رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس والتسعون 396 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس والتسعون


بعد برهةٍ من الصمت قال ظافر بصوتٍ متأنٍ كأنّه يزن كلماته قبل إطلاقها:

 

«الشركة في حالٍ متداعية بعض الشيء ولا يليق بامرأةٍ حاملٍ مثلك أن تتواجد في مكانٍ كهذا.»

 

أجابته سيرين بهدوءٍ لا يخلو من إصرار:

 

«لا بأس، سأكتفي بالنظر من بعيد لا أكثر.»

 

ولمّا عجز عن ثنيها لم يجد بدًّا من الرضوخ لطلبها فقال على مضض:

 

«حسنًا.»

 

ما إن أنهى كلمته حتى توجّه إلى غرفته ليبدّل ملابسه وما إن أغلق الباب خلفه حتى أمسك هاتفه واتصل بماهر على الفور:

 

«أريد شركةً خيرية جاهزة قبل حلول الليل وتأكد من وجود جميع الموظفين.»

 

كان ماهر آنذاك منشغلًا بإعداد الطعام لخطيبته وحين تلقّى الأمر أطلق تذمّرًا لم يستطع كبحه:

 

«سيد ظافر، لِمَ لا تُخبر السيدة سيرين بالحقيقة؟ لا توجد امرأة ترفض المال.»

 

«نفِّذ ما يُطلب منك فحسب.» قالها ظافر بحدّةٍ مقتضبة فلا رغبة له في استنزاف وقته مع ماهر فهو يدرك يقينًا أنه إن انكشف لسيرين أنه ما يزال ثريًّا فلن تتردّد لحظة في طلب الطلاق؛ لم لا؟! وهو أدرى الناس بطباعها ويعرف أن موطن ضعفها الأكبر كان رقّتها حين تُستثار… المال ليس السبيل إليها… إنها امرأة لا تُشترى وإن أراد الاحتفاظ بها إلى جواره سيطرق باب قلبها ويطأه حتى لو دخله من باب إشفاقها عليه… نعم ظافر نصران أصبح يائس في حبها وسيستميلها بالاستجداء.

 

لم يجد ماهر مفرًّا من الامتثال فترك خطيبته على مضض وانصرف لإتمام مهمته العاجلة.

…….

لم تكن سيرين وحدها من لان قلبها؛ فقد شاركتها فاطمة الشعور ذاته… فمنذ علمتا بأن جاسر قد حلّ محل ظافر وأن شادية قد أدارت له ظهرها تسلّل إليهما إحساسٌ خفيّ بالشفقة عليه، شفقةٌ لم تُعلن لكنها استقرّت في الصدور.

 

تذكّرت فاطمة كيف استأجر هانا وغريس خصيصًا لأجلها وكيف كانت غريس تحرص على إعداد كل ما تشتهيه وكأن العناية الصامتة كانت لغته الأخيرة في التعبير عمّا أراد إثباته… ظافر القديم فُقد مع فقدانه لبصره وذاكرته ووُلِد ظافر آخر… ظافر الإنسان.

 

حتى الجيران لم يبخلوا بالثناء على جهود ظافر في إصلاح الطريق؛ فبعضهم كان يعاني شُحّ الماء، وقد انفرجت أزمتهم بمجرّد مكالمة هاتفية منه… وتردّدت همهمات الجارات باسمه محمّلة بالإعجاب:

 

«فاطمة، لديكِ صهرٌ رائع حقًّا؛ ليس وسيمًا فحسب بل كفؤٌ أيضًا.»

 

«صدقتِ، قلّما نجد رجلًا كفيفًا بهذا القدر من الإتقان… أنيق في ملبسه كل يوم… ثابت في حضوره… لولا ضعف بصره لما وُجد فيه مأخذ واحد.»

 

تسلّل التحسّن إلى نفس فاطمة مؤخرًا ومع كثرة ما سمعت بدأت تقبل ظافر على مهل وتحدّثت في سرّها:

 

«سيكون الأمر حسنًا ما دام على هذا النهج، وما دام يُحسن معاملة سيرين بلطف.»

