رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة واثنان 402 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة واثنان


أفضى **رامي** إلى **سيرين** بكل ما تناثر بين يديه من خيوط التحقيق سردًا لا يدع شاردةً ولا واردة حتى اكتمل أمامها المشهد واضحَ المعالم جليَّ الملامح غير أنّ قلبها لم ينشغل بالتفاصيل بقدر ما انشغل بذلك الظلّ الخفي، بذلك الشخص الذي مدّ له يد العون من وراء الستار؛ كانت تريد أن تعرف: من يكون؟ وكيف تسلّل إلى الحكاية دون أن يُرى؟

قال رامي بصوتٍ خفيض كأنّه يعدها بسرٍّ مؤجَّل:

ــ سأخبركِ إن جدّ جديد وإن لاح لي من الحقيقة مزيد.

همست:

ــ شكرًا لك.

وأغلقت الهاتف لكنّ يدها ظلّت قابضةً عليه كأنّها تستمسك بخيط نجاة. تسلّل اليأس إلى صدرها كالغيم إلى سماءٍ مثقلة فقد كان الأمر في بدايته حدسًا عابرًا، خاطرًا طفيفًا لم تجرؤ على تصديقه ولم يخطر ببالها يومًا أن يتحوّل ذلك الظنّ الهشّ إلى يقينٍ مرٍّ يطرق بابها بعنف.

لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في **تامر** كيف سمح لنفسه أن ينقل كل ما يملكون إلى يدٍ أخرى؟ أكان ساذجًا إلى هذا الحد أم مغرورًا حتى العمى؟ كانت ترى في فعله طيشًا لا يُغتفر واندفاعًا لا يُحتمل.

ولمّا لمح **ظافر** انطفاء ملامحها بعد أن أنهت المكالمة تقدّم بخطوة وسألها بنبرةٍ امتزج فيها القلق بالفضول:

ــ ما الخطب؟

رفعت عينيها إليه ووجدت في سكونه ملاذًا مؤقتًا فأخبرته بكل شيء؛ أفرغت ما في صدرها كما يُفرغ الليل ظلمته في حضن الفجر وهي على يقين من أنّه سيكون مستمعًا أمينًا وصدرًا رحبًا وكتفًا لا يخون.

سألها:

ــ إذن… ما الذي تنوين فعله؟

كان يعلم بالأمر منذ زمن، يعرف تفاصيله كما يعرف خطوط كفّه غير أنّه آثر الصمت في الماضي واختار الحياد.

أجابت بصوتٍ استعاد صلابته كأنّه سيفٌ أُخرج من غمده:

ــ سأستعيد كل ما يخصّ عائلتي… كل حقٍّ سُلب وكل إرثٍ نُهب وكل ذكرى كادت تُمحى.

لم يكن ليؤلمها كثيرًا لو أنّ **تامر** خسر أمواله بسبب فشل مشروعٍ تجاريٍّ أو سوء تدبير فالسقوط حين يكون ثمرة خطأٍ مفهوم، يُغتفر… لكنّ الحقيقة كانت أكثر قسوة؛ فقد كان ضحية احتيالٍ دنيء وفريسة خداعٍ خسيس سُلِب فيه المال بالعقل واستُبيحت فيه الثقة بالغدر.

وهنا لم يعد الأمر خسارة تجارة… بل خيانة ثقة، وانكسار عائلة، وجرحًا لا يندمل بسهولة.

أدركت **سيرين** أخيرًا كمن تنكشف له الحقيقة بعد طول عتمة لِمَ كتب والدها تلك الوصية الاحتياطية في ذلك الحين… لم تكن نزوة شيخٍ يخشى الغياب ولا هاجس رجلٍ يخاف تقلب الأيام بل كانت بصيرةً نافذةً تستشرف الخطر قبل وقوعه وتقرأ في الوجوه ما تعجز عنه الكلمات… خُيّل إليها أنّه كان على علمٍ بنوايا **سارة** منذ زمنٍ بعيد وأنّه رأى في ابتسامتها ما لم تره هي وسمع في همسها ما لم تُصغِ إليه.

