رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الرابع
تتبعته بعينيها حتى ولج إلى الغرفة. تنهدت بألم داخلي وهي تمسح دمعة كانت على وشك السقوط، وهمست لذاتها:
“عارفة إني كنت قاسية معاك، بس لازم أضحي عشانك… ولو مرة.”
دلفت لتحضير قهوتها، لكنها لم تعد ترغب في شيء.
أحضرتها وجلست تحتسيها في الصالة، حتى سمعت صوت إغلاق الباب. يبدو أنه غادر دون أن يودعها.
يبدو أنه فكر جيدًا في حديثها بالأمس، وبدأ في تنفيذ القرار الآن. ستنتظر قراره الحاسم بشأن حياتهما إذن.
بعد قليل، نهضت بتكاسل للذهاب إلى الجريدة.
—
تقابلت مع صديقتها داخل الجريدة، وكلٌّ منهن في عالمها الخاص. قطع الصمت اتصال هاتفي، كان المتصل “عاصم”.
لم تدرِ لماذا خفق قلبها بشدة حين سمعت صوته. لم يُعطِها فرصة للسؤال أو الاطمئنان، بل بادرها بخبر محدد بجفاء:
قال عاصم بجفاء:
– أنا سافرت.
سيلا، بصدمة وتردد:
– س… سافرت؟ ف… فين؟ وليه؟
– بحققلك أمنيتك. مش ده اللي انتي عاوزاه؟ نبعد.
كتمت صوت نحيبها وهتفت داخليًا بألم: “بالسرعة دي؟!”
قالت بتردد:
– طيب… هتيجي إمتى؟
نظرت إلى الهاتف بصدمة من طريقته في الحديث معها، ومن إنهائه المكالمة بهذا الشكل. لم تكن تنتظر منه أن يرحل، ويغلق الباب في وجهها بهذه القسوة.
ندمت على ما قالته، ولعنت نفسها على غبائها الذي فرّط فيه. اغرورقت عيناها بالدموع، ونهضت مي بسرعة تحتضنها بشدة، تسألها بدهشة عن تغيرها المفاجئ.
قالت مي بلهفة وهي تجذبها إليها وتربت عليها:
– سيلا، مالك؟ في إيه؟ مين اللي كلمك؟
سيلا، بدموع تائهة وقرارات مشتتة:
– د… ده… عاصم… سافر خلاص. مش هيرجع تاني. ضيّعته خلاص.
حاولت مي أن تفهمها وتهدّئها:
– طيب اهدي… طيب، بصي، هروح أستأذن من أستاذ أحمد ونمشي نقعد في أي مكان نتكلم براحتنا، ماشي؟
لم تجد ردًا منها سوى صوت نحيبها وهمسها الخافت:
– ضيّعته خلاص.
ركضت مي لأخذ الإذن وغادرتا سويًا…
—
في أحد الكافيهات المطلة على النيل، جلست كل من مي وسيلا، تحاول مي التخفيف عنها بعد أن روت لها ما حدث.
مي، بصدمة من فعلتها لكنها لم ترد أن تزيد عليها أكثر، فقالت بحنان:
– متقلقيش، عاصم بيحبك. عمره ما يفكر يجرحك. هو أكيد متضايق، وسافر للشغل، يمكن فرصة تهدوا شوية وتروق النفوس. بس انتي غلطانة يا سيلا برضه.
هزت سيلا رأسها موافقة:
– أنا عارفة إني غلطانة، بس هو ذنبه إيه يربط نفسه بواحدة مش بتخلف زيي؟
أوجع مي حديثها، لكنها أخفت ذلك وقالت محاولة طمأنتها:
– بس اللي بينكم أكبر من كده. ومتحكميش على كلام دكاترة، ياما دكاترة قالوا مفيش أمل، ودلوقتي عندهم ثلاثة وأربعة. إرادة ربنا فوق كل شيء، والصبر ده ابتلاء، يشوف قد إيه تصبري عليه. بس إنتي مع أول وقعة، قولتيله يمشي ويسيبك؟ طيب حبكم فين؟ خلاص كده؟
مسحت سيلا عبراتها بأناملها وقالت بصوت مبحوح:
– ونعمة بالله… بس مفيش أمل يا مي، صدقيني. خمس سنين! أنا بقيت ست عندها خمسين سنة ومش هشيل عيل! الدكتور صدمني لما شاف الأشعة، فاكرها بتاعة ماما. تخيلي! كنت مستنية رده، قالي دي أشعة واحدة عندها فوق الأربعين! وكمان، متنسيش مرضي كله مأثر. يا مي، ليه أحرمه من الأبوة؟ أنا مش قادرة أقدم له أبسط حاجة، إنه يشيل حتة منه، يشيل اسمه. هو نفسه في عيال، وأنا بحرمه من أقل حاجة بعد كل اللي عمله عشاني.
قالت مي، متأثرة بضيق لما تعانيه:
– وده المقابل؟ إنكم تسيبوا بعض بسهولة كده؟ يا بنتي مش كل دكتور قال كلمتين يبقى قرآن! مفيش تغيير؟ سيبيها على ربنا، هتمشي. والله ما تقعدي تعكنني على نفسك وتبوّزي بيتك وجوزك.
سيلا، بألم لا تسمع شيئًا سوى صوتها الداخلي:
– الحاجة الوحيدة اللي مفروض أقدمها له، مستحيلة. يا مي، افهميني بقى! هو هيزعل شوية بس هينساني مع الوقت، ويقابل اللي تجيب له اللي يشيل اسمه.
