رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وواحد 401 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وواحد

اختنق نَفَس **سيرين** بين شفتيه كأن الهواء ضاق عليها بما رحُب وتعثّر صدرها بين شهقةٍ وارتباك… كانت القبلة قصيرة في زمنها طويلة في أثرها؛ تشعل في وجنتيها حمرةٌ خجلى وتترك في قلبها رجفةً لا تُخفى.

أدرك **ظافر** اضطرابها فرفع يده يلامس خدّها المتورّد ومسح بأنامله ارتعاشها الخفيف ثم كفّ عن تقبيلها وسأل بصوتٍ هادئٍ يندسّ في مسامعها برفق:

— «أخفتكِ؟»

أدارت وجهها عنه كأنها تلوذ بظلٍّ يحميها من عينيه وحاولت أن تفلت من حصاره الدافئ غير أنّه شدّها إليه ثانيةً وثبّت كفّه عند خصرها قائلاً بنبرةٍ آمرةٍ يغلّفها حرص:

— «لا تتحرّكي… أنتِ حامل الآن».

اشتعلت في عينيها شرارة غضب وقالت وهي تكتم ارتجافها:

— «ولِمَ تفعل هذا وأنت تعلم أنني حامل؟»

تمهّل في الرد كمن يختار كلماته على مهلٍ كي لا يجرح وقال بصوتٍ منخفضٍ متزن:

— «نحن زوجٌ وزوجة… ومن حقّ الزوجين أن يتبادلا القُبل كما يتبادلان الأمان».

لم تجبه بل انسحبت إلى حافة الفراش وجذبت الغطاء فوقها كأنها تشيّد بينهما جدارًا من قطنٍ وصمت فكان سكونها أثقل عليه من عتابها وأوجع من صراخها؛ فهو لم يألف منها هذا البرود المطبق فاقترب قليلًا وصوته يتسلّل إليها مترددًا:

— «قولي شيئًا… أيّ شيء».

لم يكن يدري أيّ دركٍ بلغه في عينيها ولا أيّ مسافةٍ صنعتها لحظةٌ عابرة حتى جاءه صوتها باردًا كنسمة شتاءٍ قاسٍ:

— «لا شيء لديّ لأقوله… أريد العودة إلى غرفتي فدعني أذهب الآن».

وبقيت الكلمات معلّقة بينهما كستارٍ ثقيلٍ من صمتٍ مُريب لا هو يملك تمزيقه ولا هي تملك تجاوزه.

لم يستجب **ظافر** لطلبها بل احتواها بين ذراعيه كمن يخشى الفقد قبل وقوعه وشدّها إلى صدره شدًّا فيه من الحماية بقدر ما فيه من الامتلاك… في تلك اللحظة لم يكن يريد لها فرارًا ولا يريد لقلبه فراغًا؛ أراد أن يبقى إلى جوارها سِترًا لها من الناس وسدًّا بينها وبين كل يدٍ قد تمتدّ إليها بطُعمٍ أو وهم.

مال برأسه قليلًا وقال بصوتٍ خافتٍ كأنما يستخرج الكلمات من بئرٍ بعيدة:

— «بدأتُ مؤخرًا أستعيد بعضًا من ذكريات طفولتي… شذراتٍ مبعثرة لكنها تُلحّ عليّ بإصرار».

رفعت **سيرين** عينيها إليه في حيرةٍ صافية كأنها تخشى أن يفتح بابًا لا يُغلق… فتابع ونبرته تتهادى بين الجِدّ والحنين:

— «أتذكر يوم التقيتُكِ أول مرة… كنتِ تتعرّضين للتنمّر… دفعتكِ إحداهنّ فسقطتِ أرضًا وارتطمت ركبتاكِ بالحجارة وبكيتِ بصمت».

اتّسعت عيناها دهشةً وارتجف في صدرها سؤالٌ لم يجرؤ على الاكتمال… حتى تلك اللحظة لم تستطع أن تفصل خيوط الماضي:

متى التقت **ظافر**، ومتى كان **جاسر**؟ أيّهما كان ذلك الفتى الواقف في الذاكرة؟

كانت تذكر يوم زار عائلة تهامي برفقة **لوثر** حين كانوا لا يزالون جيرانًا؛ كان واقفاً في الفناء بقميصٍ أبيض تتكسّر عليه أشعة الشمس فيبدو أقرب إلى صورةٍ منه إلى إنسان… غير أنّ ما سمعته الآن أربك ترتيب ذكرياتها… فلعلّ الذي رأته أولًا لم يكن **جاسر** بل **ظافر**.

ابتلعت ارتباكها وسألته بصوتٍ حذر:

— «وماذا حدث بعد ذلك؟»

ابتسم ابتسامةً خفيفة كمن يتذوّق طعم اسمٍ قديم:

— «ناديتِني يومها: زاف… وحتى الآن لا أدري كيف عرفتِ هذا اللقب ولا من أين استخرجتِه».

ثم أخذ يسرد عليها ما تبقّى في ذاكرته من صورٍ وأصوات كأنّه يفتح صندوقًا عتيقًا ويعرض محتوياته بلا رتوش… كان يريدها أن ترى حقيقته عاريةً من الظلال وألاّ تخلطه بغيره ولا تجعله بديلًا عن **جاسر** في حكايةٍ لم تكتمل.

تأمّلته طويلًا ثم سألت وقد بدأ قلبها يخفق على إيقاعٍ غامض:

— «أكنتَ أنت من طرد أولئك البلطجية؟»

أومأ برأسه وقال بشيءٍ من الدعابة التي تُخفي عاطفةً قديمة:

— «أجل… كنتِ يومها مثيرةً للشفقة إلى حدٍّ لا يُحتمل».

