رواية مدمر بعشقك الفصل الثالث
أنت غبي… غبي يا مراد، إزاي تسيبها تمشي؟
قالها جاسر بغضب إلى مراد، وهو يقود السيارة على أحد الطرق يبحث عن كنوز وأخواتها بعدما اكتشف هروبها من منزلها. كان مراد جالسًا على المقعد المجاور له، أجابه بحنق مبررًا موقفه: وأنا أعملك إيه يعني؟ ما أنا كنت بشيلك من على الراجل اللي إنت كنت هتموت ده.
نظر له جاسر بغضب، ثم نظر من خلال نافذة السيارة وصمت كلاهما. وبعد وقت كسر مراد حاجز الصمت صارخًا بشكل مفاجئ، مما تسبب في فزع جاسر الذي أوقف السيارة على الفور: استنى… استنى يا جاسر.
– إيه؟ في إيه؟
مراد: بص كده، مش دول أخواتها؟
ينظر جاسر إلى ما ينظر إليه مراد ليجد أخوات كنوز الصغار يجلسون في الاتجاه الآخر من الطريق: أيوه هم، بس هي فين؟
– معرفش، لف وارجع بالعربية نبقى نعرف هي فين من أخواتها.
جاسر بغيظ: لا، تصدق ناصح، أصلًا أنا مش هعمل كده.
مراد: طيب يا خويا خلّص في يومك الأسود ده، علشان أنا ميت من الجوع يا مفتري، سيبني طول النهار على لحم بطني، حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ.
جاسر بضيق: أقسم بالله يا مراد لو ما سكت، لأكون حاطك تحت العربية.
مراد بتمثيل الحزن: آه يا قلبي، كسرت قلبي، منك لله.
يوقف جاسر السيارة فجأة للمرة الثانية وهو يقول: انزل يا مراد.
ينظر مراد إلى الطريق وهو يقول: أنزل فين؟ ده طريق ميت، حتى كلب مش عليه.
ينظر له جاسر بنفاد صبر، وعاد ليقود السيارة مرة ثانية. وبعد وقت كان قد وصل هو ومراد حيث يجلس أخوات كنوز الصغار. كان زياد يجلس في المنتصف بين نادر ولجين، وكلاهما يغط في نوم عميق. ينظر كلٌّ من جاسر ومراد إلى الأطفال بحزن، ثم يركع جاسر على قدميه ويرفع يده على وجه زياد بحنان. يستيقظ زياد وهو يقول بفزع: كنوز، إنتِ رجعتي؟
ثم يصمت عندما يرى من الذي أمامه. أجابه جاسر قائلًا: هي فين كنوز يا زياد؟
زياد بدموع: ماعرفش راحت تجيب ميّه ولسه ما رجعتش.
ي
نظر جاسر إلى مراد، ثم يلتفت حوله ينظر إلى الطريق وهو يقول: من إمتى راحت تجيب ميّه؟
زياد: من أول ما طلعنا من البيت وجينا هنا.
ينظر مراد إلى الساعة بدهشة وهو يقول: إزاي ده؟ ده بقالها تالت سرعات! ليه بتجيب ميّه منين دي؟
_______
في أحد المنازل المشبوهة يقف رجل وامرأة، وهما ينظران إلى كنوز التي ما زالت نائمة ولا تشعر بأي شيء.
المرأة: الله عليك يا محروس، جبت الحتة دي منين؟ ده البت تقول للقمر انزل واقعد مكانك.
محروس: مش مهم جبتها منين، المهم الباشا يرضى علينا بقرشين حلوين.
المرأة: لا، ما تخافش، متأكدة إن الباشا هيدفع حقها دهب.
يضحك محروس بصوت عالٍ وهو يقول: والله! أنا لو مش خايف من زعل الباشا، لكنت جربتها، بس للأسف بقى الباشا مش بيحب الحاجة المستعملة.
المرأة: طيب يا خويا، يلا نسيب البِت لحد ما تفوق، يكون الباشا شَرَّف.
_______
في أحد النوادي الليلية
يجلس شابان وهما يتحدثان في أمرٍ ما. ويسمع أحدهما يقول: يوووه بقى، أنا زهقت، اقفل على الشغل شوية بقى يا عصام.
عصام: ما نقفل الشركة وخلاص يا بيه علشان حضرتك زهقت يا حازم.
