رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع والثلاثون 

جلس غريب على المقعد المقابل لسرير والدته، ظهره مستقيم لكنه منهك، ويداه متشابكتان بقوة فوق ركبتيه كأنه يحاول أن يثبت نفسه حتى لا ينهار.
نظر إليها طويلًا، وجهها الشاحب، أنفاسها المتقطعة، الأجهزة التي تحيط بها كأنها حواجز بينه وبينها.
كانت مغمضة العينين، ساكنة بشكل يخيفه.
تنهد ببطء، ثم تكلم بصوت مختنق، كأن الكلمات تسحب من صدره سحبًا:
"أنا مش عارف ازعل عليكي ولا افرح فيكي، مشاعري متلخبطه، حاسس ان قلبي وجعني عليكي ومش قادر اشوفك كده، وفى نفس الوقت بفتكر أنك فضلتي نفسك واتنازلتي عني بسهولة، ومفكرتيش ولا مرة تخديني فى حضنك، خذلتيني فيكي بدل المرة مليون مرة."
كانت الجملة الأخيرة تخرج منه بوجع طفل، لا رجل اشتهر بالقسوة.
في تلك اللحظة، جاءه صوت والده إبراهيم من الخلف، هادئًا لكنه محمل بثقل السنين:
"متظلمهاش يا ابني وتعمل زي، للاسف عرفت الحقيقه متأخر اوي، امك متنازلتش عننا بسهولة زي ما كنت مفكر، هي عملت كده علشان تحافظ علينا وتحمينا، جدك كان عايز يأذيني ويأذيك، هددها بينا، علشان كان خايف على اسمه ومنصبه، علشان كده أُجبرت أنها تتخلى عننا، امك بتحبنا اوي، وكنت مستغرب من قرارها ده وقتها، بس كان فيه حاجه جوايا بتأكدلي أن امك بتحبنا ومتخلتش عننا."
تجمد غريب في مكانه.
التفت ببطء نحو والده، والغضب بدأ يتسلل إلى ملامحه، يمتزج بالذهول:
"جدي هو اللي بعدنا عن بعض طول السنين دي كلها؟! طيب ازاي؟ والمهمة، ووجودي هنا واتفقنا!"
تسارعت أنفاسه وهو يربط الخيوط ببعضها، ثم اتسعت عيناه فجأة.
نظر إلى والدته، ثم إلى والده، وصوته خرج مكسورًا:
"يعني هو كان السبب أنها تسيبنا زمان، ورجع بعد السنين دي كلها، يطلب مننا نساعدة فى القضية دي، طيب ازاي وبأي وش يطلب مننا حاجه زي دي!؟ وكان هو السبب فى كل حاجه عشتها زمان؟"
ابتسم إبراهيم ابتسامة حزينة، وأومأ برأسه:
"لسه عارف حالا انه هو السبب، لو كنت اعرف الحقيقه مكنتش وافقت انك تساعده."
في تلك اللحظة، تحركت رأس سيمون ببطء، كأنها تصعد من بئر عميق. فتحت عينيها بصعوبة، نظراتها تبحث، حتى استقرت عليه.
همست بصوت ضعيف:
"غريب، ابني حبيبي، سامحني، مكانش قصدي أذيك، كان نفسي اشوفك مع واحدة تشرفنا بجد، متخيلتش انك بتحبها اوي كدة، لما مريم طلبت مني أنها تخلص على ترنيم مقابل أن اخلي جدك يسجن سلطان، عرفت قد ايه انت بتحبها، كنت ناوية اجي اقولك على اللي هي ناوية عليه، بس هي غدرت بيا، سامحني يا غريب، روح انقذ ترنيم منها، رجعها هي وحفيدي كويسين، روح يا ابني."
كانت كل كلمة تخرج منها وكأنها آخر ما تملكه من قوة.
نظر إليها، والدمعة تجمدت عند أطراف عينيه، ترفض السقوط، لم يكن يبكي، لكنه كان مكسورًا من الداخل.
مد يده وأمسك يدها برفق، وكأنه يخشى أن تتلاشى بين أصابعه، وقال بصوت منخفض متحشرج:
"وحياتك عندي، لانتقم منها ومن اي حد كان ليه يد فى اذيتك انتي وترنيم، أنا هروح، بس اوعديني انك هتتمسكي بالحياة علشان خاطري."
أومأت برأسها بابتسامة حزينة، ثم أغلقت عينيها مرة أخرى، كأنها تسلم نفسها للراحة، أو للانتظار.
رفع غريب رأسه نحو والده، وقال بصوت هامس لكنه حاسم:
"خلي بالك منها يا بابا، وخلي بالك من نفسك، هروح اخلص حساباتي وارجعلكم."