ضاقت حدقتاها لا غضبًا بل ارتباكًا؛ إذ اندفعت مشاعرها كمدٍّ مفاجئ لا تعرف له مرفأ ومن ثم تمتمت وصوتها يكاد أن يتلاشى:

— «وهل… تتذكر شيئًا عن **جاسر**؟»

تغيّر وجه **ظافر** قليلًا وانعقد ما بين حاجبيه ظلٌّ عابر ثم أجاب بعد لحظة صمتٍ قصيرة لكنها مثقلة:

— «لا».

انسابت في قلب **سيرين** خيبةٌ خفيفة، خيبةٌ لا تُرى بالعين ولكن تُحَسُّ في النبض كغيمةٍ عابرةٍ تحجب شمسًا كانت على وشك البزوغ… كان في صدرها أسئلةٌ تتزاحم وأسرارٌ تتكدّس؛ أرادت أن تعرف عن **جاسر** أكثر، أن تفهم لماذا ارتدى يومًا ملامح **ظافر** وانتحل اسمه حين كانا في ربيع العمر كأن الهوية لعبةٌ، وكأن القلوب لا تُخطئ التمييز!!

ولمّا طال صمتها عند ذكر **جاسر** غزا الضيق نفس **ظافر** وتسلّلَ إلى قلبه شكٌّ لا يُحسن الانتظار… انقبض صدره وتبدّلت ملامحه، ثم قال بنبرةٍ خافتةٍ يختلط فيها الغضب بالغيرة:

— «أتهتمّين به؟»

لم تنتبه **سيرين** إلى ما اعتراه ولم تدرك أن غيرته تنبض خلف السؤال لكنها هزّت رأسها نفيًا وقالت بهدوءٍ:

— «لا… إنما هو الفضول… أنتما توأمان ومن الطبيعي أن أتساءل».

رفعت عينيها إليه من جديد فإذا بأنفاسه أقرب مما ينبغي وشفتيه على مسافةِ همسةٍ من بشرتها… كان في نظرته اشتياقٌ متردّد وفي اقترابه رغبةٌ لم يُخفها؛ أراد أن يطبع قبلةً أخرى كأنّه يمحو بها اسمًا لا يريد له أن يُذكر بينهما غير أنّ رنين الهاتف شقّ اللحظة شقًّا، كسهمٍ يصيب صفو السكون… ارتدّت قليلًا تلتقط هاتفها على عجل ولمّا نظرت إلى الشاشة وجدت الاسم يلمع أمامها: **رامي**.

وتوقّفت أنفاس اللحظة بين ثلاثتهم… بين ماضٍ يُستدعى وحاضرٍ يشتعل واسمٍ يطرق الباب.

جاءها صوت **رامي** عبر الهاتف مشدودًا كوترٍ على وشك الانقطاع:

— «آنسة تهامي… لقد وجدتُ شيئًا».

كان حارسها الشخصي قد أخفق في البدء إذ لم تقع يداه على خيطٍ يُمسك به غير أنّ جهةً خفيّة قام بالتواصل معها وأرسلت إليه معلوماتٍ دقيقة كأنها تُلقي له بطرف السرّ لتختبر جرأته على كشفه.

اعتدلت **سيرين** في جلستها وانسحبت من ملامحها بقايا التردّد لتحلّ محلّها صرامةٌ باردة تقول باقتضابٍ حازم:

— «تفضّل».

تنفّس **رامي** ببطء ثم قال بصيغةٍ أقرب إلى التقرير منها إلى الاستفهام:

— «لقد عرفتِ عن **سارة** و**لورانس** بعد أن عرفا بعضهما بوقتٍ طويل».

ساد صمتٌ قصير قبل أن تجيبه **سيرين** بصوتٍ خفيضٍ مثقل:

— «أجل فمنذ فترة قصيرة تسرّبت إليّ أخبارٌ بعينها، عمداً لا مصادفة».

تابع **رامي** وكل كلمةٍ منه كانت كحجرٍ يُلقى في بحيرةٍ راكدة:

— «عقب رحيل والدك قامت **سارة** و**تامر** بنقل معظم أصول عائلة تهامي إلى **لورانس** الذي كان رجلًا عاديًا في الأصل، ارتبط بعائلة زيلنيك بالمصاهرة ولم يكن له شأنٌ يُذكر أمّا اليوم فتُقدَّر ثروته الصافية بمئات المليارات من الدولارات… صعوده لم يكن معجزةً بل نتيجة مباشرة لما أُسدي إليه من أصول عائلة تهامي».

كانت **سيرين** تستمع في صمتٍ ثقيل غير أنّ أصابعها كانت تنغرز في كفّها حتى ابيضّت مفاصلها… لم تكن تدري: أكانت **سارة** على هذا القدر من القسوة، أم كان **تامر** على هذا القدر من السذاجة؟

كيف يُسلَّما الإرثُ لغريب، وتُمنح الثروة لمن لا جذور له في الدار؟

عندها فقط فهمت كيف انهارت عائلة تهامي بهذه السرعة؛ لم يكن السقوط قَدَرًا، بل قرارًا.

لكنّ **رامي** لم يكن قد فرغ بعد إذ جاءت كلماته الأخيرة كقنبلةٍ تتفتّت عند الأذن وتتناثر شظاياها في الروح:

— «ثمّة أمرٌ آخر… المُبلّغ أخبرني أنّ العلاقة بين **سارة** و**لورانس** لم تكن عادية قبل وفاة والدك».

تجمّد الدم في عروقها وتكسّر داخلها شيءٌ لم تكن تدري بوجوده… لم يعد الأمر مالًا يُنقل، ولا أصولًا تُحوَّل… بل خيانةً تُحاك في الظل وتاريخًا يُلوَّث في الخفاء.

تعليقات