قالت مي، بحزن:
– طيب، وانتي بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش ده اللي انتي عاوزاه؟
هتفت سيلا، بعينين تبرقان من الدموع:
– عشان بحبه! لأ، أنا بعشقه كمان. هو النفس اللي بتنفسه. مش عارفة من غيره هعمل إيه. حاسة إن روحي هتطلع لو روحت ملقتوش قدامي. وهو قالي مش هيرجع. هو أماني، خايفة أروح لوحدي، إزاي هنام وهو مش معايا؟ إزاي؟
دمعت عينا مي تأثرًا، وقالت بحرارة:
– حاسة بيكي، والله. طيب كلميه، قولي له يرجع بسرعة. أوعوا تبعدوا عن بعض طالما رباط الحب قوي. أوعي تضيعيه، لو ضاع هتخسري كل حاجة… كلميه بسرعة.
نظرت سيلا لها بتوهان وقلة حيلة، وقالت:
– هنتعود… أكيد هنتعود. مقابل إنه يكون سعيد. أنا بس… الصدمة أخدتني شوية. سيبيه يجرب نصيبه مع حد تاني.
مي، بعدم اقتناع وحزن على حالة صديقة عمرها:
– طيب… لما تهدي كده وتعيدي تفكيرك، ربنا ينور بصيرتك إن شاء الله.
تلقت رسالة مرة أخرى من ذات المجهول:
“لا تجعلي الحزن يدق قلبك، عزيزتي. فالسعادة خُلِقت لتكون من نصيبك. وإن حظرتيني، سأظهر لكِ ولن أيأس. فقط أنتظر الرد لنصبح أصدقاء.”
تحدثت مي بضجر وبصوتٍ عالٍ، وقد علت نبرة عصبيتها:
– مفيش فايدة فيك يا بني آدم! إنت مش بتزهق؟ مستفز!
سيلا، بتعجب:
– بتكلمي نفسك يا مي ولا إيه؟ في إيه؟
مي، وهي تتنفس بغضب:
– معرفش! واحد فاضي، كل يوم يبعتلي رسايل! وهو أصلاً سبب انفصالي، ولسه مستمر، ولا بيتعب!
سيلا، بصدمة:
– إزاي كده؟ إنتي ماتعرفيش جاب رقمك منين؟
– هاعرفه منين؟ بس سيبيكِ منه، مش في دماغي أصلًا.
نظرت لها سيلا بتردد قبل أن تقول:
– احكيلي يا مي عن سبب انفصالك إنتي ومعتز.
تنهدت مي تنهيدة حارّة وقالت:
– أقولك إيه ولا إيه؟ أقولك عن ظلمه ليا ولا إهانته؟ ولا عن كسرته اللي مش قادرة أنساها؟ بجد… مش قادرة أتكلم.
سيلا، بصدمة:
– ظلمك؟ معقولة!
أطرقت مي رأسها، والدموع تلمع في عينيها، تحاول نسيان ما مرت به، ثم قصّت عليها كل شيء:
– آه، ظلمني… قتلني يا سيلا، ذبحني!
أنا اللي كنت بشيله برموش عيني، ومحافظة على بيته واسمه ومرضه… وفي الآخر، ذبحني.
صمتت قليلًا، تحاول ابتلاع مرارة حلقها، ثم هتفت بألم:
– مادانيش فرصة أشرح… مصدقنيش يا سيلا.
خرجت من حصونها، ما زال الجرح ينزف، لم يلتئم بعد:
– أنا اتخدعت فيه، كأني حشرة رماها في لحظة وداس عليها.
كان معيشني في وهم، وصحيت على ألم على وشي.
من البداية ماحبنيش يا سيلا زي ما قالي…
كنت مجرد هدف وصله، ورماني في لحظة كأنه بينتقم أو حالف يكسرني…
وفعلًا، كسرني.
من هول الصدمة، احتضنتها سيلا بقوة، كلاهما يحاول تهوين الألم عن الأخرى.
وبعد لحظات، تملصت مي من حضنها، تمسح دموعها بتحدٍ، وقالت:
– كفاية دموع! أنا وعدت نفسي إني مش هبكي تاني عليه، هاعتبره مات ودفنته خلاص.
هقوّي نفسي… بس انتي يا سيلا غيري! عاصم بيحبك، وراضي باللي ربنا قسمه.
الحقيقة ماينفعش تبعدوا عن بعض… كتر البُعد بيعلم الجفا.
ابتلعت سيلا غصّة مريرة في حلقها، وقالت بصوت مكسور:
– مش يمكن ينسى؟ زي أخوه ما عمل معاكي؟
أنا مش مصدقة إن معتز عمل كده… ده كان بيموت فيكي، وحارب عشانك.
للدرجة دي ممكن عاصم يعمل زيه؟ مش بعيد…
أنا كلمته امبارح… وسافر النهاردة عشان ينفذ اللي أنا قولته!
هسيبه… ولو لينا نصيب، هنرجع.
مرّ الوقت وهما على حالهما، كلٌّ منهما تشكو للأخرى، واحدة تحمل وجع الظلم، والأخرى تختار التضحية من أجل سعادة من تحب.
وبعد وقتٍ من البوح والدموع، غادرت كلٌّ منهن في طريق مختلف،
تحمل كل واحدة في قلبها ثقل العالم…
إحداهن مظلومة، والأخرى ضحّت بصمت.
