رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن والثلاثون 


وصل سلطان إلى المكان الذي قيل له إن ترنيم موجودة بداخله.
لم يكن الطريق طويلاً، لكن داخله كان ممتدًا بلا نهاية.
أوقف سيارته بعنف، ترجل منها بسرعة، وأغلق الباب خلفه بقوة كأن الصوت محاولة يفرغ بها شيئًا يضغط على صدره.
كان يشعر بأن قلبه لا يدق بانتظام، بل يصطدم بعظامه.
بعد لحظات، وصلت سيارة غريب.
نزل هو الآخر، وتوقفت المسافة بينهما على نظرة واحدة فقط.
لم تكن نظرة اتفاق.
كانت نظرة خوف، رجلان يخافان أن يكونا تأخرا دقيقة واحدة أكثر من اللازم.
أشارا إلى رجالهما.
تحركوا خلفهما بحذر شديد، الأسلحة مرفوعة، العيون متحفزة، الأنفاس منخفضة.
دخلوا إلى الداخل، الصمت.
صمت كثيف، غير مريح، لا حركة، لا صوت حارس، لا حتى أثر لأحد.
شعر سلطان ببرودة تسري أسفل جلده رغم حرارة الغضب داخله.
توقف فجأة، التفت إلى غريب، وصوته خرج هادئًا، لكن الهدوء كان مصطنعًا، مشدودًا:
"أنا حاسس ان فيه حاجه غلط، رجالتي قالوا أن فيه حراسه مشددة قصاد المخزن ده، راحوا فين!"
الكلمات خرجت ببطء، كأن كل حرف يمر على أعصابه.
حرك غريب رأسه بعدم فهم وقال:
"مش عارف، رجالتي برضه قالوا ليا كان فيه رجالة كتير بتحرس المكان ده."
تقدم سلطان نحو باب مغلق، لم يتردد، ركله بقدمه بعنف، فاهتز الباب وارتد صدى الصوت في المكان الخالي كأنه يسخر منه.
رفع سلاحه، حركه يمينًا ويسارًا، عينه تمشط الفراغ بعصبية، لا أحد، الغرفة فارغة.
في الجهة الأخرى، فتح غريب غرفة ثانية، والنتيجة نفسها، فراغ بارد.
بدأوا يبحثون بجنون مكتوم.
يفتحون الأبواب، يفتشون الزوايا، يتحركون أسرع، أنفاسهم أثقل.
لكن الحقيقة كانت ثابتة: المكان خالي.
لم يكن ذلك إنقاذًا فاشلًا، كان فخًا محكمًا.
خرجوا إلى الخارج، خيبة الأمل لم تكن شعورًا عابرًا، كانت صفعة ثقيلة على كبريائهم وخوفهم معًا.
وقف سلطان أمام سيارته، صدره يعلو ويهبط بعنف، قبضته مشدودة حتى ابيضت مفاصله، وصوته انفجر:
"هقتلك يا رجب، مش هرحمك! هندمك على اليوم اللي امك ولدتك فيه."
وفي اللحظة نفسها، أعلن هاتفه عن اتصال، تجمد لجزء من الثانية.
أخرجه من جيبه بيد متوترة، نظر إلى الشاشة، رقم غير معروف، أجاب فورًا، وجاءته الضحكة، ضحكة شريرة، طويلة، مستمتعة.
"معلش بقى يا معلم سلطان، خلتكم تطخوا المشوار على الفاضي، اصل بنت قلبك صعبة اوي وتعبتني، اخدها مكان اروق عليها هي والرجالة فيه."
عند كلمة بنت قلبك، شعر وكأن شيئًا ينتزع من داخله.
غريب لم يحتمل، صرخ بصوت خرج من أعماقه:
"مش هرحمك يا رجب لو مسيت شعرا منها نهايتك على أيدي."
ثم جاء صوت ضحكات يعرفها جيدًا، مريم، ناعمة، ساخرة، مريضة:
"اهدا بس يا غروبتي، أنا معاها علشان اشوف لحظة موتها بنفسي، هخليهم يمتعوا نفسهم شوية، وبعد كده يقتلوها، بس هخليهم يموتوها براحة واحده واحده، شوفت مريومتك قلبها طيب ازاي؟"
الكلمات كانت مقصودة لتكسره.
وسلطان شعر أن الدم يغلي في عروقه.
صرخ بها، وصوته كان أقرب لزئير جريح:
"ابعدوا عنها! اياك حد فيكم يقرب منها، وديني وما اعبد اللي هيلمسها هحرقه بالنار بأيديا دول."
تعالت ضحكات مريم، ثم قالت بنبرة شرانية:
"معلم سلطان، براحه على نفسك شوية يا سوسو، طيب ده انا عاملة ليك حتة مفاجأة هتصدمك."
سكتت لحظة، ثم، جاء الصوت.
صوت صغير، مرتجف، مخنوق بالبكاء:
"ألحقنا يا بابي، الناس الوحشة دول خطفنا أنا ومامي."
توقف الزمن، يد سلطان التي تمسك الهاتف بدأت ترتعش بوضوح، رؤيته تشوشت للحظة، صدره انقبض وكأن الهواء اختفى من حوله.
صرخ بجنون، صرخة أب خائف قبل أن تكون صرخة رجل غاضب:
"يا ولاد الكلب! مش هسيبكم، وديني ما هرحمكم كلكم."