تحرك نحو الباب بخطوات سريعة، لكن حين وصل إليه سمع صوت إبراهيم يناديه، توقف، استدار.
نظر إليه والده بنظرة أب خائف، لا رجل اعتاد القوة:
"غريب، خلي بالك من نفسك، هستناك."
تلاقت أعينهما لحظة طويلة، مليئة بما لم يقل.
ابتسم غريب ابتسامة حزينة، وأومأ برأسه، ثم فتح الباب، وخرج مسرعًا، يغلقه خلفه، وفي عينيه لم يعد هناك صراع، بل وعد.
     ***********************
بدأ تامر يحرك رأسه بصعوبة، كأن جمجمته تضيق عليه، والصورة أمامه مهتزة كأنها سطح ماء مضطرب. أصوات متداخلة تتردد في أذنيه، صدى بعيد لصرخات وارتطام وأبواب تغلق بعنف، حاول أن يثبت نظره، غرفة مظلمة، رائحة دم خانقة، وجسد ملقى بجواره غارق في الأحمر القاتم.
اتسعت عيناه فجأة.
ترنيم!
حاول الاعتدال فشدته الحبال بقسوة. كان مكبلاً، عاجزًا، وكل ثانية تمر عليه كأنها طعنة جديدة في صدره، شد على القيود حتى شعرت معصماه بالاحتراق، والأسى يغلي داخله، كيف انتهى به الحال هكذا؟
وفجأة، انفتح الباب بعنف.
دخل سلطان، مترنحًا، والدماء تنهمر منه بغزارة، خطواته ثقيلة لكنه كان يتشبث بالبقاء، عيناه تفتشان بجنون، خوف لا يشبه أي خوف. عندما وقعت عيناه على تامر، ثم على فريدة الملقاة بجواره، تقدم ببطء، كأن كل خطوة تنتزع من روحه.
انحنى، فك قيود تامر بأصابع مرتجفة، ثم جلس إلى جوار زوجته، مرر يده على وجهها برفق، وكأن لمسها هو الشيء الوحيد الذي يبقيه واقفًا. صوته خرج مكسورًا، محملًا بندم متأخر:
"أنا آسف، سامحيني، أرجوكي."
ثم رفع عينيه إلى تامر، لم يكن في نظرته تحدٍ ولا عداوة، فقط وصية رجل يرى نهايته تقترب.
"خلي بالك على ترنيم، قولها إنها كانت أجمل حاجة في حياتي، بنتي، وأمي، وأختي كمان، أمانة في رقبتك يا تامر."
كانت الكلمات تتقطع بين أنفاسه، كل جملة تسحب من صدره بصعوبة، ثم، سكنت ملامحه.
أغلق عينيه، كأن الظلام كان أرحم من كل ما عاشه.
تجمد تامر في مكانه.
نظر إلى سلطان، ثم إلى فريدة.
لم يعرف ما الذي شعر به، شفقة؟ ذنب؟ فراغ هائل؟
كل شيء اختلط داخله، حتى الكراهية التي طالما حملها تآكلت أمام هذا المشهد.
لكنه لم يملك رفاهية الانهيار.
نهض فجأة، قلبه يخبط بعنف، وصوت سلطان يتردد في رأسه:
"أمانة في رقبتك."
ركض إلى الخارج، أنفاسه متقطعة، والخوف يسبق خطواته، ترنيم ما زالت هناك،.وفي مكان ما داخل هذا الجحيم، المعركة لم تنتهي بعد.
      ***********************
ظلت مريم تجر ترنيم من شعرها بقسوة، تدفعها أمامها كأنها تسوق ذبيحة إلى نهايتها.
صرخت بصوت متحشرج من الغضب، وعيناها تقدحان شرًا:
"امشي، انجري يا بنت الكلب! زي ما حرقت قلبك على عشيقك، هحرق قلب غريب عليكي."
تعثرت ترنيم، كادت تسقط، لكن الألم في بطنها كان أقسى من السقوط. وضعت يدها عليه تحميه بغريزة أم مذعورة، ودموعها تختلط بأنفاسها المتقطعة:
"ابعدي عني يا مجنونة، نهايتك هتكون على إيدي."
تعالت ضحكات مريم، ضحكات خالية من العقل، مشبعة بالهوس.
اقتربت منها، وهمست كأنها تعلن حكمًا لا يقبل الاستئناف:
"النهاية؟ أنا اللي بكتبها بإيدي، كلكم نهايتكم اتكتبت خلاص، أملاك سلطان بقت ملكي، والمكتب هيخليني أهرب شغل الجماعة براحتي، وأرجع عندهم ورقة رابحة من تاني."
