رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الاربعون 40 والاخير بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الاربعون والاخير 

عيناها امتلأتا بحزن هادئ، لم يكن بكاء انهيار كما حدث يوم المقبرة، بل ذلك الحزن الناضج الذي يأتي بعد أن تتعلم الروح كيف تتعايش مع الألم دون أن تصرخ.
أومأت برأسها ببطء، وكأنها تعترف بشيء كانت تعرفه دائمًا لكنها تخشى نطقه، ثم قالت بصوت ثابت يحمل ارتعاشة خفية:
"سلطان مش مجرد شخص عادي يا عمو، ده واحد اتولد حبه فى قلبي من اللحظه اللي جيت فيها الدنيا، هو اللي علمني يعني أي حياة، عرفني معنى العزة والكرامة، علمني كل حاجه، بس نسى يعلمني اعيش الحياة وهو مش فيها، أنا دنيتي انسحبت مني من اللحظة اللي مات فيها سلطان، مش معنى كده بقول أنا محبتش غريب، بالعكس انا لما شوفت غريب بشكل تاني، فهمته، حبيته لانه احتوى حزني وضعفي، اداني مساحتي وقت موت سلطان، سابني احزن عليه اتوجع اقول كلام مافيش راجل يستحمله، كان بيسمعني بصمت وبعد ما اخلص كلام وانهار يخدني فى حضنه لحد ما اروح فى النوم ومحسش بحاجه، وجوده جنبي الفترة دي فرق معايا كتير اوي، كل ده خلاني اشوفه بشكل تاني، وحبيته وكملت معاه حياتي، مع أنه لما خيرني اكمل ولا نبعد كنت سعتها اخد قرار أن هبعد واعيش على ذكرى سلطان."
كانت الكلمات تخرج منها كاعتراف طويل مؤجل.
لم تكن تدافع عن نفسها، ولم تكن تبرر.
كانت فقط ترتب الحقيقة داخلها.
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها، ابتسامة امرأة تعرف معنى الخسارة ومعنى الاختيار معًا، وقالت:
"بس وجود جواد فى حياتي، خلاني افكر فى الموضوع تاني، شوفت بعين الام، حرام ابعد ابن عن ابوه، ومن وقتها وانا وهبة حياتي لغريب وابني."
حين نطقت اسم ابنها، لان صوتها تمامًا.
وضعت يدها على قلبها دون أن تشعر، كأنها تؤكد لنفسها قبل أي أحد أن قرارها لم يكن شفقة، بل وعي.
ابتسم إبراهيم بحب، نظراته تحمل رضا الأب الذي يرى ابنه أخيرًا مستقرًا، وقال:
"اصح قرار اخدي، لأن غريب يستاهل ياخد فرصه، لانه بيحبك بجد، وانا مش محتاج اقولك الكلام ده، لان باين فى نظرة عيونه وأفعاله معاكي انتي وابنكم، وكفايه استحمل حزنك على سلطان، سابك ومعرضش علشان عارف سلطان بالنسبه ليكي ايه، ربنا يسعدكم يا حبيبتي ويريح قلبك يارب، بوسي حفيدي وقوليله أني بحبه اوي ووحشني اوي اوي، وانا هكلم الواد غريب يظهر شوية رومانسيه ليكي البأف ده، بدل شغله فى مكتب الحراسة بتاعه اخد كل وقته."
ضحكت بخفة، تلك الضحكة التي تأتي بعد البكاء فتكون أصدق، ثم أغلقت الخط.
سكن المكان من جديد.
نظرت نظرة أخيرة إلى صورة سلطان في يدها.
لم تعد تبكي، لم تعد تصرخ.
فقط تأملت ملامحه طويلًا، وكأنها تحفظها في مكان آمن داخل قلبها، لا لتعيش فيه، بل لتزوره حين تشتاق.
اقتربت من مكانها، وضعتها برفق كما كانت، كأنها تعيد ذكرى إلى موضعها الصحيح.
توجهت إلى خزانتها، بدلت ملابسها بهدوء، ربطت شعرها، مسحت بقايا التعب من عينيها.
كانت خطواتها أبطأ من المعتاد، لكنها ثابتة.
هبطت من الأعلى، عبرت البيت الذي صار يحمل مزيجًا من ضحكات طفل وذكريات رجلين أحباها بطريقتين مختلفتين.