جاء صوت فريدة، مكسورًا، موجوعًا:
"أنا آسفه يا سلطان، مكنتش اعرف انها بالشر ده، أنا بحبك وغيرتي عليك عمت عيوني، بترجاك تسامحني، والحقنا من المجنونة دي."
شعر بمرارة تخنقه، لكنه لم يملك رفاهية الرد.
ثم جاء صوت ترنيم، ثابت، قوي، مشحون بالغضب.
"متخافش عليهم يا سلطان، أنا معاهم ومش هسمح لحد يقرب منهم حتى لو اخدوا روحي، وخليك عارف ان أنا تربيتك، واللي اتعلمتوا من المعلم سلطان الدسوقي هيظهر على أرض الواقع."
كلماتها كانت شجاعة، لكنها زرعت الرعب في قلبه أكثر، انقطع الخط.
بقي الهاتف ملتصقًا بأذنه لثوانٍ، كأنه ينتظر أن يعود الصوت، أنزله ببطء، ضغط عليه بغضب شديد حتى كاد يتحطم بين أصابعه.
نظر إلى غريب، وصوته خرج مختنقًا:
"اللعبة كبرت اوي يا غريب، مكناش عاملين حساب لكل ده، وألاعبهم القذرة دي واتحط فيها ترنيم ومراتي وبنتي."
نظر له غريب بحزن، والغضب مكتوم في عينيه، وقال:
"ما أنا كمان مراتي ترنيم معاهم زي زيك، وحاسس بوجعك، بس كلامنا معاك كان واضح من الاول دي قضية بلد، واتفقنا تساعدنا، ونساعدك."
أسند سلطان ظهره على السيارة، شعر للحظة أن جسده أثقل من أن يحمله، قال بأنكسار صريح:
"ماشي، افدي بلدي بعمري كله، لكن مش هقدر استحمل اشوف حد من اهلي بيتأذى."
ربت غريب على كتفه، صوته هادئ رغم النار داخله:
"أن شاءالله محدش هيحصلة حاجه وهنوصل ليهم بسرعة."
دخل سلطان سيارته، أمسك هاتفه، أجرى اتصالاً، انتظر الرد، أنفاسه ثقيلة، أصابعه تضرب على المقود بلا وعي، ثم قال بأمر واضح، حاسم:
"عايزك تعرف مكان اللي اسمه رجب ومريم ده فين حالا."
أغلق الخط، أسند رأسه على المقود.
لثوانٍ، سمح للضعف أن يمر، دمعة هربت من عينه، متمردة، تحمل كل الخوف الذي حاول دفنه، اعتدل، بسرعة، مسحها بأنامله، رفض أن ينهار، رفع رأسه، نظر أمامه إلى الفراغ، ووعد صامت تشكل داخله بالدمار.
في السيارة الأخرى، جلس غريب وهو يشعر أن صدره يضيق.
أجرى اتصالًا ثم تكلم بصوتًا غاضبًا:
"ترنيم معاهم، لو حصلها حاجه هشيلك الذنب ومش هرحم اي حد دخلها اللعبة دي."
جاءه صوته الهادئ الرزين:
"اهدا يا غريب، انت عارف أن المهمه مش هتكون سهلة وممكن نخسر فيها كمان ارواحنا، وده الطبيعي في شغلنا."
هز رأسه بالرفض، وصوته انكسر هذه المرة:
"اخسر روحي أنا معنديش مشكله، بس ترنيم لا يا سيادة المستشار، أنا أدمر العالم كله لو حصلها حاجة، عايز أحدد مكان رجب فى اسرع وقت، عايز أوصلهم قبل ما يأذوا ترنيم."
أغلق الخط، شعر أن قلبه ينقسم نصفين، بين مهمة أقسم عليها،
وحب هو نبضه الأول والأخير.
أغمض عينيه، استمد قوته من صورتها في ذاكرته.
ثم فتحهما على مصراعيهما، وفيهما عزيمة لا تعرف التراجع.
        *********************
عند رجب ومريم... 
أغلقت مريم الخط بعنف، كأنها أغلقت بابًا على صراخ سلطان في وجهه.
تنفست ببطء، ثم التفتت إلى ترنيم.
كانت نظرتها هذه المرة مختلفة.
لم تعد مجرد كراهية، كانت حقدًا قديمًا يتغذى منذ سنوات.
اقتربت منها بخطوات بطيئة، مدروسة، كأنها تستمتع بكل ثانية.
انحنت فجأة، وأمسكت شعرها بقوة، شدته إلى الخلف بعنف حتى انكشف عنقها، ومالت على أذنها تضغط على أسنانها بقسوة وقالت:
"عاملة نفسك قوية وهتقدري تحميهم مننا؟ طيب ورينا بقى يا حلوة هتقدري تعملي ايه معانا."
الألم اخترق فروة رأس ترنيم، لكن عينيها بقيتا ثابتتين، متحديتين.
رفعت رأسها بصعوبة وبصقت في وجهها دون تردد.
ثم قالت باحتقار واضح:
"انتي واحدة مريضة، مش طبيعية، وأخرتك هتكون وحشه اوي."
لحظة صمت قصيرة، ثم انفجرت مريم في ضحك هستيري، ضحك بلا اتزان، ضحك شخص فقد آخر خيط من العقل، وفجأة، سكتت، وصفعتها.
