رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسابع والتسعون 397 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسابع والتسعون 

رغم أن مكتب ظافر لم يكن واسعًا إلا أن جدرانه كانت مثقلة بقصاصات الصحف تشهد على عمل دؤوب:

 

أخبار عن أطفال مفقودين ومقالات عن صمٍّ يتلقون مساعدات مالية… دخلت سيرين الغرفة ومن ثم ألقت نظرة متأنية حولها ولاحظت جهاز الكمبيوتر والهاتف المجهّزان خصيصًا لشخص كفيف… عندها تبددت كل شكوكها مؤقتًا واستقرّ في قلبها شعور بالثقة كونه المسئول عن هذا المكتب ومن ثم قالت بهدوء:

 

«ابذل قصارى جهدك في عملك… لن أزعجك بعد الآن.»

 

ابتسم ظافر وأجابها:

 

«حسنًا… دعيني أوصلكِ إلى الخارج.»

 

عرف حينها أنها صدقته فاستراح قلبه قليلًا من وطأة القلق فأومأ برأسه.

 

«لا بأس… العمل أهم.»

هكذا قالت سيرين وغادرت الغرفة بمفردها تاركةً خلفها صمت المكتب وأملًا يتسلل بين جدرانه الصامتة.

 

عندما عادت إلى المنزل اتصلت بكوثر بصوتٍ متلهّف، وقالت:

 

«كوثر، لقد زرتُ للتو دار الرعاية التي يعمل بها ظافر… إنها بالفعل دار خيرية.»

 

كانت قد تحدثت معها عن ذلك مرارًا وقد شعرت كوثر هي الأخرى بفضولٍ دفين لمعرفة الحقيقة عن حياة ظافر الجديدة.

 

سألت كوثر وهي منشغلة بعملها:

 

«هل أصبح يائسًا إلى هذا الحد؟»

 

أجابتها سيرين بهدوء وثقة:

 

«أعتقد أن هذه الوظيفة تناسبه تمامًا… يستطيع أن يساعد الآخرين وفي الوقت نفسه يعيش حياة هادئة.»

 

قالتها سيرين وابتسمت بخفوت فقد طالما تمنّت حياةً يسودها السكون والطمأنينة… ثم جاء صوت كوثر محمّلًا بالقلق والتحذير:

 

«سيرين، لا تقولي لي إنك ستتساهلين معه وستفكرين في مسامحته… هل تفكرين بالعودة إليه؟ تذكّري أنه أعمى الآن يعني أنه صار عبئاً عليكِ… وإذا قررت البقاء معه ماذا لو استعاد ذكرياته وبصره مستقبلًا وعاد إلى ما كان عليه؟»

 

توقفت سيرين للحظة وراحت تفكر في كلمات كوثر في مزيج من القلق والرغبة، بين القلب وما يمليه العقل.

 

لم تعرف سيرين كيف ترد على كوثر في تلك اللحظة فالناس يتبدلون في أي وقت ولا أحد يستطيع أن يضمن الثبات على حاله إلى الأبد… فاختارت أن تهرب من الإجابة المباشرة قائلة بصوتٍ متردّد:

 

«لكن لا يمكنني الحصول على الطلاق الآن… لذا دعينا نأخذ الأمور خطوة خطوة.»

 

ابتسمت كوثر بحذر ثم قالت:

 

«لا بأس بذلك أيضًا… لكن تأكدي من حماية ممتلكاتك الشخصية ولا تسمحي له بخداعك مرة أخرى.»

 

ومع هذه الكلمات تدفّق في ذهن سيرين مشهد وظّف فيه ظافر هانا وغريس فتساءلت بدهشة كيف تمكن من توظيفهما وهو مثقل بالديون وعندما عادت إلى المنزل لم تستطع سيرين كبح فضولها فسألت هانا وغريس عن رواتبهما وكانت الإجابات متطابقة بلا اختلاف.

 

كانت هانا تتقاضى ستة آلاف دولار شهريًا بينما كان دخل غريس ثلاثة آلاف دولار فقط مقابل إعداد ثلاث وجبات يوميًا… فطلبت سيرين منهما تزويدها بتفاصيل حساباتهما المصرفية قائلة إنها ستقوم بدفع مستحقاتهما عنه لاحقًا.

