رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة
قال ظافر على الفور بنبرةٍ حاسمة لا تعرف التردّد:
«سأكلّف ماهر بالنظر في الأمر».
هزّت سيرين رأسها نفيًا وقالت بهدوءٍ موزون يخفي حزمًا:
«لا، لستَ رئيسه الآن فلا داعي لإقلاقه في كل صغيرة وكبيرة… ثم إنني قد طلبتُ من رامي أن يتولّى الأمر فقد قال لي كارم إنه كان يومًا عميلًا في جهاز المخابرات وأنه شديد البراعة في تتبّع الخيوط وفكّ عُقد التحقيق».
كاد ظافر أن ينسى للحظةٍ عابرة أمر ذلك الحارس الشخصي الوسيم الحادّ الذكاء المتقن لعمله كما يُتقن الظلّ مرافقة الجسد.
بينما تابعت سيرين وكأنها تُغلق الأبواب واحدًا تلو الآخر غير عابئة بما يعتمل في صدر ظافر:
«وإن عجز عن الوصول إلى شيء فلن أتردّد في طلب المساعدة من كارم».
لم تكن تعلم وهي تنطق باسمه أنّ غيمةً من الغيرة بدأت تتشكّل في صدر ظافر، صامتةً، ثقيلةً، لا تُرى ولكن تُحَسّ.
وحين دار الحديث في خاطرها حول كارم انتابها شعورٌ غامض بأن خللًا ما يلوح في الأفق؛ فقد طال غيابه، ولم يطرق هاتفها صوته منذ زمن.
اشتدّ ضغطُ ظافر على يدها كأنّه يستنطقها بالألم قبل الكلام وقال بصوتٍ خفيض يحمل عتابًا مستترًا:
«ولِمَ لا تطلبين مساعدتي؟»
ارتدّت الدهشة إلى عينيها ثم رفعت بصرها إلى ملامحه الجامدة وقالت بنبرةٍ لا تخلو من سخريةٍ موجوعة:
«حسنًا… ألستَ من فقد ذاكرته وبصره معًا؟»
في تلك اللحظة أدرك أنّه وقع في الفخّ الذي نصبه بيديه… سكن جسده لحظة ثم مال نحوها وهمس بصوتٍ صادقٍ عارٍ من التكلّف:
«لكن إن فعلتِ ذلك… سأغار».
وحين لامست أنفاسه الدافئة وجنتها فأدارت وجهها في ارتباكٍ خجول وقالت محاولةً التخفّيف من ثقل اللحظة:
«ما الذي تقوله؟ إنهم مجرّد أصدقائي لا أكثر».
وما إن بلغ سمعه جوابها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خرجت منه بغير وعي وقال بنبرةٍ آسرة تتدلّل بين الجدّ والمزاح:
«وأنا… ماذا أكون في حياتك؟ ومن أكون لديك؟»
وقبل أن تنبس بحرفٍ واحد سبقها بإصبعه يضعه برفقٍ حاسم على شفتيها وقال بصوتٍ منخفض يفيض يقينًا:
«أنا زوجك… وأتمنّى أن تُطلعيني على كلّ شيء وأن تسمحي لي أن أكون عونك لا عبئك».
كان القرب بينهما خانقًا حدّ الصفاء؛ قريبين إلى درجةٍ مكّنتها من تأمّل ملامحه دون حواجز… ورغم عماه اعترفت في سرّها أنّ وجهه مهما أطالت النظر إليه لا يزال يحتفظ بوسامته الطاغية كأنّ الزمن يعجز عن انتقاصها.
استجمعت سيرين أنفاسها وزفرت بتثاقل مدعٍ ثم قالت بصوتٍ مرتجف وجسد يكاد أن يتداعى:
«كما أخبرتك من قبل… سأبقى إلى جوارك في هذه المرحلة فحسب وحين تستعيد ذاكرتك سيكون الفراق هو النهاية».
ما إن أتمّت كلماتها حتى انتزعت يدها سريعًا تستلها من بين أصابعه واستدارت على عجل تعود إلى المنزل بخطى متسارعة كأنها تهرب من ثقل اعترافٍ ومن قلبٍ خشي أن يُفتَضَح قبل الأوان.
في ذلك اليوم استعارَت كوثر زكريّا كما تُستعار الأقنعة، لا لتتخفّى بل لتُفسِد ما دُبِّر لها؛ فقد كان والدها مايكل قد رتّب موعدًا جديدًا فأرادت أن تُفشله مستندةً إلى حضوره ومتّكئةً على ظِلّه فكان منزل فاطمة خاوياً إلا من ظافر وسيرين.