الصفعة كانت قوية لدرجة أن رأس ترنيم انحرف جانبًا، واهتز جسدها للحظة.
أمسكتها من ذراعها وأجبرتها على الوقوف، ثم بدأت تدفعها بعنف باتجاه الباب.
فتحت الباب وهتفت بصوت غاضب:
"خد دي ظبطها، أصلها حبيبت الاتنين وهتوجعهم اوي."
أومأ الرجل برأسه، نظراته كانت مقززة، شهوانية، مريضة.
اقترب منها ببطء، مد يده، ثم مال بجسده فجأة وحملها بالقوة.
صرخت ترنيم، حاولت أن تضربه، أن تدفعه، أن تتحرر، لكن قبضته كانت أقسى.
ابتعد بها وسط صراخها، ومحاولاتها الفاشلة لتبعده.
الصوت اختفى تدريجيًا خلف الباب.
ساد صمت ثقيل في الغرفة.
نظرت فريدة إلى مريم بعيون واسعة، ممتلئة بالرعب، واحتضنت ابنتها بقوة كأنها تحاول أن تذيبها داخل صدرها، ثم قالت بصوت مرتعش:
"انتي ازاي كده؟ وازاي مشوفتش حقيقتك القذرة دي؟"
التفتت إليها مريم ببطء.
ارتسمت على وجهها ابتسامة لئيمة، ابتسامة شخص يستمتع بانكشاف وجهه الحقيقي.
قالت باستهزاء:
"علشان انتي عبيطة يا بنت خالتي، عايشة فى قصص الحب والأساطير، مفكرة أنك هتقدري تخلي سلطان يحبك، وهو مش شايفك اصلا، كان سهل عليا اوي استغلك علشان تنقلي ليا اخباره اول بأول، وانتي زي الهبلة وافقتي."
كانت الكلمات تسقط على فريدة كحجارة.
هزت رأسها بعدم فهم، الدموع تنهمر، وقالت بصوت مكسور:
"ليه طيب؟ سلطان عملكم ايه؟ عايزين تأذوا ليه؟"
تحركت مريم ببطء داخل الغرفة، خطواتها هادئة، وكأنها تحكي قصة مسلية لا سلسلة من الدماء.
توقفت، نظرت أمامها بشرود، كأنها ترى ماضيًا يشتعل، ثم بدأت تتكلم:
"سلطان، مفكر نفسه كبير، الكل في الكل، الجماعة بعتوا ليه ناس كتير علشان يشتغل معاهم، بس رفض، زقوا عليه المعلم حافظ، رفض برضه."
كانت تحكي بتفاصيل باردة، وكأن كل جريمة مجرد خطوة في خطة.
"مكانش فيه طريقة غير أن يندس حد فى بيته علشان يقدر يساعدهم فى تهريب الشغل فى بضاعة سلطان، ساعتها تدخل رجب وطلب منهم يقتلوا ابو ترنيم علشان يتجوز خالة سلطان لأنها اقرب حد ليه."
فريدة شهقت، يدها تشد على ابنتها أكثر.
"وفى الوقت ده ابراهيم ابو غريب كان اخطر قناص وكان عنده مهمه فى مصر، الجماعة طلبوا منه يقتل ابو ترنيم بالمرة مدام فى مصر وقتله."
كانت تتكلم بلا ذرة ندم، بل بفخر.
"وبعد فترة صغيرة اتقدم رجب، وافقوا عليه، واتقرب من سلطان واشتغل معاه فى المكتب وبقى هو اللي بيساعد الجماعه فى التهريب."
استمرت تحكي، كل كلمة تكشف طبقة جديدة من الخيانة.
"وبعد فترة كبيرة دخلت أنا على أن عملية مهمة عنده وكنت بطلب منه شغل كتير علشان يظبط ميعاده مع ميعاد شحنة التهريب."
تغيرت ملامحها فجأة عند ذكر الاسم.
"بس جه في يوم بنت الكلب اللي اسمها ترنيم دي ضربتني، وهو علشان يرضي السنيورة بتاعته نهى الشغل معايا، وحياتي انقلبت من وقتها."
صوتها اهتز للحظة، ليس ألمًا، بل غضبًا.
"لأن الجماعة شافوا أن أنا بقيت ورقة ملهاش لازمة."
بدأت تمشي في الغرفة بعصبية.
"روحت لرجب، وكنت اعرف ميعاد اخر شحنة المفروض هتتسلم، اتفقت معاه أننا ناخد البضاعة منهم فى عرض البحر ونعوض الخسارة، ونفذنا الخطة."
نظرت إليهم بعينين مشتعلة.
"بس اللي كنا مش عاملين حسابه، أنهم يعرفوا أننا عملنا كدة، تزامن ده مع وجود غريب ضرغام، فى مصر علشان شغل ليه تبعهم، وعرفنا أنهم طلبوا يصفونا عن طريقة، بس الصدفة ظهرت ترنيم فى حياة غريب واتغيرت الأحداث كلها، واتجوزها حاولة اخليه يقتل سلطان علشان نرجع شغل تاني مع الجماعة بس ضعف قصاد ترنيم، ومبقاش غريب ضرغام اخطر قناص فى العالم، ساومتة على جوازنا يا اروح اقول لترنيم على كل حاجه اعرفها عنه، حاولة استغل وجودي جنبه علشان اطلع بأي معلومة تفيدني وترجعني تاني للجماعة، وفى نفس الوقت اضغط على ترنيم بالورقة الرابحه اللي معايا أن أعرف مين اللي قتل ابوها واخليها تمضي سلطان تنازل عن كل املاكة وساعتها هيكون عندي فرصة اشتغل تاني معاهم، بس معرفش البت دي بتعمل ايه للرجالة، وغريب حاول يخلص مني وفى نفس الوقت وقع الدكتور عصام وده كان عضو مهم فى العصابة وفى نفس الوقت سلطان أتحد مع غريب علينا اتفقت مع ام غريب أن اخلص على ترنيم قصاد أنها تسجن سلطان وكده يكون خلا ليا الجو بس شكلها طلعت جبانة ومشيت ومردتش عليا."
