رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والتسعون 398 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والتسعون 


عندما سمعت سيرين ذلك عبست بوجهٍ مشحون بالاستياء كأن الكلمات وحدها أثقلت قلبها بينما واصل تامر ثرثرته بنبرة متقطّعة:

 

«هل تعلمين كم تعرضت للإذلال في السنوات الماضية؟ كنت أنا من يتنمّر على الآخرين والآن صرت أضحوكة الجميع! عليكِ مساعدتي يا سيرين… طالما أنكِ ستوافقين على مقابلة جاسر فهو سيساعدنا بالتأكيد.»

 

لم تشأ سيرين الاستماع إليه وكانت على وشك إنهاء المكالمة لكن فجأة سمعته يقول بلهجة متهدجة وثملّة:

 

«لو لم تخدعني أمي، لما سقطت عائلة تهامي أصلاً.»

 

انتفضت قائلة فورًا: «ماذا تقصد؟!»

 

كان تامر ثملاً للغاية جالسًا في الشارع بلا مبالاة وما إن حاول الاتصال بها قليلًا قبل لحظة حتى طرده العاملون من النادي تاركينه يتخبّط بين الوعي والضياع… فلورانس قد جمد بطاقته ولم يكن لديه المال لتسديد الفاتورة بل تعرّض للضرب على يد الموجودين هناك في مشهدٍ مُرّ أعاد إليه ذكريات الماضي المرة.

 

قال تامر بغضبٍ مكبوت، صوته يهتز بين الأسى والغضب:

 

«لماذا تعتقدين أن مشروعنا العائلي العظيم انهار في غضون ثلاث سنوات فقط؟ السبب أن أمي طلبت مني أن أنقل كل شيء إلى عشيقها لورانس ياندل!»

 

ثم تابع مُثقلًا بالاستياء:

 

«والآن، لم يقتصر الأمر على أن عائلة ياندل غنية وجاحدة للجميل بل تجرّأوا أيضًا على تجميد بطاقتي… لقد تعرّضت للضرب بسبب ذلك.»

 

وأضاف بصوت خافت يحمل مرارة النجاة:

 

«لولا طارق… لكنت ميتًا الآن.»

 

كانت سيرين تستمع إليه بصمت وكل كلمة منه تثقل قلبها بالوعي والألم حتى أدركت أخيرًا مدى سذاجتها… فقد ظنت طوال الوقت أن سارة التقت بلورانس بعد مغادرتها البلاد لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا وكأن الظلال الماضية انكشفت أمامها فجأة.

 

«هل تقول إن سارة ركضت إلى رجل آخر بعد وفاة والدي بفترة وجيزة؟»

 

في تلك اللحظة كان تامر شبه مستيقظ تتلعثم كلماته بين الحقيقة والارتباك:

 

«حسنًا… لا أدري… على أي حال ساعديني فقط وانظري إلى جاسر هذه المرة… أنا أخوك البيولوجي ونحن أقارب بالدم! إذا نجحتُ مجددًا فستظلين ابنة عائلة تهامي العريقة.»

 

ما إن لفظ تلك الكلمات حتى انقطع الاتصال فجأة ووقفت سيرين ثابتة ممسكة بهاتفها بإحكام وكأن العالم كله قد توقف حولها… تشعر بقشعريرة تسري في ظهرها تتخلّل جسدها كأنّ صدى الماضي والحاضر قد تجمّد في لحظة واحدة تاركًا قلبها مُثقلًا بالدهشة والرهبة… فرغم أن سارة لم تكن تحمل لها أي محبة إلا أن سيرين كانت تعتقد على الأقل أن سارة تكنّ حبًّا واحترامًا لوالدها أما الآن فقد تبددت تلك الفكرة تمامًا وكأن الحقيقة تكشّفت لها فجأة بلا سابق إنذار.

 

اتصلت سيرين برامي تقول بصوت هادئ لكنه حازم:

 

«رامي، هل يمكنك أن تطلب من رجالك البحث في ماضي سارة وخاصة فيما يتعلق بالفترة التي تلت وفاة والدي؟»

 

سبق لها أن كلّفت شخصًا بالتحقيق في أمر سارة وعائلة ياندل لكنّ الجهد آنذاك لم يُثمر كثيرًا، لذا أعادت سيرين التفكير في ضرورة كشف الحقائق هذه المرة بإصرارٍ لا يلين كمن يريد أن ينفض الغبار عن سرّ دفين طال انتظاره.

 

«بالتأكيد.»

وافق رامي على طلب سيرين دون تردد فقد أصبح تابعًا لها بعد أن كان رجل كارم سابقًا ومنذ ذلك الحين أصبح كل تصرّفاته تخضع لإرادتها.

 

ونظراً لعمل رامي لدى كارم في الماضي فقد أكسبه ذلك شبكة واسعة من الموارد والخبرة وكان بإمكانه بسهولة أن يتحرى عن أي شخص ويكشف أسراره.

 

في هذه الأثناء حاول تامر الاتصال بسيرين مرة أخرى راغبًا في إقناعها لكنه اكتشف أنها قد حظرت رقمه نهائيًا.

 

«يا لكِ من عاهرة! لا أصدق أنكِ أختي، ولا تستطيعين حتى تقديم معروف واحد لي!»

لعنها في صمت، وحيدًا، متخبطًا بين السخط والإحباط كمن يضيع في ظلال غضبه دون مفرّ.

 

وفجأة جاءته ركلة قوية زلزلت ساقه، فارتفع رأس تامر ليكتشف من يقف أمامه فإذا بوجه طارق البارد يحدّق فيه بلا رحمة.

 

«سيد طارق؟ ماذا تفعل؟» تلعثم تامر وتراجع على الفور عن موقفه المستهتر.

نظر طارق إليه بحزم وأمال جسده إلى الأمام، عيناه تتقدّان بردّة فعل صارمة:

 

«من كنت تناديها بالعاهرة قبل قليل؟»

 

ظن تامر أن حقد طارق ما زال موجّهًا نحو سيرين كما كان في الماضي فتلعثم وقال متذرعًا:

 

«من غيرها سوى أختي البخيلة هذه؟ لن تُسدي لي معروفًا أبدًا… سيد طارق أيمكنك مساعدتي؟»

 

لكن نظرات طارق الثلجية لم تبرح وجهه كأنها تقول إن الغدر والخيانة لن يمرّ بلا عقاب وأن حساب كل كلمة سيُؤخذ بحذافيره… وقبل أن يُكمل تامر كلامه جاءته لكمةٌ قوية من طارق أصابت وجهه بلا رحمة فتبعثرت الدماء من فمه ولم يذق في تلك اللحظة سوى مرارة الألم والدهشة.

 

زحف تامر إلى الخلف متلعثمًا:

 

«سيد طارق… ماذا… ماذا تفعل؟»

 

أجابه طارق بهدوءٍ بارد، صوته منخفض لكنه يجلجل بالقوة والحزم:

 

«دعني أوضح لك الأمور… لقد ساعدتك في دفع الفاتورة اليوم لكن ذلك لم يكن من أجلك بل من أجل سيرين! هل تدرك الآن كيف ينبغي أن تتحدث عنها في المستقبل؟»

 

وبينما وقف تامر مذهولًا لم يستطع طارق أن يتصور أبداً أن شخصًا طيبًا ورقيقًا مثل سيرين يمكن أن يكون له أخٌّ بلا فائدة، لا يقدّر الخير ولا يعرف قيمة الاحترام فابتلعت الحقيقة صمت المكان كله.

 
تعليقات