خرجت إلى الخارج، استنشقت الهواء بعمق، ثم صعدت إلى سيارتها.
أدارت المحرك، وقادتها إلى المكان المحبب إلى قلبها، المقابر.
      ***********************
جلس تامر خلف القضبان، وظهره مستند إلى الحائط البارد، يمرر أنامله فوق الحديد الصدئ وكأنه يختبر صلابته للمرة الأخيرة.
لم يكن ينظر إلى شيء محدد، كان ينظر إلى عمر كامل ضاع بين قرارات خاطئة وكلمات زرعها أب في رأسه يومًا، فكبرت داخله كقناعة عمياء قادته إلى هذا المكان.
تنهد ببطء، وشرد بعيدًا.
جلس بجواره أحد زملائه في الزنزانة، تأمله لحظة ثم قال بابتسامة جانبية:
"سرحان فى ايه؟ اكيد بتفكر هتعمل ايه بعد ما تخرج الاسبوع الجاي من هنا، صح؟"
التفت تامر إليه، ونظر أمامه من جديد، لكن هذه المرة كانت في عينيه لمعة مختلفة، لمعة رجل يرى بابًا يفتح بعد ظلام طويل.
ابتسم ابتسامة هادئة صافية وقال:
"مش مصدق نفسي، أن خلاص هخرج من المكان ده، وارجع لدنيا وهبدأ أنسان جديد نضيف."
كلمة نضيف خرجت منه بثقل، كأنها اعتراف ضمني بكل ما لم يكن نظيفًا في حياته السابقة.
ضحك صديقه بخفة وقال بتفاؤل صادق:
"يااااه عقبالي انا كمان لما اخد افراج، بس قولي ناوي تعمل ايه لما تخرج؟"
اعتدل تامر في جلسته، وكأنه لأول مرة يتكلم عن المستقبل لا الماضي.
صوته أصبح أكثر ثباتًا وهو يقول:
"اول حاجه هعملها، هبدأ شغل جديد حلال وابدأها من الصفر، وبعد كده هعوض اختي عن الايام اللي كنت قاسي عليها فيها، هي من يوم ما دخلت هنا مسبتنيش لحظة، كل زيارة بتكون سابقة الكل، وطبعا خالتي صباح وبنت خالتي وبنت سلطان هخلي بالي منهم وصاني عليهم قبل ما يموت."
عند ذكر اسم سلطان، خفت صوته قليلًا.
لم يكن ندمًا فقط، كان شعورًا بالمسؤولية، كأن وصيته ما زالت ثقلاً مقدسًا فوق كتفيه.
نظر إليه صديقه باستغراب وسأله:
"طيب ليه متمسكش شغل ابن خالتك سلطان؟ ما هو مات واكيد مافيش حد بيفهم فى شغله زيك."
تنهد تامر بعمق، وأخفض عينيه للحظة، ثم قال بهدوء يحمل إصرارًا واضحًا:
"مش عايز اعمل كده، أنا عايز شغل مستقل بي أنا، ابدأ فيه من البدايه خالص وأكبره، وبعدين الشركه بتاعة سلطان ترنيم قالتلي أن سمية أخته وجوزها مسكوها والمكتب مسكه برضه حسام، يعني حسام ماسك المكتب والشركة وسمية بتساعده فى الشركه."
لم يكن رفضه هروبًا، كان رغبة في أن يبني نفسه بعيدًا عن ظل سلطان، بعيدًا عن الماضي كله.
أومأ صديقه برأسه بتفهم وقال بابتسامة مشجعة:
"ربنا يوفقك يا صاحبي متنسناش بقى، ابقى تعالى زورني."
ربت تامر على رجل صديقه بخفة، وقال بنبرة دافئة لم يعرفها في نفسه من قبل:
"طبعا يا صاحبي هزورك وان شاءالله تخرج من هنا قريب، وتيجي تساعدني فى شغلي الجديد."
ابتسم الاثنان، وراحا يتحدثان عن خطط صغيرة، محل بسيط، مشروع يبدأ متواضعًا، تعب شريف، وسماء مفتوحة بلا قضبان.
وفي تلك الزنزانة الضيقة، ولد حلم واسع، حلم رجل قرر أخيرًا أن يعيش حياة لا يهرب منها.
      ************************
بعد مرور عام...