 

وبينما كانت سيرين حين تنهمك في تأليف موسيقاها بالمنزل تلتقط أحيانًا أطراف حديث فاطمة مع الجيران عن ظافر؛ غير أنّ فاطمة رغم ليونة قلبها لم تُسقِط حذرها كلّيًا وبقيت تُمسك بالخيط بين الثقة والترقّب.

… ….

بعد أن أوصلت سيرين زكريّا إلى المدرسة في صباح اليوم التالي تبعها ظافر إلى شركته في سيارته وبدا فضولها ينهش صمت الطريق فسألته:

 

«كم تكسب شهريًا من هذا العمل؟»

 

تأمل ظافر السؤال قليلاً قبل أن يجيب وجاء صوته هادئ وثابت:

 

«عشرة آلاف دولار.»

 

تذكرت سيرين حينها دخلها الشهري بعد التخرج الذي لم يكن يتجاوز ثلاثة آلاف وخمسمئة دولار وحتى الآن كانت كوثر تتقاضى أربعة آلاف دولار فقط في شركة صغيرة محدودة الموارد فهمست:

 

«حقًا… لقد وجدت شركة رائعة.»

 

أجابها ظافر بهدوء يحجب ما في قلبه:

 

«المالك صديق لماهر.»

 

«آه.»

 

وعندما وصلوا أخيرًا رفعت سيرين عينيها إلى المبنى البعيد أمامهما… لم يكن فخمًا باهرًا لكنه لم يُعطِ انطباعًا بالتدهور أو الإهمال بل بدا متينًا ومرتبًا يحمل بين جدرانه صدى الجدية والعمل المنظّم.

 

خرجا من السيارة واحدًا تلو الآخر وفي لحظة لم يكدوا يخطون خطوة حتى اقترب منهم رجل ممتلئ الجسم محاط ببعض الموظفين الإداريين بملامح رسم عليها الزمن خبرة الإدارة.

«أخيرًا وصلت يا سيد ظافر… ها أنت ذا… دعني أصطحبك إلى مكتبك الآن»، قال الرجل وهو ينحني باحترام كأنه يكرم زائرًا عزيزًا لا موظف يعمل لديه.

 

تطلّعت سيرين إليه بدهشة وحارت عن سبب هذا الانحناء:

 

«من هذا؟»

 

لم يتردد الرجل في الرد… صوته واثق وعيناه تحملان خبرة السنين:

 

«أوه… أنا مالك دار سان الخيرية، هوارد بالمر.»

 

فوجئت سيرين من هذا المشهد؛ كيف لرجل يُدعى المدير أن ينحني أمام موظفه وكأن الألقاب لم تكن إلا مسميات لا وزن لها… لم يحتج ظافر لبصر كي يدرك ما يختلج في خاطرها، فابتسم بهدوء وقال بثبات:

 

«سيد بالمر، لا داعي للقلق عد إلى عملك… أنا أعرف طريقي الآن.»

 

«حسنًا!»

هكذا قال هوارد قبل أن يغادر مع مجموعة الموظفين وقد كانت ساقاه ترتجفان قليلًا وهو يخطو مدركًا تمامًا من هو ظافر، وكيف كان الأخير أسطورةً في أيامٍ مضت… يحفر اسمه في سماء النجاح.

 

ثم أوضح ظافر لسيرين بصوتٍ هادئ يحمل بين نبراته الثقة والطمأنينة:

 

«جميع من يعملون في هذا المجال طيبون ولا سيما السيد بالمر… إنه يشعر بالقلق من أن أتعثر لذا يطلب دائمًا من موظفيه أن ينتظروني عند الباب.»

 

ابتسمت سيرين وقالت:

 

«آه… هذا يبدو جيدًا.»

 

تبعته إلى مكتبه وكانت تتوقّع شيئًا عاديًا لكن ما إن فتحت الباب حتى صُدمت إذ لم يكن المكان كما تخيّلت، بل ……

 

تعليقات