جلست تُحاسب نفسها بقسوةٍ لا رحمة فيها؛ لامت غفلتها ووبّخت سذاجتها وأدانت انشغالها بـ **ظافر** وحده حتى غدت لا ترى في الدنيا سواه ولا تُبصر من الأفق إلا ظله. ومن فرط التفاتها إلى قلبها، غفلت عن عائلتها؛ ومن شدّة تعلّقها بحبّها نسيت إرثها وهكذا لم تفطن يومًا إلى السبب الحقيقي لسقوط عائلة تهامي من عليائها ولا أدركت كيف تهاوت المكانة كما يتهاوى التاج عن رأس الملك.

قطع **ظافر** عليها دوّامة أفكارها بقوله الهادئ:

ــ أجل… هذا يبدو جيدًا.

كان قد عزم في سرّه على أن يكون عونًا لها وسندًا لا يميل وكتفًا لا يخذل غير أنّ طريقتها الباردة أوحت له أنّها لا تنتظر منه يدًا ولا ترجو منه سندًا وكأنها قررت أن تخوض المعركة وحدها بلا درعٍ ولا رفيق إذ قالت بنبرةٍ عمليةٍ خلت من الرجاء:

ــ عليك أن تتحدث إلى والدتك قريبًا… اطلب منها أن تساعدك في سداد الدين.

ثم انسلت من بين ذراعيه انسلال الطيف من قبضة الضوء وقالت بهدوءٍ متعب:

ــ سأرتاح الآن.

وحين خلت ذراعا **ظافر** منها شعر كأنّ فراغًا مفاجئًا ابتلع دفء اللحظة… حاول أن يستعيدها أن يمدّ يده فيمسك بها قبل أن تبتعد أكثر لكنّها كانت قد أفلتت فعلًا… لا من بين ذراعيه فحسب بل من دائرة احتوائه تاركةً خلفها قلبًا معلّقًا ويدًا لم تبلغ غايتها.

ما إن غادرت حتى خلا المكان من أثرها غير أنّ أثرها لم يغادر من صدره… مدّ **ظافر** يده إلى هاتفه كمن يلتمس في الضوء جوابًا لما يعتمل في العتمة وهناك كانت رسالة صوتية من **ماهر** قد سبقته إلى الشاشة يخبره فيها أنّه نبش ماضي **سارة** حتى أقصى ما استطاع وأنه أطلع **رامي** على ما تكشّف له من خفايا ووقائع.

لم يتأخر **ظافر** في الرد فجاءت كلماته مقتضبةً حاسمة:

ــ فهمت… أريدك أن تراقب «مجموعة ياندل» سرًّا.

في تلك اللحظة كان **ماهر** مستلقيًا على سريره يُقلّب أفكاره وما إن وصلته المهمة الجديدة حتى انعقد حاجباه دهشةً وحيرة؛ لم يدرك لِمَ باتت «مجموعة ياندل» هدفًا للمراقبة بعد كل ما جرى ولا ما الذي يُضمره سيده خلف هذا التحرك الصامت.

ومع ذلك، لم يتردد في الإجابة:

ــ نعم، سيدي.

ألقى ماهر الهاتف جانبًا وأطلق زفرةً طويلة كأنها تُفرغ صدره من سؤالٍ بلا جواب ثم تمتم في نفسه متعجبًا: ترى، متى يكفّ سيدي **ظافر** عن التظاهر بالفقر وهو ينسج الخيوط كما ينسج العنكبوت شِباكه في الخفاء؟


في صباح اليوم التالي كانت **سيرين** قد حسمت أمرها ومن ثم اتصلت بـ **ماثيو** وسلّمته وصية والدها ثم قصّت عليه ما تكشّف من حقائق وما انكشف من خيانات.

تأمّل **ماثيو** الأوراق مليًّا ثم قال بصوتٍ قانونيٍّ رصين:

ــ إذا أردنا استعادة عائلة تهامي إلى مكانتها فعلينا أن نسترد الأصول بأدلةٍ دامغة تثبت أنّ **تامر** كان يملكها حقًّا ثم نُقلت جميع الممتلكات إلى لورانس يانديل ومع مرور كل هذه السنوات أخشى أن معظم الأدلة قد تلاشت أو أُخفيت بعناية.

كانت **سيرين** تعلم ذلك، تعلم أنّ الزمن خصمٌ عنيد وأنّ الحقيقة كلما طال عليها الأمد ازدادت صعوبةً وتعقيدًا لكنها لم تبدُ مهزومة بل قالت بهدوءٍ مشوبٍ بعزم:

ــ في هذه الحالة… سنأخذ وقتنا… خطوةً بخطوة، ودليلًا بدليل.

