رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الثالث
مساءً، خرجت من غرفتها وهي ناعسة لتتناول كوبًا من الماء، وبينما كانت تمر أمام غرفته، سمعت صوته يتحدث. توقفت في مكانها وتسمّرت وقد صدمها ما سمعته:
“أنا كمان مستني يوم ما نكون مع بعض يا حبيبتي.”
“لا، الحمد لله مفيش بينا أولاد، كنا متفقين نأجلها شوية. الحمد لله، كنت اتدبست أكتر وقتها.”
لم تحتمل الوقوف أكثر من ذلك، هرولت إلى غرفتها وقلبها مطعون مئات المرات.
استعادت الذكريات، ودموعها تنهمر، فيما كانت يدها تعصر تلك الصورة وتمزقها إلى نصفين.
بعد قليل، سمعت صوت إشعار بوصول رسالة عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
> “أنا شخص أعرفك كويس، لو متضايقة ممكن نتعرف؟
على فكرة، أنا أعرف عنك كل حاجة، بأمارة إنك كنتِ صحفية في جريدة.
أنا مش طالب منك غير حاجة واحدة، تكلميني كأخوات، وصدقيني هكون لكِ أخ بجد وسند.”
لم ترد عليه في حينها، وبدافع الفضول فتحت صفحته لتقرأ عنه. وجدت اسمه “مهاب العزيزي”، ومعظم منشوراته كانت دينية. أغلقت الصفحة دون أن تعيرها أي اهتمام.
بعدها بقليل، أرسل ذلك المجهول مجددًا، دون أن ييأس:
> “عارف إنك مستغربة إني فجأة ظهرت وكلمتك، ده لأني تشجعت دلوقتي.”
لكنها لم تهتم بكلامه، وأغلقت الهاتف ثم غفت من شدة الانهيار.
…
مزّقت تلك الصورة إلى مئات القطع، ثم أحضرت باقي الصور التي تجمعها به، وقصّت صورته منها، جمعتهم جميعًا، ونهضت متجهة إلى المطبخ. وضعتهم في إناء، وأشعلت النار عليهم حتى احترقوا تمامًا. حضرت والدتها مسرعة عندما شمّت رائحة الدخان، فأمسكت الإناء وسكبته تحت المياه لتطفئه، ثم بدأت تربّت على ابنتها وتهدّئ من نحيبها العالي وانهيارها:
“ظلمني يا ماما، والله العظيم ظلمني… آه يا ماما، أنا تعبانة أوي. ليه عمل فيّ كده؟ محاولش يسمعني… ليه؟! ده كان بينا عشرة، إحنا بينا قصة حب… راحت فين؟”
ربّتت الأم على كتفها بحنو، وقالت:
“وحياتك هو الخسران، وهيندم… دعوة المظلوم لا تُرد. ما تبكيش عليه دمعة، ده قليل الأصل. انسيه يا ضنايا، انسيه.”
لأوّل مرة منذ طلاقها تنهار بهذا الشكل؛ كانت صامتة طوال تلك الفترة، لم تمتص الصدمة بعد، بل كتمتها في جوفها. لكنها الآن، انفجرت بكلمات ممزوجة بالألم:
“مش قادرة يا ماما أنساه… كلّ مرة أحاول أنسى، أفتكر اللي عمله واللي سمعته منه. ده كان هيموت ويتجوزني، يعمل كده فيّا؟ أنا لحد دلوقتي مش مصدقة، والله مش مصدقة. بحلم… حاسة نفسي في حلم وطول وبقى بايخ أوي.”
أخذتها أمها لتنام بجانبها، وبدأت تمسح على شعرها برفق، تتلو بعض آيات من القرآن لتهدئتها. وبعد قليل، غفَت من شدة النحيب.
همست الأم لنفسها، والألم يملأ قلبها:
“حسبي الله ونِعم الوكيل فيك، على اللي عملته في بنتي… يا حبيبتي، يا بنتي.”
ثم غفَت إلى جانبها، والحزن يعتصر قلبها على ما آل إليه حال ابنتها.
……
عصومتي!
نظر إليها وهو يرفع أحد حاجبيه متعجبًا من مناداتها له بهذا اللقب، ترك ما بيده من أعمال، أغلق الحاسوب، وأمعن النظر إليها:
– عاوزة إيه من غير لف ودوران؟
قالت سيلا ببراءة:
– هو أنا لحقت أتكلم؟! أنا لسه بقول يا هادي.