في لحظة اندفاع، دفعتها ترنيم بكل ما تبقى فيها من قوة، سقطت مريم أرضًا، ووقفت ترنيم أمامها بأنفاس مشتعلة:
"ده بعينك يا مريم! سلطان هيرجع، أقوى من الأول، وهيدفعك التمن غالي أوي."
نهضت مريم ببطء، ومسحت الدم من شفتيها، ثم أخرجت سلاحًا من خلف ظهرها.
كان الشر يلمع في عينيها بوضوح مخيف.
"يا حرام، بتحلمي بحلم مش هيحصل أبدًا."
وضعت إصبعها على الزناد.
لكن قبل أن تضغط، اهتز جسدها فجأة.
صوت رصاصة شق الهواء.
تجمدت عيناها، ونظرت إلى ترنيم بنظرة مشوشة، كأنها لا تستوعب ما حدث، حاولت أن تطلق النار، لكن رصاصة أخرى اخترقت جسدها، وأسقطتها أرضًا غارقة في دمائها.
وقفت ترنيم بلا حركة.
كانت على بعد نبضة واحدة من الموت، والآن الموت ملقى أمامها.
ثم شعرت بذراعين يحيطان بها بقوة.
"ترنيم!"
صوت غريب كان مرتعشًا، مخنوقًا بالخوف.
احتضنها كأنه يخشى أن تختفي من بين يديه.
"انتي كويسة؟ حد قرب منك؟ حد اذاكي؟"
انفجرت بالبكاء، تمسكت به وكأنها تغرق وهو طوق نجاتها الأخير:
"س سلطان يا غريب، ضربته بالرصاص، وتامر أخويا في خطر، الحقهم، بترجاك."
ابتعد قليلًا، أمسك وجهها بين يديه، عينيه تبحثان في ملامحها عن أي أثر أذى.
"طمنيني، انتي وابني كويسين؟"
أومأت برأسها، دموعها تنهمر بلا توقف، وفجأة، ارتج جسده بين يديها.
اتسعت عيناها برعب.
نظرت خلفه، مريم، بآخر ذرة حياة، أطلقت رصاصة استقرت في جسد غريب، قبل أن تسقط يدها إلى الأرض مفارقة الحياة.
سقط غريب على ركبتيه، ثم إلى الأرض، الألم ينهش صدره، وعيناه مثبتتان على ترنيم، كأنه يحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته الأخيرة.
صرخت، سقطت بجواره، احتضنت رأسه بين يديها:
"لااا، غريب! متسبنيش، علشان خاطر ابنك اللي في بطني! أقوله إيه لما يسألني عنك؟! أقوله عاش أسير لحبي ومات وهو بيدافع عني؟! أقوله إني ظلمتك؟! إنك اديتني حب واهتمام وأنا اديتك وجع وإهمال؟!"
كانت كلماتها تتكسر بين شهقاتها.
"لا، متعملش فيا كده، أرجع نبدأ من جديد، نعوض اللي فات، بترجاك!"
فتح عينيه بصعوبة، أنفاسه تتقطع، مد يده المرتعشة يمسك يدها.
صوته خرج واهنًا، لكنه صادق كنبض أخير:
"قوليله، إنك انتي الحب الأول والأخير ليا، قوليله إنك القمر اللي نور حياتي، وبوجودك بقى ليها معنى، خليه يحب الحياة، وقوليله إن أبوه عاش حياته غلط، وانك انتي الحاجة الوحيدة اللي كانت صح فيها."
توقفت أنفاسه لحظة، ثم همس:
"بحبك، يا نور عيوني."
سقطت يده من يدها.
سكون ثقيل ابتلع المكان.
دموعها انهمرت بلا توقف، وصوتها اختنق في صدرها.
وضعت يدها على بطنها، كأنها تنقل لطفلها دفء لمسة أبيه الأخيرة،
كأنها تخشى أن ينسى.
    *************************
بعد عدة سنين...
خرجت ترنيم مسرعة من غرفتها، خطواتها تضرب أرضية البيت في فوضى صباحية معتادة، وشعرها ينسدل على كتفيها بعشوائية لم تجد وقتًا لترتيبها، كانت تلاحق طفلها ذو الأربع سنوات الذي يركض أمامها ضاحكًا وكأن المدرسة ساحة معركة يجب الهروب منها.
صوتها ارتفع وهي تلهث خلفه، يحمل مزيجًا من العصبية والحنان:
"الباص هيفوتك يا أبن الورمة أخلص وتعالى ألبس البنطلون."