فما دامت قد عرفت الحقيقة فلن تسمح بعد اليوم لغيرها أن يتنعم بثمار تعب والدها ولا أن يهنأ بما شُيّد بعرقه وكدّه… لم تعد تلك الفتاة الغافلة التي تنشغل بالحبّ عن الحق بل صارت امرأةً تعرف ما تريد وتسير إليه ولو طال الطريق.

أومأ **ماثيو** برأسه قائلًا:

ــ على ما يرام.

كان في تلك الكلمة القصيرة وعدٌ ببداية معركةٍ طويلة… معركة يُسترد فيها الإرث ويُصان فيها الاسم ويُرفع فيها ما سقط من مقام آل تهامي بين الأنام.

لم تكتفِ **سيرين** بخطوةٍ واحدة ولا رضيت بنصف طريق بل عادت إلى **ماثيو** مرةً أخرى تطلب منه أن يمدّ لها يد العون في تحقيقٍ سريٍّ حول «مجموعة ياندل»؛ تحقيقٍ لا يُدوَّن في السجلات ولا يُهمَس به في المجالس… ثم وكأنها تخشى أن تتكئ على عكازٍ واحد استعانت في الخفاء بشخصٍ آخر ليقوم بالمهمة ذاتها من زاويةٍ مغايرة علّ الحقيقة تُحاصَر من جهتين فتتقاطع الدروب وحين فرغت من ترتيب خيوط خطتها كانت الشمس قد بلغت كبد السماء وأعلن الظهر حضوره بضيائه الحادّ فتناولت غداءها على عجلٍ لا يخلو من شرود ثم استندت إلى جوار النافذة… كان الضوء يتسلّل خفيفًا والهواء يداعب الستائر برقّة حتى غلبها النعاس فسكنت ملامحها كما الموج عند هدأة المدّ.

وفجأة… شعرت بنسيمٍ ألين من الهمس يلامس وجهها وبظلٍّ طويل القامة يحجب عنها الضوء… وفي غمرة الحلم عادت طفلةً صغيرة تركض في فناء الذكريات… رأت **جاسر** يربّت على شعرها بحنانٍ دافئ ويسألها بصوتٍ يفيض لطفًا:

ــ سيرين… لماذا نمتِ؟

ارتجف جفنها وانفرجت عيناها بذهولٍ بين الحلم اليقظة وهي تحدّق في الرجل الواقف أمامها وملامحه تتراقص بين صورتين؛ بين ماضٍ يحنّ وحاضرٍ يترقّب فخرج الاسم من شفتيها غريزيًا كأنّه نداءُ روحٍ سبقت عقلها:

ــ جاسر…

في تلك اللحظة تجمّدت يد **ظافر** في الهواء كأنّها اصطدمت بجدارٍ غير مرئي.

لم يكن قد ذهب إلى العمل ذلك اليوم وحين طال غيابها عن الطابق السفلي تسلّل إليه قلقٌ خفي فصعد ليطمئن عليها… ليجدها غارقةً في نومٍ وادع.

قال ظافر بصوتٍ مشدودٍ بين دهشةٍ وشيءٍ آخر أعمق:

ــ ماذا ناديتِني؟

بدأت ملامح المكان تتّضح أمام **سيرين** شيئًا فشيئًا وانسحب الحلم كما الضباب عن صفحة الماء ومن ثم أدركت ما قالت فاعتدلت سريعًا وهمست:

ــ آسفة… لقد غفوتُ فقط وكنتُ في حالة ذهول.

لكنّ الاعتذار لم يُطفئ الوميض في عينيه إذ ضغط **ظافر** على كتفيها وشدّ قبضته ببطءٍ كأنّه يرسّخ اسمه في ذاكرتها قسرًا وقال بنبرةٍ لا تقبل التأويل:

ــ لا أريدكِ أن تُخطئي في اسمي مرةً أخرى.

خفق قلبها بعنف لا من الألم بل من حدّة اللحظة وثقلها إذ بدا تصرّفه مباغتًا أقرب إلى غيرةٍ مكبوتة منها إلى عتابٍ عابر فتلعثمت وصوتها يتكسّر بين شفتيها:

ــ ظافر… زاف…

وكان بين الاسم الأول والاسم الثاني تاريخٌ من الحنين وحاضرٌ من التملّك وصراعٌ لم يُحسم بعد.

تعليقات