ما إن غادرت سيرين المكان حتى بادر ظافر دون إبطاء إلى تكليف ماهر بالبحث في ماضي سارة وكأنّ في ذاك الماضي سرًّا لا بدّ أن يُستخرَج من عتمته.
تلك الليلة ظلّت كلمات تامر تتردّد في رأس سيرين كصدى لا يخفت فخاصمها النوم وراوغها السكون… أخذت تتقلّب طويلًا في فراشها حتى ضاقت بأنفاس الانتظار فنهضت أخيرًا وقد حسم القلق أمره.
هبطت إلى الطابق السفلي متّجهةً نحو غرفة المعيشة فاستوقفها ضوء ما يزال مشتعلاً… كان ظافر مستيقظًا أيضاً جالسًا على الأريكة أصابعه تنقر لوحة المفاتيح في صمتٍ كثيف كأنّ الليل كلّه ينصت لما يكتبه.
وما إن التقط سمعه وقع خطواتها حتى التفت برأسه نحوها وسأل بصوتٍ دافئ يشبه همس الليل:
«لِمَ السهر؟»
وفي تلك اللحظة العابرة راودها الإحساس ذاته… كأنّ عينيه بخير… كأنّ الظلمة لا تسكنهما إلا ادّعاءً.
قالت بصوتٍ خافت تفضحه رجفة القلب:
«لم أستطع النوم».
أشار إليها بيده ونبرته تأمر وتستعطف في آنٍ واحد:
«اقتربي».
تقدّمت نحوه على استحياء والارتباك يسبق خُطاها وسألته محاولة التماسك:
«ما الأمر؟»
أغلق حاسوبه ببطء كمن يُسدل ستار على العالم ثم مدّ ذراعيه فجذبها إليه لتستقرّ بين صدره وأنفاسه وقال بصوتٍ مبحوح يحمل شوقًا مكبوتًا:
«ولا أنا استطعت… ما رأيك أن نفعل شيئًا يسرق منا هذا الأرق؟ شيئًا… يُنسي».
كان يكبح جماح رغبته منذ أشهر، يصارع نفسه بصمتٍ ثقيل؛ فالطفل الذي ينمو في رحمها بلغ شهره الثالث وقد استقرّ وضعه لكن قلبه لم يعرف الاستقرار قط.
اشتعل وجه سيرين حمرةً كأنّ الدم صعد دفعةً واحدة ليعلن عصيانها وقالت سريعًا رغم ارتجافها:
«لا».
قالتها بلسانها… لكن قلبها وحده كان يخذلها في صمت… وبينما كانت على وشك الإفلات من بين ذراعيه باغتها بنهوضٍ مفاجئ كأن القرار كان يعتمل في صدره منذ زمن… يحملها بين يديه بثباتٍ لا يعرف التردّد وسار بها نحو غرفته والخطوات تنبض بما لم يُقَل.
لكنها قالت وقد اختلط الاحتجاج بالدهشة:
«ماذا تفعل؟»
ارتسمت ابتسامةً مائلة على شفاهه تحمل وعدًا مبهمًا، وهمس:
«لنتحدّث في غرفة النوم… كي لا نوقظ فاطمة».
كان قلبه يخفق بعنفٍ مكتوم كطبول حربٍ وحين وضعها برفقٍ على السرير صعد هو الآخر وضمّها إلى صدره كأنّ المسافة بينهما لم تعد تُحتمل وما إن استقرّت سيرين حتى أدركت ضيق السرير وأن القرب صار ضرورةً لا خيارًا؛ التصاقٌ يفرضه المكان… وتفرضه الرغبة.
قالت محاولةً الانسحاب وصوتها يتعثّر:
«لا يوجد ما يمكن الحديث عنه… سأعود إلى—»
لكن كلمتها انقطعت عند شفتيها؛ إذ أسكتهما بقبلةٍ حازمة لم تكن صاخبة بقدر ما كانت مُلحّة تُغلق باب الهروب وتفتح أبوابًا أخرى… قاومته، دفعت صدره، حاولت الإفلات، غير أنّ ذراعيه أحاطتا بها بقوّةٍ مالكة واحتواها كمن يخشى أن يضيع ما بين يديه.
كانت قبلته مزيجًا من شغفٍ مكبوت وهيمنةٍ صامتة لا تُفصح عمّا بعدها لكنها تترك في الروح رجفةً وفي القلب ارتباكًا وفي الصمت اعترافًا لا يمكن إنكاره.