ابتسم عاصم بهدوء:
– عاوزة إيه يا حبيبتي؟ سامعك، أهو قفلت الشغل… قولي.
ترددت سيلا، لأنها تعرف حساسية الموضوع بالنسبة له:
– أ… أنا رُحت للدكتور النهاردة… أطمن وكده و…
صمتت فجأة، وكأن النار قد اشتعلت في قلبها قبل أن تكمل بكلمات خرجت منها بألم:
– أنا نفسي أفرح… وأحس بطعم الأمومة. أنا جيت عليك كتير أوي… وأنا نفسي أفرح، تسمع كلمة “بابا” اللي أنا حرمتك منها.
– وبعدين؟ كمّلي…
قالها وهو يدفعها دفعًا لإكمال ما بدأت به. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها تستعد لمعركة داخلية:
– أنا… أنا موافقة إنك تتجوز وتفرح ببقية عمرك. أنا حالتي ميؤوس منها… للأسف مفيش أمل. كل الدكاترة أجمعوا إني صعب أخلّف، حتى الحقن المجهري ما ينفعش لحالتي. أنا ما ينفعش أكمل معاك وأنا كده… ست عقيمة.
أنهت كلماتها وهو فقط ينظر إليها بصمت، لم يرد بكلمة. هرولت من أمامه، دخلت إلى غرفتها، وضعت كف يدها على وجهها، تنتحب من الألم. كانت قد عزمت على تركه ليستمتع بحياته، ليرى ثمرة جهده، يكفي أنه انتظرها كل هذا الوقت، منحها الحب والأمان، ولم تعطه سوى المرض والتعب.
عاد لها ذلك المرض اللعين مرة أخرى، قضى على كل شيء، حتى على نفسيتها. ولم يكتفِ، بل امتد تأثيره ليحرمها من الإنجاب، رغم أنها في أواخر العشرينات، إلا أن حالتها الصحية تشبه من تخطّت الأربعين.
“انخفاض شديد في مخزون المبيض… والموجود لا يعمل سوى أحدهما فقط.”
تذكرت كلام الطبيب الصادم، حين قال:
– للأسف، فرصة الإنجاب ضعيفة جدًا. مع إنك صغيرة في السن… أنا افتكرت الأشعة دي بتاعة والدتك، مش بتاعتك!
رفعت عينيها عندما شعرت بوجوده عند باب الغرفة. كان يقف هناك، ينظر إليها بنظرة خالية من أي مشاعر، كأنها الهدوء الذي يسبق العاصفة، ثم قال:
– طالما ده اللي انتي شايفاه حل يرضي الجميع… ويريّحك بجد، فأنا موافق.
قالها ورحل. تركها وغادر دون أن يلتفت، دون أن يطيب جرحها كما كان يفعل دائمًا.
أهذا ما كانت تنتظر سماعه؟!
نعم، قالها لتشعر بالراحة… أو هكذا تظن.
غادر دون أن يمنحها لحظة حنان، أو حتى كلمة مواساة.
حاولت تهدئة نفسها، وأقنعت نفسها أن هذا هو القرار الصواب… ألا تضحّي مرة من أجله؟!
كفى ما أخذت منه دون أن تعطيه شيئًا من حقه.
ظلت على حالها حتى غفت من شدة البكاء…
—
عند مي
دخلت غرفتها بعد أن انتهت من حمامها، وارتدت منامة وردية. وقفت أمام المرآة تمشّط شعرها، لكنها ابتسمت بوجع عندما مرت ذكرى في خاطرها…
كانت تمشط شعرها ذات يوم، حين شعرت بذراعيه يلتفّان حولها من الخلف، يشتم رائحتها وهمس:
– مش عارف إزاي انتي بتحلوي كل يوم عن اللي قبله… نفسي أعرف السر!
نظرت إليه مي بحب:
– عيونك هي الحلوة عشان شايفاني كده.
احتضنها معتز بقوة أكثر، كأنه يريد أن يُدخلها داخله:
– بحبك.
ثم أمسك الفرشاة، وبدأ يسرّح لها شعرها بحب، ينظر إليها في انعكاس المرآة، وهمس:
– بحب أسرّح لبنوتي وحبيبة قلبي… عندك اعتراض؟
هزّت رأسها نافية وهي تبتسم بخجل من تصرفه، لم تشعر به وهو يترك الفرشاة، ويزيح شعرها إلى الجانب، ويطبع على خدّها قُبلة، تركت بها أثرًا، ثم ضحك:
– قلبي، انتي لسه بتتكسفي مني؟!