تابعت بلا توقف، عن غريب، عن ترنيم، عن الزواج، عن الابتزاز، عن التهديد، عن محاولة قتل، عن سقوط الدكتور عصام، عن الاتفاق مع أم غريب، عن الفشل.
كل ذلك خرج من فمها كاعتراف طويل، لكنه لم يكن اعتراف ندم، كان اعتراف تحدي.
"مكانش فيه قصادي غير أننا نخطفكم وأخلص عليكم وعليهم، وكده كده انا مبقاش عندي اللي أخسره."
الصمت بعد كلماتها كان ثقيلًا.
حركت فريدة رأسها بعدم تصديق، شفاهها ترتعش:
"انا هتجنن، انتي ازاي كده ومكنتش شايفه حقيقتك؟ انتي مجنونة على رأي ترنيم، وانا اللي كنت مفكرة أنك عايزة مصلحتي."
انفجرت مريم في ضحك مرة أخرى.
نظرت إليها بشر واضح وقالت:
"أنا اهم حاجه عندي مصلحتي وبس."
ثم التفتت إلى رجب، غمزت له بمزاح بارد:
"وانت طبعا يا رجوبتي."
جلست على المقعد ببطء، وضعت ساقًا فوق الأخرى، ثم نظرت إلى رنيم.
كانت الطفلة ملتصقة بأمها، جسدها الصغير يرتجف.
بدأت مريم تحرك أصابعها في الهواء بطريقة شرانية، وقالت بنبرة مرعبة:
"نبدأ بيكي الاول، ولا بمامي؟"
صرخت فريدة، احتضنت ابنتها بقوة أكبر، وكأنها تحاول أن تحميها بجسدها:
"ابعدي عن بنتي يا مريم! ملكيش دعوة بيها، لو هتأذي حد يبقى الحد ده انا علشان استاهل أن صدق واحده زيك."
انتهت كلماتها، لكن عبراتها لم تتوقف.
كانت تنهمر بغزارة، مختلطة بالخوف،
بالندم، وبإحساس قاتل أنها هي من فتحت الباب لهذا الجحيم.
     ************************
عند ترنيم...
دفعها الرجل بقوة فسقطت على الأرض، وارتطم جسدها بالأسمنت البارد كأن الأرض نفسها تتآمر عليها. شهق الألم في بطنها، فوضعت يدها عليها بغريزة أمٍ تحاول أن تحمي صغيرها حتى وهي مكسورة، كانت تزحف إلى الخلف، تتشبث بأي مسافة بينها وبينه، ودموعها تنهمر بلا توقف.
"ابعد عني اياك تقرب مني فاهم."
كان صوتها يرتجف، لكن فيه بقايا قوة عنيدة ترفض الانكسار.
اقترب منها وهو يفتح الحزام الجلدي ببطء متعمد، كأنه يستمتع برعبها، وقال بسخرية مستفزة:
"اوه يا مامي خوفت منك يا بت، هو انا مجنون علشان ابعد عن الجمال ده كله."
تسارعت أنفاسها، والتصقت بظهرها بالحائط، لا مهرب، لا باب، لا أحد.
صرخت بغضب يختلط بالبكاء:
"متقربش مني انا حامل يا حيوان."
كلمة حامل خرجت منها كاستغاثة أخيرة، كأنها تضع بينه وبينها حاجزًا من الإنسانية، إن بقي لديه منها شيء.
لكنه لم يتوقف.
انحنى فوقها محاولًا الاعتداء عليها، وصوتها يعلو بنداء متكرر، مستميت، ممزق:
"سلطان! سلطان!"
كان اسمه يخرج منها وكأنه طوق نجاة، وكأنها تؤمن أن صوته وحده قادر أن يشق الجدران ويصل إليها.
وفجأة.
سقط جسد الرجل فوقها دفعة واحدة، ثقيلًا، بلا حركة.
تجمدت لثوانٍ، لم تستوعب ما حدث. دفعت الجسد عنها بصعوبة، تلهث، تتخبط أنفاسها في صدرها كعصفور محبوس، رفعت رأسها ببطء، وعيناها تلمعان بين الذهول والخوف.
وجدته.
تامر.
كان يقف فوق الرجل، يمسك بيده أداة حادة ملطخة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه تشتعلان بغضب لم تره فيه من قبل.
نهضت مترنحة، وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها، وارتمت في أحضانه، تشبثت به بقوة، جسدها يرتعش كطفلة أفلتت لتوها من موت محقق.
"ألحقني يا تامر خطفوني وكان عايز يعتدى عليا الحيوان ده."
كانت كلماتها تتكسر بين شهقاتها، والخوف ما زال عالقًا في صوتها.
