رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخامس والتسعون
لم يسع سارة إلا أن يفيض قلبها سرورًا حين أدركت أن زوي تُحسن قراءة الأولويات وتعرف مواضع الثقل والمعنى على نقيض سيرين التي كثيرًا ما أخطأت ميزان الأهم فالأهم.
وفي زاوية المشهد كان تامر يراقب بسخرية مبطّنة حتى إذا غادرت زوي المكان التفت إلى سارة قائلًا على عجلٍ لا يخلو من الطمع:
«أمي، إن تزوّجت زوي من جاسر سأظل صهر عائلة نصران، وأفكّر أن أؤسس شركة… ما رأيكِ في—»
لم يمهله صبرها حتى يُتمّ فكرته فقاطعته بنبرة حاسمة كحدّ السيف:
«يكفيك أن تكون ابن عائلة ياندل فحسب وأن تكفّ عن الارتهان لفكرة المال وإنفاقه كأن الحياة لا تُقاس إلا بما يُدفع.»
ما إن بلغته كلماتها حتى اشتعل الغضب في صدره واستحال صوته جمرةً متقدة:
«صدّقي أو لا تصدّقي سأخبر سيرين بالحقيقة كاملة وحينها سنطوي جميعًا صفحة الحياة الرغيدة وكأنها لم تكن يومًا!»
«إيّاك أن تفعل!»
انفجر صوت سارة غضبًا وهي تضع كأس الماء جانبًا كأنها تلقي به خارج حدود صبرها وقد انعقد حاجباها واشتعلت نظراتها رفضًا لا يقبل المساومة.
تحت وطأة انفعالها تصدّعت ثقة تامر بنفسه فغادر المنزل مثقَل الخُطى خالي الوجهة وحين ضاق به المكان ولم يجد ملجأً يلوذ به ساقته قدماه إلى النادي حيث الخمر تُسكِت الضجيج مؤقتًا وإن كانت تُوقظه في الأعماق.
وما إن وطئت قدماه المكان حتى قال بصوتٍ عالٍ تختلط فيه الجرأة بالانكسار:
«أحضروا لي أجمل امرأة لديكم هنا.» فالتفتت إليه الأنظار وتعلّقت به العيون وكان من بينها عينٌ خبِرة لا تخطئ الفرائس… عين طارق أحد روّاد المكان الدائمين.
لم يتأخر طارق؛ إذ أشار سريعًا لأحدهم أن يراقب تامر عن كثب ثم ابتعد خطوة وأجرى مكالمة قصيرة لم ينطق فيها سوى باسمٍ واحد:
«ظافر.»
كان طارق قد تواصل مع ظافر قبل أيام قليلة ولم يخطر بباله قط أن يكون فقد ذاكرته حقًّا، أو أن القدر يتهيّأ لنسج خيوطه على نحوٍ لا يُحمد عقباه فحين بحث طارق عن ظافر للمرة الأولى بعد الحادث قوبل صوته بالصمت وتكسّرت محاولاته على جدار التجاهل ومع مرور الأيام تلقى خيط الاتصال أخيرًا وأخبره ظافر بأنه يستحضره على استحياء كذكرى باهتة لم يكتمل ملامحها بعد.
«ما الأمر؟»
سألها ظافر وهو غارق في عمله وقد بدا الاتصال مفاجئًا لا لشيء سوى لتوقيته.
قال طارق بنبرةٍ تحمل دهشة مشوبة بالسخرية:
«رأيت تامر تهامي في النادي… ثريًّا على نحوٍ فاضح… بل حجز المكان بأسره لنفسه منذ لحظة وصوله.»
انسابت إلى ذاكرة كلاهما صورة تامر القديمة ذلك الاسم الذي كان مرادفًا للخذلان وقلة الحيلة… فتامر دون سواه كان الشرارة التي أسقطت عائلة تهامي العريقة من عليائها وأغرقها في هوّة لا قرار لها… لذا لم يملك طارق إلا أن يتساءل مستنكرًا كيف عاد المال ليطرق باب رجلٍ كان بالأمس سبب الخراب واليوم يتنعّم ببذخٍ لا يُصدَّق.
واصل ظافر طرقه على لوحة المفاتيح ثابت الأعصاب لا يحيد عمّا بين يديه ولا يبدو أن ما سمعه حرّك فيه ساكنًا ثم قال ببرودٍ قاطع:
«تجاهله.»
فقد حذّر تامر من قبل ألا يعاود افتعال المتاعب مع سيرين ولم يكن في وارد أن يزجّ بنفسه في دوّامة أخرى لا طائل منها ويواجه ظافر مجدداً.