ما زال صدى ضحكاته في أذنها… ما زالت تشعر بلمساته، وهمساته، وعشقه.
كان يلقّبها بابنته، فأين هو الآن؟
كل الذكريات عالقة بداخلها، لم تتركها…
ألهذا الحد انخدعت به؟ وثقت فيه، ومنحته مفاتيح قلبها وعطائها؟
والمقابل؟
طعنة بشرف من أحبّته.
ما أصعب أن تظلمك من كنت تحتمي به…
صرخة مدوية خرجت منها، ألقت ما بيدها تجاه المرآة، تحطّمت، وتبعثرت، مثل قلبها تمامًا…
سقطت تبكي بانهيار.
دخلت والدتها مسرعة عند سماع الصرخة، وصوت التكسير، احتضنتها وهي تهدئ من روعها:
– يا حبيبتي يا بنتي، مالك؟ حصلك حاجة؟
نظرت الأم حولها، إلى قطع الزجاج المتناثرة على الأرض، أخذتها بين ذراعيها، أجلستها على الفراش، تحاول تهدئتها:
– حبيبتي يا نور عيني، إيه جرالك بس؟ منه لله اللي كان السبب… يارب، فك كربنا، يا كريم.
لكن نحيبها لم يهدأ، بل كانت تبكي وتتكلم ودموعها تنهمر:
– عملت كل حاجة، والله حافظت على بيتي، رغم معاملته اللي اتغيّرت بعد الحادثة. عملته زي ابني، عمري ما اشتكيتلك اللي بيعمله معايا… كتمت جوايا، وقلت عشان الحادثة مأثرة عليه، وكنت بعدّي…
لكنه بقى كويس، ولسه برده بيعاملني كأني… كأني قتلت له قتيل!
نظرت الأم إلى ابنتها، فوجدتها أغمضت عينيها، ودمعة عالقة بين جفنيها. مسحتها، قبّلتها، دثّرتها جيدًا، وبدأت تتلو لها بعض الآيات.
ثم نهضت لتنظف الغرفة من الفوضى التي خلّفها الألم.
—
رسائل يومية لم تنقطع عنها منذ ذلك الحادث الأليم. لم ييأس، ولم يملّ أو يكلّ.
استيقظت صباحًا على ألم يعصف برأسها، وعيناها متورمتان من أثر بكاء الأمس. وضعت يدها على وجهها، كأنها تريد محو كل ظلم ووجع تعرّضت له.
حمدت الله على نعمة النسيان، لكن ماذا عن قلبها؟ ذاك القلب المذبوح بسكين بارد؟
رفعت يديها إلى السماء، تدعو الله بحرقة، فما أجمل دعوة المظلوم… فهي لا تُرد.
رنّ هاتفها معلنًا عن رسالة واردة. تأففت بضجر، تظنها من ذلك المجهول الذي يطاردها دومًا، ذاك الذي كان سببًا فيما آلت إليه حالها.
نظرت إلى الرسالة:
“صباح الخير على أجمل وردة، النهاردة يوم جديد، سيبي اللي فات وعيشي الحاضر… لسه فيه مفاجآت تسرّك.”
ابتسمت، رغمًا عنها، كأن الكلمات تعبّر عن حالتها بالفعل.
كيف شعر بي؟!
همست لنفسها بتعجّب:
– غريبة أوي… مين ده؟! هُف بقى… ابعد عني.
نفضت عنها ذلك الإحساس سريعًا، وقامت بحظر رقمه، ثم نهضت تجهّز نفسها للذهاب إلى الجريدة.
قابلت والدتها، التي لم تبخل عليها بدعواتها وكلماتها الدافئة، تحثّها على التماسك والمثابرة.
كانت لها نعمة السند في كل ضعف، قبّلتها على وجنتيها وغادرت.
…
استيقظت في موعدها المعتاد. تحسّست جانبها فلم تجده.
اعتدلت ونهضت، وفي طريقها إلى المطبخ لتجهيز الفطور، تفاجأت به خارجًا يحمل كوب قهوته الصباحية.
تطلع إليها بوجه جامد خالٍ من أي تعبير، تحدث دون أن يلتفت إليها أو يتراجع عمّا قرره مسبقًا:
– أنا فطرت، ما تعمليش حسابي.
غادر من أمامها، متوجهًا إلى غرفته مجددًا، لإنهاء بعض الأمور التي كان قد رتبها مسبقًا.