توقف الطفل لحظة، التفت إليها بعينين واسعتين تمتلئان بدهاء طفولي، ثم قال متصنعًا الوهن:
"قولتلك أنا تعبان اوي وعندي سخونيه وبكح وبعطس وعندي احتقان ودايخ."
وضعت يدها على خصرها، أنفاسها متقطعة بين الضحك المكتوم والإنهاك، وقالت بنفاذ صبر تخفي خلفه حبًا جارفًا:
"يا ابني حرام عليك دوختني معاك، انت طالع شقي كده لمين؟"
في تلك اللحظة، أتاها من الخلف صوت غريب، دافئًا، يحمل ابتسامة واضحة حتى قبل أن تلتفت إليه:
"سمعت انك كنتي شقيه كده وانتي صغيرة."
التفتت نحوه، ابتسمت، لكن ابتسامتها لم تكن كاملة، شيء ما اهتز داخلها.
ذكراها القديمة اندفعت دون استئذان، صوت آخر كان يوقظها قديمًا، نبرة مشاكسة مشابهة، إلحاح صباحي يشبه هذا المشهد حد التطابق.
ابتسمت بتوتر، وعيناها لمعتا بشيء مختنق وهي تقول:
"كنت طفلة شقية لحد ما الايام جات عليها وكبرتها قبل الأوان."
الكلمات خرجت أعمق مما أرادت، وكأنها تعترف بسر بين سطورها.
لحظة صمت خفيفة مرت، ثم انتبهت إلى نفسها سريعًا، كأنها تخشى أن يطول الشرود.
التفتت إلى طفلها وقالت بعجلة:
"يلا بقى يا ابني مدوخنيش الباص جه تحت اهو عمال يضرب كلاكسات."
أمسكته أخيرًا بعد مطاردة قصيرة، أنزلته أمامها، وبدأت تلبسه البنطال بسرعة، يداها تتحركان بمهارة أم اعتادت هذه الفوضى اليومية، وقلبها ما زال مشدودًا بين حاضر تعيشه وماضٍ يطرق أبوابه دون رحمة.
رفعت رأسها نحو غريب، وقالت بنبرة عملية تخفي اضطرابها:
"نزله معاك على السكه بدل ما لسه هلبس الاسدال."
أومأ برأسه بهدوء. اقترب منها بخطوات ثابتة، وضع قبلة خفيفة على خدها، قبلة تحمل امتنانًا وحبًا صامتًا، ثم حمل طفله على ذراعيه وغادر المكان.
وقفت مكانها تراقب ظهره وهو يبتعد، نظرتها معلقة بين الامتنان والحزن، بين رجل يمنحها الأمان، ورجل علمها معنى الشغف.
حين أُغلق الباب، ساد البيت هدوء مفاجئ.
تسللت إلى غرفتها ببطء، خطواتها أثقل مما كانت قبل دقائق.
فتحت خزانة ملابسها، ويديها تبحثان عن شيء محفوظ بعناية.
أخرجت صورة قديمة لها وهي طفلة، تقف بجوار سلطان، ضحكتهما بريئة، لا تعرف شيئًا عن الخسارات القادمة.
تأملت الصورة طويلًا.
مررت أصابعها فوق ملامحه في الورق، وكأنها تلامس ذكرى لا تزال ساخنة رغم السنين.
انهمرت دموعها بغزارة، بلا مقاومة هذه المرة.
وتذكرت، لحظة فراقه.
      ***********************
فلاش بااااك…
كانت رائحة المعقمات تملأ المكان، خانقة، باردة، كأنها تمحو كل أثر للحياة.
تحركت ترنيم بقدمين مرتعشتين نحو السرير، كل خطوة كانت تشعرها أنها تمشي فوق فراغ لا قرار له، جسد سلطان كان ممتدًا أمامها، ساكنًا أكثر مما ينبغي، ساكنًا بطريقة تخيف،
حركت رأسها بالرفض بعناد طفولي، كأن الإنكار وحده قادر على إعادة الزمن ثانية للوراء، جلست بجواره، أمسكت يده بين كفيها، كانت باردة، على غير عادتها، ضغطت عليها بقوة كأنها تحاول أن تعيد النبض إليها بالقهر.
تكلمت بصوت مرتعش وقالت:
"س سلطان رد عليا بترجاك متوجعش قلبي عليك، هتقدر تستحمل وجع قلب بنتك حبيتك؟ سلطان فتح عيونك بقى."
جفناه ارتجفا، ثم فتح عينيه بوهن. نظر لها بعشق صاف رغم الألم الذي ينهش صدره، كان ينظر إليها كأنها آخر صورة يريد أن يحتفظ بها في ذاكرته قبل الرحيل.
