رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل الرابع
حين تغار الوحوش… يصمت الرصاص
لم تهدأ القلعة بعد تلك الليلة.
كان الصمت الذي يلفّها أشبه بهدوء ما قبل العاصفة، لا يمنح أمانًا بقدر ما يزرع قلقًا خفيًا في الصدور.
وقفت ليان في الشرفة الداخلية، تحدّق في الفراغ، بينما عقلها يعيد المشاهد مرارًا:
الطلقات…
الرجال…
وسليم، وهو يقف بينها وبين الموت، كأنّ العالم خُلق ليقف عند حدود جسده.
لم تكن تعلم متى تغيّر كل شيء، ولا متى تحوّل خوفها منه إلى شيءٍ آخر… شيءٍ لا اسم له بعد.
خلفها، فُتح الباب بهدوء.
دخل “آدم”، أحد رجال سليم، يحمل ملامح احترامٍ ممزوج بحذر.
قال بصوتٍ مهذّب:
"آنسة ليان… سليم باشا طلبك."
ارتجف قلبها لسببٍ لم تفهمه، لكنها أومأت، وتبعته عبر الممرات الطويلة.
في قاعة الاجتماعات، كان سليم يقف أمام طاولةٍ ممتدة، حولها رجاله، والخرائط تنتشر كأسرارٍ مكشوفة.
كان صامتًا…
لكن صمته أخطر من ألف أمر.
حين دخلت ليان، لم يلتفت فورًا.
غير أنّ أحد الرجال فعل.
نظرةٌ عابرة… لكنها كانت كافية.
وفي تلك اللحظة…
التفت سليم.
لم يرَ النظرة فقط…
بل رآها كاملة.
ساد صمتٌ ثقيل، قبل أن يقول سليم ببرودٍ حاد:
"اطلعوا كلكم."
تبادل الرجال النظرات، ثم انسحبوا سريعًا، وبقيت ليان وحدها معه.
اقترب منها ببطء، وقال دون مقدمات:
"إنتِ ليه هنا؟"
أجابت بتوتر:
"قالوا إنك طالبني."
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ منخفض:
"مش كل رجالي مسموح لهم يبصّوا عليك."
توقفت أنفاسها.
قالت بدهشة:
"يبصّوا؟"
اقترب خطوة، فخطوة، حتى شعرت بظلّه يبتلع المسافة بينهما.
قال بحدّةٍ مكتومة:
"إنتِ نسيتي نفسك مع مين؟"
رفعت رأسها، التقت عيناه بعينيها، وقالت بشجاعةٍ مفاجئة:
"وأنت ناسي إنك اللي جبتني هنا!"
ساد الصمت.
لم يغضب…
لم يصرخ…
بل حدث ما هو أخطر.
ابتسم سليم.
ابتسامة قصيرة… بلا دفء.
قال بهدوءٍ قاتل:
"واضح إنك ابتديتي تحسي بالأمان زيادة عن اللزوم."
ردّت بسرعة، كأنّ قلبها سبق عقلها:
"لو كنت بخاف… ما كنتش واقفة قدامك دلوقتي."
تجمّد لوهلة.
ثم قال بنبرةٍ مختلفة، أعمق، أقل قسوة:
"الخوف مش ضعف… بس الثقة في المكان الغلط، نهايتها وحشة."
دخل أحد الحراس فجأة، وجهه متوتر.
قال بسرعة:
"سليم… في حركة مش مظبوطة جوه القصر."
اشتعلت نظرة سليم فورًا.
قال بصرامة:
"مين؟"
"حد من رجالتنا… بيتواصل مع طرف خارجي."
التفت سليم إلى ليان، ثم قال بقرارٍ قاطع:
"هتيجي معايا."
اعترضت:
"ليه؟"
أجاب دون تردد:
"عشان اللي جاي… مش هيعدّي من غير دم."
في الممر الخلفي، توقّف سليم فجأة حين رأى أحد رجاله يقف قريبًا من ليان أكثر مما يجب.
لم يتكلم…
لكن نظرة واحدة منه جعلت الرجل يتراجع فورًا.
اقترب سليم من ليان، وخفض صوته:
"ما تقربيش من حد هنا غيري."
قالت بحدّةٍ خفيفة:
"إنت بتأمرني؟"
نظر إليها، ثم قال بصدقٍ مفاجئ:
"أنا بحمي اللي بقى مهم."
توقفت الكلمات في حلقها.
هل قالها؟
أم أنّ عقلها خانها؟
وصلوا إلى غرفةٍ جانبية.
هناك، كان أحد الرجال مقيّدًا، وعيناه مليئتان بالذعر.
قال الرجل بصوتٍ مرتعش:
"أنا… أنا ما خنتكش يا سليم!"
اقترب سليم ببطء، وقال بهدوءٍ مرعب:
"الخيانة… مش دايمًا رصاص."
ثم أشار لأحد رجاله.
خرج الهاتف…
والدليل.
لم تنظر ليان، لكنّها سمعت الصوت…
صوت رجلٍ سقط، لا جسديًا… بل معنويًا.
التفت سليم إليها، وقال بجدية:
"عشان كده… العالم ده ما ينفعش فيه مشاعر."
نظرت إليه، وقالت بهمس:
"بس أنت… عندك."
صمت.
لأول مرة… لم يجد ردًا.
عاد الصمت يخيّم، لكن هذه المرة لم يكن مخيفًا فقط…
كان مشحونًا بشيءٍ أقوى.
قال سليم أخيرًا:
"إنتِ خطر."
ابتسمت ليان رغم خوفها:
"وأنت أكبر."
نظر إليها طويلًا…
ثم استدار، وقال جملةً حاسمة:
"من الليلة دي… محدش يقرب منك. مفهوم؟"
قالتها بهدوء:
"إنت بتغار؟"
توقّف.
لم يلتفت.
لكن صوته جاء ثابتًا…
"أنا ما بغيرش… أنا بسيطر."
غير أنّ قلبه…
كان يقول شيئًا آخر.
وفي تلك الليلة…
فهمت ليان حقيقة واحدة:
أنّ أخطر شيء في هذا القصر…
ليس المافيا…
ولا السلاح…
ولا الحرب القادمة…
بل الرجل الذي بدأ يشعر تجاهها بما لا يجب.
