رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والتسعون 399 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والتسعون 

ارتطم الذهول بقلب تامر فلم يستوعب كيف لطارق أن يقف فجأة مدافعًا عن سيرين بعدما كان يبغضها أشدّ البغض في الماضي لكن الخوف سبق تفكيره فبادر بالقول على عجل:

 

«حسنًا… فهمت! إنها أختي وسأحرص على احترامها من الآن فصاعدًا.»

 

عندها فقط استقام طارق في وقفته وحدّق فيه بنظرة فاحصة، ثم قال:

 

«وماذا عن قولك إنك بحاجة إلى لقاء جاسر ليقدّم لك المساعدة؟»

 

ارتجف تامر من هيبة طارق فسرد له كل ما حدث منذ ذهابه لمقابلة جاسر إلى الكلمات التي قالها الأخير قبل أيام بينما أنصت طارق في صمتٍ ثقيل وقد تسلّل الاضطراب إلى ملامحه شيئًا فشيئًا.

 

ثم تمتم بدهشةٍ لم يستطع إخفاءها:

 

«هل يعرف جاسر… سيرين؟»

 

«أعتقد ذلك… وإلا فلماذا قد يقول مثل هذا الكلام؟» تمتم تامر وهو غارق في الحيرة إذ لم يستطع إدراك ما يجري أيضًا.

 

تذكّر طارق كيف كانت عائلتا تهامي ونصران على علاقة وثيقة في الماضي وكيف كانت سيرين تكتب رسائل غرامية سرية إلى ظافر وعندما اكتشف أحدهم الأمر كانت الرسائل ممزقة بلا أثر… فجأة اجتاحه شعور غريب كأنّه اكتشف سرًّا خطيرًا بالصدفة وأراد أن يستفسر أكثر ويغوص في خبايا ذلك الماضي لكن قبل أن يتمكّن من طرح أي سؤال اقترب منه صوتٌ مألوف قائلاً بحزم:

 

«طارق، ماذا تفعل؟»

كان كوينتين، نظراته تنقل مزيجًا من الدهشة والانتباه وعندما لمح كوينتين تامر، انبرى إليه طارق على الفور وقال له بصوتٍ مشحون بالتحذير:

 

«لا تخبر أحدًا بما حدث اليوم وإلا سأنتزع لسانك! والآن ارحل من هنا!»

 

ما إن أتم طارق كلماته حتىغهرع تامر مبتعدًا بسرعة، متلعثمًا بين الذهول والخوف.

 

في تلك اللحظة اقترب كوينتين يقف إلى جانب طارق مرتديًا بذلته الأنيقة ورمقه بنظرة تفحّص واعتبار:

 

«لماذا أنت هنا في نادي إمباير؟ لقد مرّ وقت طويل منذ آخر مرة زرنا فيها نادي ستيرنهاو.»

 

كان كلا الناديين يقعان في قلب المدينة ويتبعان ملكية كوينتين الذي بدا متحفظًا وحذرًا في كل تصرفاته.

 

أدار طارق نظره قليلاً متجنبًا التطرّق لموضوع تامر فقال مبتعدًا عن المحظور:

 

«كنتُ في المنطقة للتو… أما أنت فهل ما زلت تعمل في هذه الساعة بدلًا من أن تكون مع زوجتك يا كوينتين؟»

 

كانت نبرة طارق تواري قلقًا خفيًا إذ تعمد تحويل الحديث بعيدًا عن أمور قد تُحرج سيرين أو تُورطها أمام الرجل الأنيق المتحكّم بالمشهد.

فرغم العلاقة الجيدة التي تجمع طارق بكل من كوينتين وظافر إلا أن معرفته بكوينتين لم تكن عميقة فلطالما شعر طارق أن الرجل يخفي الكثير عنهما لذا رأى من الأفضل ألا يعرف كوينتين الكثير عن تامر وسيرين حفاظًا على الأمور من الانكشاف.

 

قال كوينتين بوجهٍ عابس، صوته يميل للجديّة والرصانة:

 

«لقد عدتُ إليها سابقًا… وبما أنها حامل فإن مزاجها متقلب.»

 

ثم لمح تامر وهو يهرول مبتعدًا ليركب سيارته وبمجرد أن غادرت السيارة أخرج كوينتين هاتفه وأجرى اتصالًا بشخص ما وفي الوقت نفسه، قال بلطفٍ يظهر في نبرته الحازمة:

 

«بما أنكِ حامل، ينبغي أن تتصرفي بلطف… أنتِ لا تريدين مني أن أعيدك إلى نادي ستيرنهاو، أليس كذلك؟»

 

وبعد رحيل كوينتين لم يفوت طارق فرصة إطلاع ظافر على مجريات اليوم بأكملها.

 

كان ظافر قد عاد إلى منزله بالفعل وعندما سمع ما رواه طارق انحنى إلى الخلف ودفن وجهه بين يديه، وبدا عليه الارتجاف من شدة البرد الداخلي الذي اجتاح قلبه وروحه.

 

بعد أن أنهت سيرين تناول طعامها قررت الخروج في نزهة قصيرة لتسهيل عملية الهضم وتصفية ذهنها وبينما كانت تمشي سمع ظافر وقع أقدامها مع دندنة لحن خفيف يتسلل من فمها فارتدى معطفه وخرج مسرعًا.

 

«لماذا أنت هنا؟» تساءلت سيرين بفضول وقد لاحظت حضوره فجأة.

 

تبع صوتها بخطوات هادئة حتى وصل إليها ثم لف معطفه حول كتفيها بحنان:

 

«الجو بارد جدًا في الخارج، فاحرصي ألا تُصابي بنزلة برد.»

 

«لا بأس.» لوّحت بيدها محاولة إخفاء انزعاجها… كان مزاجها متأثرًا بتصرفات تامر طوال اليوم فكانت بحاجة لتصفية ذهنها.


ابتسم ظافر بهدوء وقال:

 

«في هذه الحالة، دعيني أسير معك.»

 

وتقدّم بخطوات ثابتة كأنّ حضوره وحده يضفي على الهواء برودة لطيفة ودفئًا في الوقت نفسه تاركًا شعورًا بالطمأنينة في قلب سيرين.

 

وفي غفلة منها مدَّ ظافر يده فأمسك بيدها… كان كفها باردة كالثلج، فارتسم على وجهه عبوسٌ خفيف، وقال:

 

“لماذا يدك باردة هكذا؟”

 

وحين همّت سيرين بسحب يدها أضاف بنبرة مترددة لكنها ماكرة:

 

“أمسكي بيدي… فأنا كفيف لا أستطيع رؤية أي شيء.”

 

لم يكن أمامها خيار سوى أن تلتزم فتمسكت بيده وشعرت وكأنهما يسيران معًا للمرة الأولى حقًا، يربطهما دفء التماس اليدين، دفء لم تشعر به من قبل.

 

سألها ظافر في محاولة لطيفة للتودد:

 

“كيف حالك اليوم؟”

 

لم تجد سيرين من تفضفض له عن إحباطها وظنّت أن ظافر قد فقد ذاكرته فباحت له بما أخبرها به تامر عن علاقة سارة بشخص آخر منذ زمن بعيد.

 

أما جاسر فلم يأت ذكره على لسانها إذ اعتبرت ما صدر منه أمراً لا يستحق الذكر، فهو الآن مجرد صفحة من الماضي قد طُويت بلا عودة.

 

تعليقات