وتحدث بصوت ضعيف جدًا:
"حقك على قلبي يا بنت قلبي، انتي بنت عمري كله عشقي الاول والاخير وفرحان علشان اخر لحظه فى حياتي شوفتك انتي فيها، بحبك يا ترنيم."
الكلمات خرجت متقطعة، لكنها كانت مليئة بكل ما لم يقال طوال العمر.
ثم، سكن.
أغلق عينيه بهدوء غريب، وكأن روحه قررت أن تستريح أخيرًا.
شعرت بثقل يده وهي تسقط من بين أصابعها.
حدقت فيه، عيناها متسعتان بعدم تصديق، وبدأت تهمس ثم تصرخ:
"لا لا لا، اكيد مش حقيقي اللي بيحصل ده، اكيد ده كابوس وهصحى منه، اكيد أنا لسه نايمه فى حضنك على سريرك، وكل ده محصلش سلطان رد عليا، بلاش هزارك ده، دمك تقيل على فكرة، سلطان رد عليا بقى."
كان إنكارها أشد من الموت نفسه.
دخلت الممرضة بخطوات حذرة، اقتربت، تحققت، ثم سحبت الغطاء الأبيض لتضعه على وجهه، لكن صرخة ترنيم مزقت سكون الغرفة.
"انتي بتعملي أيه يا مجنونه شيلي البتاعه دي من على وشه، سلطان قوم رد عليا يا سلطان، الناس دي مجنونه متفهمش حاجه."
دفعت الغطاء بيدين مرتجفتين، وضعت كفه على كتفها، تحاول أن تجبره على احتضانها.
"خدني فى حضنك زي ما متعوده منك، انت عمرك ما كنت قاسي عليا كده، ليه بتعمل فيااا كده دلوقتي؟ رد عليا، اضربني زعقلي قولي أي حاجه حتى لو هتوجعني، بس متحكمش عليا بالاعدام، سلطان حرام عليك تعمل فى قلبي كده، أنا عيشت عمري كله تحت ضلك حتى لما كل واحد شاف حياته بس دلوقتي ضهري اتكشف قوم احميني من الدنيا الوحشه دي."
كان صوتها يخرج من مكان أعمق من القلب، من الروح نفسها.
دخل حسام، وجهه غارق في الدموع، وتبعه تامر، حاولوا إبعادها برفق، لكنها تمسكت به كأنها تتشبث بحياتها ذاتها.
"ابعدوا عني سيبوني، أنا مش هبعد عنه تاني أنا هفضل معاه العمر كله، سلطان اتمسك بيا زي ما بتعمل على طول، انت ليه ساااكت."
صرختها الأخيرة كانت حادة، ممزقة.
اقترب تامر وحملها بالقوة تحت توسلاتها المنهارة. ظلت تقاوم حتى خارت قواها، وغابت عن الوعي، وكأن جسدها عجز عن احتمال هذا القدر من الألم.
في الخارج، كانت الصرخات تعلو.
سمية منهارة، حسام يحاول تهدئتها بلا جدوى.
صباح تجلس ثابتة، تحتضن رنيم الصغيرة، الدموع تنحدر في صمت على وجهها، تدعو الله أن ينزل السكينة على قلبها المكسور.
خرج الطبيب من غرفة العمليات مسرعًا:
"محتاجين دم ضروري للمصاب التاني نزف كتير."
التفتت الأنظار.
قال تامر بصوت مختنق:
"أنا نفس فصيلته."
وبدأت الدماء تنتقل من عروقه إلى غريب، وكأن الحياة تصر أن تبقيه.
في اليوم التالي…
الأرض كانت مفتوحة لتبتلع سلطان.
تم إنزال جسده إلى مثواه الأخير، ومع اقتراب إغلاق المقبرة، دوى صراخ ترنيم وهي تركض بجنون، شعرها مبعثر، عيناها حمراوان كأن النوم لم يعرف طريقهما.
حاولت أن تلقي بنفسها داخله وهي تصرخ:
"حطوني معاه ابوس رجلكم أنا مش هقدر اعيش من غيره فى الدنيا دي، من غيره أنا هضيع، حطوني معاه وسبوني أنا فتحت عيوني عليه، ازاي عايزيني افضل فتحهم وهو مش قصادهم، انتوا مش عارفين سلطان بالنسبالي ايه سلطان هو الحياة، ومدام راح يبقى حياتي أنا كمان انتهت، سبوني جنبه ادفنوني معاه."
كان صوتها صوت امرأة ينتزع قلبها علنًا.