 

بعد مغادرتها اتصلت الاثنتان سراً بماهر ولحسن الحظ كان ظافر قد لقنهما تلك المعلومات كاملة… فحتماً فكرت سيرين في الراتب بعناية وأدركت أنه صافي الدخل محسوب على أقل سعر ممكن في السوق بما يضمن الاستفادة القصوى دون إسراف.

 

ابتسم ماهر وقال لهما محذرًا بناءً على تعليمات ظافر:

 

«أحسنتما… وعندما تشتريان البقالة في المستقبل تأكدا دائمًا من الحصول على أرخص الأسعار.»

 

كان في إرشادات ظافر مزيج من الحكمة والاهتمام يذكّرهما دومًا بأن الفطنة في التصرف أحيانًا أهم من المال نفسه.

 

في اللحظة ذاتها ظن ماهر أن ظافر يبحث عن المتاعب عمداً وكأنه يعذّب نفسه بإرادته… فهو ثريٌّ إلى حدٍّ يتيح له أن يحصل على أي امرأة يريدها ومع ذلك اختار التظاهر بالفقر ليعيش حياةً أشبه بالتحدّي الداخلي يصنعها لنفسه دون أن يطلب من أحد أن يشاركه في عبئها.

 

أوقف ماهر سلسلة أفكاره وأعاد تركيزه على عمله ثم قدّم إلى ظافر المستندات قائلاً:

 

«سيد ظافر، إليك جميعها.»

 

كانت تلك مستندات المشاريع من شركة تايتان التي استحوذ ظافر على معظمها لصالحه فأخذها ظافر بهدوء مردفًا بصوتٍ خافت لكنه حاسم:


«حسنًا.»

 

ثم ذكّره ماهر بالمهمة القادمة:

 

«سيد ظافر، علينا التوجّه إلى المستشفى بعد الظهر لتلقي جلسة علاجك الأخيرة… وبحلول ذلك الوقت من المفترض أن تستعيد ذاكرتك كامل عافيتها.»

 

كانت الكلمات تحمل أملًا مخمّلًا بالثقة وترك في قلب ظافر شعورًا باليقين بأن النهاية القادمة ستكون بدايةً جديدة… لكن سرعان ما عاد ذهنه إلى ما قاله جاسر واسترجع أيضًا رسالة سيرين التي كتبتها له قبل أن تتركه في طيّ الماضي، كلماتٌ لم تُمحَ من قلبه بعد.

 

«ألغوا جميع العلاجات… لا أريد أيًّا منها في المستقبل.»

كانت عباراته حازمة بلا تردّد كما لو كانت سيفًا يُقطع أيّ رابط بالماضي… فلم يتمالك ماهر نفسه من الدهشة، وسأل:

 

«لماذا؟»

 

أجابه ظافر بنبرة حادة متسائلة بدلًا من الإجابة:

 

«لماذا تطرح الكثير من الأسئلة مؤخرًا؟»

 

توقف ماهر فورًا عن الكلام وابتعد بهدوء حاملاً الوثائق المكتملة تاركًا ظافر وحده مع صمتٍ مثقل بالهموم.

 

غاص ظافر في أعماقه وابتلعت نفسه موجة من الاكتئاب… عنعندما كّر فجأة أن سيرين ربما لم تحبه قط وأن قلبها كان مع جاسر لا معه، فتلاشت أمام عينيه كل الأحلام التي كان يظنّها مشتركة بينهما.

……..

في منزل فاطمة

إلى جانب انغماسها في تأليف الموسيقى داخل المنزل كانت سيرين تتابع مع فاطمة يومياً ما طرأ على ظافر من تغيرات دون أن تدريا أي منهما أن ظافر قد استعاد ذاكرته بالكامل وأن الماضي لم يعد بعيدًا كما كانتا تظنا.

 

بعد عودة سيرين إلى المنزل وتناولها الغداء راودها شعور برغبة في التنزه قليلًا لتستنشق هواءً يصفو ذهنها… وفجأة رنّ الهاتف فانقبض قلبها قليلاً قبل أن ترد.

 

كان الصوت على الطرف الآخر لتامر، واضحًا رغم ثمالته وهو يتوسّل بصوت متقطع:

 

«سيرين… أرجوكِ… اذهبي إلى جاسر، حسناً؟ أتوسّل إليكِ.»

 

وقفت سيرين للحظة تتأمل كلمات التضرع وتشعر بثقل المفاجأة يتسلّل إلى قلبها كأنها لم تكن تتوقع أن يُلجأ إليها بهذا الشكل.

 
تعليقات