«حسنًا…»
تسرّبت خيبةٌ خفيفة إلى نبرة طارق ثم استطرد متردّدًا:
«بالمناسبة يا ظافر، تابعت الأخبار… هل منحتَ جاسر كل شيء حقًّا؟»
أجابه ظافر بلا اكتراث وكأن الأمر لا يستحق أكثر من كلمة:
«في الوقت الراهن، نعم.»
عندها تنفّس طارق الصعداء أخيرًا وقد أراحه الجواب إذ كان يظن في قرارة نفسه أن ظافر بعد أن فقد بصره سيفتح الباب لكل من شاء أن ينهش صورته ويتجرّأ عليه بلا خوف ومن ثم سأل طارق باهتمامٍ لم يَخفَ على ظافر وقد خفّض صوته كمن يتحسّس أرضًا رخوة:
«إذن… كيف حال سيرين الآن؟»
ما إن بلغ الاسم مسامع ظافر حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة عفوية أفلتت منه دون قصد، غير أنّه سرعان ما تدارك نفسه وقال ببرودٍ متعمّد:
«هذا أمر لا يعنيك.»
ثم أنهى المكالمة على الفور كأنها خيطٌ قُطع قبل اكتمال نسيجه.
حدّق طارق في شاشة هاتفه بامتعاض وتمتم ساخطًا:
«يا له من رجلٍ قاسي القلب، عديم الرحمة.»
ولم يكد يُكمل كلماته حتى دوّى الهاتف من جديد وكان المتصل جدّه وصوته لا يخلو من توعّد:
«ألم أقل لك أن تدعو كوثر إلى العشاء البارحة؟ أين كنت؟ غبت طوال الليل! صدّقني أو لا تصدّق سأُسلخ جلدك حيًّا!»
تنفّس طارق بضيقٍ وقال بحدّة الإحباط:
«هي من لم تُرد المجيء… أتتوقّع مني أن أختطفها؟»
ثم أغلق الخط على الفور وقد ازدحم صدره بالضيق وكأن الليل لم يفرغ بعد ما في جعبته من توتّر… كان طارق قد دعا كوثر بكل لباقة وتهذيب إلى منزل عائلته لتشاركهم عشاء الليلة الماضية غير أنّها فاجأته برفضٍ لم يكن في الحسبان فترك في نفسه مرارةً لم تُخفَ.
أصبح الآن بعد مكالمة أرشبيلد الجد بمزاجٍ عكر فاستدعى المدير وأشار إلى تامر قائلًا بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
«ضاعِف إنفاقه ثلاث مرّات اليوم.»
كان يريد أن يختبر الأمر بنفسه وأن يتحقّق إن كان تامر قد عاد حقًّا إلى ثراءٍ يليق بكل هذا البذخ فأومأ المدير موافقًا وانصرف.
على الجانب الآخر أنهى ظافر عمله باكرًا على غير عادته وفي طريق عودته إلى المنزل توقّف عند متجرٍ للزهور وانتقى باقةً عامرة بالألوان وحين ترجل من السيارة وقعت عينا سيرين عليه؛ لم يكن يبدو حينها كرجلٍ أنهكته الديون ولا كمن أثقله العجز… لكن دهشتها ازدادت حين رأته يعود في ذلك اليوم حاملاً باقةً ضخمة من الزهور فتسلّل الشك إلى قلبها على مهل وتساءلت في صمتٍ ثقيل:
أكان يُخفي عنها الحقيقة… أم يكذب عليها بوجهٍ آخر؟
«تفضّلي يا سيرين.»
قالها ظافر وهو يناولها باقة الزهور فور دخوله المنزل.. لم تُخفِ تردّدها ولم تمتدّ يدها على الفور بل قالت بلهجةٍ مشوبة بالشك:
«ومن أين لك المال لشراء كل هذا؟ ألم نتفق أن تدّخر ما لديك لسداد ديونك؟»
أجابها بهدوءٍ مطمئن لا ارتباك فيه:
«كان لدى الشركة فائض من الزهور بعد فعالية أُقيمت اليوم وتذكّرت أنك تحبّينها فأحضرتها لك.»
«آه…»
تناولت الباقة أخيرًا وتبدّد شيء من حدّتها ثم قالت بصوتٍ أخفّ:
«شكرًا لك.»
ولم تلبث أن رفعت رأسها وسألته من جديد وكأن الفكرة لم تكن وليدة اللحظة:
«لِمَ لا أزور شركتكم غدًا؟»