أبعدها عنه قليلًا، أمسك بكتفيها، وملامحه متجهمة، قاسية بشكل غريب:
"تعالى ورايا هخرجك من هنا."
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالألم، لكن عقلها لم يسمح لها أن تنسى.
فريدة، رنيم.
تذكرت وجه الطفلة وهي تبكي في الهاتف، وصوت فريدة المرتعش، وتهديدات مريم التي ما زالت تتردد في أذنها.
هزت رأسها بسرعة وقالت بحزن:
"استنى مش هينفع نمشي من هنا، فريدة ورنيم بنت سلطان جوه ومريم هتأذيهم."
أغلق عينيه للحظة، كأنه يقاوم إعصارًا داخليًا، حين فتحهما، كان فيهما غضب مكتوم، ووجع قديم لم يشفي.
وتكلم بصوت منخفض، لكنه مختنق:
"انا مليش دعوة بحد يتحرقوا هما وسلطان، امشي يلا بدل ما اسيبك هنا لوحدك معاهم وامشي."
كانت كلماته كالسكاكين، ليس لأنها قاسية فقط، بل لأنها خرجت من أخٍ يخاف عليها، لكنه ما زال يحمل في صدره نارًا لم تنطفئ.
حركت رأسها بالرفض، ودموعها تتساقط في صمت مؤلم:
"مش هقدر أسيبهم يا تامر، عايز تساعدني نخرجهم من هناك ماشي، مش عايز تقدر تمشي، وشكرا أنك أنقذت حياة اختك."
أنهت كلماتها بمرارة واضحة، ثم تحركت من أمامه بخطوات بطيئة، حذرة، لكنها ثابتة، كانت كل خطوة تعني قرارًا، مواجهة، احتمال موت.
ضغط تامر على أسنانه بغضب، وارتجفت عضلات فكه وهو يشاهدها تمضي نحو الخطر بإرادتها، لوهلة فكر أن يتركها، أن يعاقب العالم كله بتركه يحترق.
لكنها أخته.
تنهد بقسوة، وتحرك خلفها بخطوات صامتة، يمسك الأداة في يده بإحكام، عينيه تمشطان المكان بحذر.
لم يكن مستعدًا أن يخسرها.
حتى لو اضطر أن يحارب الجميع من أجلها.
      ************************
كان سلطان وغريب يجلسان وكأنهما فوق جمر مشتعل، لا يهدأ ولا يخبو. الصمت بينهما لم يكن راحة، بل كان عذابًا بطيئًا، كل دقيقة تمر كانت تسحب من روحيهما جزءًا، وكل ثانية كانت تحمل احتمال كارثة.
وفجأة، قطع الصمت صوت رنين هاتف سلطان.
انتفض من مكانه كأن الصوت صاعقة أصابته، التقط الهاتف بسرعة، وعيناه تشتعلان بترقب مخيف، استمع لثوانٍ معدودة، ثوانٍ بدت كأنها عمر كامل.
ثم أغلق الخط.
رفع رأسه، ونظر إلى الرجال وإلى غريب، وقال بنبرة غاضبة مشتعلة:
"عرفت مكانهم فين."
لم ينتظر ردًا.
ركض إلى سيارته بخطوات سريعة، مشحونة بالوعيد، تبعه غريب ورجالهم، وكل واحد منهم يدرك أن اللحظات القادمة لن تكون عادية. انطلقت السيارات خلف سلطان بسرعة جنونية، الإطارات تصرخ فوق الأسفلت، والهواء يصفع الوجوه من النوافذ المفتوحة.
الوقت كان يمر عليهم كالدهر، الطريق يطول رغم السرعة، وكل منهم يرى في خياله أسوأ الاحتمالات.
وفجأة، أعلن هاتف غريب عن وجود اتصال.
نظر إلى الشاشة، وتغيرت ملامحه فورًا، أجاب بسرعة، وقبل أن يتكلم سمع صوت والده إبراهيم، صوت مختنق، مكسور، لم يعتد أن يسمعه هكذا:
"غريب، انتقموا مننا فى امك، ضربوها بالرصاص، وهي دلوقتي فى المستشفى حالتها خطر وعايزة تشوفك."
تجمدت نظرات غريب أمامه.
لم يعد يرى الطريق.
لم يعد يسمع صوت المحرك.
كأن الزمن توقف فجأة، ووجد نفسه في مفترق طرق لا يرحم.
زوجته ترنيم… روحه التي تقاتل الآن وسط الخطر.
وأمه… مهما كانت المسافة بينهما، مهما كان الجفاء، ستظل أمه، دمه، أصله.
انقبض قلبه بقوة حتى شعر أن أنفاسه تخونه.
وفجأة ضغط على المكابح، فتوقفت سيارته بشكل مفاجئ على جانب الطريق.
رد بكلمة واحدة، خرجت منه بصعوبة:
"انا جاي."
أغلق الخط، ويده ترتعش للحظة قبل أن يسيطر على نفسه، أجرى اتصالًا سريعًا بسلطان، وما إن سمع صوته حتى تكلم بصوت مختنق، يحاول أن يبدو متماسكًا:
"امي فى المستشفى ما بين الحياة والموت ضربوها بالرصاص وهي طالبة تشوفني ضروري، روح انت والرجالة وانا هروح ليها وبعد كده هجيلكم، سلطان مراتي وابني مش عايزهم يتأذوا."