وصلت ترنيم أسفل البناية في الحارة التي تحفظ تفاصيلها أكثر مما تحفظ ملامح وجهها الآن.
رفعت عينيها تلقائيًا نحو مكتب سلطان، نفس الشباك، نفس اللافتة، نفس المكان الذي كان يقف فيه يستند إلى الحافة ويراقب الشارع.
تعلق بصرها هناك طويلًا، وكأنها تنتظر أن يطل برأسه فجأة ويبتسم لها بتلك الابتسامة الواثقة التي كانت تهدئ العالم داخلها.
لكن الشباك ظل صامتًا، مغلقًا، كقلبها.
تنهدت بوجع، وسحبت أنفاسها بصعوبة، ثم اتجهت إلى الداخل.
صعدت الدرج ببطء، كل درجة كأنها تصعد فوق ذكرى.
طرقت الباب، فتح، وظهرت رنيم.
ابتسمت ترنيم لها بحب صادق خرج من قلب موجوع:
"عاملة ايه يا حبيبتي؟"
لكن نظرة رنيم انحرفت بعيدًا عنها، باردة، جامدة، وقالت بكره واضح:
"كويسه."
ثم تركتها وتحركت إلى الداخل.
انكمش شيء داخل صدر ترنيم، لكنها حركت رأسها بحزن، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، وكأنها تخشى أن يجرح الصوت أحدًا.
تقدمت نحو صباح، انحنت قليلًا، أمسكت يدها وقبلتها بحب وقالت:
"عاملة ايه يا صبوحه؟ وحشتيني."
رفعت صباح وجهها إليها، وفي عينيها ذلك الحنان الذي لا يزول رغم الفقد، وقالت بنبرة هادئة حنونة:
"بخير يا بنتي، طمنيني عليكي اخبارك ايه؟"
أغمضت ترنيم عينيها سريعًا، تحبس الدموع عند أطراف جفونها، وكأنها تخاف أن تسقط فتفضحها، ثم قالت بصوت مختنق:
"كويسه، أو بحاول اكون كويسة."
ربتت صباح على يدها بحنان أم فقدت ابنها ولم تفقد إيمانها، وقالت:
"انسي يا بنتي، ربنا يخليلك ابنك وجوزك، هما دول دلوقتي اللي أحق بقلبك وتفكيرك."
عند تلك الكلمات، انفرط العقد.
انسابت دموعها دون إذن، وقالت بحزن صادق:
"يعني انتي قادرة تنسي سلطان يا خالتو."
ارتجف صوت صباح وهي تقول بدموع ثقيلة:
"عمري ما هقدر أنساه يا ترنيم ده ابني حته مني، موته وجعني وكسرني، اه أنا راضيه بقضاء الله وقدره، بس فراق سلطان كسر ضهري اوي."
شهقت ترنيم وهي تقول من بين شهقاتها:
"وانا كمان مقدرش انسى سلطان زيك يا خالتو، علشان هو لو حتة منك، فهو بالنسبالي كل حاجه حلوة راحت مني، ولو موته كسر ضهرك، موت سلطان كسرني كلي، موته دمرني يا خالتو علشان انتي اكتر واحده عارفه هو كان بالنسبالي ايه."
ثم ارتمت في أحضانها، تمسكت بها بقوة طفلة فقدت أمانها، وبكت،
بكت كأنها لم تبكي من قبل.
ربتت صباح على ظهرها بصوت أم مكسور فقد معنى الحياة:
"ربنا يصبرك ويصبرني يا بنتي."
ابتعدت عنها بصعوبة، مسحت وجهها، واستقامت، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
"أنا رايحه اقعد مع رنيم شوية عايزه اتكلم معاها كلمتين."
أومأت صباح برأسها، وتركتها تذهب.
طرقت الباب.
جاءها صوت رنيم يسمح بالدخول.
فتحت الباب، وقفت على عتبته كأنها تستأذن ليس فقط الغرفة، بل قلب صاحبتها.
"ممكن ادخل؟"
نظرت لها بضيق وقالت:
"لا مش فاضيه بكتب الواجب."
لكن ترنيم أغلقت الباب خلفها بهدوء، وتقدمت وجلست بجوارها، أمسكت يدها، يد صغيرة لكنها مشحونة برفض كبير.
"رنيم، أنا مش عايزه اشوف الكره اللي فى عيونك ليا ده."