أمسكها تامر بعنف يهزه الخوف:
"اهدي يا ترنيم علشان اللي فى بطنك، وبعدين انتي كده بتعذبي سلطان معاكي، فكرك يعني هو مش حاسس بيكي وانتي منهارة كده؟"
انهارت بين يديه، سقطت على ركبتيها، وضعت رأسها على بطنه وكأنها تتشبث بالشيء الوحيد الذي يربطها بالحياة.
"مش هقدر اعيش من غيره والله، هو كان حياتي كلها، ازاي هعيشها من غيره بس، صعب عليا والله العظيم."
نزل لمستواها، كف وجهها بين يديه:
"عارف وحاسس بيكي، بس سلطان مات خلاص، جوزك دلوقتي مرمي بين الحياة والموت، محتاجك جنبه، الحي ابقى من الميت وجودك اهم دلوقتي جنب جوزك ابو ابنك."
صرخت بألم:
"سلطان مامتش، سلطان هيفضل عايش فى قلبي، طول ما انا ليا عمر فى الدنيا مع أن روحي هتفضل معاه هنا لحد ما اتقابل معاه فى الآخرة."
وقف تامر من على الأرض وساعدها على الوقوف وقال بنبرة اخويه:
"تعالي اوصلك عند جوزك فى المستشفى يا ترنيم علشان اروح اسلم نفسي للحكومه، حان الوقت اللي اخد فيه جزائي."
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"متسبنيش، محتاجك."
ابتسم لها بحب وقال:
"هفضل جنبك واحميكي من الدنيا بحالها بس لازم اتعاقب على اللي عملته فى حياتي من شر."
استدارت برأسها تلقي نظرة اخيره على سلطان وبعدها غادرت مع تامر اوصلها وبعدها ذهب ليلاقي مسيرة.
تحركت ترنيم بقدم مرتعشة وجسد منحني الدموع تتسابق على وجهها،
وقف أمامها إبراهيم، الدموع لم تجف.
مد يده لها:
"البقاء لله يا بنتي."
نظرت إلى يده وكأنها ترى عليها دمًا لا يغسل.
"مستحيل احط ايدي فى ايدك اللي كلها دم بابا، قريب اوي هيتحط فيها الكلبشات."
تنهد بحزن وانزل يده وتكلم بندم:
"أنا لو اعرف أن كل ده هيحصل مكنتش هلوث ايدي بأي دم نهائي، أنا بعترف، أني اللي قتلت ابوكي وغيره كتير، بس والله ولا كان فيه ما بينا أي عداوة ولا معرفه، ابوكي كان بالنسبالي شغل زي اي شغل بيجي ليا من الجماعة، طلبوا مني اخلص عليه ونفذت كلامهم من غير ما اعرف هو مين ولا جوز مين ولا ابو مين، أنا مش ببرر ليكي اللي حصل لأن من حقك تعملي كده واكتر، اللي انتي عايزه تعمليه معايا انا موافق عليه حتى لو عايزة، تقتليني أنا موافق، بس بلاش تخدي غريب بذنبي، لانه بيحبك بجد، ياريت كان قابلك من زمان كان حاجات كتير اوي اتغيرت، أنا عايزه اقولك الحقيقه اللي غريب كان مخبيها عنك الفترة اللي فاتت دي."
نظرت له بأستغراب وكانت قدميها لم تستطيع التحمل للوقوف عليها تحركت بصعوبه وجلست على اقرب مقعد نظرت بكره شديد وقالت:
"امم، بسمعك."
جلس على المقعد المقابل لها وبدأ يقص عليها الحقيقه، كلماته بعدها كانت اعترافًا ثقيلًا، خطايا، دماء، أوامر نفذت بلا معرفة، وحقيقة غريب التي انكشفت قطعة قطعة أمامها.
