مبتعدًا، خطواته تبتعد ببطء، صوت الباب وهو يغلق خلفه كان آخر ما سمعته قبل أن تعود الظلمة تبتلع كل شيء.
بقيت ترنيم مكانها، جسدها يؤلمها، أنفاسها ما زالت غير منتظمة، عقلها يدور بعنف بين الخوف والغضب والوعيد.
        *********************
أجرى سلطان عدة اتصالات، أصابعه كانت ترتعش فوق شاشة الهاتف وهو يحاول أن يلتقط أي خيط يوصله بترنيم قبل أن تصلها يد رجب، صدره يعلو ويهبط بعنف، أنفاسه متلاحقة كأن الهواء لا يكفيه، أغلق الخط أخيرًا وهو يتحرك بسيارته بسرعة جنونية، عضلات ذراعيه مشدودة، عروق يده بارزة وهو يقبض على المقود بقسوة،
صرخة مدوية خرجت من صدره، صرخة مكتومة بالغضب والعجز، ثم انهالت قبضته على المقود مرة بعد مرة، الألم في يده لا يهم، الأهم ذلك الإحساس الخانق الذي يعصر قلبه،
مرت الدقائق عليه كأنها دهر كامل، كل ثانية كانت تختبر صبره وقوته.
فجأة اهتز الهاتف.
توقف الزمن للحظة.
أجاب سريعًا، صوته خرج خائفًا رغم محاولته التماسك:
"طمني عرفتوا مكانها؟"
جاءه الرد من صوت خشن عميق، الكلمات سقطت كحكم نهائي:
"ايوه يا معلم سلطان، رجب اخدها فى مخزن طريق اسكندرية القاهرة الزراعي، وحاطط عليها حراسة مشددة."
اشتعل شيء مظلم داخل صدره، فكه انطبق بقوة حتى كادت أسنانه تطحن بعضها، صوته خرج غاضبًا، قاطعًا، لا يقبل نقاشًا:
"هات الرجالة واستناني هناك."
أغلق الخط بلا تردد، قلبه يخفق بعنف، وكأن دقات قلبه صارت أوامر بالانتقام، لم ينتظر ثانية، ضغط على الاتصال باسم غريب.
انتظر عدة ثواني.
ثم جاءه صوت غريب مختنقًا، يحمل خوفًا مكبوتًا:
"وصلت لمكان ترنيم، وانا رايح عندها دلوقتي."
رد عليه سلطان بصوت غاضب، منخفض لكنه حاد كالنصل:
"وانا عرفت مكانها برضه وفى الطريق ليها."
أنهى المكالمة دون أن ينتظر ردًا.
ضغط على البنزين بقوة، جسده اندفع للأمام مع السيارة، الغضب تحول إلى طاقة سوداء تدفعه دفعًا.
في تلك اللحظة، لم يكن يرى شيئًا،
سوى ترنيم.
وسوى الدم الذي أقسم داخليًا أنه لن يهدأ قبل أن يراه يدفع ثمنًا.
     ************************
كانت فريدة تجلس بجوار رنيم، جسدها ساكن لكن صدرها لم يتوقف عن الصعود والهبوط، كفها تحرك ببطء فوق بطنها، تحاول أن تثبت لنفسها أن هناك حياة ما زالت تتشبث بها، رغم كل شيء.
داخلها كان يتآكل، زواجها، صورتها، أمانها، وكل ما كانت تظنه ثابتًا.
رفعت رنيم عينيها الصغيرة نحوها، صوتها خرج بريئًا، لا يعرف حجم السم المختبئ في الكلمات:
"مامي هو صحيح أبلة ترنيم عايزة تاخد بابي مننا؟"
تجمدت يد فريدة مكانها.
كأن السؤال ضربها في صدرها مباشرة.
أغلقت عينيها بقوة، دمعة ثقيلة تسللت رغم محاولتها التماسك، وصوتها خرج مختنقًا، متعبًا، بلا حيلة:
"هي مش لسه هتاخده مننا يا رنيم، هي أخداه بالفعل."
فتحت عينيها ببطء، نظرتها شاردة، كأنها لا ترى ابنتها بل ترى خيباتها كلها دفعة واحدة.
"أبوكي مش شايف غيرها، ظلمنا بسببها."
توقفت لحظة، أنفاسها اضطربت، ثم أكملت بصوت أخفض، أصدق، موجع:
"بس للأسف، لسه بحبه، ومهما عمل فيا مش هقدر أكرهه."
سقط الصمت بينهما ثقيلًا، قبل أن يقطعه رنين الهاتف.
اهتزت فريدة في مكانها، نظرت للشاشة، الاسم وحده كان كافيًا ليشد أعصابها: مريم.
زفرت بضيق، وأجابت بمضض:
"عاملة ايه يا مريم؟"
جاءها الصوت جادًا، قاطعًا، لا يحمل أي مساحة للنقاش:
"هاتي البنت وتعالي على العنوان اللي هبعته ليكي حالا."
انقبض قلبها، حاجباها انعقدا، وسألت بقلق واضح:
"فيه ايه يا مريم؟ واجيلك فين؟"
الرد جاء حادًا، غاضبًا، كأنه أمر عسكري:
"اسمعي الكلام اللي بقوله ليكي من غير أسئلة كتير."
ثم، الخط أُغلق.
بقي الهاتف في يدها، شاشته سوداء، وقلبها يخبط بعنف.
الخوف تسلل ببطء، بدأ من أطرافها، صعد إلى صدرها، حتى شعرت أن أنفاسها صارت أقصر.
نظرت إلى رنيم، إلى وجهها الصغير الذي لا يفهم شيئًا مما يحدث.
نهضت فجأة، الحركة كانت سريعة، مرتبكة.
أمسكت يد ابنتها بقوة زادت عن اللازم، غيرت ملابسها على عجل، أصابعها تتعثر في الأزرار، عقلها غارق في أسئلة بلا إجابة.
خطفت مفاتيح الشقة، ضغطت على شاشة هاتفها لترى العنوان، قلبها يدق في أذنيها.
فتحت الباب، أغلقت خلفها بإحكام،
وخرجت، تمشي مع ابنتها نحو طريق لا تعرف نهايته، ولا تدري إن كانت تسير بقدميها، أم تساق إليه دون أن تملك خيارًا.
      **********************


تعليقات