رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والتسعون 392 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والتسعون 


تلاقت عينا جاسر وسيرين في اللحظة ذاتها وكان اللقاء مختلفًا عن اجتماع الليلة الماضية؛ لقاءً عاريًا من الضجيج صافيًا كنبضٍ منفرد حتى خُيّل إليه أنّهما وحدهما على ظهر هذا العالم وأنّ ما سواهما مجرّد ظلال بعيدة.

 

انقبضت حدقتا سيرين قليلًا وارتبك قلبها قبل وعيها وما إن همّت أن تلتقط أنفاسها حتى التفّ حولها ذراعان تحيطان بخصرها من الخلف على حين غرّة.

 

«أهكذا تُنظّفين أسنانك؟ على الشرفة؟ الجوّ قارس هنا، ماذا لو أصابك المرض؟» قال ظافر بصوتٍ أجش يفيض قلقًا أكثر مما يفيض عتابًا.

 

استفاقت سيرين من شرودها وأشاحت بوجهها على الفور ثم أفلتت نفسها من بين ذراعيه بخفّةٍ متعجّلة ولحسن الحظ لم يكن ظافر قادرًا على رؤية شيءٍ ممّا لاح بعينيها تلك اللحظة.

 

قالت بنبرةٍ حاولت أن تجعلها ثابتة:

 

«أنا بخير، الطقس ليس باردًا.»

 

ثم عادت إلى غرفتها سريعًا كمن يفرّ من سؤالٍ لم يُطرح ومن شعورٍ لم يُسمَّ بعد.

 

كلّ ما عرفته سيرين عنه أنّه أعمى غير أنّها لم تُدرِك أنّ له عيونًا مبثوثة في كلّ مكان… فمنذ أن اقترب جاسر من الملحق الملاصق لقصر نصران وصل الخبر إلى ظافر قبل أن تكتمل الخطوة.

 

ظل ظافر واقفًا على الشرفة والرياح الباردة تصفع وجهه صفعاتٍ متتالية حين شقّ رنين الهاتف سكون اللحظة… أجاب المكالمة؛ فكان المتصل جاسر الذي قال بصوتٍ باردٍ كالجليد:

 

«قالت أمي إنك فقدت ذاكرتك ويبدو أنّ الأمر صحيح… سأُذكّرك مرة أخرى: الشخص الذي تحبّه سيرين هو أنا، دائمًا أنا… هي لا تحبّك.»

 

وخلال حديثه أبقى جاسر نظره معلّقًا على ظافر بتحدٍ سافر ثم أنهى المكالمة دون انتظار ردّ واستدار يمضي بعيدًا، يبتلعه البياض وهو يشقّ الثلج بخطى ثابتة… وما إن انطفأ الصوت حتى ارتدّت الذكريات التي تعمّد ظافر دفنها عائدةً في موجاتٍ عاتية تضرب صدره بلا رحمة… تذكّر كيف أخبرته سيرين ذات مرّة أنّها لم تحبّه قط وأنّ ما كان بينهما لم يكن سوى خطأٍ جسيمٍ ارتكبته ثم حاولت نسيانه.

….

ما إن فرغت سيرين من غسل الأطباق حتى استعادت رباطة جأشها كأن الماء جرف معه بقايا الاضطراب من صدرها ومن ثم رتّبت أغراضهما في هدوء وبعدها التفتت إلى ظافر وقالت بنبرةٍ ثابتة:

 

«هل أنت مستعد؟ لنعد الآن.»

 

أجابها بإيجاز:

 

«أجل.»

 

لم تنتبه سيرين إلى ما كان يعتمل في داخله من خللٍ صامت… وفي طريق العودة بالسيارة لزم الصمت شفتيه ولم ينبس بحرف كما تركت سيرين نفسها لسكينة الطريق تتأمّل الثلج المنسدل خلف الزجاج كستارٍ أبيض يخفي ما وراءه فبدا كلٌّ منهما غارقًا في أفكاره يحمل أثقاله بصمت وكأنّ البوح ترفٌ لا يملكانه في تلك اللحظة.

 

وحين بلغا مقاطعة سان تسرّب القلق إلى قلب سيرين؛ إذ أدركت أخيرًا أنّ نوح غير موجود في غرفته ولم تجد له أثرًا سوى رسالةٍ تركها خلفه قرأتها بصوتٍ خافت:

 

«زاك، عليّ أن أغادر لبعض الوقت لإنجاز أمورٍ عالقة… سأعود بعد يومين.»

