رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والواحد والتسعون 391 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والواحد والتسعون 

 

توقّف ظافر أخيرًا عمّا كان يفعله كمن يضع حدًّا لعاصفةٍ كادت أن تخرج عن السيطرة وحين عاد الهدوء إلى أنفاس سيرين وغرقت في النوم من جديد انسحب بصمتٍ ثقيل وتوجّه مباشرةً إلى الحمّام حيث أدار الماء البارد علّه يُطفئ ما اشتعل في داخله ويستعيد رباطة جأشه.

 

وفي الأثناء كانت الخادمة قد اصطحبت نوح إلى غرفة نومٍ فاخرة خُصّصت للأطفال تتلألأ بالدفء والترف كأنها أُعدّت لاحتواء أحلامٍ صغيرة وما إن فرغت شادية من توديع الضيوف حتى أخذت تبحث عنه على عجل وقد بدا القلق في خطواتها.

 

اقتربت منه وقالت بنبرةٍ صادقة لا تخلو من لطف:

 

«أعتذر لإبقائك منتظرًا يا زاك… هل ترغب بتناول شيء؟»

 

رفع نوح نظره إلى تلك المرأة الجميلة في منتصف العمر وتأمّلها بعينٍ خبيرة مستعيدًا في ذهنه صورتها الحقيقية التي دوماً ما تظهر بها على الشاشات أثناء الاحتفالات والمؤتمرات؛ شراسةٌ مموّهة بابتسامة ونعومةٌ تخفي حدّة لذا لم يكن يكنّ لها ودًّا ومع ذلك قال بصوتٍ متصنّع العاطفة:

 

«اشتقت إليكِ كثيرًا يا سيدتي نصران… ما الذي أخّركِ كل هذا الوقت؟»

 

ومن ثم نهض فجأة وارتمى متعلّقًا بساقها كطفلٍ يبحث عن دفءٍ افتقده فلطّخ مخاطه سروالها عن عمد… عندها اتّسعت عينا شادية دهشة؛ لم ترَ من قبل زكريّا كما كان يدعي يتشبّث بها على هذا النحو كأن حاجزًا خفيًّا قد انكسر.

 

«أنا آسفة… كان ذلك كلّه خطئي… ما كان ينبغي لي أن أتركك هنا وحيدًا… لا تتخيّل كم اشتقت إلى رؤيتك حين بلغني خبر وصولك.»

قالتها شادية بنبرةٍ مشبعة بالندم كأنها تُلقي اعترافًا متأخرًا على عتبة اللحظة.

 

استغرب نوح ما سمع وتوقّف قلبه للحظة عند هذا الفيض المفاجئ من الاهتمام إذ لم يكن يتوقّع هذا القدر من الإعجاب بزكريّا؛ فقد بدا الأمر مدهشًا حدّ الريبة.

 

رفع نوح عينيه إليها وفي نظرته شيءٌ من البراءة والاستقطاب المصطنع ومن ثم سألها:

 

«حقًّا؟»

 

«بالطبع!» أجابت بسرعةٍ تكاد تسبق أنفاسها ثم استطردت بسؤالٍ يغلّفه العطف:

 

«ما الذي جعلك تشتاق إليّ فجأة؟ أأهملتك والدتك في البيت؟ إن رغبتَ يمكنك أن تبقى معي من الآن فصاعدًا… وسأحرص على أن أُحسن معاملتك أكثر ممّا فعل أيّ أحد.»

 

ولأن نوح كان يتقصّد التوغّل في خبايا عائلة نصران وأن يفتح بابًا يقوده إلى ما وراء الوجوه أجاب بلا تردّد:

 

«بالتأكيد… يمكنني ذلك.»

 

لم تكد الكلمات تخرج من فمه حتى أشرقت أسارير شادية بسعادةٍ فورية كأنها نالت ما كانت تنتظره… فالتفتت في الحال وأمرت ماندي أن تُعدّ له غرفةً أوسع تليق بـ«الضيف» الذي قرّرت أن تحتفظ به قريبًا غير مدركةٍ أن قربه لم يكن براءةً خالصة بل خطوةً أولى في لعبةٍ أكبر.

 

بينما استبدّ العجب بنوح من تلك الحماسة المفرطة التي غمرته بها؛ فهي لا تعلم للآن أنه حفيدها من صلبها ومع ذلك أغدقت عليه لطفًا لم يجد له تفسيرًا… لوهلة حيّره هذا الحنوّ المفاجئ وأربك حساباته فظلّ صامتًا لبرهة قبل أن يقول بنبرةٍ واهنة أجاد استحضارها:

 

«أنا متعب يا سيدتي نصران… أودّ أن أنام الآن.»

 

أجابته دون تردّد وصوتها يفيض رقةً:

 

«بالطبع، خذ قسطك من الراحة.»

 

شدّ طرف قميصها بيدٍ صغيرة كأنها مرساة أمان وقال بصوتٍ خافتٍ مرتجف يخفي به مكر:

 

«هل يمكنكِ البقاء هنا معي يا سيدتي؟ أنا خائف.»

 

«حسنًا.»