يرد حازم قائلًا: بقولك إيه، ما تيجي نروح عند مرفت؟ سمعت إن عندها موزة جديدة.
عصام بتفكير: موزة جديدة ولا زي كل مرة؟
حازم: لا يا بني، دي بعتت لي صورة البنت وقالت جاية مخصوص علشان الباشا، خد شوف بنفسك يا برنس.
يأخذ عصام الهاتف من حازم، وبينما ينظر إلى الصورة يهتف بصوت عالٍ: هي دي البنت؟
حازم: إيه يا بني، في إيه؟
ينظر عصام إلى صورة كنوز وهو يقول بخبث:والله ووقعتِ تحت إيدي يا كنوز هانم، اصبري وشوفي هعمل إيه فيكِ.
حازم: إنت تعرف البنت دي ولا إيه؟
عصام يرد وهو يأخذ الجاكيت وينهض سريعًا: قوم بسرعة وأنا هحكيلك كل حاجة في الطريق، وابعت رسالة لمرفت وقولها الباشا بيقولك لو واحد غيره شاف شعر البنت دي هيقطع لك رقبتك.
حازم باستغراب: معقولة للدرجة دي؟ هي مين دي؟
عصام: دي تار قديم، وجِه الوقت ناخده يا صاحبي.
_______
في بيت الدعارة، كانت كنوز ما تزال نائمة، لا تشعر بشيء مما يحدث حولها. وفي ذلك الوقت، وصل عصام وصديقه حازم إلى المنزل. وقبل أن يدخل عصام الغرفة التي توجد بها كنوز، بادرت مرفت، صاحبة ذلك المنزل الملعون، بالحديث وهي تحاول إخفاء خوفها: رايح فين يا باشا؟ الموزة لسه تحت تأثير المخدرات.
نظر إليها عصام بطرف عينه، ثم أدخل يده في جيبه وأخرج محفظة ممتلئة بالنقود، أفرغها كاملة وألقى بما فيها في وجه مرفت، وقال بصوت خشن حاسم: مهما يحصل، مش عاوز كلب يدخل الأوضة دي، كلامي واضح.
انحنت مرفت تلتقط النقود المتناثرة عند قدميها وقالت بسرعة: أمرك يا باشا.
وقبل أن يدخل الغرفة، التفت عصام إلى حازم وقال: لو اتأخرت، روح إنت.
ثم دخل دون أن ينتظر ردًا. أغلق الباب خلفه بإحكام، وبدأ في نزع ملابسه قطعةً بعد قطعة، وعيناه لا تفارقان كنوز، تلك المسكينة التي تحولت في نظره إلى فريسة أمام وحش لا يعرف للرحمة معنى. تمدد بجوارها، واستنشق رائحة شعرها، وأخفى رأسه في عنقها كمن فقد وعيه بالعالم كله، وهو يهمس: أخيرًا وقعتِ تحت إيدي يا كنوز. إنتِ ما تعرفيش إيه اللي أنا حاسس بيه دلوقتي، وأخيرًا هاخدك، مش مهم إزاي، بس المهم إنك هتكوني ليا أنا وبس.
ثم أخذ يقبّلها بجنون، فيما انسحبت ذاكرته إلى ذلك اليوم الذي لم يستطع بعده أن يطرد صورتها من ذهنه، الفتاة العنيدة التي سرقت قلبه وعقله، وسيطرت على هوسه بالكامل.
ذكريات عصام
كان عصام جالسًا في مكتب والد كنوز، يناقش معه بعض أمور العمل. وفجأة، دخلت كنوز دون أن تطلب الإذن. كانت ترتدي فستانًا باللون البيج فاتح، أبرز سُمرة بشرتها وزادها جمالًا. كان الفستان ضيقًا من عند الصدر وينسدل واسعًا إلى الأسفل، ومعه حجاب أسود، ولمسات خفيفة من أحمر الشفاه الكاكاوي وكحل العين، فخطف حضورها الأنظار وسلب الأنفاس. اتجهت مباشرة نحو والدها، متجاهلة تمامًا ذلك الذي تجمدت عيناه عليها، وقالت وهي تقبّله: مساء الورد على أجمل بابا في العالم.
