رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والرابع والتسعون 394 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والرابع والتسعون 


بينما كانوا في السيارة ظلّ نوح مائل الرأس إلى الأسفل كأن الخجل قد جثم على قلبه ولم يجرؤ على لفظ كلمة واحدة.

 

لم تشعر سيرين بمثل هذا الغضب من قبل فاختارت الصمت تنتظر منه أن يبدأ بالكلام أولًا وكان ظافر يجلس بجانبها بهدوء فاتصل بماهر وأمره بإيقاف البحث.

 

عندما وصلوا إلى المنزل توجه ظافر مباشرة إلى عمله تاركًا الجو مشحونًا بالتوتر الخافت… هنا بدأ نوح يتصرف بخجلٍ واضح وقال بصوت مرتجف ومليء بالأسى:

 

«أنا آسف يا أمي… أردت فقط أن أراكِ أنتِ والسيد ظافر ولهذا ذهبت إلى هناك.»

 

مع كل اعتذارٍ يهمس به كانت سيرين تلين شيئًا فشيئًا تغفر له رغم أنّ برودها ظل حاضرًا هذه المرة يحدّد مسافة بينهما.

 

بدأ القلق ينساب في قلب نوح لم يكن يعرف كيف يتصرّف أو ما الخطوة التالية وبينما كان على وشك الصعود إلى الطابق العلوي لطلب مساعدة فاطمة قالت سيرين بصوتٍ هادئ لكنه حازم:

 

«انتظر لحظة.»

 

توقف نوح في مكانه مطيعًا وخفق قلبه بالندم وقال بخفوت:

 

«أمي… أنا أعرف الآن ما فعلته خطأً.»

 

سألت سيرين فجأة بصوت حادٍ يختلط به الحزم:

 

«هل أنت متأكد أنّ كل ما أردت فعله هو رؤيتي أنا والسيد ظافر؟»

 

ضاقت حدقتا نوح قليلاً وانحنى رأسه في توجس واعتراف:

 

«أعلم أنّني كنت مخطئًا يا أمي… أنا آسف.»

 

لم تتساهل سيرين مع اعتذاره وظلّت تحدّق في وجهه الشاحب بعينين لا تخطئان شيئًا ثم قالت بصوتٍ صارم:

 

«إذا تجرأت على مغادرة المنزل بمفردك مرة أخرى فلن أبحث عنك بعد الآن.»

 

حينها أدرك نوح مدى غضبها الحقيقي فمال برأسه بخجل وأومأ سريعًا:

 

«لن يتكرر ذلك… أعدكِ.»

 

كل ما كان لنوح من خيار منذ أن وعى على هذه الحياة هو الخضوع للعلاج الكيميائي وامتصاص جرعات الأدوية لكنه لم يرد أبدًا أن يبقى وحيدًا فقد صار بحاجة إلى من يسانده ويحضنه في صمته وخوفه.

 

سأل الصغير بنبرة هادئة تكاد تحمل شيئًا من القلق:

 

«هل سأعود إلى المستشفى اليوم يا أمي؟»

 

ما إن سمعته يذكر المستشفى حتى اجتاحها شعور بالأسى عليه فقالت برفق وحنان:

 

«كن بخير يا نوح… اصمد قليلاً وسنتمكّن من إجراء العملية قريبًا.»

 

أومأ نوح برأسه مُستجيبًا:

 

«حسنًا.» ثم التفّ حولها في عناق دافئ مغمور بالطمأنينة إذ شعر أنّها ما زالت تهتم لأمره وأنها لن تتخلى عنه مهما طال الطريق.

 

في ذلك اليوم أعادت سيرين نوح إلى المستشفى وعندما أنهى الطبيب فحصه تذكرت سيرين قوله الأخير إنه ذهب إلى قصر نصران رغبة في رؤيتها ورؤية السيد ظافر فلم تتمالك نفسها وسألته بحذر:

 

«نوح، هل تحب السيد ظافر؟»

 

صُدم نوح للحظة إذ لم يفهم سبب هذا السؤال لكنه استشفّ من نبرة سيرين أنها لا تنتظر جوابًا بالرفض فلم يتردد وقال:

 

«أجل… أنا معجب به.»