كانت تتكلم وقلبها يرتجف.
لم تكن تبرر نفسها، كانت تحاول إنقاذ ما تبقى.
"من اليوم اللي حصل وكمان من قبلها وانتي بتكرهيني، مع أن والله العظيم حبيتك من أول لحظة شوفتك فيها، حسيتك بنتي أنا، حتة مني نسخه صغيره شبهي فى كل حاجه، أنا مش عارفة مامتك كانت قايلة ليكي ايه عني، بس كل اللي عايزه اقوله ليكي، أنا مخطفتش بابا منكم، بالعكس سلطان كان ليا أنا الاول، اول ضمه واول ضحكه واول لمسة ايد مسكها كانت ليا أنا، ولما كبرت كان أول دقة قلب لينا احنا الاتنين مع بعض، اه منكرش أن اول ما عرفت بوجودكم غيرت منكم، كنت بشوفه بيعمل معاكي نفس اللي كان بيعمله معايا وانا صغيرة، كانت النار بتقييد جوايا شبه طفلة صغيرة بتغير على ابوها لما يلعب مع أي طفلة غيرها، وابوكي كان على طول يقولي يا بنت قلبي، لحد اخر لحظة قبل ما ما يموت كان بيقولها ليا، "حقك على قلبي يا بنت قلبي"، علشان كده عايزاكي تفهمي حاجه واحده، انا كنت بنت قلبه وانتي بنت عمره ولو كان عايش لحد دلوقتي مكانش هيقبل يشوف بناته الاتنين فيه مسافه ما بينهم كده، يرضيكي بابا يزعل مننا احنا الاتنين وهو حاسس ان فيه زعل ما بينا كده؟"
كل كلمة قالتها خرجت من جرح مفتوح، من حب قديم لم يمت، من ذنب لم ترتكبه لكنها تحمله.
وحين أنهت كلامها، جاء الرد كطعنة مباشرة:
"انتي السبب اللي خلى بابا يكره ماما، بسببك انتي، ماما على طول كانت بتعيط وهي مقهورة، أنه بيحبك وبيكرهه، انتي السبب فى موت ماما وبابا، انتي السبب فى كل حاجه وحشه بعيشها، أنا بكرهك اوي."
اهتزت ملامحها، لكنها تماسكت.
رفعت رأسها برفض، وقالت بصوت موجوع:
"محصلش، والله العظيم، لحد اخر لحظة كنت ببعد عنه علشان خاطركم، كتير طلب مني أنه يطلق مامتك ويتجوزني ونربيكي أنا وهو سوا وكنت برفض نعمل كده، أننا نبعدك انتي ومامتك عن بعض، اما بقى موت مامتك وباباكي، انا مليش أي ذنب فيه، مامتك اللي راحت ليهم برجليها واخدتك معاها وعرضت حياتك للخطر، وباباكي كان جاي ينقذنا احنا التلاته، اه منكرش أن مامتك اخدت الرصاصه مكاني، بس اكيد مكنتش عايزة كل ده يحصل."
كانت تحاول أن تنقذ صورتها أمام طفلة ترى العالم أبيض أو أسود.
كانت تحاول أن تشرح تعقيد قلب، لطفلة تريد إجابة واحدة.
ثم اقتربت منها، أمسكت يدها برفق، وقالت بنبرة هادئة حنونة:
"رنيم خلينا نبدأ صفحه جديدة مع بعض، انا شايفه فيكي نفسي، وبحس انك حتة مني، وعلشان انتي بنت الراجل اللي علمني يعني أي حياة، عايزة ارد جميله ده واخد بأيدك لبر الأمان، لحد ما اكبرك واوصلك بنفسي لبيت جوزك."
لكن الرفض جاء صريحًا:
"ممكن بعد اذنك تخرجي من اوضي."
تجمعت الدموع في عينيها من جديد، لكنها ابتسمت رغم الألم وقالت:
"مش هييأس يا رنيم، دي مش اول مرة اكلمك وترفضي، ولا هتكون اخر مرة، هفضل وراكي لحد ما نبدأ مع بعض صفحة جديدة."
خرجت وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تترك جزءًا من قلبها هناك كل مرة.
تفاجأت بسمية أمامها.
ركضت نحوها، احتضنتها بشوق حقيقي، وكأنها تحتاج حضنًا يذكرها أنها ما زالت على قيد الحياة.