كانت كلماته الأخيرة أشبه برجاء، أو وصية.
أغلق الخط قبل أن يسمع ردًا، لأنه كان يعلم أن أي كلمة تعاطف الآن قد تكسره.
أدار السيارة بعنف، وانطلق بها مسرعًا نحو المشفى، وعقله ممزق بين صورتين، ترنيم تصرخ وسط الخطر، وأمه ممددة على سرير أبيض، تتشبث بالحياة في انتظار رؤيته.
كان يشعر أن قلبه انقسم نصفين.
نصف يركض نحو المستشفى،
ونصف بقي مع سلطان، في طريق الدم.
     *************************
عند ترنيم...
تحركت ترنيم بخطوات محسوبة، أنفاسها خافتة كأنها تخشى أن يسمعها الهواء نفسه، قلبها كان يخبط في صدرها بعنف، لكنها كانت تجبر قدميها على الثبات.
وفجأة، تفاجأت بأخيها خلفها.
التفتت نحوه، واتسعت عيناها لوهلة، ثم ارتسمت ابتسامة صغيرة رغم كل الحزن والوجع، شعرت بشيء يشبه الطمأنينة يتسلل إلى قلبها حين تأكدت أنه معها، ليس ضدها.
كادت تتحرك، لكن تامر سحبها سريعًا وأخفاها خلف ظهره، في اللحظة نفسها ظهر أحد الرجال أمامهم.
نظر إليه تامر بثبات مصطنع، وصوته خرج رجوليًا رغم القلق الذي يعصف بداخله:
"سيب هنا وروح عند الباب التاني علشان تأمن المكان كويس."
أومأ الرجل بطاعة، وتحرك بعيدًا.
تنهدت ترنيم بارتياح، ونظرت إلى أخيها بامتنان صامت. ثم تحركت بحذر حتى وصلت إلى باب الغرفة التي تحتجز فيها رنيم وفريدة.
مدت يدها لتفتح الباب، لكن تامر أمسك يدها بسرعة، وهمس بحدة:
"استني هنا يا مجنونة، هتفتحي الباب وبعد كده هتعملي أية؟ هتقوليلهم هاي أنا جايه اطمن عليكم!"
نظرت إليه بعدم فهم، وهمست:
"طيب المفروض اعمل ايه؟ ما أنا لازم ادخل علشان انقذ رنيم وفريدة."
زفر بضيق، وصبره يكاد ينفد:
"اصبري، أنا هدخل الاول، وهحاول اشتتهم، ولحظة دخولك أنا همنع مريم وابويا من أنهم يقربوا، وانتي تخديهم وتدخلي الاوضة اللي جنبنا دي وتقفلي عليكم الباب لحد ما أمن ليكم خروجكم."
ثم أخرج سلاحًا من جيبه، وضعه في يدها، وعيناه تركزان عليها بجدية:
"خلي ده معاكي، لو اي حد اتعرض ليكي اضربي بالرصاص على طول، فاهمة!"
أومأت برأسها وأخذت السلاح، يدها ترتجف لكنها لم تتراجع.
وقبل أن يفتح الباب، نادته بصوت ممتلئ بمشاعر مكبوتة:
"تامر! أنا اسفه لو فى يوم قللت منك ومكنتش حاسه بأهميتك فى حياتي."
نظر في الاتجاه الآخر، لم يرد.
اقتربت منه واحتضنته بقوة، كأنها تعوض سنوات من الجفاء، وقالت بحنان موجوع:
"بحبك، وعمري ما كرهتك، حتى لما كنت ناوي تقتلني، مصدقتش انك تقدر تعمل فيا كده، عارفه أن عيشت حياتي اللي فاتت مقللة منك ومن وجودك؛ بس غصب عني والله، كبرت وفتحت عيني على سلطان مكنتش شايفه ولا اعرف غيره."
أغلق عينيه، وشيء ثقيل انكسر داخله، أبعدها برفق وقال بصوت هادئ:
"مش وقته الكلام ده يا ترنيم، بعدين، يلا قبل ما حد يشوفنا."
أومأت بابتسامة باهتة، ومسحت دموعها بسرعة.
فتح الباب بهدوء، ودخل وكأنه لا يعلم شيئًا.
نظر إلى رنيم وفريدة، ثم اقترب من مريم ورجب وقال ببرود:
"اومال التانيه فين؟"
ردت مريم بشك:
"ترنيم بعتها مع الرجالة فى مشوار صغير كده، بس غريبه ايه رجعك تاني؟ مش كنت رايح مشوار ومرضتش تدخل معانا هنا؟"
أومأ بثبات، ووقف أمامهما ليحجب الرؤية:
"اه ما أنا رجعت تاني، نسيت اخد تليفوني، اخده وقولت اجي اشوف وصلتوا لايه!"
في تلك اللحظة كانت ترنيم تتحرك بخفة خلفه، تفك قيود فريدة ثم الطفلة الصغيرة.
صدر صوت خافت، التفتت مريم بشك، حاولت التحرك، لكن تامر قال بسرعة متوترة:
"ب بقولك صح محدش قالك غريب وسلطان وصلوا لايه؟"
دفعته مريم بعنف وقالت بغضب:
"أنا قولت من الاول انك عيل وميعتمدش عليك، عايز تهرب اختك؟ وديني لاحرق قلبك عليها."
