رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثالث والتسعون
سمع نوح صوتًا يناديه وما إن استدار حتى لمح مالك واقفًا أمامه فامتلأ بالحيرة والتساؤل:
تُرى من يكون هذا الغريب؟
اقترب مالك منه بخطوات واثقة وسأله بصوتٍ يمزج الفضول بالمرح:
«ما بك يا زاك؟ لماذا تتجاهلني؟»
أدرك نوح أن مالك صديق زكريا فألقى عليه نظرة خاطفة تحمل نفاد صبر، وقال بهدوء:
«هل أستطيع مساعدتك؟»
صُدم مالك حين سمع صوت نوح الطفولي الذي كان مختلفًا تمامًا عن صوت زكريا الرزين الناضج، وقال بدهشة:
«زاك، لماذا تبدو طفوليًا هكذا اليوم؟»
صمت نوح ولعن مالك في سره بينما ضحك مالك وقال مبتسمًا:
«صوتك لطيف جدًا بهذه الطريقة… هل جئت لتلعب معي؟ دعني أريك مكانًا ممتعًا فأنا أعرف كل زاوية في القصر.»
عندما سمع نوح ما قاله ارتسمت على وجهه علامة الدهشة، وقال متسائلًا:
«ماذا تقصد بذلك؟»
ابتسم مالك بفخرٍ يختلط بالاعتداد وقال بصوتٍ واضح:
«أنا مالك نصران، الوريث الوحيد لعائلة نصران… هل نسيت ذلك؟»
أمعن نوح التفكير في الاسم وسرعان ما استعادت ذاكرته ما كان زكريا قد أخبره به من قبل عن مالك ابن عم ظافر… فاستقرّت الحقيقة في ذهنه وفهم من يقف أمامه.
نظر نوح إلى الصبي بتفحص؛ كان مظهره لائقًا ومنظره حسنًا لكن سذاجة طفولية تنضح من عينيه.
تنهد نوح وقال ببرودٍ خفيف وقد مرّ بجانبه دون تردد:
«أوه، تذكرت الآن… وإن لم يكن هناك أمر آخر، أرجوك ألا تزعجني.»
بدت على وجه مالك علامات الإحباط وهو يراقب نوح يبتعد عنه بخطواتٍ ثابتة عاجزًا عن فهم سبب تجاهل “زكريا” له متسائلًا في نفسه ما إذا كان قد ارتكب خطأً ما… لم يكن في مقدور مالك أن يترك الأمر دون محاولة فاندفع خلف نوح قائلاً بنبرةٍ متوسّلة:
«زاك، لماذا لا تأتي كي تلعب معي بالطائرة الجديدة التي اشتراها لي أبي؟»
أجاب نوح بحزم رافضًا أي تدخل:
«لا.»
رأى نوح في مالك عقبةً في طريقه، شيئًا يعوق رغبته في التعرف أكثر على أسرار عائلة نصران فأضاف بتهديد:
«توقف… وإن تبعتني فسأضربك ضربًا مبرحًا.»
في تلك اللحظة استرجع مالك في ذهنه أول مواجهة له مع زكريا في الروضة، فابتلعه شعورٌ مفاجئ بالتوجس والحرج فتوقف عن اللحاق به وشاهد نوح يبتعد عن ناظريه فعاد مالك مستاءً مثقلًا بالإحباط ليحكي لكل ما جرى لمارلين دون استثناء.
بينما تجوّل نوح في أرجاء القصر طوال الصباح مستكشفًا فخامته وامتداداته الشاهقة وشعورٌ بالدهشة ملأ قلبه أمام ضخامة المكان وعظمته حتى أقسم في سره أن يبني يومًا منزلاً أعظم وأوسع من هذا القصر حين يكبر لكن شعوره بالضعف سرعان ما دفع الخادمة لإعادته إلى المكان الذي جاء منه دون أن يدرك أن سيرين كانت قد وصلت على عجل في تلك اللحظة وكأنها تسابق الوقت لتستطلع الأمر بنفسها.
دخلت سيرين القصر بخطوات سريعة وعيناها تتفحّصان كل زاوية وكأنها تحقق مع شادية فقالت بلهجة حازمة:
«أين الصبي؟»
كانت شادية وقد تجاوزت الخمسين من عمرها منهكة بعد ليلة طويلة من المشقة فرفعت رأسها ببطء وأجابت بصوت متعب:
«هل تقصدين زاك؟»
عندما سمعت سيرين ما قالته شادية أدركت فورًا أن الأخيرة أخطأت في ظنها إذ اعتقدت أن نوح هو زكريا فقالت بحزم واهتمام:
«أجل… أين هو الآن؟»
أما شادية فاستغربت في سرّها غياب كوثر عن البحث عن ابنها بينما جاءت سيرين بنفسها لتقف على الحقيقة… وبسبب قلة نومها لم تُمعن التفكير كثيرًا وبينما كانت على وشك استدعاء الخادمة وصل نوح إلى المدخل بنفسه.
حين لمح نوح سيرين تجمد في مكانه رهبةً وخوفًا لم يتخيل يومًا أن تأتي للبحث عنه هنا فخفض بصره على الفور عاجزًا عن النطق بأي كلمة.
أما سيرين فما إن رأته حتى انتابتها موجة من الاطمئنان أخيرًا فتقدمت نحوه مسرعة ورفعته بين ذراعيها دون تردد مغادرة بخطى متسارعة لدرجة أنها لم تنتبه للنظرة الغريبة التي ارتسمت على وجه شادية وكأن العالم من حولها اختزل في لحظة اللقاء بين سيرين والصغير.
سألت شادية ماندي بنبرةٍ متوترة تتخلّلها الدهشة:
«زكريا وسيرين… ألم تخبريني أن كوثر لم تنجب طفلًا عندما كانت في الخارج؟»
أومأت ماندي برأسها كإجابة قصيرة لكن وقعها أثار شكوك شادية التي استيقظت في ذهنها الحقيقة كاملة فجأة:
زكريا هو ابن سيرين، لا ابن كوثر كما كانت تظن.
أمرت شادية بحزمٍ يقرعه الغضب والحرص:
«أرسلي أحدًا لمراقبة سيرين… ثم تابعي عن كثب علاقتها بزاك.»
أجابت ماندي بلا تردد:
«حسنًا.»
وبدأت على الفور تنفيذ ما أمرت به كأنها تخطو في دائرة من الأسرار والخطط المحكمة.