"اخيرا شوفتك يا سمية، ايه يا بنتي هو الجواز بياخد الناس من بعضها كده ولا ايه؟"
تمسكت سمية بها بقوة وتكلمت بسعادة:
"توته وحشتيني اوي والله، اعمل ايه بس غصب عني شغل الشركه وتربية جواهر اخدين كل وقتي."
ابتعدت عن حضنها وقالت بتساءل:
"صحيح هي فين البت دي، هتجنن عليها وجواد مصدعني بيها طول النهار عايز جواهر عايز جواهر."
ابتسمت بحب وقالت:
"النهاردة اول يوم حضانه ليها، حسام أخدها وصلها، وانا قولت اجي اطمن على ماما ورنيم وبعد كده اروح الشركة."
ثم نظرت إلى باب غرفة رنيم وقالت بتساءل:
"لسه برضه؟ مش راضيه تنسى؟"
اومأت ترنيم رأسها بالتأكيد وتكلمت بحزن:
"للاسف لسه على موقفها مني."
تكلمت سمية بضيق وقالت:
"الله يرحم أمها بقى ميجزش عليها غير الرحمة، ملت دماغ البت وكرهتها فيكي."
تنهدت ترنيم بضيق وقالت:
"الله يرحمها بقى، ومش هسكت غير لما اخليها تحبني."
نظرت سمية فى ساعة يدها وتكلمت بأستعجال:
"هدخل اطمن عليها بقى، وامشي على طول، سلميلي على غريب وجواد لحد ما اشوفهم."
دار بينهما الحديث الخفيف، الضحكات الصغيرة، محاولات طبيعية لعيش يوم عادي، لكن داخلها لم يكن هناك يوم عادي منذ رحيله.
بعد أن غادرت سمية، تحركت ترنيم نحو غرفة سلطان.
وقفت أمام الباب طويلًا.
وضعت يدها على المقبض.
أنفاسها تعالت، صدرها يعلو ويهبط بسرعة غير منتظمة.
أغمضت عينيها، تخاف أن يخذلها المكان مرة أخرى، ثم فتحت الباب، دخلت، توقفت في منتصف الغرفة.
نظرت حولها بجنون، وكأنها تتوقع أن يخرج من خلف الستارة، من عند المكتب، من خلف الباب.
تحرك شريط ذكرياتها أمام عينيها حيًا.
طفولتها، مراهقتها، ضحكاتها، خناقاتها.
غيرة طفلة على رجل لم يكن لها وحدها.
دارت حول نفسها، تبحث عنه في الهواء، في الرائحة، في الفراغ.
لكن الفراغ كان أصدق من أي شيء.
حركت رأسها بهستيرية خفيفة، وكأنها ترفض الاعتراف بأنه غير موجود.
ثم فجأة، خارت قواها، سقطت على ركبتيها.
وضعت يدها على فمها حتى لا يخرج صوتها ممزقًا، لكن الشهقات أفلتت منها رغمًا عنها.
"وحشتني اوي يا سلطان، يارب الصبر من عندك ياااارب."
كان بكاؤها هذه المرة هادئًا، لكنه أعمق.
بكاء امرأة عرفت أن الحياة تمضي،
لكن القلب أحيانًا يبقى واقفًا عند لحظة واحدة لا تتحرك.
        **********************
بعد مرور عشرين عاماً…
تغيرت الملامح، اشتعلت بعض الرؤوس شيبًا، واشتد عود الصغار، وهدأت عواصف كثيرة، امتلأت قاعة الأفراح بالأنوار والموسيقى والضحكات.
اليوم زفاف تامر، الرجل الذي خرج من الظلام يومًا، وعاد ليبني حياة نظيفة كما وعد نفسه.
صباح تجلس في المنتصف، عيناها تلمعان بفخر وهي ترى ابن أختها يبدأ من جديد.
سمية بجوارها تتابع التفاصيل بقلق الأم المعتاد، وحسام ينظم الأمور بهدوء وثبات.
كانت القاعة تمتلئ بالبهجة، لكن وراء هذا الفرح، كانت القلوب تحمل ذكريات الماضي، جروحاً لم تندمل، وحباً لم يهدأ.
عشرون عامًا مروا…
وابن ترنيم جواد أصبح نسخة شبه كاملة من أبيه، نفس الطول، نفس النظرة الحادة، ونفس الغيرة التي لا تعرف حدودًا.