 

حينها ربتت سيرين على شعره برفق وشعرت أن الفكرة تتغلغل في ذهنها بقوة كنبراسٍ صغير يضيء طريقًا جديدًا في قلبها.

 

وبعد ذلك قادت سيرين السيارة عائدةً إلى المنزل يلفها الصمت الممزوج باندفاع الأفكار وبينما كانت تسير في الطريق إذا بالراديو يبث الأخبار وخبر بعينه يتسلل إلى مسامعها:

 

ظافر أعمى بالفعل وقد تمكن الصحفيون من التقاط صورة له مع جاسر.

 

عبست سيرين وهي تفكر في سرعة انتشار الأخبار السلبية وكأنها النار التي تشبّ في الهشيم تتناقلها الألسنة دون توقف وما لبث الخبر أن أصبح حديث الساعة في وقتٍ يسير يتردد صداها بين الجميع.

 

رأت سارة الخبر أيضًا وقد تذكرت وعدها لزوي قبل أيام قليلة بأن ترتب لها لقاءً مع ظافر… لم تخطر على بالها أبداً أن يفقد بصره وكان الصدمة مضاعفة حين علمت بذلك… زووي التي كانت قد عادت لتوها من عرضها كانت قد استمتعت بالموسيقى التي اقتنتها من المؤلفة الشهيرة ساسو ورقصت على أنغامها حتى أصبحت معروفة بسرعة لكن خبر فقدان بصر ظافر غمر سعادة اللحظة بغمٍ مفاجئ.

 

فعندما عادت زوي إلى المنزل وقفت أمام شاشة الأخبار عاجزة عن إخفاء الدهشة:


«ألم يكن ظافر بخير؟»

 

رد تامر على الفور وهو منشغل باللعب بهاتفه على الأريكة:

 

«الشخص الذي بخير على الأرجح هو جاسر.»

 

بعد أن تلقى تامر الأوامر من جاسر وتوبيخ ظافر بدأت الشكوك تتسلل إلى ذهنه ومع متابعة الأخبار أدرك أخيرًا أنّ ظافر كان برفقة سيرين طوال الوقت وأن الشخص الذي كان في الشركة هو جاسر فعلاً.

 

سألت سارة واضعة كأس الماء الذي في يدها على الطاولة:

 

«ماذا تقصد بذلك يا تامر؟»

 

لم يجد تامر بُدًّا من إفصاح الحقيقة كاملة عن طلبه المال من ظافر وعن المساومة… عند سماع ذلك ارتسمت على وجه سارة صدمةٌ عميقة، وهمست:

 

«يبدو أنّنا جميعًا قد خُدعنا.»

 

نظرت سارة إلى زوي بعينين حزينتين وسألتها بصوتٍ يحمل الفضول والحذر:

 

«هل ما زلتِ ترغبين في رؤية ظافر؟»

 

أجابت زوي بلا تردد وقد بدا في نبرة صوتها حسمٌ لا رجعة فيه:

 

«لا… لقد رتّب أبي بالفعل اجتماعًا لي ولجاسر.»

 

عندما وصلتها هذه الحقيقة تخلت زوي فورًا عن فكرة ظافر مستسلمة لقناعةٍ قاسية:

 

لن تعيش بقية حياتها مع شخصٍ كفيف.

 

إلى جانب ذلك كان ظافر لا يزال مرتبطًا بزواجٍ قائم وحقيقة أن جاسر يشبهه تمامًا جعلت زوي تفكر أنه ربما يمكنها أن تكون مع جاسر بدلًا من جاسر كبديلٍ مؤثّر.

 

تعليقات