 

خرجت الكلمة منها تلقائيًا فلم يكن في قلبها متّسع لرفض طلبه بل وأسرعت جلست بقربه، وعيناها معلّقتان به، تعجزان عن كبح فرحٍ غامر وهي تتأمّل تلك الملامح المألوفة؛ نسخةً مصغّرة من ظافر، كأن الزمن قد عاد بها إلى الوراء، ومنحها ما لم تكن تعلم أنها تفتقده.

 

في تلك الليلة لم يعرف نوح معها هوادة ولا تراخٍ؛ كان يثقل عليها بطلباته، تارةً يوقظها لتحضر له جرعة ماء، وتارةً لتصحبه حتى يبلغ المرحاض… تعاقبت الطلبات كما تتعاقب الساعات الثقيلة حتى أوشكت عيناها ألا تذوقا طعم النوم.

 

ومع ذلك ظلّ صبرها ممتدًا كخيط ضوءٍ عنيد لا ينقطع ولا يخبو حتى استبدّ العجب بنوح فراح يتساءل في صمت:

من أين لها هذا الاحتمال؟ ولمَ كل هذا التعاون الذي لا يشبه ما عرفه عنها؟

 

لقد رآها من قبل تتصدّر الشاشات، حادّة الملامح، صارمة النبرة. سمعها توبّخ المشاهير بلا تهيّب، وتخوض معاركها العلنية غير آبهةٍ بصخب الجماهير فكانت هدفًا دائمًا لسهام روّاد الإنترنت وقلّ من أحبّها؛ إذ التصق باسمها وصف المرأة الشرسة التي لا تلين ولا تُجامل.

…..

في تلك الأثناء ظلّ جاسر ساهرًا لا يذوق للنوم طعمًا يُنصت إلى جاكي وهي تسرد عليه ما جرى في القصر كلمةً كلمة كأنها تُعيد رسم المشهد أمام عينيه حتى تلك التفاصيل التي لم يرصدها.

 

قالت وهي تستعيد الأحداث:

 

«منذ أن حضرت سيرين وظافر الليلة الماضية، انهالت عليهما السخرية من كل صوب حتى الخدم لم يسلما منهم، لكنهما مضيا غير آبهين كأن الضجيج لا يعنيهما.»

 

كانت الغيرة تتسلّل إلى قلبه خلسة؛ يحسد تماسكهما العنيد، ذاك الالتحام الذي لا تفكّه العواصف ولا تُضعفه الظروف مهما اشتدّت.

 

ارتشف جاسر من قهوته ببطء قبل أن يرفع بصره إلى أعلى يخفي نار الوجع التي اندلعت بمقلتيه ثم باغت الصمت بسؤالٍ غير متوقع من شخص بالغ مثله:

 

«أتراهما سيبقيان معًا بملحق ظافر الخاص لحالهما؟»

 

ابتسمت جاكي باستغراب كأن السؤال لا محلّ له من الإعراب، وقالت بثقة:

 

«بالتأكيد… فهما زوج وزوجة وما كان بينهما أعمق من أن تفرّقه السخرية أو تهزّه الأقاويل.»

 

أطال جاسر النظر عبر النافذة فيما كانت السماء تتخفّف من عتمتها وتستردّ إشراقها رويدًا رويدًا كأن الفجر يتسلّل بخطى حذرة ومن ثم قال بصوتٍ خافت:

 

«أرغب في الخروج في نزهة.»

 

أجابته بهدوءٍ مطمئن:

 

«بالتأكيد سأحضر معطفك.»

وما لبثت أن أسرعت لتأتي به مدركةً هشاشة بنيته وسرعة استسلامه للبرد القارس غير أنّها حين عادت كان قد سبقها بالرحيل كأن فكرة الخروج استعجلت خطاه ولم تنتظر دفءَ المعطف.

 

مضى جاسر يشقّ طريقه وسط الثلج لا يشعر بثقل المسافة ولا بقسوة البرد حتى انتهى به المسير — من حيث لا يدري — إلى ذلك الملحق المجاور للقصر حيث كان ظافر يقيم وكأن خطواته قادته إلى هناك بهدي بوصلةً خفيّة لا تخطئ.

 

كانت سيرين يقِظةً في تلك اللحظة أيضًا يسبقها العزم ويستحثّها الوقت؛ إذ أرادت الرحيل باكرًا مع أول خيطٍ للصباح فبادرت إلى مساعدة ظافر في تجهيز ملابسه ثم قالت بنبرةٍ حازمة لا تخلو من استعجال:

 

«بدّل ملابسك سريعًا، سنغادر الآن… ما يزال زاك ونوح ينتظرانني في المنزل.»

 

تمتم ظافر بنعاسٍ ثقيل:

 

«بالتأكيد.»

 

مضت سيرين إلى المغسلة تغسل وجهها وتبدّد بقايا النوم عن ملامحها وحين انحنت لتنظيف أسنانها انسحب بصرها نحو الشرفة فوقفت تتأمّل المشهد الثلجي في الخارج؛ بياضٌ صامت يكسو المكان ويحبس الأنفاس وفي ومضةٍ خاطفة وقعت عيناها على ذلك الشخص الطويل واقفًا في قلب الثلج كطيفٍ مباغتٍ شقّ سكون الصباح.

 

تعليقات