أما جواهر ابنة سمية…
فلم تعد تلك الطفلة الشقيه، كبرت، اشتد عودها، لكن لسانها ما زال حادًا حين يتطلب الأمر.
في تلك اللحظة، دخل جواد، إلى القاعة ووجهه محمر بالغضب، عينيه تتأججان، ونظراته تحترق بنار الغيرة، بحث بعينيه وسط الحضور، حتى وقع نظره على جواهر، فأسرع نحوها بخطوات حازمة، ممسكاً ذراعها بقوة، وأجبرها على التحرك معه بعيداً عن أنظار الجميع.
دخلوا إحدى الأروقة الخالية، ودفعها على الحائط بعنف، وتكلم من بين أسنانه:
"ايه اللي انتي لابسه ده؟"
دفعت صدره بحدة، وصوتها يرتجف بالغضب:
"أنت اتجننت ازاي تسحبني كده قصاد الناس؟"
نظر إليها بغضب مشتعل، صوته يحترق بنبرة غير متوقعة:
"هو ده اللي فارق معاكي؟ شكلك قدام الناس؟ وشكلي أنا ايه لما الناس تشوف حضرتك بالهدوم المسخرة دي؟"
عقدت ذراعيها على صدرها بتحد، وحاولت تثبت نفسها:
"أنا حرة، ملكش فيه، مدام بابا وماما موافقين عليه، يبقى رأيك ولا يهمني."
اقترب منها ببطء، والشرر يتطاير من عينيه، والهدوء الذي سبق كلامه كان أخطر من أي صراخ:
"نعم يا اختي! سمعيني كده قولتي ايه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، محاولة الحفاظ على رباطة جأشها:
"م مالك بس يا جوجو، د ده النهاردة فرح خالو تامر وليلة وهتعدي، بلاش نكد في يوم زي ده."
اقترب أكثر، حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها، وهمس بحزم لكنه منخفض:
"لا يا روح امك، مش ليلة وتعدي، انتي مش هتدخلي جوه، غير لما تغيري المسخرة اللي عليكي ده، الناس هتاكلك بعيونها، وأنا ممكن أرتكب جريمة بسببك."
ارتبكت عيناها رغم محاولتها التماسك، وتلعثمت الكلمات:
"ا اغير ازاي بس يا جواد، مش معايا هدوم تانية."
رد عليها بنبرة هادئة حاسمة:
"هتطلعي الأوضة اللي فوق، حجزتها ليكي لحد ما أجيبلك هدوم، وإياكي رجلك تهوب ناحية القاعة، فاهمة؟"
أومأت بتوتر، قلبها يخفق بعنف:
"ف فاهمة."
اقترب فجأة، ووضع قبلة سريعة على خدها، وهمس بجوار أذنها:
"انتي حلوة أوي، ربنا يهون الأيام علشان أجي أتجوزك، واخبيكي من الدنيا بحالها."
تركها وخرج، تاركاً قلبها يترنح بين الرهبة والإعجاب، وضعت جواهر يدها على صدرها، محاولة تهدئة دقات قلبها المتسارعة:
"يا لهوي عليا، قلبي هيقف مرة عليا بسبب رومانسية جواد ابن ضرغام ده."
ثم صعدت إلى الأعلى، تتنفس بصعوبة، تنتظر عودته لها، وفي قلبها مزيج من التوتر، الغضب، والحب الذي لا يهدأ. 
     ***********************
بعد وقت في الأعلى…
وقفت جواهر أمام المرآة، تحدق في انعكاسها، تحاول استعادة أنفاسها المتسارعة بعد شدة التوتر الذي سببه جواد، كانت تعرف غيرته، تدرك أنه لا يطيق أن تمس بنظرة واحدة، لكن طريقة تصرفه دائمًا ما تربكها وتشد قلبها إلى الأمام.
وفجأة، فتح الباب بعنف، ودخل جواد حاملاً أكياسًا متعددة، وأغلق الباب خلفه بقدمه، صوته حاد لكنه مختنق بالجدية:
"جبتلك فستان، وجاكيت طويل فوقه، ومش عايز اعتراض."