كل كلمة كانت تسحب الأرض من تحت قدميها:
"غريب لما جه مصر أول مرة خالص اللي شوفتي فيها فى المستشفى لما اتصاب، كان استدعاء من الشرطة المصريه لانه عميل مشترك بيشتغل قناص محترف مع المافيا والحكومات كلها بتستدعي لما يكون فيه تصفيه لعصابات خطيرة فى البلد وكان جاي علشان يخلص على الدكتور عصام وعصابته بس وقتها تم الهجوم عليه من شوية ملتزقة، وكان هو قريب من المستشفى اللي انتي كنتي شغاله فيها بالصدفه اللي هي بتاعة دكتور عصام، المهم، انتي انقذتي حياته، ولما رجع تاني لدنيا فتح عيونه عليكي، ومن هنا كانت نقطة تحول لابني، من شخص كاره الحياة لشخص عنده قلب اتولد فيه اول دقه ليكي، حس هو بالتغير اللي بيحصل ليه بسببك، وهو حب التغير ده بدأ يجمع معلومات عنك، عن اهلك، عن صحابك، عن دراستك، كل حاجه عرفها عنك، ومن هنا بدأ يتفتح عليه ابواب مكانش لازم تتفتح، عرف تخطيط مريم وعرف شغل سلطان اللي هما استغلوا هي ورجب علشان يهربوا فيه شغل المافيا وسعت الحكايه منه جابك وقالك أن مطلوب تصفية سلطان علشان يضغط عليكي ويتجوزك، بس هو كان بيكذب عليكي، بس اللي حصل الكدبه اتحولت لحقيقه، طلبوا منه تصفية مريم ورجب، يعني الموضوع كان بعيد عن سلطان خالص، عمل بكل طريقة علشان يضغط عليكي علشان تقبلي تتجوزي، لدرجة أنه هو اللي كان وراه حبس سلطان، ولما اتجوزتوا وخرج سلطان وغيرة غريب سيطرت عليه، اخدك تركيا معاه وهناك كان قرر أنه يبعد عن سكت الدم علشان خاطرك خاف عليكي، بلغ المافيا الكلام ده بس للاسف هما موفقوش على الكلام ده واليوم اللي رجعنا فيه مصر كانوا فعلا ناوين يخلصوا عليكم، ولما رجعنا مصر، جد غريب طلب منه يخلص المهمة الاساسيه اللي كان جاي علشانها مصر قبل ما يقابلك وهو أنه يخلص على دكتور عصام وعصابته وطبعا لانك وقتها تدخلتي فى الموضوع خاف عليكي وطلب منه أن يخلص الموضوع ده من غير دم علشان انتي متتأذيش ولما اتقبض عليكم، غريب حس أنه كده عرضك للخطر فعلا اتصل بسلطان لانه كان قريب من دكتور عصام وده هيساعدهم انهم يخلصوا منه اسرع، راحوا اتقابلوا مع جد غريب وحطوا خطه أنهم يوقعوا عصابة دكتور عصام بعيد عنك ومن غير ما تحسي وبعد كده يوقعوا رجب ومريم ويخلصوا منهم وينضفوا الدنيا حواليكي، حطوا واحده فى طريق عصام ده وبلع الطعم وخطفها وفضلت محبوسه مع الضحايا التانين لحد ما جه يوم التصفيه بعتت ليهم الوقت والمكان عن طريقه إشارة من جهاز صغير اوي واتقبض على عصام وعصابته، بس اللي كانوا مش عاملين حسابه أن مريم ورجب يخطفوكي انتي ومرات سلطان وبنته ، اتغير كل حاجه ولغبطة حساباتهم واضطروا أن هما يهاجموا رجب ومريم علشان ينقذوكم وبس الباقي انتي عارفه."
كانت تستمع له بعدم تصديق تشعر نفسها ضائعه محتاجه سلطان ليؤكد لها الحقيقه، حركت رأسها بالرفض، كانت تشعر أنها معلقة بين السماء والأرض.
قالت بين شهقاتها:
"أنا تايهه مش عارفه المفروض اعمل ايه دلوقتي!؟ غريب اشوفه بأنه عين؟ أنه واحد قاتل، ولا واحد بيحبني وضحى بحاجات كتير علشاني، سلطان ازعل منه ولا عليه، أنت انتقم منك ولا اسامحك، انتوا ايه بتعملوا فيا كده ليه، انا تعبت والله العظيم تعبت."
وضعت يدها على وجهها وبكت بحرقة، بكاء امرأة استنزفت حتى آخر دمعة.
اقترب منها وربت على ظهرها، صوته هادئ رغم كل شيء:
"انسي اللي فات يا ترنيم ابدأي حياتك من جديد بصفحه بيضا جديدة، انتي جواكي روح صغيره منك ومن غريب، الروح دي، هي الصفحه البيضا اللي هتمحي أي وجع واي صراعات عشتوها، خليكي جنب جوزك اللي بيحبك بجد ومش شايف غيرك، كفاية أن اول دقه فى قلبه كانت ليكي انتي، واتولد على ايدك وبقى بنى ادم جديد، ربوا ابنكم سوا وعلموا أن ربنا خلقنا بشر خطئين وقال على نفسه الغفور الرحيم، علشان أحنا نغلط وهو يسامحنا برحمته، انا هاخد سيمون وهرجع تركيا بس عايزك تسامحيني يا ترنيم."
كلماته عن الجنين داخلها كانت كضوء خافت في آخر نفق طويل.
رفعت رأسها، نظرت إليه بعيون متورمة، وقالت بصوت مبحوح:
"مسمحاك."