نظر والدها إلى عصام بتوتر، وهو يدرك أن هذا الرجل لن يترك ابنته وشأنها بعد ذلك، ثم قال: مساء الخير يا كنوز، إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ردت كنوز بزعل مصطنع، ومدّت شفتها السفلية للأمام بزعل طفولي: بقى كده يا بابا؟ أنا قلت أروح أطمن على بابا حبيبي اللي وحشني، وإنت بتقول بتعملي إيه هنا؟
ثم التفتت إلى عصام وقالت ببراءة مصطنعة: بذمتك يرضيك كده يا عمو؟
كان عصام ما يزال عاجزًا عن إبعاد عينيه عنها، فرد مبتسمًا: لا أبدًا، بس بلاش عمو دي، ده أنا لسه 27 سنة.
رفعت كنوز ذقنها بكبرياء وقالت: هو إنت هتهزر معي ولا أي؟ امشي اطلع بره.
ابتسم عصام بخفة، بينما قال والد كنوز بإحراج: عيب يا كنوز، إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟ ده الأستاذ عصام شريكي في الشغل.
أجابته كنوز ببرود وكبرياء أنثوي زاد من إعجاب عصام بها: وأنا مالي؟ أعمل إيه يعني؟
قال والدها بنفاد صبر:كنوز، عيب كده.
ابتسم عصام بخبث، متعمدًا استفزازها: لا عادي انا مش زعلان منها، دي لسه طفلة صغيرة، في النهاية ما تعرفيش هي بتقول إيه؟
الحاضر
استفاق عصام من شروده على صوت أنين كنوز وهي تحاول الإفاقة من تأثير المخدر. فتحت كنوز عينيها ببطء، لتجد نفسها في مكانٍ تراه لأول مرة. هتفت بتساؤل، وهي ما تزال غير مكتملة الوعي وتحت تأثير المخدر:_انا فين؟!
اقترب منها عصام، وهمس بالقرب من أذنها بصوتٍ فحيحٍ كفحيح الأفاعي:_في الجحيم
وهنا استفاقت كنوز رغماً عنها على صوت ذلك الشخص الذي لا تطيق حتى سماع اسمه. أردفت بفزعٍ مرعب، وهي تحدّق بعينيها في وجه عصام، وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحه:_انت بتعمل اي هنا وانا فين؟!
ثم طأطأت كنوز رأسها، ناظرةً إلى جسدها وإلى ثيابها الممزقة، بينما سقط بصرها على الفراش الملطخ بالدماء. أردفت بصوتٍ متقطع، متلهفٍ لمعرفة ما الذي حدث بين هذه الجدران التي تشهد على ما جرى أمامها:_ا ن ت عم لت اي فيا!؟
ابتسم عصام ابتسامة صفراء، وكأنه مستمتعٌ بما يدور داخل هذه الصغيرة، التي لم تستوعب بعد ما تعرّضت له، أو ربما كانت تفهم ذلك لكن عقلها يرفض تصديق ما حدث. أردف ساخرًا من ارتباكها:_ولا حاجه بس.. عملت حاجه كان نفسي أعملها من زمان، أو بالعربي كده، اللي أنا أخدت بسببه 6 شهور سجن. تحبي نعيد اللي حصل تاني؟ متأكد إنك هتحبي أوي..
وهنا فقدت كنوز السيطرة على عقلها، ودون تفكير صفعت عصام على وجهه، وأردفت بصوتٍ عالٍ:_انت كذاب، انا محصليش لي حاجه، انت ماعملتش حاجه من اللي بتقول عليها، انت بتكذاب مش كده؟!
نظر إليها عصام بغضب، ودون أن يهتز له جفن، صفعها هو الآخر، ثم أمسكها من شعرها المبعثر على كتفيها، وأردف بنبرةٍ مرعبة:_لا يا شاطرة، عملت وهعمل تاني عشان تصدقي، وأثبت لك إن اللي حصل حقيقي مش كذب.
كنوز بصدمة:_ها!؟
لكن قبل أن تُكمل كلماتها، هاجمها عصام كالثور الهائج بلا عقل. صرخت كنوز مرعوبة وهي تطلب النجدة، لكن… لا أحد يسمع صراخها، سوى هذه الجدران الصمّاء التي لا تسمع ولا ترى، بل تكتفي بمشاهدة ما يحدث أمامها في صمتٍ قاتل.
ووووووووووو