رفعت حاجبها بتذمر واضح، وكأنها تحاول التظاهر بالقوة:
"ايه ده؟! هو أنا طفلة؟"
اقترب منها ببطء، نظرته تخترقها، وصوته العميق المنخفض يحمل في طياته مزيجًا من القسوة والاهتمام:
"لا ياريت، وللأسف، مشكلتي إنك مش طفلة، وكلك أنوثة مدوخه أمي."
تراجعت خطوة، حتى لامس ظهرها الحائط، كأن المكان بأكمله يحاصرها. مد يده نحوها، واضعًا الفستان بين يديها:
"غيري، وأنا مستني تحت."
أمسكت جواهر بالأكياس، نادته بخفوت، وكأن قلبها يسبق كلماتها:
"جواد."
التفت فورًا، وعيناها تلتقيان بعينيه للحظة قصيرة، قبل أن تقول:
"شكرًا."
تبدلت ملامحه فجأة، اقترب خطوة واحدة، وأعاد خصلة شعر خلف أذنها برفق شديد:
"أنا بغير عليكي يا جواهر، مش بتحكم فيكي، فاهمة الفرق؟"
أومأت برأسها، ثم خرج من الغرفة، تاركًا قلبها ينبض بعنف بين رهبة وحب.
بعد دقائق…
نزلت جواهر الدرج ببطء، والفستان الذي ارتدته أنيق، راقي، يبرز جمالها دون أن يكون مبتذلًا.
وقف جواد أسفل الدرج، ينتظرها بصمت، وعيناه لا تفارقها، وكأن كل حركة صغيرة تخضع لنظره، وما إن رآها حتى استقر مكانه، كما لو أن الزمن كله تجمد.
ابتسمت بخجل، تحاول التظاهر بالبرود:
"حلو كده؟"
اقترب، تأملها بعينين مليئتين بالغيرة والحنان، ثم قال بهدوء:
"حلو، بس مش عاجبني."
اتسعت عيناها بدهشة:
"ليه؟!"
همس بالقرب من أذنها، صوته كنسيمٍ يحمل حرارة النار:
"لأن أي حاجة بتلبسيها بتحليكي، وتخلي الناس تبصلك، وأنا مش بستحمل حد يبصلك."
ضربته على صدره بخفة، كأنها تعلن عن تحدي صغير:
"إنت غلس، وانا بكرهك!"
ضحك أخيرًا، وأمسك يدها برفق، كأن العالم كله اختزل بين يديهما:
"يلا، خالو تامر وصل."
تحركوا معًا نحو القاعة، خطواتهما متزامنة، كأنهما وحدة واحدة وسط بحر من البشر.
من بعيد…
كانت ترنيم تراقبهم، عيناها تلمعان بالفخر، وابتسامة هادئة ترتسم على وجهها.
اقترب منها غريب، أحاط خصرها بذراعه، ووضع قبلة على خدها، فانتفضت مكانها:
"غريب! الناس تقول علينا إيه؟!"
ابتسم بخبث، وهمس قرب عنقها:
"ميهمنيش الناس، أنا ليا حبيبتي، أم عيالي وبس، وبعدين مين يشوف الجمال ده ويسكت؟ إنتي أحلى من العروسة نفسها."
ضحكت بخجل، تشعر بدفء الكلمات التي كانت مثل شعاع الشمس على قلبها:
"ولادك بقوا طولك يا راجل، لسه فيك حيل للرومانسية دي؟"
قهقه بسعادة، وقال بمزاح:
"هو إنتي ناسية أنا ابن مين؟"
ابتسمت وردت بمزاح:
"على رأيك، ابن الوز عوام."
وفي الخلفية…
ارتفعت الزغاريد، وصوت الفرح يملأ القاعة، دخل تامر بثبات، رجل عرف قيمة الفرصة الثانية في الحياة، نظر حوله، رأى عائلته مجتمعة، الحب بعد الخصام، والغفران بعد الألم.
وفي زاوية القاعة…
وقف جواد ممسكًا بيد جواهر، أصابعهما متشابكة بثقة، يعلنان للعالم كله، دون كلمات:
"دي بتاعتي."
لكن هذه المرة…
لم يكن هناك ألم خلف الحب، لم يكن هناك خوف من الفقد أو جروح الماضي.
فقط قلوب تعلمت، أن الحياة تستمر، وأن الغفران هو أجمل خاتمة لأي قصة.
                 

تمت بحمد الله 
تعليقات