ابتسم لها بسعادة وتكلم برجاء شخصي وقال:
"وفيه حد تاني طالب مسامحتك ياريت متبخليش عنها هي كمان."
وفى ذلك الوقت سمعت صوت ضعيف يقول لها:
"أنا اسفه يا بنتي أنا غلط فى حقك وكنت ناوية اذيكي وربنا حماكي مني وجابلك حقك، سامحيني يا ترنيم ارجوكي."
رفعت رأسها إلى الأعلى ثم استقامت بجسدها، نظرت إليها طويلًا، ثم قالت:
"أنا هسامحكم بس مش علشاني."
وضعت يدها على بطنها بحماية غريزية:
"هسامحكم علشان خاطر ده، ابنكم ملهوش ذنب يجي ويشوف قلوبكم السودا."
أنهت كلماتها، وتحركت ببطء.
كانت تجر قدميها كما لو كانت تجر خلفها عمرًا كاملًا من الخيبات، لكنها رغم ذلك، كانت تمشي.
      **********************
بااااك...
فاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها، انتفض قلبها قبل أن تنتبه لعينيها المتورمتين، مسحت دموعها بسرعة بظاهر كفها، كأنها تمحو جريمة لا يجب أن يراها أحد، التقطت الهاتف، نظرت إلى الشاشة فوجدت اسم إبراهيم يضيء مع إشعار فيديو كول،
أخذت نفسًا عميقًا، رتبت ملامحها، رسمت ابتسامة خفيفة فوق بقايا الحزن، ثم ضغطت على زر الاستجابة.
ظهر وجهه المشرق على الشاشة، ومعه دفء غريب يشبه دفء الأب الذي لا يسأل كثيرًا لكنه حاضر دائمًا. ابتسمت له وهي تميل برأسها بخفة، وقالت بمزاح تخفي خلفه آثار البكاء:
"جدو الحبيب اللي مبيسألش على حد، وغرقان فى العسل مع سيمون هانم."
تعالت ضحكاته، صافية، صادقة، وكأنها لحظة إنقاذ قصيرة من بحر ذكرياتها، قال ممازحًا:
"انتي هتحسدي ولا ايه؟ هو غريب مش مدلعك ولا ايه؟"
حركت فمها بطريقة كوميدية، محاولة أن تبقي الجو خفيفًا، بينما قلبها ما زال مثقلاً منذ دقائق:
"ونبي اسكت يا إبراهيم، هو انا عارفه ابنك مش طالع رومانسي شبهك كده ليه؟ طول النهار فى الشركه بتاعته وبيرجع بليل تعبان وينااام."
قال وهو يضحك:
"يا شماتة أبلة ظاظا فيا، ابني سوء سمعت الاتراك."
ردت بسرعة، كأنها تتشبث بالهزار حتى لا تعود لدوامة الألم:
"وانا قولت بقى تركي وكده، شبه مهند وفريد واوعى بقى، طلع فى الاخر، صابر المداح وعفاريته، مدد يارب مدد."
انفجر ضاحكًا حتى كاد يختنق، وقال بصعوبة بين ضحكاته:
"وحشتيني اوي يا بنت اللذينه، طمنيني حفيدي عامل ايه؟"
لين صوتها رغمًا عنها، وارتسمت ابتسامة حقيقية هذه المرة وهي تجيب بطريقتها المعتادة:
"صابر المداح، على صغير، نسخه من ابوه مدوخني زيه بالظبط."
كانت الضحكات ما تزال عالقة بينهما، حين سكت فجأة.
نظراته تغيرت، لم تعد مازحة.
تعمق بصره في الشاشة، كأنه يحاول أن يرى ما وراء ابتسامتها.
ثم قال بهدوء مفاجئ:
"لسه بتحبيه يا ترنيم؟"
تجمدت ملامحها لحظة.
السؤال جاء دون مقدمات، اخترق الجو الخفيف كسكين هادئة.
حركت رأسها بعدم فهم، محاولة كسب ثوانٍ إضافية:
"قصدك على مين؟"
أشار برأسه نحو الأسفل.
نظرت تلقائيًا، الصورة كانت ما تزال بين قدميها على السرير، لم تنتبه أنها ظهرت في الكاميرا صورة قديمة، ملامح طفلة تضحك، وبجوارها سلطان.
قال بصوت واضح هذه المرة:
"سلطان!"
سقطت الابتسامة من على وجهها ببطء.
مدت يدها، أمسكت الصورة، وضمتها إلى صدرها للحظة، وكأنها تخشى أن تنتزع منها.
عيناها امتلأتا بحزن هادئ، ليس حزن الانهيار، بل حزن الاعتراف.
أومأت برأسها ببطء، وقالت...
       **********************


تعليقات