 

سألت سيرين بصوتٍ يختلط فيه الخوف بالارتباك:

 

«متى اختفى نوح؟»

 

فأجابها زكريا بأنّه كان لا يزال في المنزل الليلة الماضية ولم يغادره حتى ساعاتٍ متأخرة.

 

ارتعشت أوصالها خوفًا وانفلت السؤال من شفتيها كهمسةٍ مرتجفة:

 

«هل أخذه أحد؟»

 

هزّ زكريا رأسه نافيًا وقد لمح في خاطره حدسٌ مباغت فقال متردّدًا:

 

«أمي… قال نوح إنّه كان يريد رؤيتكِ الليلة الماضية… أترينه ذهب إلى المدينة؟»

 

ما إن بلغها ذلك حتى اندفعت نحو سيارتها دون إبطاء وقد عقدت العزم على البحث عن نوح بنفسها… وفي هذه الأثناء أوعز ظافر إلى أحد رجاله بالتحرّي عنه ثم استقل معها السيارة رافضًا أن تمضي وحدها مع رامي كأن القلق قد عقد بينهما عهدًا صامتًا لا يقبل الفكاك… إلا أن قلقه كان مشوب بالغيرة من رامي وجاسر وكل ذكر قد تربطه بها صلة.

 

أخذ القلق ينهشها وهي تستقلّ السيارة يتعقّب أنفاسها ويثقل صدرها مع كلّ مترٍ يبتعد عن البيت فحاول ظافر أن يسكّن اضطرابها لذا قال بهدوءٍ متماسك:


«لا تقلقي، لقد طلبت من أحدهم مراجعة كاميرات المراقبة.»

 

أجابت وقد اختنق صوتها بالخوف:

 

«وكيف لي ألا أقلق؟ نوح لطالما كان هشًّا وضعيفًا… ماذا لو أصابه مكروه في الخارج؟»

 

بلغ القلق منها مبلغًا احمرّت معه عيناها وتكدّست الدموع في مآقيها… وعادت تتذكّر ما قاله زكريا فتسرّبت إلى ذهنها فكرةٌ مرعبة؛ لعلّ نوح قصد قصر نصران فالتفتت إلى ظافر بعجلة وقالت:

 

«هل يمكنك الاتصال بأحدٍ من القصر وسؤاله إن كانوا قد رأوا طفلًا هناك؟»

 

«بالتأكيد.»

 

لم يتردّد ظافر بل بادر بالاتصال بلوثر على الفور ولم تمضِ سوى لحظاتٍ قصيرة حتى وصله الخبر:

 

نوح تواصل مع شادية وقد قامت بترتيب غرفةٍ له داخل القصر.

 

ما إن سمعت سيرين ذلك حتى اجتاحها شعورٌ ملتبس اختلط فيه الاطمئنان بالريبة… أخذت تتساءل في صمت:

 

كيف تمكّن نوح من الوصول إلى القصر؟ ولماذا أصرّت شادية على إبقائه هناك؟ أترى أنها اكتشفت الأمر؟

 

غير أنّها سرعان ما أزاحت تلك الأسئلة عن رأسها وقد غلبها القلق على كلّ ما سواه ومن ثم التفتت إلى رامي وقالت بحزمٍ لا يقبل المراجعة:

 

«رامي، من فضلك خذني إلى قصر نصران.»

 

في تلك اللحظة، لم يعد يهمّها سوى الوصول… أمّا ما عدا ذلك فمؤجّل إلى حين.

……..

لقد أمضى نوح وقتًا طويلًا في المستشفى في الماضي وعندما خال أن سيرين وظافر سيبقَيان في القصر لبضعة أيام لذا لم يشعر بأي استعجال للعودة إلى المنزل كأن قلبه ارتاح مؤقتًا من وطأة العجلة.

 

التفت نوح إلى شادية فوجدها غارقةً في نومٍ عميق منهكة بعد ليلةٍ كاملة من الطاعة للأوامر المتكررة فخاطب الخادمة طالبًا أن تصطحبه في نزهة قصيرة كمن يبحث عن ضالة لم يكشف عنها بعد… وفجأة قاطعه صوت طفلٍ صغيرٍ مدوٍ فارتجف نوح عندما سأله صاحب الصوت بذهول:

 

«لماذا أنت هنا يا زكريا؟»

 
تعليقات