رفعت سلاحها باتجاه ترنيم.
لكن تامر دفع يدها، فسقط السلاح، ولوى ذراعها خلف ظهرها بغضب:
"أنا اللي هوريكي العيل هيعمل فيكي ايه."
وفجأة، صرخت فريدة:
"ترنيم خلي بالك!"
دوى صوت رصاصة، خرجت من سلاح رجب، واستقرت في صدر فريدة.
سقطت على الأرض، الدم ينتشر حولها، ورنيم تصرخ بأعلى صوتها. وضعت ترنيم الطفلة أرضًا واندفعت نحو فريدة، تضغط على الجرح بيديها المرتعشتين:
"متخافيش يا فريدة هتبقى كويسه، زمان غريب وسلطان جاين ينقذونا دلوقتي."
ابتسمت فريدة ابتسامة باهتة، وصوتها خرج ضعيفًا:
"مش هلحق خلاص يا ترنيم، بترجاكي خلي بالك من بنتي، ربيها كويس، واوعي تقسي عليها، ولما تكبر قوليلها أن انا كنت بحبها اوي، وكان نفسي اشوفها وهي لابسة فستانها الأبيض، ومتزعليش مني، أنا كنت بعمل معاكي كده بسبب غيرتي على سلطان، علشان كنت بحبه اوي."
وفي لحظة صمت ثقيلة، فاضت روحها.
أغلقت ترنيم عينيها، والدموع تنهمر بلا توقف. حملت الطفلة بين ذراعيها، ورنيم تصرخ:
"مامي، مامي!"
صرخ تامر:
"مش وقته يا ترنيم خدي البنت واخرجي بسرعة."
نظرت إلى فريدة نظرة أخيرة، ثم ركضت.
لكن أحد رجال مريم ظهر أمامها فجأة.
اتسعت عيناها، فوضعت الطفلة داخل الغرفة المجاورة، وأغلقت الباب بإحكام، ثم ركضت بعيدًا لتشتت انتباهه، والرجل يلاحقها.
داخل الغرفة…
اشتد الصراع.
صفع تامر مريم بقوة، حاول رجب تقييده، لكنه كان أقوى، دفعه بعيدًا، وأمسك مريم من شعرها قبل أن تلحق بترنيم، ودفعها أرضًا بجوار رجب، ووجه سلاحه إليهما وهو يلهث:
"اللي هيفكر يقرب منها هفرغ سلاحي ده كله فيه."
تحدث رجب ببرود خبيث:
"يا عبيط يا أهبل، عرفت تضحك عليك بالشويتين اللي بتعملهم دول؟ نسيت كانت مهمشاك ازاي؟ نسيت أنها كانت السبب فى موت امك؟ فؤق يا حمار، دي بتستخدمك كوبري مش اكتر."
ابتسم تامر ابتسامة مرة، وصوته خرج مختنقًا لكنه ثابت:
"متحاولش، كتير كنت بتقدر تأثر فيا بكلامك ده، حاولت تخليني نسخه منك، بس لا، أنا مش كده، ولا عمري هكون كده، أنا فهمت الحقيقة، انت واحد أناني اهم حاجه عندك مصلحتك وبس، أنا مش خايف، ومستعد أذي اي حد يفكر يقرب منها، حتى لو الحد ده انت يا بابا."
صرخت مريم:
"فؤق يا متخلف انت هتكون كبش فدى ليها، اول ما تخرج هتسلمك للشرطة، انا خايفة عليك!"
صرخ تامر:
"أنا قولت محدش يتحرك، فاااهمين!"
لكن فجأة، شعر بضربة قوية على مؤخرة رأسه، أظلم كل شيء، سقط فاقدًا للوعي.
نهضت مريم بغضب وقالت بأمر:
"كتفه وارمي هنا لحد ما نخلص من التانيه الاول وبعد كده أفضى ليه."
نظر رجب إليه بقلق ممزوج بالغضب، ثم تبع مريم إلى الخارج.
وبقي تامر ممددًا على الأرض، بين الحياة والانتقام.
      ***********************
ركضت ترنيم إلى الخارج، قدماها تكادان لا تلمسان الأرض من شدة الخوف، الهواء كان يلسع صدرها، وأنفاسها تتقطع وهي تبحث بعينيها عن أي مكان تختبئ فيه.
رأت عمودًا إسمنتيًا، فانزلقت خلفه سريعًا، تستند إليه وهي تلهث، وضعت يدها على صدرها تحاول أن تهدئ ضربات قلبها التي تكاد تفضح مكانها.
أخرجت السلاح من خلف ظهرها بيد مرتجفة، وبدأت تحرك يدها ببطء، تتحسس الفراغ حولها، تبحث عن الرجل الذي كان يطاردها.
وفجأة، شعرت بيد قوية تطبق على فمها.
اتسعت عيناها، وبدون تفكير عضت اليد بقوة، وكادت أن تصرخ، لكن صوتًا هامسًا، مألوفًا، دافئًا رغم التوتر، وصل إلى أذنها:
"شش، انا سلطان يا ترنيم."
تجمدت للحظة، ثم التفتت بسرعة، وما إن وقعت عيناها عليه حتى انهارت داخله.
ارتمت في أحضانه، تمسكت به بقوة كأنها تخشى أن يختفي، وانهمرت دموعها بغزارة، وقالت بين شهقاتها المتقطعة:
"فريدة اتقتلت يا سلطان، اخدت الرصاصة مكاني، علشان تحميني."
ابتعد بها قليلًا، أمسك كتفيها، وعيناه اتسعتا بصدمة لم يستطع إخفاءها:
"ف فريدة اتقتلت! ط طيب رنيم فين؟"
كان صوته مهزوزًا رغم محاولته الثبات.
ردت بصوت مختنق:
"متخافش عليها، حطتها فى اوضة وقافلة عليها الباب بالمفتاح، أنا اسفة يا سلطان، مقدرتش احميهم زي ما قولتلك."
ثم نظرت خلفه بقلق وسألته:
"اومال فين غريب؟"
تنهد بحزن عميق وقال:
"أمه ضربوها بالرصاص ودخلت المستشفى، حالتها خطرة وطالبة تشوفه، راح ليها."
أومأت برأسها، القلق يتضاعف في عينيها:
"ماشي، يلا بينا بسرعة قبل ما حد يشوفنا هنا."
هز رأسه مطمئنًا إياها:
"متخافيش، زمان الرجالة مسكوهم."
لكن قبل أن يكمل، تعالت ضحكات مريم، باردة، شريرة، تخترق الهواء:
"اممم، العشيق والعشيقة، شكلكم قذر اوي الصراحه، واحد بيخون مراته اللي لسه ميته جوة، والتانيه بتخون جوزها، علاقة فى منتهى القذارة الصراحه."
استدار سلطان ببطء، والشرار يتطاير من عينيه، وقال بغضب مكبوت:
"وانتي بقى الشريفة؟ يا بت ده انتي حاولتي معايا كتير زمان، كنتي بترمي نفسك تحت رجلي علشان تبقى معايا وفى حضني  وانا اللي كنت برفض علشان مخونش ترنيم، معملتيش حساب أن انا ابقى جوز بنت خالتك اللي خطفتيها وكنتي السبب فى قتلها."
تحركت مريم نحوه ببطء، ابتسامة لئيمة ترتسم على وجهها:
"ايوه كنت بتقرب منك علشان مصلحتي، هو أنا مقولتلكش أن أهم حاجه عندي هي مصلحتي وبس، ومستعدة اعمل اي حاجة في سبيل أن أوصل للي أنا عايزاه."
وفجأة، شعر سلطان ببرودة فوهة سلاح خلف رأسه.
وصوت رجب يهمس بسخرية:
"اخيرا شرفت يا معلم سلطان، ونهايتك هتكون على ايدي أنا."
شهقت ترنيم، لكن سلطان نظر إليها نظرة سريعة يطمئنها، ثم قال بغضب متحدٍ:
"رجب الواطي! ليك وحشة يا راجل، كنت متشوق جدا للمقابلة دي علشان اخلص الناس من شرك."
ضربه رجب بمؤخرة السلاح على كتفه بعنف، وقال:
"رجب عطالله مستحيل تكون دي نهايته يا معلم سلطان، هقتلك وهقتل السنيورة اللي معاك، وهاخد مريم ونهرب من هنا ونعيش الحياة اللي نستحقها."
ضحك سلطان باستهزاء رغم الألم:
"يا راجل يا عجوز، هو انت فيك نفس لسه؟ ده انت رجلك والقبر، انت اول واحد مريم هتضحي بي علشان مصلحتها."
وفي اللحظة التالية...
دوى صوت رصاصة، اتسعت أعينهم جميعًا.
الرصاصة خرجت من سلاح مريم، واستقرت في صدر رجب.
سقط أرضًا، والذهول ما زال مرسومًا على وجهه.
قالت مريم بلا مبالاة، وكأنها تخلصت من شيء بلا قيمة:
"ولا تزعل يا روحي، حققتلك كلامك وخلصتك من رجب، خد بقى زي الشطور امضي على الورق ده بدل ما الرصاصة التانيه تستقر فى قلب السنيورة بتاعتك."
حاول سلطان رفع سلاحه باتجاهها،
لكن رصاصة سريعة خرجت من مسدسها، استقرت في كتفه، فسقط سلاحه أرضًا وتأوه بألم حاد.
صرخت ترنيم، ودموعها تنهمر:
"انتي مجنونة مش طبيعيه، ابعدي عننا بقى!"
اقتربت مريم ببطء، توجه سلاحها نحو ترنيم، وقالت بأمر بارد:
"هتمضي، ولا احرق قلبك عليها؟"
أمسك سلطان الأوراق بيد مرتجفة، الألم يمزق كتفه، ورؤيته بدأت تتلاشى تدريجيًا، كانت الكلمات أمامه تتداخل، لكن صورة ترنيم وهي تحت تهديد السلاح كانت واضحة كالشمس.
وقع على الورق بصعوبة.
سقط القلم من يده.
واهتز جسده، ثم سقط فاقدًا للوعي.
صرخت ترنيم بجنون، جثت بجواره، تهزه بيديها المرتعشتين:
"سلطان رد عليا، ابوس ايدك فتح عينك سلطااان! يا سلطااان!"
لكن مريم لم تمهلها.
أمسكتها من شعرها بعنف، جذبتها بعيدًا عن جسده الملقى على الأرض، والتقطت الأوراق بسرعة، وهي ترغمها على التحرك معها تحت صراخها المستمر، وبقي سلطان ممددًا، غارقًا في الدم والصمت.
    *************************


تعليقات